Indexed OCR Text
Pages 361-380
٠ ابن سرح مولى كريز بن حبيب بن عبد شمس من شيعة عليّ بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، فلما قدم زياد ابن أبيه الكوفة والياً عليها أخافه وطلبه ، فأتى المدينة فنزل على الحسين بن عليّ، رضي الله عنه، فقال له الحسين : ما السبب الذي أشخصك وأزعجك ؟ فذكر له قضيته وصنيع زياد به ، فكتب إليه الحسين : أما بعد فإنّك عمدت إلى رجل من المسلمين ، له ما لهم وعليه ما عليهم ، فهدمت داره وأخذت ماله وعياله ، فإذا أتاك كتابي هذا فابنٍ له داره واردد عليه ماله وعياله ، فإنّي قد أجرته فشفِّعني فيه ، فكتب إليه زياد : من زياد بن أبي سفيان إلى الحسين بن فاطمة ، أمّا بعد ، فقد أتاني كتابك تبدأ فيه باسمك قبل اسمي وأنت طالب حاجة، وأنا سلطان وأنت سوقة، وكتابك إلي في فاسق لا يؤويه إلا فاسق مثله ، وشر من ذلك توليه أباك ، وقد آويتَه إقامةً منك على سوء الرأي ورضَّى بذلك ، وايم الله لا تسبقني إليه ولو كان بين جلدك ولحمك، فإن أحبَّ لحم إلي أن آكله للحم أنت منه ، فأسْلِمْهُ بجريرته إلى من هو أولى به منك ، فإن عفوت عنه لم أكن شفّعتك، وإن قتلته لم أقتله إلا بحبه أباك١ . فلما قرأ الحسين ، رضي الله عنه الكتاب كتب إلى معاوية يذكر له حال ابن سرح وكتابه إلى زياد فيه وإجابة زياد إياه ، ولف كتابه في كتابه وبعث به إليه ، وكتب الحسين إلى زياد : من الحسين بن فاطمة بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم إلى زياد بن سمية عبد بني ثقيف ((الولد للفراش وللعاهر الحجر)). فلما قرأ معاوية كتاب الحسين ، رضي اللّه عنه ، ضاقت به الشام ، وكتب إلى زياد : أما بعد ، فإن الحسين بن علي بعث إلي بكتابك جواب كتابه إليك في ابن سرح ، فأكثرت التعجب منه ، وعلمت أن لك رأيين : أحدهما من أبي سفيان وآخر من سمية ، فأمّا الذي من أبي سفيان فحلم وحزم ، وأمّا الذي من سمية فكما يكون رأي مثلها ، ومن ذلك كتابك إلى الحسين تشتم أباه وتعرض له بالفسق ، ولعمري لأنت أولى بالفسق من الحسين، ولأبوك إذ كنت تنسب إلى عُبيد أولى بالفسق من أبيه ، وإن كان الحسين بدأ بنفسه ارتفاعاً عنك فإن ذلك لم يضعك ، وأما تشفيعه فيما شفع إليك فيه فحظ دفعته عن نفسك إلى من هو أولى به منك ، فإذا قدم عليك كتابي هذا فخلِّ ما في يدك لسعيد بن سرح، وابن له ٣٦١ ٠ داره ولا تُعْذِرْ له واردد عليه ماله ، فقد كتبت إلى الحسين أن يُخْبِرَ صاحبه بذلك ، فإن شاء أقام عنده وإن شاء رجع إلى بلده ، فليس لك عليه سلطان بيد ولا لسان ، وأمّا كتابك إلى الحسين باسمه واسم أمه ، لا تنسبه إلى أبيه فإن الحسين ، ويلك ، ممن لا يرمى به الرجوان ١ ، أإلى أمه وكلته لا أم لك ؟ فهي فاطمة بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فتلك أفخر له إن كنت تعقل ، والسلام . وقال عبيد الله بن زياد : ما هجيت بشيء أشد على من قول ابن مفرغ ٢ : فكرْ ففي ذاكَ إِنْ فكرتَ مُعتبرٌ هَلْ نِلتَ مَكرُمَةٌ إلا بتأمِيرٍ أنَّ ابنها مِنْ قُرَيْشٍ في الجماهير عاشتْ 'مية ما عاشَتْ وما علمتْ وقال قتادة ، قال زياد لبنيه وقد احتضر : ليت أباكم كان راعياً في أدناها وأقصاها ولم يقع بالذي وقع به . قلت : فبهذا الطريق كان ينظم ابن مفرغ هذه الأشعار في زياد وبنيه ويقول إنهم أدعياء، حتى قال في زياد وأبي بكرة ونافع أولاد سمية ٣ : إن زياداً ونافعاً وأبا بكرةَ عندي من أعجبِ العجبِ هُمُ رجالٌ ثلاثةٌ خلقوا في رحم أُنثى وكلهم لأب مولى ، وهذا بِزَعْمِهِ عربي ذا قرشيٌّ كما يقولُ ، وذا (345) وهذه الأبيات تحتاج إلى زيادة إيضاح فأقول، قال أهل العلم بالأخبار: إن الحارث بن كلدة بن عمرو بن علاج بن أبي سلمة بن عبد العزى بن غِيَرَة ابن عوف بن قَسّي ، وهو ثقيف - هكذا ساق هذا النسب ابن الكلبي في كتاب ((الجمهرة)) - وهو طبيب العرب المشهور، ومات في أوّل الإسلام ، وليس يصح إسلامه ؛ وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر سعد بن أبي وقاص ١ بعده في المختار : أفاستصغرت أباه وهو علي بن أبي طالب أم إلى أمه ... الخ . ٢ ديوان ابن مفرغ : ٨٥. ٣ قد سها جامع الديوان عن إدراج هذه الأبيات فيه، وانظر الشعر والشعراء : ٢٨٠. ٣٦٢ أن يأتي الحارث يستوصفه في مرض نزل به ، فدل ذلك على أنّه جائز أن يشاور أهل الكفر في الطب إذا كانوا من أهله . وكان ولده الحارث بن الحارث من المؤلفة قلوبهم ، وهو معدود في جملة الصحابة ، رضي اللّه تعالى عنهم ؛ ويقال إن الحارث بن كلدة كان رجلاً عقيماً لا يولد له ، وإنّه مات في خلافة عمر رضي الله عنه . (346) ولما حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائف، قال : أيما عبد تدلى إليّ فهو حر ، فنزل أبو بكرة رضي الله عنه من الحصن في بَكْرة -. قلت : وهي بفتح الباء الموحدة وسكون الكاف وبعدها راء ثم هاء ، وهي التي تكون على البئر ، وفيها الحبل يستقى به ، والناس يسمونها بكرة ، بفتح الكاف، وهو غلط، إلا أن صاحب كتاب ((مختصر العين)) حكاها بالفتح أيضاً ، وهي لغة ضعيفة لم يحكها غيره -، قال: فكناه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكرة لذلك ، وكان يقول : أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأراد أخوه نافع أن يدلي نفسه في البكرة أيضاً ، فقال له الحارث بن كلدة : أنت ابني فأقم ، فأقام ونسب إلى الحارث ، وكان أبو بكرة قبل أن يحسن إسلامه ينسب إلى الحارث أيضاً . فلما حسن إسلامه ترك الانتساب إليه . ولمّا هلك الحارث بن كلدة لم يقبض أبو بكرة من ميراثه شيئاً تورعاً ، هذا عند من يقول : إن الحارث أسلم ، وإلا فهو محروم من الميراث لاختلاف الدين ١ . فلهذا قال ابنُ مفرغ الأبيات الثلاثة البائية ، لأن زياداً ادعى أنّه قرشي باستلحاق معاوية له ، وأبو بكرة اعترف بولاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونافع كان يقول إنّه ابن الحارث بن كلدة الثقفي ، وأمهم واحدة ، وهي سمية المذكورة . وهذا سبب نظم البيتين في آل أبي بكرة - كما تقدم ذكره - وعلاج جد الحارث بن كلدة كما ذكرته . ١ علق هنا صاحب المختار بقوله: ((قلت ، أعني كاتبها موسى بن أحمد لطف الله به، وهذا عند من يقول إنه مات متأخراً في خلافة عمر ، ولا يصح على رواية من يقول إنه مات في أول الإسلام ، فإن غزوة الطائف كانت متأخرة في أواخر مدة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله أعلم )) . ٣٦٣ هذه قصة زياد وأولاده ذكرتها مختصرة . قلت : إلا أن قول ابن مفرغ في البيت الثاني ((وكلهم لأب))، ليس يجيد ، فإن زياداً ما نسبه أحد إلى الحارث ابن كلدة ، بل هو ولد عبيد ، لأنّه ولد على فراشه . وأمّا أبو بكرة ونافع فقد نسبا إلى الحارث ، فكيف يقول: ((وكلهم لأب )) فتأمله . وذكر ابن النديم في كتابه الذي سماه (( الفهرست)) ١ : أن أول من ألف كتاباً في المثالب زياد ابن أبيه ، فإنّه لما طعن عليه وعلى نسبه عمل ذلك لولده ، وقال لهم : استظهروا به على العرب فإنّهم يكفون عنكم . وأمّا حديث المغيرة بن شعبة الثقفي والشهادة عليه ، فإن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه كان قد رتب المغيرة أميراً على البصرة ، وكان يخرج من دار الإمارة نصف النهار ، وكان أبو بكرة المذكور يلقاه فيقول : أين يذهب الأمير ؟ فيقول : في حاجة ، فيقول : إن الأمير يزار ولا يزور . قالوا : وكان يذهب إلى امرأة يقال لها أم جميل بنت عمرو ، وزوجها الحجاج بن عتيك بن الحارث بن وهب الجشمي . وقال ابن الكلبي في كتاب ((جمهرة النسب)): هي أم جميل بنت الأفقم بن محجن بن أبي عمرو بن شُعَيئة ٢ ابن الهُزّم ، وعدادهم في الأنصار . وزاد غير ابن الكلبي فقال : الهزم بن رُؤَيْبة ابن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن ، والله أعلم . ، قال الراوي : فبينما أبو بكرة في غرفة مع إخوته ، وهم نافع وزياد المذكوران وشبل بن معبد ، والجميع أولاد سمية المذكورة فهم إخوة لأم ، وكانت أم جميل المذكورة في غرفة أخرى قبالة هذه الغرفة ، فضربت الريح باب غرفة أم جميل ففتحته ، ونظر القوم فإذا هم بالمغيرة مع المرأة على هيئة الجماع ، فقال أبو بكرة : هذه بلية قد ابتليتم بها فانظروا ، فنظروا حتى أثبتوا ، فنزل أبو بكرة فجلس حتى خرج عليه المغيرة من بيت المرأة فقال له : إنّه قد كان من أمرك ما قد علمت فاعتزلنا ، قال : وذهب المغيرة ليصلي بالناس الظهر ، ١ الفهرست : ٨٩ . ٣°ع ق س : شعبة، وأثبتنا ما في المسودة . ٣٦٤ ومضى أبو بكرة فقال : لا والله لا تصلّ بنا وقد فعلت ما فعلت ، فقال الناس : دعوه فليصلّ فإنّه الأمير ، واكتبوا بذلك إلى عمر رضي الله عنه ، فكتبوا إليه ، فأمرهم أن يقدموا عليه جميعاً المغيرة والشهود ، فلما قدموا عليه جلس عمر رضي الله عنه ، فدعا بالشهود والمغيرة فتقدم أبو بكرة فقال له : رأيته بين فخذيها ؟ قال : نعم والله لكأنّي أنظر إلى تشريم جُدَريّ بفخذيها ، فقال له المغيرة : لقد ألطفت في النظر، فقال أبو بكرة : لم آلُ أن أثبتَ ما يخزيك الله به ، فقال عمر رضي الله عنه: لا والله حتى تشهد لقد رأيته يلج فيها ولوجَ المرود في المُكْحلة ، فقال : نعم أشهد على ذلك ، فقال : فاذهب عنك مغيرة ذهب رُبْعك ، ثم دعا نافعاً فقال له : علام تشهد ؟ قال : على مثل شهادة أبي بكرة ، قال : لا ، حتى تشهد أنّه ولج فيها ولوج الميل في المكحلة ، قال : نعم حتى بلغ قُدَذَه - قلت ، القذذ : بالقاف المضمومة وبعدها ذالان معجمتان وهي ريش السهم - قال الراوي : فقال له عمر رضي الله عنه : اذهب مغيرة ذهب نصفك ، ثم دعا الثالث فقال له : على ما تشهد ؟ فقال : على مثل شهادة صاحبيّ ، فقال له عمر رضي الله عنه : اذهب عنك مغيرة ذهب ثلاثة أرباعك . ثم كتب إلى زياد ، وكان غائباً فقدم ، فلما رآه جلس له في المسجد واجتمع عنده رؤوس المهاجرين والأنصار ، فلما رآه مقبلاً قال : إنّي أرى رجلاً لا يخزي الله على لسانه رجلاً من المهاجرين . ثم إن عمر رضي الله عنه رفع رأسه إليه فقال : ما عندك يا سلح الحبارى ؟ فقيل إن المغيرة قام إلى زياد فقال : لا مخبأ لعطر بعد عروس١ - قلت: وهذا مثل للعرب لا حاجة إلى الكلام عليه، فقد طالت هذه الترجمة كثيراً - . قال الراوي : فقال له المغيرة : يا زياد ، اذكر الله تعالى واذكر موقف يوم القيامة ، فإن الله تعالى وكتابه ورسوله وأمير المؤمنين قد حقنوا دمي ، إلا أن تتجاوز إلى ما لم تر ممّا رأيت ، فلا يحملنك سوء منظر رأيته على أن تتجاوز إلى ما لم تر ، فوالله لو كنت بين بطني وبطنها ما رأيت أن ٢ يسلك ذكري فيها ، قال فدمعت عينا زياد واحمر وجهه وقال : يا أمير ١ انظر في هذا المثل فصل المقال: ٤٢٦ ( ط . بيروت). ٢ س ق ع و المختار : أين ؛ ر : أن سلك . ٣٦٥ المؤمنين ، أما إن أحق ما حقَّ القوم فليس عندي ، ولكن رأيت مجلساً وسمعت نفساً حثيثاً وانتهازاً ورأيته مستبطنها ، فقال عمر رضي الله عنه : رأيته يدخل كالميل في المكحلة ؟ فقال : لا ، وقيل قال زياد : رأيته رافعاً رجليها فرأيت خصيبه تتردد إلى بين فخذيها ورأيت حفزاً شديداً وسمعت نفساً عاليا١ً ، فقال عمر رضي الله عنه : رأيتَ يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة ؟ فقال : لا، فقال عمر رضي الله عنه: الله أكبر قم إليهم فاضربهم ، فقام إلى أبي بكرة فضربه ثمانين وضرب الباقين ، وأعجبه قول زياد ، ودرأ الحد عن المغيرة . فقال أبو بكرة بعد أن ضرب : أشهد أن المغيرة فعل كذا وكذا ، فهمَّ عمر رضي اللّه عنه أن يضربه حداً ثانياً ، فقال له علي بن أبي طالب رضي الله عنه : إن ضربته فارجم صاحبك ، فتركه . واستتاب عمر أبا بكرة فقال : إنّما تستتيني لتقبل شهادتي ، فقال : أجل ، فقال : لا أشهد بين اثنين ما بقيت في الدنيا . فلما ضربوا الحد قال المغيرة : الله أكبر ، الحمد لله الذي أخزاكم ، فقال عمر رضي الله عنه : بل أخزى الله مكاناً رأوك فيه . وذكر عمر بن شبة في كتاب ((أخبار البصرة)) أن أبا بكرة لما جلد أمرت أمه بشاة فذبحت وجعلت جلدها على ظهره ، فكان يقال ما ذاك إلا من ضرب شديد . وحكى عبد الرحمن بن أبي بكرة أن أباه حلف لا يكلم زياداً ما عاش، فلما مات أبو بكرة كان قد أوصى أن لا يصلّي عليه زياد وأن يصلي عليه أبو برزة الأسلمي ، وكان النبي صلى الله عليه وسلّم آخى بينهما ، وبلغ ذلك زياداً فخرج إلى الكوفة . وحفظ المغيرة بن شعبة ذلك لزياد وشكره . ثم إن أم جميل وافقت عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالموسم ، والمغيرة هناك فقال له عمر : أتعرف هذه المرأة يا مغيرة ؟ قال : نعم هذه أم كلثوم بنت علي ، فقال له عمر : أتتجاهل علي ؟ والله ما أظن أبا بكرة كذب عليك ، وما رأيتك إلا خفت أن أرمى بحجارة من السماء . قلت : ذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في أول باب عدد الشهود في كتاب ((المهذب)): وشهد على المغيرة ثلاثة: أبو بكرة ونافع وشبل بن معبد، ١ زاد في المختار هنا قولا سيجيء من بعد ، على طريقته في جمع الأشباه في موضع واحد . ٣٦٦ وقال زياد : رأيت استاً تنبو ونفساً يعلو ورجلين كأنهما أذنا حمار ، ولا أدري ما وراء ذلك ، فجلد عمر الثلاثة ولم يحدّ المغيرة . قلت : وقد تكلم الفقهاء على قول علي رضي الله عنه لعمر رضي اللّه عنه إن ضربته فارجم صاحبك ، فقال أبو نصر ابن الصباغ - المقدم ذكره ١ - وهو صاحب كتاب ((الشامل)) في المذهب : يريد أن هذا القول إن كان شهادة أُخرى فقد تم العدد ، وإن كان هو الأول فقد جلدته عليه، والله أعلم . وذكر عمر بن شبة في ((أخبار البصرة)) أن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أقطعني البحرين ، فقال : ومن يشهد لك بذلك ؟ قال : المغيرة بن شعبة ، فأبى أن يجيز شهادته ٢ . قلت : وقد طالت هذه الترجمة ، وسببه أنها اشتملت على عدة وقائع ، فدعت الحاجة إلى الكلام على كل واحدة منها فانتشر القول لأجل ذلك ، وما خلا عن فوائد . ٨٢٢ يزيد بن الطثرية الشاعر المشهور أبو المكشوح يزيد بن سلمة بن سَمُرة بن سلمة الخير بن قشير بن كعب ابن ربيعة بن عامر بن صعصعة ، المعروف بابن الطثرية ، الشاعر المشهور ؛ هكذا ساق نسبه أبو عمرو الشيباني، وإنّما قيل لجده ((سلمة الخير )) لأنّه كان لقشير ولد آخر يقال له سلمة الشر ، قال : وقد قيل إنّه يزيد بن المنتشر بن ١ انظر ج ٣ : ٢١٧ . ٢ وذكر عمر ... شهادته : سقط من ر س . ٨٢٢ - ترجمته في ابن سلام: ٥٨٦ والشعر والشعراء: ٣٤٠ والأغاني ٨ : ١٥٧ والسمط : ١٠٣ ومعجم الأدباء ٧ : ٢٩٩ وشرح التبريزي ٣ : ٤٦ وأسماء المغتالين : ٢٤٧. ٣٦٧ سلمة . وذكر ابن الكلبي أنّه يزيد بن الصمة أحد بني سلمة الخير بن قشير . وذكر البصريون أنّه من ولد الأعور بن قشير . ذكر أبو الحسن علي بن عبد الله الطوسي في أول ديوان يزيد بن الطثرية المذكور ، وكان الطوسي قد اعتنى به وجمعه ، فقال : كان ابن الطثرية شاعراً مطبوعاً عاقلاً فصيحاً كامل الأدب وافر المروءة لا يعاب ولا يطعن عليه ، وكان سخياً شجاعاً له أصل ومحل في قومه من قشير ، وكان من شعراء بني أمية مقدماً عندهم . وقال غير الطوسي : كان يزيد بن الطثرية يسمى مودّقا ، سُمّيَ بذلك لحسن وجهه وحسن شعره وحلاوة حديثه ، فكانوا يقولون إنّه إذا جلس بين النساء ودقهن - يقال استودقت المرأة وودقت إذا مالت إلى الفحل لأجل الجماع - والأصل في هذه اللفظة أن تكون لذوات الحافر ، ثم نقلت إلى بني آدم ، وهي بالدال المهملة والقاف ، والمودق : هو الذي يجعل النساء يملن عليه - وكان يزيد كثيراً ما يجلس عند النساء ويتحدث معهن ، ويقال إنّه كان عنيناً لا يأتي النساء . وليس له عقب ، وهو من أعيان الشعراء ، ذكره أبو تمام الطائي في كتاب ((الحماسة)) ١ في عدة مواضع ، فمن ذلك قوله في باب النسيب: فدِعصٌ وأمّا خصرها فبتيلُ عُقَيَلية أما مَلاثُ إزارِها بنعمانَ من وادي الأراك مقيل تَقَيّظُ أكتافَ الحمى وَيُظلها إليكِ ؟ وكلٌّ ليس منك قليل أليس قليلاً نظرةٌ إن نظرتها لنا من أخلاء الصفاء خليل فيا خُلّةَ النفس التي ليس دونها عدوّ ولم يؤمَنْ عليه دخيل ويا من كتمنا حبّهُ لم يُطَعْ به وخوفَ العدا فيه إليك سبيل أما من مقام أشتكي غربة النوى بعيد ، وأشياعي لديك قليل فدیتك، أعدائي كثيرٌ ، وشقي فحملُ دمي يومَ الحساب ثقيل فلا تحملي ذنبي وأنت ضعيفة ١ انظر شرح المرزوقي، رقم : ٥٤١، وقد ألحقت القصيدة التالية بديوان ابن الدمينة: ١٨٦ وانظر تخريجها والقول في نسبتها ص ٢٥٦ . ٣٦٨ وكنت إذا ما جئتُ جئتُ بعلة فأفنيتُ علاتي فكيف أقول ولا کل یوم لي إلیك رسول ١ فما كلَّ يوم لي بأرضك حاجةٌ وكان أبو الفرج الأصبهاني صاحب كتاب (( الأغاني )) قد جمع شعر يزيد ابن الطثرية أيضاً في ديوان ، وأورد له قوله ٢ . ومن هو موموق٣٢ إلى حبيب ألا بأبي من قد بری الجسم حبه وليس يُرَى إلاّ عليه رقيب ومن هو لا يزدادُ إلا تشوقاً وحالتْ أعادٍ دوننا وحروب وإنّي وإن أحموا عليَّ كلامها ـمثنٍ على ليلى ثناءً يزينها أليلى احذرينقض القوىلا یزل لنا وكوني على الواشين لدّاء شَغْبةٍ فإن خفتٍ ألا تحكمي مِرَّةَ الهوى وأورد له أيضاً؛ : قوافٍ بأفواه الرجال تطيب على النأي والهجران منك نصيب كما أنا للواشي ألدُّ شغوب فردي فؤادي والمزار قريب بنفسيَ من لو مَرَّ بَرْدُ بنانه على كبدي كانت شفاءً أناملُهْ ومن هابني في كل شيء وهبته فلا هو يعطيني ولا أنا سائله وأما أبو الحسن الطوسي فإنّه أورد له : وإنّ لأستحيي من اللّه أن أرى رديفاً لوصل أو عليّ رديفُ وأن أردَ الماء الموطا حَنيّهُ وأتبعَ وصلاً منكِ وهو ضعيف قلت : ورأيت في موضع آخر بعد البيت الأول : ١ في هامش س : في الحماسة ليس مرتباً هكذا ؛ بعده في الحماسة : صحائف عندي للعتاب طويتها ستنشر يوماً والعتاب يطول ٢ الأغاني ٨ : ١٧٩ . ٣ ق والمختار : موقوف . ٤ الأغاني ٨ : ١٦٤ . ٢٤ - ٦ ٣٦٩ وإن كثرتْ وُرَّاده تَعَيُوف وإنّيَ للماء المخالطه القذى وأورد له الطوسي أيضاً : وآخر قد تقضی له وهو جالسُ ألا ربَّ راج حاجةً لا ينالها وتأتي الذي تقضى له وهو آیس يجولُ لها هذا وتقضى لغيره وأورد له أيضاً من جملة أبيات : أحاذرُ أسماعاً عليها وأعينا فصادف قلباً خالياً فتمكنا برغمي أطيل الصدّ عنها إذا نأت أتاني هو اها قبل أن أعرف الهوى وأورد له أيضاً أبياتاً منها قوله : علينا تجنّاها ذَرِي ما تَغَيِّبًا وقولا إذا عَدَّتْ ذنوباً كثيرة وإما مسيئاً تاب بعدُ وأعتبا هبيني امرأ إما بريئاً ظلمتِه بها كذبُ الواشين شأوا مغرّبا١ فلما أبتُ لا تقبلُ العذرَ وارتمى لمن ضَنَّ عني بالمودة أقربا تعزيتُ عنها بالسلو ولم أكنْ ·طبيباً فلما لم يجده تطبيا وكنت كذي داء تبغّى لدائِه وأورد له أبو عبد الله المرزباني في كتاب ((معجم الشعراء )) وهي في ((الحماسة)) أيضاً، وقد رويت أيضاً لعبد الله بن الدمينة الخثعمي، والله أعلم ٢: ببعض الأذى لم يدرِ کیف یجیبُ بنفسي وأهلي مَن إذا عَرّضوا له ولم يعتذر عذرَ البرىء ولم تزل به رِعِدةٌ حتى يقالَ مريب وأورد له المرزباني في (المعجم)) أيضاً : حننت إلى ريا ونفسُك باعدتْ مزارك من ريا وشعباكما معا : ١ ر والمختار : شرقاً ومغرباً . ٢ الحماسية رقم: ٥٣٠ ولم ترد في معجم المرزباني المطبوع، وانظر ديوان ابن الدمينة : ١١٣ ( البيتين رقم ٨٧ ، ٨٨ ) . ٣٧٠ [ فما حسنٌ أن تأتي الأمر طائعا وتجزع أن داعى الصبابة أسمعا وقلَّ لنجد عندنا أن يودعا قفا وَدِّعا نجداً ومن حل بالحمى ولمّا رأيت البشر أعرض دوننا بكت عينيَ اليمنى فلما زجرتُها وجالت بنات الشوق يحنَّ نزعا عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا وَجَعت من الإصغاء ليتا وأخدعا تلفتُّ نحو الحي حتى وجدتني على كبدي من خشية أن تقطعا وأذكر أيام الحمى ثم أنثني عليك ولكن خَلِّ عينيك تدمعا]١ وليست عشيات الحمى برواجع قلت : وهي أبيات في غاية الرقة واللطافة ، وذكرها أبو تمام الطائي في كتاب ((الحماسة)) ٢ في أول باب النسيب وقال إنّها للصمة بن عبد الله القشيري، والله أعلم بالصواب في ذلك . وقال أبو عمر يوسف بن عبد البر - صاحب كتاب ((الاستيعاب)) في أخبار الصحابة رضي الله عنهم، وقد تقدم ذكره - في كتاب (( بهجة المجالس))، ما مثاله : للصمة بن عبد الله القشيري : كذكريكِ ما كفكفتُ للعينِ مدمعا أما وجلال الله لو تذکرینني فقالت بلى والله ذكراً لوأنه يُصَبُّ على الصخر الأصمِّ تصدعا ثم قال بعد ذلك : وأكثرهم ينسبون إليه في هذا الشعر : حننتَ إلى ريا ونفسك باعدتْ مزارك من ريا وشعبا كما معا وذكر الأبيات بكمالها كما ذكرها في ((الحماسة)) وبعد الفراغ منها قال: ومنهم من ينسبها إلى قيس بن ذريح وإلى المجنون أيضاً ، والأكثر أنها للصمة ، والله أعلم . ١ لم ترد هذه الأبيات في المسودة ونسخة س ق ع ولكنها ثابتة في المختار ؛ وقد سقطت هي وما بعدها من ر حتى لفظة ((معا)). ٢ الحماسية رقم: ٤٥٤ ونسبها للصمة بن عبد الله. ٣٧١ قلت : فقد وقع الاختلاف في أن هذه الأبيات العينية هل هي ليزيد بن الطثرية أم للصمة بن عبد الله القشيري أم لقيس بن ذريح أم للمجنون ، واللّه أعلم . قلت: وذكره المرزباني أيضاً في كتاب ((الموفق)) فقال : أنشدني أبو الخَنْبَش لابن الطثرية : فيا روعةً ما راع قلبي حنينها وحنّتْ قلوصي بعد هذا صبابة مفارقها ، لا بد يوماً ، قرینها فقلت لها صبراً فكلُّ قرينة وأورد له أيضاً : والنفسُ معولةٌ ودارك نائيه کیف العزاء وأنت أومقُ من مشی بيديك قتلي إن أردتٍ منيتي ولقد عرفتِ فما أويتٍ لمدنفٍ وأورد له أيضاً : وشفاءُ نفسي إن أردتٍ شفائيه ما النفسُ عنك وإن نأيت بساليه إذا نحن جئنا لم تَجَمّلْ بزينة حذارَ الأعادي وهي بادٍ جمالها لهم من توقّي شرهم : كيف حالها ولا نبتديها بالسلام ولم نقل وأورد له أشياء كثيرة غير هذا فنقتصر على هذا القدر . وقال ١ أبو بكر أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري في كتاب (( أنساب الأشراف )) بعد ما ذكر مقتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان الأموي الحكمي ووقائع جرت في سنة ست وعشرين ومائة : فكان في أثناء ذلك وقعة قتل فيها المندلث ابن إدريس الحنفي ، وقتل معه يزيد بن الطثرية المذكور على قرية يقال لها الفَلَج - بفتح الفاء واللام وفي آخره الجيم - وأظنها من قرى اليمامة . ثم وجدت في كتاب أبي بكر الحازمي الذي صنفه في أسماء المواضع أن فَلَج بفتح الفاء واللام وآخره جيم قرية عظيمة لبني جعدة بها منهر يقال لها فلج الأفلاج ١ ر : وذكر . ٣٧٢ من ناحية اليمامة ، وقال غيره : فلج بينها وبين هَجَر التي هي قصبة البحرين ستة أيام وبينها وبين مكة تسعة أيام ، والله أعلم ١ . وذكر أبو إسحاق الزجاج في كتاب ((معاني القرآن الكريم )» في سورة الفرقان أن الرس قرية باليمامة يقال لها فلج ، فتكون هي هذه القرية على ما قال ، وأما الذي جاء في قول الشاعر ٢ : وإن الذي حانت بفَلْج دماؤهم همُ القومُ كلُّ القوم يا أمَّ خالد فإنه بفتح الفاء وسكون اللام ، وهو واد بين البصرة وحمى ضَرِية ، وضريّة قرية على القرب من مكة شرفها الله تعالى . وأمّا فلجة الذي جاء في شعر بعض العرب : وخيم روابي جَلْهَتَّيْها المنصّبُ ألا حبذا أعلام فلجةَ بالضحى أجل هو مملوحٌ إلى القلب طيب يقولون مِلْحٌ ماءُ قلجةَ آجنٌ فهذا الاسم يقع على موضعين ، أحدهما منزل بين مكة والبصرة ، والثاني موضع بالعقيق ، وكانت به الواقعة في السنة التي قتل فيها الوليد بن يزيد الأموي المذكور . رجعنا إلى ما كنا فيه : وكان قتل الوليد في جمادى الآخرة يوم الخميس لليلتين بقيتا منها من سنة ست وعشرين ومائة بالبخراء - بفتح الباء الموحدة وسكون الخاء المعجمة وبعد الراء ألف ممدودة ٣ - . وذكر أبو الحسن الطوسي المذكور في هذه الواقعة أن الراية كانت مع يزيد بن الطثرية ، فلما قتل المندلث وهرب أصحابه ثبت يزيد بن الطثرية بالراية ، وكانت عليه جبة خز فتشبثت في عُشَرة - قلت : ١ انظر المشترك: ٣٣٤ في باب ((فلج)). ٢ أورده اليـ ٢ أورده البكري وياقوت (فلج) ونسباه للأشهب . ٣ زاد في هامش المسودة بعدها: ((وهي)) ثم طمس النص. ٣٧٣ وهي بضم العين المهملة وفتح الشين وبعدها راء مفتوحة ثم هاء ، وهي شجرة لها صمغ من شجر العضاه - قال : فعثر فضربه بنو حنيفة حتى قتلوه . قلت : وذكر هذه الواقعة بعد قتل الوليد في التاريخ المذكور، فيكون قتل يزيد ابن الطثرية بين تاريخ قتل الوليد بن يزيد وبين آخر سنة ست وعشرين ومائة والله أعلم . وذكر أبو الفرج الأصبهاني في أول الديوان الذي جمعه من شعر يزيد بن الطثرية أن بني حنيفة قتلته في خلافة بني العباس ، والأول أصح . ولما قتل ابن الطثرية رثاه القحيف بن حُمَير بن سُلَيم الندى بن عبد الله العُقيلي بقوله : ألا تبكي سراةُ بني قشيرٍ على صنديدها وعلى فَتّاها ومَن يُزجي المطيَّ على وَجَاها أبا المكشوح بعدك من يحامي ورثی القحیف أيضاً الوليد بن يزيد . ورثاه أخوه ثور بن سلمة بقوله : أرى الأثلَ من بطنِ العقيقِ مجاوري مقيماً وقد غالت يزيد غوائله وهي من الشعر المختار. وذكر أبو تمام الطائي في ((الحماسة))١ أن هذه الأبيات لأخته زينب بنت الطثرية وقيل إنها لأمه ، والله أعلم . وذكر الطوسي المذكور أن هذه الواقعة كانت بالعقيق ، وقال ياقوت الحموي في كتاب ((المشترك وضعاً))٢: إن العقيق عشرة مواضع ، قال الأصمعي : الأعقة الأودية التي تشقها السيول ، ثم عد المواضع فقال : الثالث ((عقيق عارض)) بأرض اليمامة، وهو واد واسع مما يلي العَرَمة تندفق فيه شعاب العارض ، وفيه عيون وقرى ، ثم قال : والعقيق من قرى اليمامة لبني عُقيل ، وهو عقيق نمرة ٣ في طريق اليمن من اليمامة . ١ الحماسية رقم : ٣٦٧. ٢ المشترك : ٣١٤ وفيه أن الأعقة أحد عشر موضعاً . ٣ معجم البلدان: تمرة ، والاسم ند طمس في حاشية المسودة . ٣٧٤ قلت : فيحتمل أن يكون المراد بقوله (( بطن العقيق )) في هذا البيت العقيق الأول ، ويحتمل العقيق الثاني ، والله أعلم . وإنّما كني ابن الطثرية بأبي المكشوح لأنّه كان على كشحه كيُّ نار ، والكشح - بفتح الكاف وسكون الشين المعجمة وبعدها الحاء المهملة - وهي الخاصرة . والطثرية : بفتح الطاء المهملة وسكون الثاء المثلثة وبعدها راء ثم ياء النسب وهاء التأنيث ، وهي أمه ، ينسب يزيد المذكور إليها ، وهي من بني طثر بن عنز بن وائل١ ، والطثر: الخصب وكثرة اللبن يقال إن أُمه ولدت في عام هذا وصفه ، وقيل بل ولدته في عام هذا شأنه ، ويقال إن أمه كانت مولعة بإخراج زبد اللبن ، فسميت الطثرية ، وطثرة اللبن زبدته ، والله أعلم . قلت : وهذا الكلام في النفس منه شيء ، فإنّهم قالوا : إن أمه من بني طثر ابن عنز بن وائل ، فعلى هذا تكون أمه منسوبة إلى هذه القبيلة ، فلا معنى حينئذ لقولهم : إن أمه ولدت في عام هذا وصفه ، أو ولد هو في عام هذا شأنه ، أو أو كانت أمه تخرج الزبد من اللبن ، فتأمله ، إلا أن يكون عندهم فيه خلاف : هل هو منسوب إلى القبيلة أم إلى هذا المعنى الثاني ، والله أعلم بالصواب في ذلك ٢ . ويروى لزينب بنت الطثرية أخت يزيد المذكور شيء كثير من الشعر ، فمن ذلك قولها في المديح : أشمُّ إذا ما جئت للعرف طالباً حباك بما تحنو عليه أنامله ولو لم يكنْ في كفه غير روحه الجاد بها فليتقِّ اللّه سائله وينسب هذان البيتان إلى زياد الأعجم أيضاً ، والبيت الثاني منهما يوجد في ديوان أبي تمام الطائي أيضاً في قصيدته التي أولها٣ : أجل أيها الربعُ الذي خفَّ آهله لقد أدركتْ فيكَ النوى ما تحاوله والله أعلم بالصواب . ١ كذا ذكر ابن قتيبة في الشعر والشعراء . ٢ هنا تنتهي الترجمة في ر س ق ع . ٣ ديوان أبي تمام ٣ : ٢١ والبيت المشار إليه هو رقم : ٣٧ فيها . ٣٧٥ ٨٢٣ الماجشون أبو يوسف يعقوب بن أبي سلمةَ دينار ، وقيل ميمون ، الملقب بالماجشون القرشي التيمي ، من موالي آل المنكدر من أهل المدينة ؛ سمع ابن عمر رضي اللّه عنهما، وعمر بن عبد العزيز ومحمد بن المنكدر وعبد الرحمن بن هُرْمُز الأعرج ؛ روى عنه ابناه : يوسف وعبد العزيز ، وابن أخيه عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة . وقال يعقوب بن شيبة : الماجشون يعقوب بن أبي سلمة مولى آل الهُدَيْر١. وكان يعقوب مع عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في ولاية عمر المدينة يحدثه ويأنس به ، فلما استخلف عمر رضي الله عنه قدم عليه الماجشون فقال له عمر : إنّا تركناك حيث تركنا لبس الخز ، فانصرف عنه . وذكره محمد بن سعد في كتاب ((الطبقات)). وقال يعقوب بن شيبة، قال مصعب : وكان الماجشون يعين ربيعة الرأي على أبي الزناد ، لأن أبا الزناد كان معادياً لربيعة الرأي ، فكان أبو الزناد يقول : مثلي ومثل الماجشون مثل ذئب كان يلح على أهل قرية فيأكل صبيانهم ، فاجتمعوا له وخرجوا في طلبه ، فهرب منهم فانقطعوا عنه ، إلا صاحب فخار ، فإنّه ألح في طلبه ، فوقف له الذئب فقال : هؤلاء أعذرهم ، فأنت ما لي ولك ؟ ما كسرت لك فخارة قط ، والماجشون ما كسرت له كبراً ولا بَرْبطاً قطّ ٢ . وقال ابن الماجشون : عرج بروح الماجشون ، فوضعناه على سرير الغسْل ٨٢٣ - ترجمته في طبقات الشيرازي: ٦٧ وتهذيب التهذيب ١١ : ٣٨٨ ورجال ابن حبان: ٨٠ وانظر ترجمة ابنه يوسف في طبقات ابن سعد ٥ : ٤١٥ (ويبدو أن ترجمة يعقوب في الطبقات مما ضاع من الكتاب) وتاريخ الإسلام للذهبي ٥: ١٩ والتاج ( مجش = الماجشون ) واللباب ( الماجشون ) . ١ آل الهدير هم أيضاً آل المنكدر . ٢ يشير إلى أن الماجشون كان يعلم الغناء ويتخذ القيان. ٣٧٦ وقلنا للناس : نروح به ، فدخل غاسلٌ إليه يغسله ، فرأى عِرْقاً يتحرك في أسفل قدمه فأقبل علينا وقال : أرى عرقاً يتحرك ولا أرى أن أعجل عليه ، فاعتللنا على الناس بالأمر الذي رأيناه ، وفي الغد جاء الناس وغدا الغاسل عليه فرأى العرق على حاله ، فاعتذرنا إلى الناس، فمكث ثلاثاً على حاله ، ثم إنّه استوى جالساً فقال : آتوني بسويق ، فأتي به فشربه ، فقلنا له : خبرنا ما رأيت ، قال : نعم عُرج بروحي ، فصعد بي الملك حتى أتى سماء الدنيا فاستفتح ففتح له ، ثم هكذا في السموات حتى انتهى بي إلى السماء السابعة ، فقيل له : من معك ؟ قال : الماجشون ، فقيل له : لم يأنِ له بعد ، بقي من عمره كذا كذا سنة وكذا كذا شهراً وكذا كذا يوماً وكذا كذا ساعة ، ثم هبط فرأيت النبي صلى الله عليه وسلّم وأبا بكر عن يمينه وعمر عن يساره وعمر بن عبد العزيز بين يديه ، فقلت للملك الذي معي : مَنْ هذا ؟ قال : هذا عمر بن عبد العزيز ، قلت : إنّه لقريب المقعد من رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: إنّه عمل بالحق في زمن الجور، وإنّهما عملا بالحق في زمن الحق؛ ذكر هذا يعقوب بن شيبة في ترجمة الماجشون . وذكر أبو الحسن محمد بن أحمد بن القواس الوراق أن يعقوب الماجشون مات سنة أربع وستين ومائة ١ ، رحمه اللّه تعالى ؛ هذا كله نقلته من تاريخ الحافظ أبي القاسم المعروف بابن عساكر الذي جعله تاريخاً لدمشق . وذكر ابن قتيبة في كتاب ((المعارف)) في ترجمة محمد بن المنكدر ٢ أن الماجشون من مواليه ، واسمه يعقوب ، وكان فقيهاً ؛ ثم قال بعد ذلك : وكان للماجشون أخ يقال له عبد الله بن أبي سلمة . (347) وابنه عبد العزيز بن عبد الله يكنى أبا عبد الله ، توفي ببغداد وصلى عليه المهدي ، ودفنه في مقابر قريش ، وذلك في سنة أربع وستين ومائة - قلت : وقد تقدم في هذا الكتاب ترجمة ولده عبد الملك بن عبد العزيز بن ١ هذه هي سنة وفاة ابنه عبد العزيز كما سيرد بعد أسطر ، وتعقب ابن حجر الحافظ ابن عساكر في هذا فقال: كذا قال وهو خطأ لم ينبه عليه أبو القاسم والصواب إن شاء الله تعالى في سنة أربع وعشرين ومائة . ٢ المعارف : ٤٦١ - ٤٦٢ . ٣٧٧ عبد اللّه، وذكرت ما قاله العلماء في معنى الماجشون ، فأغنى عن الإعادة هاهنا والله أعلم . قوله ما كسرت له كبراً ولا بَرْبطاً ، الكبر : بفتح الكاف والباء الموحدة ، وبعدها راء ، وهو طبل ذو وجه واحد ، والبربط : بفتح الباءين الموحدتين بينهما راء ساكنة ، وفي آخره طاء مهملة ، وهو نوع من العود الذي للغناء ، وأصله بر ، وهو الصدر بالفارسي ، وبط الطائر المعروف ، فلما كان هذا الملهى يشبه صدر البط سمي به ، واسمه بالعربي العود . والمزهر أيضاً : بكسر الميم وسكون الزاي وفتح الهاء وبعدها راء ، وبالعجمي البربط كما ذكرناه . ٨٢٤ القاضي أبو يوسف صاحب أبي حنيفة القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن خُنّيس بن سعد بن حَبتة الأنصاري - وسعد بن حبتة أحد الصحابة رضي الله عنهم ، وهو مشهور في الأنصار بأمه ، وهي حبته بنت مالك من بني عمرو بن عوف - . وأما أبو سعد ابن حبتة : فهو عوف بن بحير بن معاوية بن سَلْمى بن بجيلة ، حليف بني عمرو بن عوف الأنصاري ، هكذا ساق نسب سعد بن حبتة في ((الاستيعاب))١؛ وأمّا الخطيب أبو بكر البغدادي فإنه قال في تاريخه ٢ : هو سعد بن بُجَيْر بن معاوية بن قحافة بن بُليل بن سَدوس بن عبد مناف بن أبي ٨٢٤ - ترجمته في الفهرست: ٢٠٣ وأخبار القضاة ٣: ٢٥٤ وطبقات الشيرازي: ١٣٤ والجواهر المضية ٢ : ٢٢٠ ومرآة الجنان ١ : ٣٨٢ والبداية والنهاية ١٠: ١٨٠ والنجوم الزاهرة ٢ : ١٠٧ وتذكرة الحفاظ : ٢٩٢ والشذرات ١ : ٢٩٨ وعبر الذهبي ١ : ٢٨٤ وبروكلمان ٣ : ٢٤٥ (الترجمة العربية). ١ الاستيعاب : ٥٨٤ : ٢ تاريخ بغداد ١٤ : ٢٤٢ - ٢٤٣ . ٣٧٨ أسامة بن سَحْمة بن سعد بن عبد الله بن قُداد١ بن ثعلبة بن معاوية بن زيد بن الغوث ٢ بن بجيلة . كان القاضي أبو يوسف المذكور من أهل الكوفة ، وهو صاحب أبي حنيفة رضي الله عنه ، كان فقيهاً عالماً حافظاً ، سمع أبا إسحاق الشيباني وسليمان التيمي ويحيى بن سعيد الأنصاري والأعمش وهشام بن عروة وعطاء بن السائب ومحمد بن إسحاق بن يسار ، وتلك الطبقة . وجالس محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ثم جالس أبا حنيفة النعمان بن ثابت ، وكان الغالب عليه مذهب أبي حنيفة وخالفه في مواضع كثيرة . روى عنه محمد بن الحسن الشيباني الحنفي وبشر بن الوليد الكندي وعلي بن الجعد وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين في آخرين . وكان قد سكن بغداد وتولى القضاء بها لثلاثة من الخلفاء : المهدي وابه الهادي ثم هارون الرشيد ، وكان الرشيد يكرمه ويجله ، وكان عنده حظياً مكينا ، وهو أول من دعي بقاضي القضاة ، ويقال إنه أول من غير لباس العلماء إلى هذه الهيئة التي هم عليها في هذا الزمان ، وكان ملبوس الناس قبل ذلك شيئاً واحداً ، لا يتميز أحد عن أحد بلباسه . ولم يختلف يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وعلي ابن المديني في ثقته في النقل . وذكر أبو عمر ابن عبد البر صاحب كتاب ((الاستيعاب )» في كتابه الذي سماه كتاب (( الانتقاء في فضائل الثلاثة الفقهاء)) ٣ أن أبا يوسف المذكور كان حافظاً وأنه كان يحضر المحدث ويحفظ خمسين ستين حديثاً ، ثم يقوم فيمليها على الناس ، وكان كثير الحديث . وقال محمد بن جرير الطبري : وتحامى حديثه قوم من أهل الحديث من أجل غلبة الرّأي عليه وتفريعِهِ الفرُوعَ والأحكام ، مع صحبة السلطان وتقلده القضاء . وحكى أبو بكر الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) ٤ أن أبا يوسف قال : ١ تاريخ بغداد : قدار . ٢ تاريخ بغداد : العوذ . ٣ الانتقاء : ١٧٢ . ٤ تاريخ بغداد ١٤ : ٢٤٤ . ٣٧٩ كنت أطلب الحديث والفقه وأنا مُقِل رثّ الحال ، فجاء أبي يوماً وأنا عند أبي حنيفة ، فانصرفت معه ، فقال : يا بني ، لا تمد رجلك مع أبي حنيفة ، فإن أبا حنيفة خبزه مشوي ، وأنت تحتاج إلى المعاش ، فقصرت عن كثير من الطلب وآثرت طاعة أبي ، فتفقدني أبو حنيفة وسأل عني ، فجعلت أتعاهد مجلسه ، فلما كان أول يوم أتيته بعد تأخري عنه قال لي : ما شغلك عنا ؟ قلت : الشغل بالمعاش وطاعة والدي ، فجلست ، فلما انصرف الناس دَفَع إليّ صرّة وقال: استمتع بها ، فنظرت فإذا فيها مائة درهم ، فقال لي : الزم الحلقة وإذا فرغت هذه فأعلمني ، فلزمت الحلقة ، فلما مضت مدة يسيرة دفع إليّ مائة أخرى ، ثم كان يتعاهدني، وما أعلمته بخلّة قط ولا أخبرته بنفاد شيء ، وكأنّه كان يخبر ينفادها ، حتى استغنيت وتموّلت . ثم قال الخطيب ١: وحكي أن والد أبي يوسف مات وخلف أبا يوسف طفلاً صغيراً ، وأن أمّه هي التي أنكرت عليه حضور حلقة أبي حنيفة ؛ ثم روى الخطيب أيضاً بإسناد متصل إلى علي بن الجعد قال : أخبرني أبو يوسف القاضي قال : توفي أبي وخلفي صغيراً في حجر أمّي ، فأسلمتني إلى قصار أخدمه ، فكنتُ أدع القصار وأمرّ إلى حلقة أبي حنيفة فأجلس أستمع ، فكانت أمّي تجيء خلفي إلى الحلقة فتأخذ بيدي فتذهب [ بي ] إلى القصار، وكان أبو حنيفة يُعْنى بي ، لما يرى من حضوري وحرصي على التعلم ، فلما كثر ذلك على أمي وطال عليها هربي قالت لأبي حنيفة : ما لهذا الصبي فساد غيرك ، هذا صبي يتيم لا شيء له وإنّما أطعمه من مغزلي ، وآمل أن يكسب دانقاً يعود به على نفسه ، فقال لها أبو حنيفة : مُرّي بارَعْناء ، ها هو ذا يتعلم أكل الفالوذج بدهن الفستق ، فانصرفت عنه وقالت له : أنت شيخ قد خرفت وذهب عقلك . ثم لزمته فنفعني الله تعالى بالعلم ، ورفعني حتى تقلدت القضاء ، وكنت أجالس الرشيد وآكل معه على مائدته ، فلما كان في بعض الأيام قدم إلى هارون فالوذجة ، فقال لي : يا يعقوب كل منها فليس في كل يوم يعمل لنا مثلها ، فقلت : وما هذه يا أمير المؤمنين ؟ فقال : هذه فالوذجة بدهن الفستق ، ١ المصدر نفسه . ٣٨٠