Indexed OCR Text

Pages 341-360

وكان ليزيد١ ولدان نجيبان جليلان سيدان :
(336) أحدهما خالد بن يزيد وهو ممدوح أبي تمام الطائي ، وله فيه أحسن
المدائح ، وقد تضمنها ديوانه ، فلا حاجة إلى ذكر شيء منها لشهرة ديوانه .
(337) والآخر محمد بن يزيد ، كان موصوفاً بالكرم وأنّه لا يرد طالباً ،
فإن لم يحضره مال لم يقل لا ، بل يَعد ثم يعجّل العدّة ، ومدحه أحمد بن
أبي فنن صالح بن سعيد ٢ بقوله ، ثم وجدت هذه الأبيات لأبي الشيص الخزاعي
في كتاب ((البارع))٣ :
عشقَ المكارمَ فهو مشتغل بها والمكرماتُ قليلةُ العشّاقِ
سوقُ الثناء تُعَدُّ في الأسواق
وأقام سوقاً للثناء ولم تكن
بثَّ الصنائعَ في البلاد فأصبحتْ تجبى إليه محامدُ الآفاق
وكان خالد بن يزيد قد تولى الموصل من جهة المأمون ، فوصل إليها وفي
صحبته أبو الشمقمق الشاعر الذي ذكرته في هذه الترجمة ، فلما دخل خالد
إلى الموصل نشب اللواء الذي خالد في سقف باب المدينة فاندق ، فتطير خالد
من ذلك ، فأنشده أبو الشمقمق ارتجالاً؛ :
ما كان مندقُّ اللواء لريبةٍ تخشى ولا سوءٍ يكونُ معجَّلا
صِغَرُ الولايةِ فاستقلَّ الموصلا
لكنَّ هذا الرمحَ أضعفَ متنه
فبلغ الخليفة ما جرى ، فكتب إلى خالد بن يزيد : قد زدنا في ولايتك
ديار ربيعة كلها لكونِ رمحك استقلَّ الموصل ، ففرح بذلك وأجزل جائزة أبي
الشمقمق .
ولما انتقض أمر أرمينية في أيام الواثق جهز إليها خالد بن يزيد المذكور في
١ المختار : ليزيد المذكور ، رحمه اللّه تعالى .
٢ المختار : سعد .
٣ قلت : انظر ما تقدم ص ٢٨٣.
٤ انظر شعراء عباسيون : ١٤٧ .
٣٤١

جيش عظيم فاعتل في الطريق ومات في سنة ثلاثين ومائتين ، ودفن بمدينة دبيل
أرمينية ، رحمهم الله أجمعين .
٨٢١
يزيد ابن مفرغ الحميري
أبو عثمان يزيد بن زياد بن ربيعة بن مُفرّغ بن ذي العشيرة بن الحارث
ابن دلال بن عوف بن عمرو بن يزيد بن مُرَّةَ بن مَرْثَد بن مسروق بن زيد
ابن يحصب الحميري - وبقية النسب من يحصب معروفة فلا حاجة إلى ذكرها -
هكذا ساق هذا النسب ابن الكلبي في كتاب ((جمهرة النسب )) غير أنّه لم
يذكر كنية يزيد، بل ذكرها صاحب ((الأغاني))، وأكثر العلماء يقولون:
هو يزيد بن ربيعة بن مفرغ ويسقطون زياداً .
(338) وقال صاحب ((الأغاني)): إنّما لقب جده مفرغاً لأنّه راهن على سقاء
من لبن يشربه كله ، فشربه حتى فرّغه فسمي مفرغاً . وذكر في ترجمة حفيده
السيد الحميري في كتاب ((الأغاني)) ١ أيضاً أن ابن عائشة قال: مفرغ هو ربيعة ،
ومفرغ لقبه، ومن قال ربيعة بن مفرغ فقد أخطأ ، والله أعلم . وقال الفضل
ابن عبد الرحمن النوفلي : كان مفرغ المذكور حداداً باليمن ، فعمل لامرأة
قفلاً وشرط عليها عند فراغه منه أن تجيئه بلبن كرِش ٢، ففعلت ، فشرب منه
ووضعه ، فقالت له : ردّ علي الكرش ، فقال : ما عندي شيء أفرغه فيه ،
قالت : لا بد منه ، ففرغه في جوفه فقالت : إنّك لمفرغ ، فعرف به ، وهو
٨٢١ - ترجمته في الشعر والشعراء : ٢٧٦ وابن سلام: ٥٥٤ والأغاني ١٨ : ١٨٠ والإكليل
٢: ٢٦٦ وأمالي الزجاجي: ٢٢٩ والخزانة ٢: ٢١٠، ٥١٤ وتاريخ الطبري ٧ : ١٩١
وقد جمع شعره الدكتور داود سلوم ( بغداد : ١٩٦٨ ).
١ ترجمة السيد الحميري في الأغاني ٧ : ٢٢٤.
٢ ر : بكرش لبن .
٣٤٢

من حمير فيما يزعم أهله . وذكر ابن الكلبي وأبو عبيدة أن مفرغاً كان شعّاباً
بتبالة .
قلت ، تبالة : بفتح التاء المثناة من فوقها وبعدها باء موحدة ثم ألف ولام
وفي آخرها هاء ، وهي بليدة على طريق اليمن للخارج من مكة ، وهذا المكان
كثير الخصب ، له ذكر في الأخبار والأمثال والأشعار ، وهي أول ولاية وليها
الحجاج بن يوسف الثقفي ، ولم يكن رآها قبل ذلك ، فخرج إليها ، فلما قرب
منها سأل عنها ، فقيل له إنها وراء تلك الأكمة ، فقال : لا خير في ولاية
تسترها أكمة ، ورجع عنها محتقراً لها وتركها ، فضربت العرب بها المثل وقالت
للشيء الحقير : أهون من تَبالّة على الحجاج .
قال الراوي : فادعى يزيد أنّه من حمير ، وهو حليف آل خالد بن أسيد بن
أبي العيص الأموي ، وقيل إنّه كان عبداً للضحاك بن عبد عوف الهلالي ، فأنعم
عليه .
وكان يزيد شاعراً غزلاً محسناً .
(339) والسيد الحميري الشاعر المشهور من ولده، وهو إسماعيل بن محمد بن
بكار بن يزيد المذكور ، كذا ذكره ابن ماكولا في كتاب ((الإكمال)» ولقبه السيد
وكنيته أبو هاشم ، وهو من كبار الشيعة ، وله في ذلك أخبار وأشعار مشهورة .
ومن محاسن شعر يزيد المذكور قوله من جملة قصيدة يمدح بها مروان بن
الحكم الأموي ، وكان قد أحسن مروان إليه :
وأقمتمُ سوقَ الثناء ولم تكنْ سوق الثناء تقامُ في الأسواقِ
فكأنما جعل الإلهُ إليكمُ قَبْضَ النفوس وقسمةَ الأرزاق
والبيت الأول من هذين البيتين تقدم ذكره في ترجمة يزيد بن مزيد بن
زائدة الشيباني منسوباً إلى أحمد بن أبي فنن يمدح به خالد بن يزيد بن مزيد المذكور
من جملة أبيات ١ ، والله أعلم بالصواب في ذلك .
ولما ولي ٢ سعيد بن عثمان بن عفان، رضي الله عنه، خراسان عرض على
١ انظر ص : ٣٤١.
٢ انظر الأغاني : ١٨٣ وما بعدها .
٠
٣٤٣
:

يزيد بن مفرغ أن يصحبه فأبى ذلك ، وصحب عباد بن زياد بن أبيه ، فقال له
سعيد : أمّا إذا أبيت أن تصحبني وآثرت صحبة عباد فاحفظ ما أوصيك ١ به :
إن عباداً رجل لئيم فإياك والدالة عليه وإن دعاك إليها من نفسه ، فإنّها خدعة
منه لك عن نفسك ، وأقلل زيارته فإنّه ملول ، ولا تفاخره وإن فاخرك فإنّه
لا يحتمل لك ما كنت أحتمله . ثم دعا سعيد بمال فدفعه له وقال له : استعن
به على سفرك فإن صحَّ لك مكانك من عباد ، وإلا فمكانك عندي ممهد فائتني .
ثم سار سعيد إلى خراسان وخرج ابن مفرغ مع عباد ، فلما بلغ عبيد الله بن
زياد أمير العراقين صحبة يزيد أخاه عباداً شق عليه ، فلما سار عباد شيعه أخوه .
عبيد اللّه وشيعه الناس وجعلوا يودعونه ، فلما أراد عبيد الله أن يودع أخاه دعا
ابن مفرغ فقال له : إنّك سألت عباداً أن يُصْحِبك فأجابك ، وقد شق علي ،
فقال له : ولم أصلحك الله ؟ قال: لأن الشاعر لا يقنعه من الناس ما يُقْنِعُ
بعضهم من بعض ، لأنّه يظن فيجعل الظن يقيناً ولا يعذر في موضع العذر ،
وإن عباداً يقدم على أرض حرب فيشتغل بحروبه وخراجه عنك ، فلا تعذره
أنت وتكسونا شراً وعاراً ، فقال له : لستُ كما ظنَّ الأمير ، وإن لمعروفه
عندي لشكراً كثيراً، وإن عندي إن أغفل أمري عذراً ممهداً ، فقال : لا ،
ولكن تضمنُ لي إن أبطأ عنك ما تحبه أن لا تعجل عليه حتى تكتب إلي ، قال :
نعم ، قال : امض إذاً على الطائر الميمون. قال : فقدم عباد خراسان ، وقيل
سجستان ، فاشتغل بحروبه وخراجه ، فاستبطأه ابن مفرغ ولم يكتب لأخيه عبيد
اللّه بن زياد يشكوه كما ضمن له ، ولكنه بسط لسانه فذمه وهجاه .
وكان عباد كبير اللحية كأنها جوالق ، فسار ابن مفرغ مع عباد فدخلت
الريح فيها فنفشتها ، فضحك ابن مفرغ وقال لرجل من لحم كان إلى جنبه :
ألا ليتَ اللّحى كانت حشيشاً فنعلفتها خيولَ المسلمينا
فسعى به اللخمي إلى عباد ، فغضب من ذلك غضباً شديداً ، وقال : لا
تجمل بي عقوبته في هذه الساعة مع صحبته لي ، وما أؤخرها إلا لأشفي نفسي
١ ر : أوصيتك .
٣٤٤

منه ، فإنّه كان يقوم فيشتم أبي في عدة مواضع .
. وبلغ الخبر ابن مفرغ فقال : إنّي لأجد ريحَ الموت من عباد ، ثم دخل
عليه فقال : أيها الأمير ، إنّ قد كنت مع سعيد بن عثمان ، وقد بلغك
رأيه في وجميل آثره علي، وقد اخترتك عليه فلم أحظ منك بطائل ، وأريد أن
تأذن لي بالرجوع فلا حاجة لي في صحبتك ، فقال له : أما اختيارك إياي فقد
اخترتك كما اخترتني ، واستصحبتك حين سألتني ، وقد أعجلتني عن بلوغ
حجتي فيك، وطلبتَ الإذن لترجع إلى قومك فتفضحني فيهم وأنت على الإذن
قادرٌ بعد أن أقضي حقك .
وبلغ عباداً أنّه يسبه ويذكره وينال من عرضه ، فدس إلى قوم كان لهم
عليه دين أن يقدموه إليه ، ففعلوا فحبسه وأضرَّ به ، ثم بعث إليه بعني الأراكة
وبرداً ، وكانت الأراكة قَيْنَة لابن مفرغ ، وبرد غلامه ، رباهما وكان شديد
الضن بهما ، فبعث إليه ابن مفرغ مع الرسول : أيبيع المرء نفسه وولده ؟ فأخذهما
عباد منه ، وقيل إنّه باعهما عليه ، فاشتراهما رجل من أهل خراسان . فلما
دخلا منزله قال له برد ، وكان داهية أديبا١ً : أتدري ما اشتريت؟ قال : نعم
اشتريتك وهذه الجارية ، قال : لا والله ، ما اشتريت إلا العار والدمار والفضيحة
أبداً ما حييت ، فجزع الرجل وقال له : كيف ذاك ويلك ؟ قال : نحن ليزيد
ابن مفرغ، ووالله ما أصاره إلى هذه الحال إلا لسانه وشره ، أفتراه يهجو عباداً
وهو أمير خراسان ، وأخوه عبيد اللّه أمير العراقين ، وعمه الخليفة معاوية بن
أبي سفيان ، في أن استبطأه ، ويمسك عنك وقد ابتعتني وابتعت هذه الجارية
وهي نفسه التي بين جنبيه ؟ ووالله ما أرى أحداً أدْخلَ بيته أشأمَ على نفسه وأهله
مما أدخلته منزلك ، فقال : أشهدك أنك وإياها له ، فإن شئتما أن تمضيا إليه
فامضيا ، وعلى أنّ أخاف على نفسي إن بلغ ذلك ابن زياد، وإن شئتما أن تكونا
له عندي فافعلا، قال: فاكتب إليه بذلك ، فكتب الرجل إلى ابن مفرغ إلى الحبس
بما فعله ، فكتب إليه يشكر فعله ، وسأله أن يكونا عنده حتى يفرّج الله عنه .
وقال عباد لحاجبه : ما أرى هذا ، يعني ابن مفرغ ، يبالي بالمقام في الجبس ،
١ كذا في المسودة، ولعل الأنسب: ((أريباً)).
٣٤٥

فبع فرسه وسلاحه وأثاثه واقسم ثمنها بين غرمائه ، ففعل ذلك وبقيت عليه بقية
حبسه بها ، فقال ابن مفرغ في بيعهما :
شَرَيتُ برداً ولو مُلِّكْتُ صفقته لما تطلبتُ في بيعٍ له رَشَدا
لولا الدَّعي ولولا ما تعرضَ لي من الحوادث ما فارقته أبدا
يا بردُ ما مسنا دهرٌ أضرَّ بنا من قبل هذا ولا بعنا له ولدا
معنى شريت : بعت ، وهو من الأضداد يقع على الشراء والبيع . والأبيات
أكثر من هذا فتركت الباقي .
وعلم ابن مفرغ أنّه إن أقام على ذم عباد وهجائه وهو في حبسه زاد نفسه
شراً ، فكان يقول للناس إذا سألوه عن حبسه ما سببه : رجل أدبه أميره ليقوّم
من أوده ويكف من غربه ، وهذا لعمري خيرٌ من جرّ الأمير ذَيْلَه على مداهنة
صاحبه . فلما بلغ ذلك عباداً رقَّ له وأخرجه من السجن ، فهرب حتى أتى
البصرة ثم خرج منها إلى الشام ، وجعل يتنقل في مدنها هارباً ويهجو زياداً وولده ،
فمن ذلك قوله في تَرْكِ سعيد بن عثمان بن عفان ، رضي اللّه عنه ، واتباعه
عباد بن زياد ويذكر بيع برد عليه :
أصرَمْتَ حبلك من أُمَامَهْ
فالريحُ تبكي شجوها
لهفي على الأمرِ الذي
من بعد أيامٍ برامهْ
والبرقُ يضحكُ في الغمامه
كانت عواقبُهُ ندامه
والبيت ترفعُهُ الدعامه
تركي سعيداً ذا الندى
ليثاً إذا شهد الوغى
فُتِحَتْ سَمَرْ قَنْدٌ له
ترك الهوى ومضى أمامه
وبنى بعرصتها خيامه
وتبعتُ عبد بني علاجٍ ، تلك أشراطُ القيامه
سكّاءُ تحسبها نعامه
جاءت به حبشيةٌ
من نسوةٍ سود الوجو ٥ ترى عليهن الدمامه
من بعدِ بردٍ كنتُ هامه
وشريتُ برداً ليتني
٣٤٦

هامة إذا تدعو صّدِّى بين المشقّر واليمامه
حَذَرَ المخازي والسآمه
فالهولُ يركبه الفتى
والعبدُ يقرع بالعصا والحرُّ تكفيه الملامه
قلت ، قوله : وتبعت عبد بني علاج ، بنو علاج بطن من ثقيف - وسيأتي
ذكره عند ذكر الحارث بن كَلَدة في هذه الترجمة إن شاء الله تعالى - قاله
أبو بكر ابن دريد في كتاب (( الاشتقاق)) ٢ وأنشد عليه :
آلَ أبي بكرةَ استفيقوا هل تُعْدلُ الشمس بالسراج
إن ولاءَ النبيّ أعلى من دعوةٍ في بني علاج
وهذا القول له سبب يذكر عند ذكر أبي بكرة نفيع بن الحارث في هذه
الترجمة ، إن شاء الله تعالى .
وقوله في البيت الآخر : سكاء تحسبها نعامة ، يقال أذن سكاء ، إذا كانت
صغيرة ، والسكاء أيضاً التي لا أذن لها ، والعرب تقول : كل سكاء تبيض ،
وكل شرفاء تلد ، والشرفاء : التي لها أذن طويلة ، والسكّاء ، بفتح السين المهملة
وتشديد الكاف ؛ والشرفاء ، بفتح الشين المعجمة وسكون الراء وبعدها فاء ،
والضابط عندهم فيه أن كل حيوان له أذن ظاهرة فإنّه يلد ، وكل حيوان ليست
له أذن ظاهرة فإنّه يبيض .
قال الراوي : ثم إن ابن مفرغ لج في هجاء بني زياد . حتى تغنى أهل البصرة
في أشعاره ، فطلبه عبيد اللّه طلباً شديداً حتى كاد يؤخذ ، فلحق بالشام ،
واختلف الرواة فيمن رده إلى ابن زياد ، فقال بعضهم : رده معاوية بن أبي
سفيان ، وقال بعضهم : بل رده يزيد بن معاوية ، والصحيح أنّه يزيد لأن عباداً
إنّما ولي سجستان في أيام يزيد .
١ ر : أو هامة، وبهامش المسودة: خ ويروى: هامة تدعو، وهي ما ورد في بر من؛ وفي ع :
هاماه إذ ؛ وفي الأغاني : أو بومة .
٢ الاشتقاق : ٣٠٥ - ٣٠٦.
٣٤٧

قلت: ثم ذكر صاحب ((الأغاني)) عقيب هذا الفصل ١ أن سعيد بن عثمان
ابن عفان ، رضي الله عنه ، دخل على معاوية بن أبي سفيان فقال له : علام جعلت
ولدك يزيد ولي عهدك دوني ؟ فوالله لأبي خير من أبيه وأمي خير من أمه وأنا
خير منه ، وقد وليناك فما عزلناك وبنا نلت ما نلت ، فقال له معاوية : أما قولك
إن أباك خير من أبيه فقد صدقت ، لعمر الله إن عثمان لخير مني ، وأما قولك إن
أمك خير من أمه فحسب المرأة أن تكون في بيت قومها وأن يرضاها بعلها وينجب
ولدها ، وأما قولك إنك خير من يزيد ، فوالله يا بني ما يسرني أن لي بيزيد
ملء الغوطة مثلك ، وأما قولك : إنكم وليتموني فما عز لتموني ، فما وليتموني
وإنّما ولاني من هو خير منكم عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، فأقررتموني ،
وما كنت بئس الوالي لكم ، لقد قمت بثاركم وقتلت قتلة أبيكم وجعلت الأمر
فيكم ، وأغنيت فقيركم ورفعت الوضيع منكم ؛ فكلمه يزيد في أمره فولاه
خراسان .
رجعنا إلى حديث ابن مفرّغ :
قال الراوي ٢ : ولم يزل يتنقل في قرى الشام ويهجو بني زياد ، وأشعاره تنقل
إلى البصرة. فكتب عبيد الله بن زياد أمير العراق إلى معاوية - وقيل إلى يزيد
وهو الأصح - يقول : إن ابن مفرغ هجا زياداً وبني زياد بما هتكه في قبره
وفضح بنيه طول الدهر ، وتعدى إلى أبي سفيان فقذفه بالزنا وسب ولده ،
وهرب من سجستان وطلبتُه حتى لفظته الأرض، وهرب من الشام يتمضغ لحومنا
ويهتك أعراضنا ، وقد بعثت إليك بما قد هجانا به لتنتصف لنا منه . ثم بعث
بجميع ما قاله ابن مفرغ فيهم ، فأمر يزيد بطلبه ، فجعل يتنقل في البلاد حتى
لفظته الشام ، فأتى البصرة ونزل على الأحنف بن قيس - قلت : وهو الذي
يضرب به المثل في الحلم، وقد سبق ذكره واسمه الضحاك ٣ - قال : فاستجار
١ الأغاني : ١٨٧ .
٢ النقل مستمر عن الأغاني : ١٨٨.
٣ انظر ج ٢ : ٤٩٩ .
٣٤٨

به ، فقال له الأحنف : إنّ لا أجير على ابن سُمية فأغرك ، وإنّما يجير الرجل
على عشيرته وأمّاً على سلطانه فلا . ثم إنّه مشى على غيره فلم يجره أحد ، فأجاره
المنذر بن الجارود العبدي ، وكانت ابنته تحت عبيد الله بن زياد ، وكان المنذر
من أكرم الناس عليه ، فاغتر بذلك وأدلَّ بموضعه منه ، وطلبه عبيد اللّه وقد
بلغه وروده البصرة، فقيل له: أجاره المنذر بن الجارود، فبعث عبيد اللّه إلى المنذر
فأتاه ، فلما دخل عليه بعث عبيد اللّه بالشرط فكبسوا داره وأتوه بابن مفرغ ،
فلم يشعر ابن الجارود إلا بابن مفرغ قد أقيم على رأسه ، فقام ابن الجارود إلى
عبيد اللّه فكلمه فيه ، فقال: أذكرك الله أيها الأمير أن تُخفر جواري فإنّي قد
أجرته ، فقال عبيد اللّه: يا منذرُ، اللّهَ ، ليمدحن أباك ويمدحنك وقد هجاني
وهجا أبي ثم تجيره علي ! ! لاها اللّه ، لا يكون ذلك أبداً ولا أغفرها له ،
فغضب المنذر ، فقال له : لعلك تدلي بكريمتك عندي ، إن شئت والله لأبيتها ١
بتطليق البتة ؛ فخرج المنذر من عنده .
وأقبل عبيد الله على ابن مفرغ فقال له : بئس ما صحبت به عباداً ، فقال :
بل بئس ما صحبني عباد ، اخترته على سعيد بن عثمان وأنفقت على
صحبته جميع ما أملكه ، وظننت أنّه لا يخلو من عقل زياد وحلم معاوية وسماحة
قريش ، فعدل عن ظني كله ، ثم عاملني بكل قبيح وتناولني بكل مكروه من
حبس وغُرم وشتم وضرب، فكنت كمن شام بَرْقاً خُلّباً في سحاب جهام فأراق
ماءه طمعاً فيه فمات عطشاً ، وما هربت من أخيك إلا لما خفت أن يجري فيّ ما
يندم عليه ، وقد صرت الآن في يديك فشأنك فاصنع بي ما شئت . فأمر بحبسه
وكتب إلى يزيد بن معاوية يسأله أن يأذن له في قتله ، فكتب إليه يزيد : إياك
وقتله ، ولكن تناوله بما ينكله ويشد سلطانك ولا يبلغ نفسه ، فإن له عشيرة هي
جندي وبطانتي ولا ترضى بقتله مني ولا تقنع إلا بالقود منك ، فاحذر ذلك
واعلم أنّه الجد منهم ومني وأنك مرتهن بنفسه ، ولك في دون تلفها مندوحة
تشفي من الغيظ . فورد الكتاب على عبيد اللّه ، فأمر بابن مفرغ فسقي نبيذاً
حلواً قد خلط معه الشُّبْرُم ، وقيل التِّرْ بِذ١ فأسهل بطنه فطيف به وهو على
١ ر : لأبنتها ، وفي الأغاني : لابينها .
٢ التربذ : راسب زئبقي أصفر .
٣٤٩
م

تلك الحال، وقرن بهرة وخنزيرة، فجعل يسلح والصبيان يتبعونه ويصيحون، وألح
عليه ما يخرج منه حتى أضعفه فسقط ، فقيل لعبيد اللّه : لا نأمن أن يموت ، فأمر
به أن يغسل ، ففعلوا ، فلما اغتسل قال :
يغسلُ الماءُ ما فعلتَ وقولي راسخٌ منك في العظام البوالي
فرده عبيد اللّه إلى الحبس ، وقيل لعبيد اللّه: كيف اخترت له هذه العقوبة ؟
فقال : لأنّه سلح علينا ، فأحببت أن تسلح الخنزيرةُ عليه .
وكان مما قاله ابن مفرغ في عباد بن زياد من جملة أبيات عديدة :
فبشِّر شَعْبَ قَعْكَ بانصداعِ
إذا أودى معاوية بنُ حربٍ
أبا سفيان واضعةً القناع
فأشهدُ أن أمك لم تباشرْ
على وجلٍ شديدٍ وارتياع
ولكن كان أمراًا فيه لبسٌ
وقال أيضاً :
مغلغلة عن الرجل اليماني
ألا أبلغ معاوية بنّ صخرٍ
وترضى أن يقالَ أبوك زاني
أتغضب أن يقالَ أبوك عفٌ
كرحم الفيل من ولد الأتان
فأشهدُ أن رِحْمكَ من زياد
وصخرٌ من سميةَ غيرُ دان
وأشهد أنها ولدت زياداً
قلت ، قوله : فأشهد أن رحمك من زياد ، البيت الثالث ، أخذه من قول
أبي الوليد ، وقيل أبي عبد الرحمن ، حسان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه ،
في بيت من جملة أبيات وهي قوله ٢ :
لعمرك إن إلّكَ من قريشٍ كإلّ السَّقْب من رألِ النعامِ
الإل : بكسر الهمزة وتشديد اللام ، وهو الرحم ، والسقب : بفتح السين
١ بهامش المسودة : خ : امر .
٢ ديوان حسان : ٢١٦ .
٣٥٠

المهملة وسكون القاف وبعدها باء موحدة ، وهو الذكر من ولد الناقة ، والرأل :
بفتح الراء وبعدها همزة وفي آخره لام ، وهو ولد النعام .
(340) وهذه الأبيات قالها حسان في أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب
ابن هاشم، وهو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان أخاه من الرضاعة،
أرضعتهما حليمة ابنة أبي ذؤيب السعدية، وكان من أكثر الناس شبهاً برسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكان له فيه هجاء ، وكان حسان يجاوب عنه ، فمن
ذلك هذه الأبيات الميمية - المقدم ذكرها - ، ومنها قوله١ :
ألا أبلغ أبا سفيان عني مغلغلةً فقد بَرِح الخفاءُ
وعند اللّه في ذاك الجزاء
هجوت محمداً فأجبتُ عنه
فشرّكما خير كما الفداء
أتهجوه ولستَ له بكف؛
لعرض محمدٍ منكم وقاء
فإن أبي ووالدهُ وعرضي
وقوله : فشركما خير كما الفداء ، فيه كلام لأهل العلم لأجل شر وخير
لأنهما من أداة التفضيل ، وتقتضي المشاركة .
وإنّما أجابه حسان بأمر النبي صلى الله عليه وسلّم له في ذلك .
قلت : والجماعة الذين كانوا يشبهون رسول الله صلى الله عليه وسلم من
أهله خمسة : أبو سفيان المذكور والحسن بن علي بن أبي طالب وجعفر بن أبي
طالب وقُثَم بن العباس بن عبد المطلب والسائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم
ابن المطلب بن عبد مناف ، وهو جد الإمام الشافعي ، رضي الله عنهم أجمعين .
ثم إن أبا سفيان أسلم عام الفتح ، وكان ذلك في السنة الثامنة من الهجرة ،
وحسن إسلامه ، وخرج مع النبي صلى اللّه عليه وسلّم إلى الطائف وحُنين.
ولمّا انهزم المسلمون يوم حنين كان أبو سفيان أحد السبعة الذين ثَبَتُوا مع النبي
صلى الله عليه وسلّم حتى رجع إليهم المسلمون وكانت النصرة لهم وكسبوا من
الغنائم ستة آلاف رأس من الرقيق . ثم منّ النبي صلى الله عليه وسلّم عليهم
فأطلقهم ، والشرح في ذلك يطول وليس هذا موضعه . وكان أبو سفيان
١ ديوان حسان : ٩ .
٣٥١

المذكور يومئذ ممسكاً لحام بغلة النبي صلى الله عليه وسلّم ، ولم يفارقها ، وكان
النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إنّ لأرجو أن يكون فيه خلف من حمزة بن
عبد المطلب ، وشهد له بالجنة فقال : أبو سفيان بن الحارث من شباب أهل
الجنة ، أو سيد فتيان أهل الجنة ، والله أعلم . وأكثر العلماء يقولون : اسمه
كنيته ليس له اسم سواها ، وقيل إن اسمه المغيرة ، وقيل المغيرة أخوه ، وهو
أبو سفيان لا غير . ويقال إنّه ما رفع رأسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
منذ أسلم حياء منه لما تقدم من هجائه .
رجعنا إلى حديث ابن مفرغ :
وهو من شعراء الحماسة ، وهو القائل١ :
ألا طرقتنا آخِرّ اللّيلِ زينبُ عليكِ سلامٌ هل لما فات مطلبُ
قيل أراد بالليل الشباب :
فكيف وأنتم حاجتي أتجنّبُ
وقالت تجنبنا ولا تَقْرَبَنّنا
فقلتُ : وهل قبل الثلاثين ملعب
يقولون : هل بعد الثلاثين ملعبٌ
بدتْ شيبةٌ يعرى من اللهو مركب
لقد جل خطبُ الشیب إِن کان کلّما
وذكر المظفري ٢ الأندلسي في تاريخه الكبير في جملة هذه الأبيات :
فلو أن لحمي إذ وهى لعبتْ به كرامُ ملوكِ أو أُسودٌ وأذوب
لهوَّنَ من وجدي وسلّى مصيبتي ولكنّما أودى بلحميَ أكْلُب
١ لم يرد منها في س بر من إلا البيتان الأولان وبقيتها مزيدة في هامش المسودة بخط المؤلف في تاريخ
متأخر ، وانظر ديوانه : ٤٤ .
٢ ق : المظفر، والمظفري بخط المؤلف، والمظفر أصوب، وهو محمد بن عبد الله، أحد بني الأفطس
حكام بطليوس في عهد ملوك الطوائف بالأندلس، وله تأليف كبير اسمه ((المظفري)) قيل انه في نحو
خمسين مجلداً .
٣٥٢

(341) ولمّا بلغ الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي اللّه عنهما، وفاة معاوية
ابن أبي سفيان وبيعة ولده يزيد بن معاوية عزم على قصد الكوفة بمكاتبة جماعة
من أهلها كما هو مشهور في هذه الواقعة التي قتل فيها الحسين رضي الله عنه، فكان
في تلك المدة يتمثل كثيراً بقول يزيد بن مفرغ المذكور من جملة أبيات ١ :
لا ذَعَرَتُ السّوامَ في غَلَسِ الصب ـح مغيراً ولا دُعِيت٢ُ يزيدا
يومَ أُعطي على المخافة ضيماً والمنايا يرصدنني أن أحيدا
فعلم مَنْ سمع ذلك منه أنّه سينازع ٣ يزيد بن معاوية في الأمر . فخرج
الحسين إلى الكوفة وأميرها يومئذ عبيد الله بن زياد ، فلما قرب منها سير إليه
جيشاً مقدمه عمر بن سعد بن أبي وقاص ، رضي اللّه عنه ٤ فقتل الحسين رضي الله
عنه بالطّف ، وجرى ما جرى .
وروي أن معاوية بن أبي سفيان كتب إلى الحسين رضي الله عنه : إنّ
لأظن في رأسك نزوة ، ولا بد لك من إظهارها ، وددت لو أدركتها فأغتفرها
لك° . وروي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنّه قال : لو كنت من قتلة
الحسين وغفر الله لي وأدخلني الجنّة لما دخلتها حياء من رسول الله صلى الله عليه
وسلم . وقال عبيد الله بن زياد لحارثة بن بدر الغُداني : ما تقول فيّ وفي الحسين
يوم القيامة ؟ قال : يشفع له أبوه وجده صلى الله عليه وسلّم ، ويشفع لك أبوك
وجدك ، فاعرف من هاهنا ما تريد .
نقلت من كتاب تاريخ شمس الدين أبي المظفر يوسف بن قُزُغْلي المعروف
بسبط الحافظ جمال الدين أبي الفرج ابن الجوزي الواعظ الذي سمّاه ((مرآة
الزمان)) ورأيته بخطّه في أربعين مجلداً بدمشق، وقد رتبه على السنين فقال ، في
السنة التاسعة والخمسين للهجرة ، بعد أن قص حديث يزيد بن مفرغ مع بني
........
١ ديوانه : ٧٢ .
٢ ق ع والمختار : دعوت .
٣ المختار : ينازع .
٤ المختار : عن أبيه ؛ ولم يرد الدعاء في س بر من .
٥ هنا تعليق لابن المؤلف سقط لضياع أوراق .
٢٣-٦
٣٥٣

زياد ، فقال في آخر الحديث : ومات يزيد بن مفرغ في سنة تسع وستين يعني
للهجرة ، والله أعلم .
وقال أبو اليقظان في كتاب ((النسب)): مات عباد بن زياد في سنة مائة
للهجرة يجرُود .
قلت ، وجرود١ : بفتح الجيم وضم الراء وسكون الواو وبعدها دال
مهملة ، وهي قرية من أعمال دمشق من جهة حمص ، ويكون في أرضها من
حمير الوحش شيء كثير يجاوز الحصر ، ولمّا وصل بعض عسكر الديار المصرية
إلى الشام في أثناء سنة ستين وستمائة وتوجهوا بعسكر الشام إلى أنطاكية ، وكنت
يومئذ بدمشق ، أقاموا عليها قليلاً ، ثم عادوا فدخلوا دمشق في سلخ شعبان من
السنة ، وأخبرني بعضهم بقضية غريبة يصلح أن تذكر هاهنا لغرابتها ، وهي
أنهم نزلوا على جرود المذكورة ، واصطادوا من الحمر الوحشية شيئاً كثيراً على
ما قالوا ، فذبح واحد من الجماعة حماراً وطبخ لحمه الطبخ المعتاد ، فلم ينضج
ولا قارب النضج ، فزاد في الخطب والإيقاد فلم يؤثر فيه شيئاً ، ومكث يوماً
كاملاً يفعل ذلك وهو لا يفيد ، فقام شخص من الجند وأخذ الرأس يقلبه فوجد
على أذنه وسماً فقرأه، فإذا هو ((بهرام جور)) فلما وصلوا إلى دمشق أحضروا
تلك الأذن عندي ، فوجدت الوسم ظاهراً ، وقد رق شعر الأذن إلى أن بقي
كالهباء٢ وبقي موضع الوسم أسود ، وهو بالقلم الكوفي .
(342) وهذا بهرام جور من ملوك الفرس ، وكان قبل مبعث النبي صلى
الله عليه وسلّم بزمان طويل، وكان من عاداته أنّه إذا كثر عليه ما يصطاده
وسمَهُ وأطلقه، والله أعلم كم كان عمر الحمار لما وسمه ، والله يعلم لو
تركوه ولم يذبحوه كم كان يعيش . وعلى الجملة فإن حمار الوحش من الحيوانات
المعمرة ، وهذا الحمار لعله عاش ثمانمائة سنة أو أكثر .
وهذه جرود في أرضها جبل المدخن المشهور ، وقد ذكره أبو نواس في
قصيدته التي ذكر فيها المنازل لما قصد الخصيب بمصر فقال ٣ :
١ سقط هذا الضبط من س ، وكذلك قصة حمار الوحش وبهرام جور .
٣ ديوان أبي نواس : ١٠٠ .
٢ ر : مثل الهباء .
٣٥٤

ووافينَ إشراقاً كنائسَ تدمرٍ وهُنَّ إِل رُعْنِ المدخَّنِ صُور
والمدخن : بضم الميم وبالدال المهملة وفتح الخاء المعجمة المشددة وبعدها
نون ، وسمي المدخن لأنّه لا يزال عليه مثل الدخان من الضباب .
ثم بعد هذا وجدت في كتاب ((مفاتيح العلوم)) ١ تأليف محمد بن أحمد بن
محمد بن يوسف الخوارزمي أن بهرام جور بن بهرام بن سابور الجنود بن
سابور ذي الأكتاف ، سمي بهرام جور لأنّه كان مولعاً بصيد العَيْر ، وهو
الحمار الوحشي والأهلي أيضاً ، انتهى كلامه ؛ ثم إني حسبت مدة ملكهم بعد
هذا فكانت إلى سنة الهجرة النبوية مقدار مائتين وست عشرة سنة ، فقد عاش
هذا الحمار منذ وسمه بهرام جور إلى أن ذبح في سنة ستين وستمائة مقدار
ثمانمائة سنة وأكثر، والله أعلم ٢.
قلت : وقد تكرر في هذه الترجمة حديث زياد وبنيه وسُميّة وأبي سفيان
ومعاوية ، وهذه الأشعار التي قالها يزيد بن مفرغ فيهم ، ومن لا يعرف هذه
الأسباب قد يتشوف إلى الاطلاع عليها ، فنورد منها شيئاً مختصراً ، فأقول :
(343) إن أبا الجبر ٣ الملك الذي ذكره أبو بكر ابن دريد في المقصورة
المشهورة في البيت الذي يقوله فيها ، وهو ٤ :
وَخَامَرَتْ نفسُ أبي الجبرِ الجَوَى حتى حَوَاهُ الحتفُ فیمنْ قَدْ حوى
كان أحد ملوك اليمن واسمه كنيته ، وقيل هو أبو الجبر يزيد بن شُرَحْبيل
الكندي ، وقيل أبو الجبر بن عمرو ، وتغلب عليه قومه فخرج إلى بلاد فارس
يستجيش كسرى عليهم فبعث معه جيشاً من الأساورة ، فلما صاروا إلى كاظمة
ونظروا إلى وحشة بلاد العرب وقلة خيرها قالوا : إلى أين نمضي مع هذا ؟
١ مفاتيح العلوم : ٦٥ .
٢ ثم بعد هذا وجدت ... أعلم : سقط من ر س .
٣ أبا الخير في س . .
٤ انظر شرح التبريزي للمقصورة .
٣٥٥

فعمدوا إلى سم فدفعوه إلى طباخه ، ووعدُوه بالإحسان إليه إن ألقى ذلك السم
في طعام الملك ففعل ذلك ، فما استقر الطعام في جوفه حتى اشتد وجعه ، فلما
علم الأساورة ذلك دخلوا عليه فقالوا له : إنك قد بلغت إلى هذه الحالة ، فاكتب
لنا إلى الملك كسرى أنك قد أذنت لنا في الرجوع ، فكتب لهم بذلك .
ثم إن أبا الجبر خف ما به، فخرج إلى الطائف، البُليدة التي بالقرب من مكة،
وكان بها الحارث بن كَلَدَة طبيب العرب الثقفي ، فعالجه فأبرأه ، فأعطاه سمية -
بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد الياء المثناة من تحتها وفي آخره هاء -
وَعُبيداً - بضم العين المهملة تصغير عبد - وكان كسرى قد أعطاهما أبا الجبر
في جملة ما أعطاه ، ثم ارتحل أبو الجبر يريد اليمن ، فانتقضت عليه العلة
فمات في الطريق .
(344) ثم إن الحارث بن كَلَدَةَ الثقفي زَوَّجَ عبيداً المذكور سُمية المذكورة
فولدت سمية زياداً على فراش عبيد ، وكان يقال له زياد بن عبيد ، وزياد بن
سمية ، وزياد ابن أبيه ، وزياد ابن أمه ، وذلك قبل أن يستلحقه معاوية - كما
سيأتي إن شاء الله تعالى - وولدت سُمية أيضاً أبا بكرة نفيع بن الحارث بن
كَلَدَة المذكور ، ويقال نفيع بن مسروح ، وهو الصحابي المشهور بكنيته
رضي الله عنه، وولدت أيضاً شبل بن معبد ونافع بن الحارث، وهؤلاء الإخوة
الأربعة هم الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة بالزنا - وسيأتي خبر ذلك بعد
الفراغ من حديث زياد إن شاء اللّه تعالى - ؛ وكان أبو سفيان صخر بن
حرب الأموي والد معاوية بن أبي سفيان يتهم في الجاهلية بالترداد إلى سمية
المذكورة ، فولدت سُمية زياداً في تلك المدة ، لكنها ولدته على فراش
زوجها عبيد . ثم إن زياداً كبر وظهرت منه النجابة والبلاغة ، وهو أحد
الخطباء المشهورين في العرب بالفصاحة والدهاء والعقل الكثير حتى إن
عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان قد استعمل أبا موسى الأشعري رضي
الله عنه على البصرة ، فاستكتب زياد ابن أبيه . ثم إن زياداً قدم على عمر
رضي الله عنه من عند أبي موسى ، فأعجب به عمر رضي الله عنه ، فأمر له
بألف درهم، ثم تذكرها بعدما مضى فقال : لقد ضاع ألف أخذها زياد ، فلما
٣٥٦

قدم عليه بعد ذلك قال له : ما فعل ألفك يا زياد ؟ قال : اشتريت بها عُبَيْداً
فأعتقته ، يعني أباه ، قال : ما ضاع ألفك يا زياد ، هل أنت حامل كتابي إلى
أبي موسى في عزلك عن كتابته ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، إن لم يكن ذلك
عن سخطة ، قال : ليس عن سخطة ، قال : فلم تأمره بذلك ؟ قال : كرهت
أن أحمل على الناس فضلَ عقلك .
واستكتب أبو موسى بعد زياد أبا الحصين ابن أبي الحرِّ العنبري ، فكتب
إلى عمر رضي الله عنه كتاباً فلحن في حرف منه ، فكتب إليه أن قنّعْ كاتبك
سوطاً .
وكان عمر رضي الله عنه إذا وفد إليه من البصرة رجل أحبّ أن يكون
زياداً ليشفيه من الخبر . وكان عمر رضي الله عنه قد بعثه في إصلاح فساد وقع
باليمن ، فرجع من وجهه ، وخطب خطبة لم يسمع الناس مثلها ، فقال عمرو
ابن العاص : أما والله لو كان هذا الغلام من قريش لساق العرب بعصاه ، فقال
أبو سفيان : والله إنّي لأعرف الذي وضعه في رحم أمه ، فقال له علي بن أبي
طالب رضي الله عنه : ومن هو يا أبا سفيان ؟ قال : أنا ، قال : مهلاً أبا
سفيان ، فقال أبو سفيان :
يراني يا عليٌّ من الأعادي
أما والله لولا خوفُ شخصٍ
ولم يَكْنِ المقالةَ عن زياد
لأظهر سرَّه صخرُ بنُ حربٍ
وتركي فيهم ثمرّ الفؤاد
وقد طالت مجاملي ثقيفاً
فلما صار الأمر إلى علي رضي الله عنه وجه زياداً إلى فارس ، فضبط البلاد
وحمى وجبى وأصلح الفساد ، فكاتبه معاوية يروم إفساده على علي ، رضي الله
عنه ، فلم يفعل ووجّه بكتابه إلى عليّ وفيه شعر تركته ، فكتب إليه علي : إنما
وليتك ما وليتك وأنت أهلٌ لذلك عندي ، ولن تدرك ما تريده ممّا أنت فيه
إلا بالصبر واليقين ، وإنّما كانت من أبي سفيان فلتة زمن عمر رضي الله عنه
لا تستحقّ بها نسباً ولا ميراثا، وإن معاوية يأتي المرء من بين يديه ومن خلفه
فاحذره ثم احذره ، والسلام . فلما قرأ زياد الكتاب قال : شهد لي أبو الحسن
٣٥٧

وَرَبّ الكعبة ، فذلك الذي جَرَّأ زياداً ومعاوية على ما صنعا ١ .
فلما قتل علي رضي الله عنه وتولى ولده الحسن رضي الله عنه، ثمّ فوّض
الأمر إلى معاوية كما هو مشهور ، أراد معاوية استمالة زياد إليه وقصد تأليف
قلبه ليكون معه كما كان مع علي ، رضي الله عنه ، فتعلق بذلك القول الذي صدر
من أبيه بحضرة علي وعمرو بن العاص ، فاستلحق زياداً في سنة أربع وأربعين
للهجرة ، فصار يقال له زياد بن أبي سفيان . فلما بلغ أخاه أبا بكرة أن معاوية
استلحقه وأنّه رضي ذلك حلف يميناً أن لا يكلمه أبداً، وقال : هذا زنَّى أُمه
وانتفى من أبيه ، والله ما علمتُ سُمَية رأت أبا سفيان قط ، ويله ما يصنع بأم
حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي صلى الله عليه وسلّم ، أيريد أن يراها ، فإن
حجبته فضحته وإن رآها فيا لها مصيبة، يهتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم
حرمةً عظيمة . وحج زياد في زمن معاوية ودخل المدينة ، فأراد الدخول على
أم حبيبة لأنها أخته على زعمه وزعم معاوية ، ثم ذكر قول أخيه أبي بكرة ،
فانصرف عن ذلك . وقيل إن أم حبيبة حجبته ولم تأذن له في الدخول عليها ،
وقيل إنّه حج ولم يزر من أجل قول أبي بكرة ، وقال : جزى الله أبا بكرة
خيراً ، فما يدع النصيحة على حال ٢ . وقدم زياد على معاوية وهو نائب عنه
١ ر : فعلا .
٢ علق هنا صاحب المختار بقوله: ((قلت، أعني كاتبها موسى بن أحمد لطف الله به: نقلت من
خط والدي رضي الله عنه ما صورته : وفد على معاوية بن أبي سفيان وفد من بني مخزوم وفيهم
رجل أعمى معروف بين العرب ، فوقفوا ببابه ينتظرون الإذن لهم في الدخول عليه ، فجاء زياد
ابن أبيه يوماً ليدخل إلى معاوية فسلم فارتج له الباب ، فقال أعمى بني مخزوم : من الرجل ؟
فقيل له زياد بن أبي سفيان ، فقال : كذب واللّه، إن أبا سفيان كان صديقي وأغشاه في كل
وقت وأنا أعرف الناس به وببنيه وحاشاه من الزنا ، فمضى زياد إلى معاوبة فقال له صد عني
أعمى بني مخزوم فقال معاوية ولم ذلك ؛ قال : طعن في نسبي منك وأفسد في عقائد أهل الشام،
فقال له معاوية : أعجزت عن قطع لسانه ، فانصرف إلى منزله ، وأرسل إلى أعمى بني مخزوم
بألف دينار ، فلما كان من الغد جاء ليدخل على معاوية ((فسلم على من بالباب ، وفيهم وفد بني
مخزوم والأعمى فارتج له الباب ، فقال الأعمى : من المسلم ؟ فقيل زياد ، فبكى الأعمى ، فقيل
له مم بكاؤك ؟ فقال : قد علمتم ما كان بيني وبين أبي سفيان رحمه الله من المودة والألفة وكنت
أعرف منه بحة في حلقه وقد سمعتها من نغمة ولده زياد ، فذكرت عهده فبكيت . انتهى ما
نقلته والله أعلم)) .
٣٥٨

وحمل معه هدايا جليلة ، من جملتها عقد نفيس ، فأعجب به معاوية ، فقال
زياد : يا أمير المؤمنين ، دوخت لك العراق ، وجبيت لك برها وبحرها وحملت
إليك لبها وسرَّها ، وكان يزيدُ بن معاوية جالساً فقال له : أما إنّك إذ فعلت
ذلك فإنّا نقلناك من ثقيف إلى قريش، ومن عُبَيْدٍ إلى أبي سفيان ، ومن القلم
إلى المنابر ، فقال له معاويةُ : حسبك ، وَرِيتْ بِكَ زنادي .
وقال أبو الحسن المدائني : أخبرنا أبو الزبير الكاتب عن ابن إسحاق قال :
اشترى زياد أباه عبيداً ، فقدم زياد على عمر رضي الله عنه ، فقال له : ما
صنعت بأول شيء أخذت من عطائك ؟ قال : اشتريتُ به أبي ، قال : فأعجب
ذلك عمر رضي الله عنه ، وهذا ينافي استلحاق معاوية إياه ، والله أعلم .
ولمّا ادعى معاوية زياداً دخل عليه بنو أمية ، وفيهم عبد الرحمن بن الحكم
أخو مروان بن الحكم الأموي ، فقال : يا معاوية ، لو لم تجد إلا الزنج
لاستكثرت بهم علينا قلةً وذلة ، فأقبل معاوية على أخيه مروان بن الحكم وقال :
أخرجْ عنا هذا الخليع ، فقال مروان : والله إنّه لخليجٌ ما يطاق ، قال معاوية :
والله لولا حلمي وتجاوزي لعلمت أنّه يطاق ، ألم يبلغني شعره فيّ وفي زياد؟
ثم قال لمروان : أسمعنيه ، فقال :
لقد ضاقتْ بما تأتي اليدان
ألا أبلغ معاوية بن صخر
وترضى أن يقالَ أبوك زان
أتغضبُ أن يقالَ أبوك عفّ
وقد تقدم ذكر بقية هذه الأبيات منسوبةً إلى يزيد بن مفرغ ، وفيها خلاف
هل هي ليزيد بن مفرغ أم لعبد الرحمن بن الحكم ، فمن رواها لابن مفرغ
روى البيت الأول على تلك الصورة ، ومن رواها لعبد الرحمن رواها على
هذه الصورة .
ولمّا استلحق معاوية زياداً وقرّبه وأحسن إليه وولاه ، صار من أكبر
الأعوان على بني علي بن أبي طالب ، رضي الله عنهُ، حتى قيل إنّه لمّا كان
أمير العراقين طلب رجلاً من أصحاب الحسن بن علي رضي الله عنهما يعرف
بابن سَرْح وكان في الأمان الذي كتب لأصحاب الحسن رضي الله عنه لمّا نزل
٣٥٩

عن الخلافة لمعاوية ، فكتب الحسنُ إلى زياد : من الحسن إلى زياد ، أما بعد ،
فقد علمت ما كنا أخذنا لأصحابنا من الأمان ، وقد ذكر لي ابنُ سَرْح أنك
عرضت له فأحب أن لا تعرض له إلا بخير ، والسلام . فلما أتاه الكتابُ وقد
بدأ فيه بنفسه ، ولم ينسبه إلى أبي سفيان غضب وكتب إليه : من زياد ابن أبي
سفيان إلى الحسن ، أما بعد ، فإنّه أتاني كتابك في فاسق تؤويه الفساق من شيعتك
وشيعة أبيك ، وايم الله لأطلبنه ولو كان بين جلدك ولحمك، وإنّ أحبّ الناس
إليّ لحماً أن آكله للحم أنت منه . فلما قرأه الحسن رضي الله عنه بعث به إلى
معاوية ، فلما قرأه غضب وكتب إلى زياد : من معاوية بن أبي سفيان إلی زیاد ،
أما بعد ، فإن الحسن بن عليّ بعث إليّ كتابك إليه، جوابَ كتابه كان إليك في
ابن سرح ، فأكثرتُ التعجب منه ، وقد علمت أن لك رأيين : رأيٌ من أبي
سفيان ، ورأيٌ من سمية ، فأمّا رأيك من أبي سفيان فحلم وحزم ، وأما رأيك
من سُمَيَة فكما يكون رأي مثلها ، ومن ذلك كتابك إلى الحسن تسميه وتعرض
له بالفسق ، ولعمري لأنت أولى بذلك منه ، فإن كان الحسن بدأ بنفسه ارتفاعاً
عنك فإن ذلك لن يضعك ، وأمّا تركك تشفيعه فيما شفع فيه إليك فحظ دفعته
عن نفسك إلى مَنْ هو أولى به منك، فإذا أتاك كتابي فخلّ ما بيدك لابن سرح
ولا تعرض له فيه ، فقد كتبت إلى الحسن يخيّره : إن شاء أقام عنده وإن شاء
رجع إلى بلده ، وإنّه ليس لك عليه سبيل بيد ولا لسان . وأمّا كتابك إلى الحسن
باسمه ولا تنسبه إلى أبيه ، فإن الحسن ويحك ممن لا يرمى به الرّجوّان ،
أفاستصغرت أباه ، وهو عليّ ابن أبي طالب ؟ أم إلى أُمّه وكلته وهي فاطمة بنت
رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فذلك أفخر له إن كنت١ عقلت ، والسلام.
قوله : لا يرمى به الرّجوان ، بفتح الراء الجيم ، وهو لفظ مثنى ، ومعناه
المهالك .
قلت : وقد رُوِيَتْ هذا الحكاية على صورة أُخرى وهي ٢ : كان سعيد
١ ر : فالآن حين فخرت له لو .
٢ كان المؤلف قد زاد هذه الرواية في ورقة منفصلة وكتب عندها ((تكتب هذه الورقة بعد الملحق
في الحاشية)) ولكن النسخة س لم توردها .
٣٦٠