Indexed OCR Text
Pages 241-260
المغابن : مطاوي البدن مثل الإبط وغيره ، واحدها مغبن ، بفتح الميم وكسر الباء الموحدة وسكون الغين المعجمة - قال : فسقط الخاتم من يده ، فحين رأيت الخاتم تعجبت من المنام ، قال : ورأيت في وقت غسله آثاراً في وجهه وجسده تدل على أنّه مسموم ، فلما خرجت جنازته غلقت أسواق بغداد١ ، ولم يتخلف عن جنازته أحد ، وصلّ عليه في جامع القصر ٢، وحمل إلى باب البصرة ، فدفن في مدرسته التي أنشأها ، وقد دثرت الآن ، ورثاه جماعة من الشعراء ؛ انتهى كلام أبي الفرج ابن الجوزي . وقال مؤلف سيرة الوزير المذكور : إن سبب موته كان بلغماً ثار بمزاجه وقد خرج مع المستنجد للصيد ، فسقي مسهلا فقصر عن استفراغه ، فدخل إلى بغداد يوم الجمعة سادس جمادى الأولى راكباً متحاملاً إلى المقصورة لصلاة الجمعة فصلى بها وعاد إلى داره ، فلما كان وقت صلاة الصبح عاوده البلغم ، فوقع مغشياً عليه ، فصرخ الجواري فأفاق فسكتهن ، وبلغ الخبر ولده عز الدين أبا عبد الله محمداً، وكان ينوب عنه في الوزارة ، فبادر إليه ، فلما دخل عليه قال له : قد بث ٣ أستاذ الدار عضد الدين ٤ أبو الفرج محمد بن عبد الله بن هبة اللّه بن المظفر بن رئيس الرؤساء المعروف بابن المسلمة جماعة ليستعلم ° ما هذا الصياح ، فتبسم الوزير على ما هو عليه من تلك الحال وأنشد : بظلمٍ يسل السيفَ بعد وفاتي و کم شامتٍ بي عند موتي جهالةً من الضرّ بعدي مات قبل مماتي ولو علم المسكين ما ذا يناله ثم تناول مشروباً فاستفرغ به ، ثم استدعى بماء فتوضأ للصلاة وصلى قاعداً فسجدَ فأبطأ عن القعود من السجود فحركوه فإذا هو ميت ، فطولع به الإمام المستنجد فأمر بدفنه . ١ ق ع س بر من : الأسواق ببغداد . ٢ ق ع : جامع المنصور . ٠ ٣ ر : بعث . ٤ المختار : عضد الدولة ٥ س بر من : لتستعلم . ١٦ - ٦ ٢٤١ وخلف ولدين : أحدهما عز الدين المذكور والآخر شرف الدين أبو الوليد مظفر١ . وأمّا مولده فقد ذكر أبو عبد الله محمد بن القادسي في ((تاريخ الوزراء)) ٢ أنّه ولد في سنة سبع وتسعين وأربعمائة على ما ذكره من لفظه، رحمه اللّه تعالى . قال بعضهم : رأيته في المنام بعد موته ، فسألته عن حاله ، فقال : قد سئلنا عن حالنا فأجبنا بعد ما حال حالنا وحُجبنا ووجدنا ممحصاً ما اكتسبنا فوجدنا مضاعفاً ما كسبنا ولمّا بلغ خبر موته عضد الدين ابن المظفر أستاذ الدار المذكور كان بحضرته سبط ابن التعاويذي - المذكور قبل هذا - وهو من موالي بني المظفر فإن أباه كان مملوكاً لبعض بني المظفر ، واسمه نشتكين فسماه ابنه عبد الله ، فأراد سبط ابن التعاويذي أن يتقرب إلى عضد الدين لعلمه ما بينه وبين الوزير، فأنشد مرتجلاً : قال لي ، والوزير قدمات، قومٌ قمْ لنبكي أبا المظفر يحيى قلتُ أهونْ عندي بذلك رزاً ومصاباً وابنُ المظفر يحيا وقال آخر ، ولا أذكر اسمهُ الآن ، لكنه من الشعراء المشاهير : أيا ربِّ مثلُ الماجدِ ابن هبيرة يموتُ ويحيا مثل يحيى بن جعفرٍ موت بیحیی کلّ فضلٍ وسؤدد ویحیا بیحیی كلُّ جهل ومنكر والمقصود أن محاسنه كانت كثيرة ، وقد أطلت هذه الترجمة حتى استوفيت مقاصدها . ورأيت في كتاب ((النبراس في تاريخ خلفاء بني العباس)» تأليف أبي الخطاب ابن دحية غلطة أحببت التنبيه عليها في هذا الكتاب كي لا يقف عليها ١ ق ع س : أبو البدر ظفر . ٢ س بر : تاريخ الوزارة . ٢٤٢ أحد فيظنه مصيباً فيما ذكره ، وهو أنّه قال في خلافة المقتفي لأمر الله ما مثاله : وسعد بوزيره أبي المظفر عون الدين يحيى بن محمد بن هبيرة من ولد الأمير الكبير أبي حفص عمر بن هبيرة ، وقد ذكر المؤرخون فضائل جده ، التي حازها عون الدين من بعده ، ثم ذكر مكرمة جرت لعمر بن هبيرة الفزاريّ أمير العراقين في دولة بني أمية ، وظن ابنُ دحية المذكور أن الوزير المذكور من ذرية ذلك المتقدم ، وعجبت منه من ذلك ، فإن الوزير شيباني النسب - كما شرحناه في أول الترجمة - وذاك فزاري النسب - كما يأتي في ترجمة ولده يزيد بن عمر ابن هبيرة إن شاء اللّه تعالى - وأين شيبان من فزارة ؟ ولا شك أنّه ما أوقعه في هذا الأمر إلا ما رآه في نسب الوزير، فقد جاء فيه عمر بن هبيرة ، فتوهم أن هذا هو ذاك ، وليس الأمر كما توهمه ، ومثل ابن دحية لا يعذر فقد كان حافظاً ومطلعاً على أمور الناس ، وهذا الأمر واضح لكن الخطأ موكل بالإنسان . (327) قلت : وأكثر من جرى ذكره في هذه الترجمة قد تقدم ذكره في هذا التاريخ ، وأفردت لكل واحد منهم بترجمة مستقلة ، سوى الشيخ الزبيدي ، فإنّه كان كبير القدر يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، وما انتفع الوزير إلا بصحبته ، وما ذكرته في هذا التاريخ ، فينبغي التنبيه عليه ، إذ مثله لا يهمل ، وكان دخوله بغداد في سنة تسع وخمسمائة ، وتوفي في شهر ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمسمائة ، رحمه اللّه تعالى . وقال أبو عبد الله اللّه ابن النجار في ((تاريخ بغداد)): كان مولده بزبيد في ليلة الأربعاء الثاني والعشرين من المحرم سنة ستين وأربعمائة ، وتوفي ليلة الاثنين مستهل شهر ربيع الآخر سنة خمس وخمسين وخمسمائة ، ودفن بمقبرة جامع المنصور ببغداد ، رحمه الله تعالى . وقول الآخر : أيا رب مثل الماجد ابن هبيرة يموت ويحيا مثل يحيى بن جعفر! (328) فالمراد به أبو الفضل يحيى بن أبي القاسم عبد الله بن محمد بن المعمر ابن جعفر الملقب زعيم الدين ، تولى النظر بالمخزن في جمادى الآخرة سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة إلى سنة سبع وستين ، ففيها ناب في الوزارة بعد عزل ٢٤٣ أبي الفرج ابن المظفر ، ولم يزل على ذلك إلى أن توفي ، وكان مشكوراً محمود الطريقة محباً لأهل العلم ، وكانت ولادته ليلة الجمعة بعد العشاء الأخير التاسع والعشرين من صفر سنة إحدى عشرة وخمسمائة ، وتوفي ليلة العشرين من شهر ربيع الأول سنة سبعين وخمسمائة ببغداد ، ودفن من الغد في الحربية بتربة له ، رحمه الله تعالى ١ . ٨٠٨ ابن زيادة أبو طالب يحيى بن أبي الفرج سعيد بن أبي القاسم هبة الله بن علي بن فرغلي ٢ ابن زَبادة الشيباني ، الكاتب المنشيء الواسطي الأصل ، البغدادي المولد والدار والوفاة ، الملقب قوام الدين ، وقيل عميد الدين ؛ كان من الأعيان الأماثل والصدور الأفاضل ، انتهت إليه المعرفة بأمور الكتابة والإنشاء والحساب مع مشاركته في الفقه وعلم الكلام والأصول وغير ذلك ، وله النظم الجيد . جالس أبا منصور ابن الجواليقي وقرأ عليه وعلى من بعده ، وسمع الحديث من جماعة ، وخدم الديوان من صباه إلى أن توفي عدة خدمات ، وكان مليح العبارة في الإنشاء ، جيد الفكرة حلو الترصيع لطيف الإشارة ، وكان الغالب عليه في رسائله العناية بالمعاني أكثر من طلب التسجيع ، وله رسائل بليغة ٣ وشعر رائق ، وفضله أشهر من أن يذكر . ١ كتب في ع في إثر ذلك: آخر هذه الترجمة والحمد لله وحده؛ قلت وبعدها بحسب ترتيب ع تجيء ترجمة ابن الجراح . ٨٠٨ - ترجمته في معجم الأدباء ٢٠: ١٦ ومرآة الجنان ٣ : ٤٧٧ وعبر الذهبي ٤: ٢٨٤ والشذرات ٤ : ٣١٨ والبداية والنهاية ١٣ : ١٧. ٢ ابن فرغلي : سقطت من س ق ع والمختار . ٣ علق صاحب المختار هنا بقوله: ((قلت، أعني كاتبها موسى بن أحمد، لطف الله به: ومن رسائله = ٢٤٤ وتولى النظر بديوان البصرة وواسط والحلة ، ولم يزل على ذلك إلى أن طلب من واسط والحلة ، ولم يزل على ذلك إلى المحرم سنة خمس وسبعين وخمسمائة ، ورتب حاجباً بباب النوبي ، وقلد النظر في المظالم ، ثم عزل عن ذلك في شهر ربيع الأول سنة سبع وسبعين ، ثم أعيد إليه في جمادى الأولى سنة اثنتين وثمانين، فلما قتل أستاذ الدار - وهو مجد الدين أبو الفضل هبة الله بن علي بن هبة الله بن محمد بن الحسن المعروف بابن الصاحب ، وكان قتله يوم السبت تاسع عشر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة ، ترتب ابن زبادة المذكور مكانه ، ثم عزل في سنة خمس وثمانين ، وعاد إلى واسط فأقام بها إلى أن استدعي في شهر رمضان سنة اثنتين وتسعين ، وقلد ديوان الإنشاء في يوم الاثنين الثاني والعشرين من شهر رمضان ، ثم رد إليه النظر في ديوان المقاطعات ، فكان على ذلك إلى حين وفاته . وكان حسن السيرة محمود الطريقة متديناً ، حدث بشيء يسير وكتب الناس عنه كثيراً من نظمه ونثره ، فمن ذلك قوله : باضطرابِ الزمانِ ترتفعُ (١ الأنذالُ فيه حتى يعمّ البلاء وكذا الماء ساكنا٢ً فإذا حُرّكَ ثارتْ من قعره الأقذاءُ وله أيضاً : إنّ لأعظمُ ما تلقوني جلدا إذا توسطت هولَ الحادث النكد إلا إذا حصلت في زبرة الأسد کذلك الشمسُ لا تزدادُ قوتها وكتب إلى الإمام المستنجد يهنيه بالعيد : يا ماجداً جل قدراً أن نهنَّهُ لنا الهناءُ بظلّ منكَ ممدود = الفائقة ما كتبه عن الإمام الناصر إلى السلطان صلاح الدين ينكر عليه أموراً منها كونه تسمى بالملك الناصر وشارك الخليفة في هذا الاسم ، وقفت عليها وعلى جواب القاضي الفاضل عنها ، وبينهما بون كبير، فما لحق الفاضل فيها غباره، والله أعلم)). ١ س : يرتفع . ٢ س : ساجياً . ٢٤٥ الدهر أنت ويوم العيد منك وما في العرف أنا نُهَنّي الدهر١ بالعيد وله أيضاً : تنلِ المرادَ ولو سموتَ إلى السما إن كنت تسعى للسعادة فاستقم" لما استقام على الجميع تقدما ألفُ الكتابة وهو بعضُ حروفها وله أيضاً : أناله الدهرُ منهم فوق همّهِ لا تغبطنَّ وزيراً للملوك وإن أرضُ الوقورُ كما مارت لهيبته واعلمْ بأن له يوماً تمورُ به الـ هرون وهو أخو موسى الشقيقُ له لولا الوزارةُ لم يأخذ بلحيته وله كل معنى مليح ، وله ديوان رسائل وقفت عليه في بلادنا ، ولم يحضرني شيء منه كي أثبته هاهنا . وقال أبو عبد الله محمد بن سعيد الدبي في تاريخه : أنشدنا أبو طالب يحيى ابن سعيد بن هبة الله ، يعني ابن زبادة المذكور ، من حفظه ، قال : أنشدني أبو بكر أحمد بن محمد الأرجاني لما قدم بغداد علينا في سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة لنفسه - قلت : وهو ناصح الدين أبو بكر أحمد الأرجاني المقدم ذكره ٢ - قوله : وقد راعها بالعيس رَجْعُ حُداءِ ومقسومة العينين من دهشِ النوى وأُخرى تراعي أعينَ الرقباء تجيبُ بإحدى مقلتيها تحيني لهم دمعها واستعصمت بحياء رأت حولها الواشين طافوا فغيضت وقد روعتني فرقةُ القرناء فلمّا بكت عيني غداةَ وداعهمْ فغاروا وظنّوا أن بكت لبكائي بدت في محياها خيالاتُ أدمعي ١ ق بر : العيد . . ٢ ج ١ : ٠١٥١ ٢٤٦ وكتب إليه أبو الغنائم محمد بن علي المعروف بابن المعلم الهرثّي الشاعر - المقدم ذكره١ - وقد عزل عن نظر واسط : تروي الورى بسماحك الهتان ولأنتَ إن لم يبللِ الغيثُ الثرى تدعو إلى النقصان والشنآن لم يعزلوك عن البلاد لحالة حفظوا بلادهمُ مِنَ الطوفان بل مذ رأوا آثارَ جودك زاخراً قلت : وحكى لي الوجيه أبو عبد الله محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن سويد التاجر التكريتي قال : كان الشيخ محيي الدين أبو المظفر يوسف بن الحافظ جمال الدين أبي الفرج بن الجوزي الواعظ المشهور قد توجه رسولاً من بغداد إلى الملك العادل بن الملك الكامل ابن الملك العادل بن أيوب سلطان ٢ مصر في ذلك الوقت ، وكان أخوه الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل محبوساً في قلعة الكرك يومئذ - وقد شرحت ذلك في ترجمة الكامل في هذا التاريخ - قال الوجيه : فلما عاد محيي الدين راجعاً إلى بغداد وقدم دمشق ، كنت بها ، فدخلت عليه أنا والشيخ أصيل الدين أبو الفضل عباس بن عثمان ابن نبهان الإربلي ، وكان رئيس التجار في عصره ، وجلسنا نتحدث معه فقال : قد حلفت الملك الناصر داود صاحب الكرك أن لا يخرج الملك الصالح من الحبس إلا بأمر أخيه الملك العادل ، قال : فقال له الأصيل : يا مولانا ، هذا بأمر الديوان العزيز ؟ فقال محيي الدين : وهل هذا يحتاج ٣ إلى إذن ؟ هذا اقتضته المصلحة، ولكن أنت تاريخ يا أصيل، فقال: يعني مولانا أنّي قد كبرت وما أدري ما أقول ، وأنا أحكي لمولانا حكاية في هذا المعنى أعرفها من غرائب الحكايات ، قال : هات ، فقال : كان ابن رئيس الرؤساء ناظر واسط يحمل في كل شهر حمل واسط وهو ثلاثون ألف دينار لا يمكن أن يتأخر يوماً واحداً عن العادة ، فتعذر في بعض الأشهر كمال الحمل ، فضاق صدره لذلك وذكره ١ انظر جـ ٥ : ٥ . ٢ المختار : صاحب . ٣ ع: محتاج. ٢٤٧ لنوابه ، فقالوا له : يا مولانا هذا ابن زبادة عليه من الحقوق أضعاف ذلك ، ومتى حاسبته قام بما يتم الحمل وزيادة ، فاستدعاه وقال له : لم لا تؤدي كما يؤدي الناس ؟ فقال : أنا معي خط الإمام المستنجد بالمسامحة ، قال : هل معك خط مولانا الإمام الناصر ؟ قال : لا ، قال : قم واحمل ما يجب عليك ، قال : ما ألتفت إلى أحد ولا أحمل شيئاً . ونهض من المجلس ، فقال النواب لابن رئيس الرؤساء : أنت صاحب الوسادتين وناظر النظار ، وما على يدك يد ، ومن هو هذا حتى يقابلك بمثل هذا القول ؟ ولو كبست داره وأخذت ما فيها ما قال لك أحد شيئاً ، وحملوه عليه حتی رکب بنفسه وأجناده ، وكان ابن زبادة يسكن قبالة واسط ، وقدموا إلى ابن رئيس الرؤساء السفن حتى يعبر إليه ، وإذا بزيزب قد قدم من بغداد ، فقال : ما قدم هذا إلا في مهم ، ننظر ما هو ثم نعود إلى ما نحن بسببه ، فلما دنا من الزبزب فإذا فيه خدم من خدام الخليفة ، فصاحوا به : الأرض الأرض ، فقبل الأرض وناولوه مطالعة ، وفيها : قد بعثنا خلعة ودواة لابن زبادة ، فتحمل الخلعة على رأسك والدواة على صدرك ، وتمشي راجلاً إليه وتلبسه الخلعة وتجهزه إلينا وزيراً ، فحمل الخلعة على رأسه والدواة على صدره ومشى إليه راجلاً ، فلما رآه ابن زبادة أنشده ابن رئيس الرؤساء : إذا المرء حيٌّ فهو يرجي ويتقي وما يعلمُ الإنسانُ ما في المغيَّبِ وآخذ يعتذر إليه ، فقال له ابن زبادة : لا تثريب عليكم اليوم ، وركب في الزبزب إلى بغداد ، وما علموا أن أحداً أرسلت إليه الوزارة غيره ، فلما وصل إلى بغداد كان أول ما نظر فيه أن عزل ابن رئيس الرؤساء عن نظر واسط قال : هذا ما يصلح لهذا المنصب ، ثم قال الأصيل : ولا يأمن مولانا أن يخرج الملك الصالح ويملك ويعود إليه رسولاً ويقع وجهك في وجهه وتستحيي منه ، فأنشده محيي الدين قوله : وحتى يؤوب القارظان كلاهما وينشرّ في الموتى كليبٌ لوائلٍ فما كان إلا مديدة حتى خرج الملك الصالح من حبس الكرك وملك مصر وكان ما كان . قلت : وكنت بمصر ومحيي الدين بها رسول إلى الملك ٢٤٨ العادل ، وقبض العادل ، وجاء الصالح فخرج محي الدين التقاه ، وشاهدت ذلك . هكذا ذكر لي الوجيه هذه الحكاية ، وفيها غلط إمّا من الوجيه أو من الأصيل ، فإن ابن زبادة ما ولي الوزارة ولا تولى إلّ ما ذكرته في أوائل ترجمته ، فإن كان هذا صحيحاً فيكون ذلك لما طلب للإنشاء كما شرحته ، والله أعلم بالصواب . قال ابن الدبيني المذكور : سألت أبا طالب ابن زبادة عن مولده فقال : ولدت يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من صفر سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة وتوفي ليلة الجمعة السابع والعشرين من ذي الحجة سنة أربع وتسعين وخمسمائة وصلي عليه بجامع القصر ، ودفن بالجانب الغربي بمشهد الإمام موسى بن جعفر رضي الله عنهما ، يعني ببغداد . وزبادة : بفتح الزاي ، هو القطعة من الزباد الذي يتطيب النسوان به، والله أعلم . ٨٠٩ يحي بن نزار المنبجي أبو الفضل يحيى بن نزار بن سعيد المنبجي ؛ ذكره الحافظ أبو سعد عبد الكريم بن السمعاني في كتاب ((الذيل على تاريخ الخطيب)) المختص ببغداد ، فقال : له شعر مطبوع غير متكلف ، وكتب لي أبياتاً من شعره ، وسمعت منه ، وسألته عن مولده فقال : ولدت في المحرم من سنة ست وثمانين وأربعمائة بمنبج . وأورد له مقاطيع أنشده إياها ، فمن ذلك قوله : ٨٠٩ - ترجمته في الخريدة (قسم الشام) ٢: ٢٣٤ ومرآة الزمان: ٢٣٣. والمنتظم ١٠ : ١٩١ ومعجم الأدباء ٢٠ : ٣٦. ٢٤٩ لعاشقه في همّه والبلابلِ وأغيَد غضّ زاد خَطُّ عذاره فتقذفُ منهاً عنبراً في السواحل تموجُ بحارُ الحسنِ في وَجَنَاته فتنبت ريحاناً جنوبَ الجداول وتُجري بخديه الشبيبةُ ماءَها قلت : وقد خطر لي على هذا مأخذ وهو أنّه جعل في البيت الثاني بحار الحسن تموج في وجناته ، فكيف يقول في البيت الثالث (( وتجري بخديه الشبيبة ماءها )) وما مقدار ماء الشبيبة بالنسبة إلى بحار الحسن ؟ وما كفى هذا حتى جعلها جداول ، والجداول الأنهار ، وأين الأنهار من البحار ، ؟ ثم إنّه في البيت الثاني قد شبه العذار بالعنبر ، فكيف يجعله في البيت الثالث ريحاناً ؟ وأين العنبر من الريحان ؟ وإن كان كل واحد من العنبر والريحان قد جرت عادة الشعراء أن يشبهوا به العذار ، ولكن في مقطوع واحد من الشعر ما لهم عادة يجمعون بينهما . وكنت قد سمعت في زمن الاشتغال بالأدب بيتين استحسنتهما ولم أعرف قائلهما ، وهما : ما البلد المخصبُ كالماحلِ یا عادلي في حبّ ذي عارضٍ فيقذفُ العنبرّ في الساحل يموجُ بحرْ الحسن في خده فلما كان في أوائل سنة اثنتين وسبعين وستمائة وقفت بالقاهرة المحروسة على مجلد من كتاب ((السيل والذيل)) تأليف عماد الدين الكاتب الأصبهاني ، وقد ج نه ذيلاً على كتابه ((خريدة القصر))، فرأيت فيه ترجمة يحيى بن نزار المنبجي المذكور ، وقد ذكر له مقدار عشرة أبيات يمدح بها السلطان نور الدين محمود ابن زنكي رحمه الله تعالى ، وفي جملة الأبيات البيت الثاني من هذين البيتين ، فعلمت أن الذي نظم ذلك المعنى في البيت الثاني من الثلاثة هو الذي نظم هذين البيتين في هذه الأبيات التي ذكرها في كتاب ((السيل)) . ثم بعد ذلك بقليل جاءني صاحبنا جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن أحمد المعروف بالحافظ . اليغموري ١ ١ ترجمة الحافظ اليغموري في الزركشي ٣ الورقة: ٣٦٥ والبدر السافر، الورقة ٢٣٧؛ سمي اليغوري لأنه صحب الأمير ابن يغمور ولازمه ، كان فاضلا أديباً جمع مجاميع كثيرة مفيدة وعمل تاريخاً ، ولد بدمشق سنة ستمائة تقريباً وتوفي بالمحلة سنة ٦٧٣ . ٢٥٠ فتذاكرنا وجرى ذكر البيتين وقال : إنهما لعماد الدين أبي المناقب حسام ابن عزّى بن يونس المحلي نزيل دمشق ، وذكر أنّه سمعهما منه وادعاهما لنفسه ، فقلت له : البيت الذي فيه المعنى ليس له ، بل هو ليحيى بن نزار المنبجي ويكون العماد المحلي قد نظم البيت الأول وجعله توطئة الثاني ، واستعمله على وجه التضمين كما جرت العادة في مثله ، لكنه كان ينبغي أن ينبه على أنّه تضمين كي لا يعتقد من يقف عليهما أنهما له ، فإن البيت الأول ليس في جملة أبيات يحيى المنبجي التي مدح بها نور الدين رحمه الله تعالى . ثم من بعد ذلك خطرت لي مؤاخذة على العماد المحلي فإنّه قال في بيته الذي جعله توطئة للثاني : ما البلد المخصب كالماحل والخصب والمحل إنما يكون بسبب النبات وعدمه ، والبيت الثاني الذي هو التضمين شبه العذار بالعنبر ، وأين النبات من العنبر ؟ فالتوطئة بين البيتين ليست بملائمة ، وهذه المؤاخذة مثل المؤاخذة المتقدمة على الأبيات الثلاثة . وكنت وقفت على بيتين للعماد المحلي المذكور أيضاً أنشدنيهما عنه جماعة وهما: قيل لي من هويتَ قد عبث الشعـ رُ بخديه قلت ما ذاك عارُه جمرةُ الخدِّ أحرقت عنبرَ الحال فمن ذلك الدخان عِذارُهْ وسنح لي عليهما مؤاخذة مثل المؤاخذة المذكورة ، وهي أنّه لمّا قيل له إن الشعر عبث بخديه ما أنكر ذلك بل قال ((ما ذاك عاره))، فقد وافق على أنّه شعر ، غاية ما في الباب أنّه قال هذا الشعر ما هو عاره ، فكيف يقول بعد هذا ((جمرة الخد أحرقت عنبر الحال)) إلى آخره ، فجعل العذار دخان العنبر ، وأين دخان العنبر من الشعر ؟ بل كان ينبغي أن يقول لهم : هذا ما هو شعر ، بل هو دخان العنبر حتى يتم له المعنى . وقد نظم صاحبنا ورفيقنا في الاشتغال بحلب عون الدين أبو الربيع سليمان ابن بهاء الدين عبد المجيد ابن العجمي الحلبي ١ بيتين ألم فيهما بهذا المعنى وهما : ١ ترجمته في الفوات ١ : ٣٥٨ وفيه البيتان؛ ولد سنة ست وستمائة وتوفي سنة ست وخمسين= ٢٥١ هوى قلبي عليه كالفَراشِ لهيب الخد حين بدا لعيني وها أثر الدخانِ على الحواشي فأحرقه فصار علیه خالاً وقد أحسن في هذا المعنى وخلص من تلك المؤاخذة ، لكن وقع في مؤاخذة أُخرى ، وهي أنّه جعل العذار دخان احتراق قلبه ، والعماد جعله دخان عنبر الحال ، وبين الدخانين بون كبير ، فهذا طيب الرائحة وذاك كريه الرائحة . وقد سبق في ترجمة عبد الله بن صارة الشنتريني ١ بيتان أبدع فيهما، وهما : فقلوبنا وجداً عليه رقاقُ حواشي حسنه ومهفهف رقت نفضت عليه صباغَها الأحداقُ لم يكسُ سالفه العذارُ وإنّما والأصل في هذا الباب ٢ كله قول أبي إسحاق إبراهيم الصابي الكاتب في غلامه الأسود واسمه يمن - وقد سبق ذكر الأبيات في ترجمته من هذا الكتاب ٣ ، والمقصود منها هاهنا قوله في أولها : لك وجه كأن يمناي خطة ـه بلفظ تمله آمالي فيه معنى من البدور ولكن نفضت صبغها عليه الليالي وبيتا عون الدين فيهما إلمام بقول أبي الحسين أحمد بن منير الطرابلسي - المقدم ذكره - : لا تخالوا الحالَ يعلو خدَّهُ قطرةً من دم جفني نطفتْ فيه ساختْ وانطفت ثم طفت ذاك من نار فؤادي جذوةٌ قلت : وقد خرجنا عن المقصود وانتشر الكلام ، لكن ما خلا من فائدة . = وستمائة بدمشق ، وكان متأهلا للوزارة كامل الرياسة لطيف الشمائل ؛ وانظر عقود الجمان لابن الشعار ج ٣، الورقة: ١١١ والزركشي: ٢، الورقة : ١٢٧. ١ انظر جـ ٣ : ٩٤. ٢ المختار : المعنى . ٢ ج ١ : ٥٣ ٠ ٢٥٢ وقال أبو سعد السمعاني أيضاً : أنشدني يحيى بن نزار المنبجي لنفسه :. لو صَدّ عني دلالاً أو معاتبةً لكنتُ أرجو تلافيه وأعتذرُ لكن ملالاً فلا أرجو تعطُّفه جبرُ الزجاجِ عسيرٌ حين ينكسر وله غير هذا نظم مليح ومعان لطيفة . وقال أبو الفرج صدقة بن الحسين بن الحداد١ في تاريخه المرتب على السنين ما مثاله : سنة أربع وخمسين وخمسمائة ، في ليلة الجمعة سادس ذي الحجّة مات يحيى بن نزار المنبجي ببغداد ، ودفن بالوردية ، قيل إنّه وجد في أذنه ثقلا ، فاستدعى إنساناً من الطرقية ، فامتص أذنه فخرج شيء من مخه ، فكان سبب موته ، رحمه الله تعالى . وقال السمعاني : هو أخو أبي الغنائم التاجر المعروف ، وذكر أبا الغنائم ووصفه وأثنى عليه في ترجمة مستقلة في كتاب ((الذيل)) أيضاً، رحمه الله تعالى. (329) وأمّا العماد المحلي ٢ فإنّه كان أديباً لطيفاً على ما يحكى عنه من النوادر وله نظم مليح في المقطعات دون القصائد ، وكان يحفظ المقامات وشرحها، وتوفي ليلة الأربعاء عاشر شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين وستمائة بدمشق ، ودفن بمقابر الصوفية ، وعرف بأبن الجمال ٣ ، وولد في سنة ستين وخمسمائة تقديراً بقوص ، ونشأ بالمحلة ، فنسب إليها . ثم وجدت في مسوداتي بخطي بيتاً منسوباً إلى الوجيه أبي الحسن علي بن يحيى بن الحسين بن أحمد المعروف بابن الذروي الأديب الشاعر وهو . عذاره دخان نَدّ خاله وريقه من ماء ورد خدّهِ ثم وجدتُ منسوباً إلى ابن سناء الملك - المقدم ذكره - والصحيح أنها لأسعد ١ بغدادي مؤرخ أديب توفي سنة ٥٧٣ هـ ، وقد ابتدأ تاريخه بعام ٥٢٧ ؛ انظر ترجمته في المنتظم ١٠ : ٢٧٦ وشذرات الذهب ٤ : ٢٤٥ ولسان الميزان ٣ : ١٨٤ وتاريخ ابن الأثير ١١ : ٤٤٩. ٢ انظر ذيل الروضتين: ١٦٠ قال: وله ترجمة حسنة في معجم القوصي. ٣ س : بابن الجمال . ٢٥١٠ ابن مماتي - المقدم ذكره أيضاً - : بلونها ولينها وقدِّها١ سمراء قد أُزرت بکل أسمرٍ وريقُها من ماء ورد خدها أنفاسُها دخانُ نَدّ خالها ملطفاً ترجمه بعيدها لو كتب البدرُ إلى خدمتها ورأيت للمهذب أبي نصر محمد بن محمد بن إبراهيم بن الخضر الحلبي المعروف بابن البرهان الحاسب المنجم الطبري ٢ : ومهفهفٍ راقت نضارةُ وجهه فالعينُ تنظر منه أحسنَ منظرٍ فبدا العذار دخان ذاك العنبر أصلی بنار الحدّ عنبر خاله فعلمت أن العماد المحلى إنّما أخذ ذلك المعنى من أحد هؤلاء ، والله سبحانه وتعالى أعلم . ٨١٠ تاج الدين ابن الجراح أبو الحسين يحيى بن أبي علي منصور بن الجراح بن الحسين بن محمد بن داود بن الجراح المصري ، وهذه الزيادة في نسبه وجدتها بخط بعض الأدباء ولا أتحققها ، والأول أصح ٣ ، الكاتب المنعوت ٤ تاج الدين ؛ كتب في ديوان ١ سقط البيت من س . ٢ أبو نصر الحلبي الحاسب يعرف بالسطيل، وكان والده يعرف بالبرهان المنجم الطبري، ولد المهذب بحلب سنة ٥٨٠ وكان فاضلا أديباً له تواليف مفيدة ، وصنف زيجاً ومقدمة في الحساب ، وشعره في مجلدين ، استوطن صرخد وتوني بها سنة ٦٥٥ ( الوافي ١ : ١٧٨). ٨١٠ - ترجم له ابن الشعار في عقود الجمان: ١٠ الورقة: ٩٨ ونسبه كما وردهنا: ولا أدري ما ٤ بر من : الملقب . ٣ س بر من : صحيح . الزيادة التي يعنيها المؤلف . ٢٥٤ ٧ الإنشاء بالديار المصرية مدة طويلة ، وكتب الكثير ، وكان خطه في غاية الجودة ، وكان فاضلاً أديباً متقناً ، له فطرة حسنة وشعر فائق ورسائل أنيقة ، سمع الحديث بثغر الإسكندرية المحروسة على الحافظ أبي طاهر السِّفي وأبي الثناء حماد بن هبة اللّه الحراني ، وحدث وسمع الناسُ عليه . وله لغز في الدملج الذي تلبسه النساء ، وهو بديع في بابه فأحببت ذكره ، وهو نثر : ما شيء قلبه حجر ، ووجهه قمر ، إن نبذته صبر ، واعتزل البشر ، وإن أجعته رضي بالنوى ، وانطوى على الخوى ، وإن أشبعته قبل قدمك ، وصحب خدمك ، وإن غلفته ضاع ، وإن أدخلته السوق أبى أن يباع ، وإن أظهرته جمّل المتاع ، وأحسن الإمتاع ، وإن شددت ثانيه ، وحذفت منه القافيه ، كدر الحياة ، وأوجب التخفيف في الصلاه ، وأحدث في ١ وقت العصر الضجر ، ووقت الفجر الخدر ، وجمع بين حسن العقبى وقبح الأثر ، هذا وإن فصلته دعا لك، وأبقى ما إن ركبته هالك، وربما بلغك آمالك ، وكثر مالك ، وأحسن بعون المساكين مالك ، والسلام . قلت : وهذا اللغز قد يقف عليه من لا يعرف طريق حله ، فيعسر عليه تفسيره ، فيحتاج إلى الإيضاح ، فأقول : أما قوله ((ما شيء قلبه حجر )) فمراده قلب حروف دملج ، فإنّا إذا قلبنا هذه الحروف يخرج منها ((جلمد)) وهو الحجر، وقوله (( ووجهه قمر)) یرید أنّه مستدير كالقمر، وقوله ((إن نبذته صبر واعتزل البشر)) فالبشر جمع بشرة ، فالإنسان إذا ألقى الدملج عنه صبر واعتزل بشرته إذ ليس فيه أهلية المنع فهو يصبر ويعتزل المكان الذي كان فيه . وقوله (( وإن أجعته رضي بالنوى )) فالنوى لفظ مشترك يقع على البعد وعلى نوى التمر ، وعادتهم في بلاد العراق أن يطحنوا نوى التمر والرطب والبسر ويعلفوا به البقر، وقصد هاهنا هذه التورية، فإن الدملج إذ أخرج من العضد أو من الساق فقد جاع ، لأنّه يكون فارغ الجوف ، ويرضى بالنوى الذي هو البعد عن عضو صاحبه، ويقولون : فلان يرضى بالنوى، إذا كان فقيراً لا يجد ما يتبلغ به ، فهو يجتزىء بمص النوى ، وهذا يفعله أهل ١ في : زيادة من س والمختار . ٢٥٥ الحجاز والبلاد المجدبة كثيراً ، لقلة الأقوات عندهم ، فقد استعمل صاحب هذا اللغز لفظة النوى في هذين المعنيين ، وهذه هي التورية، وقوله (( وانطوى على الخوى)) فالخوى هو الخلو ، وإذا كان فارغ الجوف فهو خاوٍ ، وقوله ((وإن أشبعته قبل قدمك)) مراده بالإشباع هنا : لبس الدملج ، فإن صاحبه إذا لبسه فقد ملأ جوفه ، ويكون فوق القدم فكأنّه يقبله . وقوله (( وصحب خدمك )) فيه تورية أيضاً فإن الخدم جمع خادم ، وهذا الجمع قليل الاستعمال لهذا الواحد فإنّه لا يقال فاعل وجمعه فَعَل إلا في ألفاظ مسموعة مثل خادم وخدم، وغائب وغيب، وحارس وحرس، وجامد وجمد ، وغير ذلك ، فهو موقوف على السماع ، وخدم جمع خدمة أيضاً، وهو سير يشد في رسغ البعير تشد إليه سريحة النعل وبه سمي الخلخال خَدَمَة لأنه ربما كان من سيور يركب فيه الذهب والفضة ويجمع على خدام أيضاً. وقوله ((وإن غلفته ضاع)) هذا فيه تورية أيضاً ، فإن التغليف أن يجعل للشيء غلافاً ، والتغليف استعمال الطيب أيضاً. وقوله ((ضاع)) فيه تورية أيضاً ، فإنّه يقال : ضاع الشيء من الضياع ، وضاع الطيب إذا عبقت رائحته . وقوله (( وإن أدخلته السوق أبى أن يباع)) فالسوق جمع ساق، وفيه التورية أيضاً لأن السوق موضع البيع والشراء، والسوق كما ذكرناه. وقوله ((أبى أن يباع)) لأن العادة أنّه لا يباع إلا إذا أخرج من العضو الذي هو فيه ، ولا يباع قبل إخراجه ، فكأنّه قبل الإخراج أبى البيع ، وقوله (( وإن أظهرته جمل المتاع، وأحسن الإمتاع )) فهذا ظاهر لا حاجة له إلى تفسير. وقوله ((وإن شددت ثانيه)) وهو الميم، و(( حذفت منه القافية)) وهي الجيم ، فيبقى الدمل ، وهو يكدر الحياة بألمه ، ويوجب التخفيف في الصلاة للألم أيضاً. وقوله ((وأحدث في وقت العصر الضجر)) فالعصر فيه التورية أيضاً ، لأنّه اسم للصلاة ، وهو مصدر لفعل عَصَر ، وكذلك الفجر ، لأنّه اسم للصبح وهو مصدر لفعل فَجَر ، فالإنسان في وقت عصر الدمل يحصل له الضجر والقلق وإذا فجره وخلص منه حصل له الخدر والراحة . وقوله (( وجمع بين حسن العقبى وقبح الأثر)) فقصد المقابلة بين الحسن والقبح ، ولا شك أن عقبى انفجار الدمل حسنة ، وإن كان الأثر الذي يبقى في المكان قبيحاً . وقوله ٢٥٦ ((وإن فصلته دعا لك)) معناه أنك إذا فصلت أحد النصفين من لفظ الدملج من النصف الآخر، فالنصف الأول منه ((دُمْ)) وهو دعاء للإنسان بالدوام . وقوله (( وأبقى ما إن ركبته هالك)) فالباقي منه ((لج)) واللج هو لج البحر ، وإن كان النصف من الدملج مخففاً ، ولج البحر مشدداً ، لكنهم يغتفرون مثل هذا في الألغاز والتصاحيف والأحاجي ، ولا يبالون به ، ولا شك أن ركوب البحر أمر هائل، فلهذا قال ((هالك وربما بلغك آمالك)) لأنّه يوصل الإنسان إلى الموضع الذي يقصده. وقوله ((وكثر مالك)) معناه إذا ركبه الإنسان للتجارة ، وقوله (( وأحسن بعون المساكين مآلك))، فعون المساكين هو السفينة، كما قال الله تعالى ﴿ أمّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لَمَساكينَ يَعْمَلون في البَحْر﴾ (الكهف : ٧٩) فهي عَوْن لهم على حاجتهم وسد خلتهم، ومآل الشيء عاقبة أمره، والله تعالى أعلم. قلت : وفي اللغز ثماني لغات ، لُغْز بضم اللام وسكون الغين ، ولُغُزْ بضمهما، ولُغَز بضم اللام وفتح الغين، ولَغْز بفتح اللام وسكون الغين، ولَغَز بفتحهما ، وأُلغوزة بضم الهمزة وسكون اللام وضم الغين ، ولُغْيزي بضم اللام وتشديد الغين مع القصر ، ولُغَيزاء مثل الأول إلا أن الغين مخففة ومفتوحة والألف ممدودة ، والله أعلم . وقد طال الكلام لكن الحاجة دعت إليه كي لا يبقى فيه التباس على سامعه . ورأيت في مجموع بخط بعض الفضلاء بيتين منسوبين إليه ، وهما هذان : من لحيتي فتقدّيها بسوداء أمدُّ كفي إلى البيضاء أقلعها على مرادي فما ظني بأعدائي هذي يدي وهي مني لا تطاوعي وكانت ولادة المذكور في ليلة السبت خامس عشر شعبان سنة إحدى وأربعين وخمسمائة . وتوفي في خامس شعبان سنة ست عشرة وستمائة بدمياط ، والعدو المخذول محاصرها ، رحمه الله تعالى. وجراح : بفتح الجيم وتشديد الراء وبعد الألف حاء مهملة . ثم إن العدو ملك دمياط يوم الثلاثاء السابع والعشرين من الشهر المذكور ، والله أعلم . ١٧ - ٦ ٢٥٧ ونقلت من خط الشيخ مهذب الدين أبي طالب محمد بن علي اللغوني ١ المعروف بابن الخيمي الحلي نزيل مصر أن العدو نزل قبالة دمياط يوم الثلاثاء ثاني عشر ربيع الأول سنة خمس عشرة وستمائة ، ونزل البر الشرقي يوم الثلاثاء سادس عشر ذي القعدة من السنة، وأخذ الثغر يوم الثلاثاء السادس والعشرين٢ من شعبان سنة ست عشرة وستمائة ، واستعيدت منهم يوم الأربعاء تاسع عشر رجب سنة ثمان عشرة وستمائة ، ومدة نزولهم عليها إلى أن انفصلوا عنها ثلاث سنين وثلاثة أشهر وسبعة عشر يوماً ، ومن الاتفاق العجيب نزولهم عليها يوم الثلاثاء وإحاطتهم بها يوم الثلاثاء وملكهم لها يوم الثلاثاء ، وقد جاء في الخبر أن اللّه تعالى خلق المكروه يوم الثلاثاء . ولفظة دمياط سريانية ، وأصلها بالذال المعجمة ، ويقولونه ٣ ذمط ، وتفسيره القدرة الربانية ، وكأنّه إشارة إلى مجمع البحرين العذب والملح ، والله تعالى أعلم . ٨١١ جمال الدين ابن مطروح أبو الحسن يحيى بن عيسى بن إبراهيم بن الحسين بن علي بن حمزة بن إبراهيم بن الحسين بن مطروح ، الملقب جمال الدين ؛ من أهل صعيد مصر ، ونشأ هناك وأقام بقوص مدة ، وتنقلت به الأحوال في الخدم والولايات ، ثم اتصل بخدمة السلطان الملك الصالح أبي الفتح أيوب الملقب نجم الدين ابن السلطان ٢ ابن الشعار : الخامس والعشرين. ١ اللغوي : سقطت من ق . ٣ س : ويقولون . ٨١١٠٠ - ترجمته في البدر السافر، الورقة ٢٣٢ وابن الشعار: ١٠ الورقة: ٨ وذيل الروضتين : ١٨٧ ومرآة الزمان: ٧٨٨ ومرآة الجنان ٤: ١١٩ والنجوم الزاهرة ٧ : ٢٧ وحسن المحاضرة ١ : ١٤٣ والشذرات ٥ : ٢٤٧. ٢٥٨ الملك الكامل ابن السلطان الملك العادل بن أيوب وكان إذ ذاك نائباً عن أبيه الملك الكامل بالديار المصرية ، ولمّا اتسعت مملكة الكامل بالبلاد المصرية بل بالبلاد الشرقية ، فصار له آمد وحصن كيفا وحران والرها والرقة ورأس عين وسروج وما انضم إلى ذلك ، سير إليها ولده الملك الصالح المذكور نائباً عنه ، وذلك في سنة تسع وعشرين وستمائة ، فكان ابن مطروح المذكور في خدمته . ولم يزل يتنقل في تلك البلاد إلى أن وصل الملك الصالح إلى مصر مالكا لها ، وكان دخوله القاهرة يوم الأحد السابع والعشرين من ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وستمائة ، ثم وصل ابن مطروح بعد ذلك إلى الديار المصرية في أوائل سنة تسع وثلاثين وستمائة، فرتبه السلطان ناظراً في الخزانة ، ولم يزل يقرب منه ويحظى عنده إلى أن ملك الملك الصالح دمشق في الدفعة الثانية ، وكان ذلك في جمادى الأولى من سنة ثلاث وأربعين وستمائة . ثم إن السلطان بعد ذلك رتب لدمشق نوابا١ً، فكان ابن مطروح في صورة وزير لها ، ومضى إليها وحسنت حالته وارتفعت منزلته . ثم إن الملك الصالح توجه إلى دمشق فوصلها في شعبان سنة ست وأربعين ، وجهز عسكراً إلى حمص لاستنقاذها من يدي نواب الملك الناصر أبي المظفر يوسف الملقب صلاح الدين ابن الملك العزيز ابن الملك الظاهر ابن السلطان صلاح الدين صاحب حلب ، فإنّه كان قد انتزعها من صاحبها الملك الأشرف مظفر الدين أبي الفتح موسى ابن الملك المنصور إبراهيم ابن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه عنوة ، وكان منتمياً إلى الملك الصالح ، فخرج من مصر لاسترداد حمص له، فعزل ابن مطروح عن ولايته بدمشق ٢ ، وسيره مع العسكر المتوجه إلى حمص ، وأقام الملك الصالح بدمشق إلى أن ينكشف له ما يكون من أمر حمص ، فبلغه أن الفرنج قد اجتمعوا بجزيرة قبرص على عزم قصد الديار المصرية ، فسير إلى عسكره المحاصرين بحمص وأمرهم أن يتركوا ذلك المقصد ويعودوا لحفظ الديار المصرية ، فعاد بالعسكر وابن مطروح في الخدمة ، والملك ١ ق : نائباً . ٢ ر :. ولاية دمشق . ٢٥٩ الصالح متغير عليه متنكر له لأمور نقمها عليه ؛ وطرق الفرنج البلاد في أوائل سنة سبع وأربعين ، وملكوا دمياط يوم الأحد الثاني والعشرين من صفر من السنة ، وخيم الملك الصالح بعسكره على المنصورة ، وابن مطروح مواظب على الخدمة مع الإعراض عنه ، ولما مات الملك الصالح ليلة النصف من شعبان سنة سبع وأربعين بالمنصورة وصل ابن مطروح إلى مصر وأقام بها في داره إلى أن مات . هذه جملة حاله على الإجمال . وكانت أدواته جميلة وخلاله حميدة ، جمع بين الفضل والمروءة والأخلاق الرضية ، وكان بيني وبينه مودة أكيدة ومكاتبات في الغيبة ، ومجالس في الحضرة تجري فيها مذاكرات أدبية لطيفة ، وله ديوان شعر أنشدني أكثره ، فمن ذلك قوله في أول قصيدة طويلة١ : هي رامةٌ فخذوا يمينَ الوادي وذروا السيوف تقرُّ في الأغمادِ فلكمْ صرعنَ بها من الآساد فهناك ما أنا واثقٌ بفؤادي قلبٌ أسيرٌ ما له من فادي مكحولةٌ أجفانها بسواد عَيْنٌ على العشاقِ بالمرصاد لولا الرقیبُ بلغتُ منه مرادي ما بين بيض ظُباً وسمر صعاد فالحسن منه عاكفٌ في بادي فتشابه المياسُ بالمياد وحذارِ من لحظاتٍ أعين عينها من كان منكم واثقاً بفؤاده يا صاحبيَّ ولي بجرعاء الحمى سلبته مني يوم بانوا مقلةٌ وبحيّ من أنا في هواه ميت وأغنَّ مسكيِّ اللَّمى معسوله كيف السبيلُ إلى وصالٍ مُحَجَّبٍ في بيت شَعْرٍ نازل من شعره حرسوا مهفهفَ قده بمثقف في ميم مبسمه شفاء الصادي قالت لنا ألف العذار بخده : وهي طويلة اقتصرت منها على هذا القدر للاختصار . ١ ر: لطيفة طويلة، وانظر ابن الشعار ١٠ : ٣٢. ٢٦٠