Indexed OCR Text

Pages 221-240

وأمّا يحيى فإنّه كان من النبل والعقل وجميع الخلال على أكمل حال ، وكان
المهدي بن أبي جعفر المنصور قد ضم إليه ولده هارون الرشيد ، وجعله في حجره ،
فلما استخلف هارون عرف له حقه ، وقال له : يا أبت ، أنت أجلستني في هذا
المجلس ببركتك ويمنك وحسن تدبيرك ، وقد قلدتك الأمر ، ودفع له خاتمه ،
وفي ذلك يقول الموصلي ، وأظنه إبراهيم النديم أو ابنه إسحاق :
ألم تر أن الشمسَ كانت سقيمةً فلما ولي هارون أشرق نورها
بيمن أمين اللّه هارون ذي الندى فهارون واليها ويحيى وزيرها
وكان يعظمه، وإذا ذكره قال ((أبي)) وجعل إصدار الأمور وإيرادها
إليه ، إلى أن نكب البرامكة فغضب عليه ، وخلده في الحبس إلى أن مات فيه ،
وقتل ابنه جعفراً - حسبما تقدم شرحه في ترجمته .
وكان من العقلاء الكرماء البلغاء؛ ومن كلامه : ثلاثه أشياء تدل على عقول
أربابها : الهدية والكتاب والرسول . وكان يقول لولده : اكتبوا أحسن ما
تسمعون ، واحفظوا أحسن ما تكتبون ، وتحدثوا بأحسن ما تحفظون . وكان
يقول : الدنيا دول والمال عارية ، ولنا بمن قبلنا أسوة ، وبمن بعدنا عبرة .
وقال الفضل بن مروان - المقدم ذكره - : سمعت يحيى بن خالد يقول :
من لم أحسن إليه فأنا مخير فيه ، ومن أحسنت إليه فأنا مرتهن به .
وقال القاضي يحيى بن أكثم ، سمعت المأمون يقول : لم يكن كيحيى بن
خالد وكولده أحد في الكفاية والبلاغة والجود١ والشجاعة ، ولقد صدق القائل
حيث يقول :
كأربعِ الطبائع.
أولادُ يحيى أربعٌ
طبائعُ الصنائعِ
فهمْ إذا اختبَرّهُم
قال القاضي : فقلت له يا أمير المؤمنين ، أمّا الكفاية والبلاغة والسماحة
......
...
١ ن : والجودة .
٢٢١

فنعرفها فيهم ، ففي من الشجاعة ؟ فقال : في موسى بن يحيى ، وقد رأيت أن
أوليه ثغر السند .
وقال إسحاق بن إبراهيم النديم الموصلي - المقدم ذكره١ - : حدثني أبي
قال : أتيت يحيى بن خالد بن برمك فشكوت إليه ضيقة فقال : ويحك ، ما
أصنع بك ؟ ليس عندنا في هذا الوقت شيء ، ولكن هاهنا أمر أدلك عليه
فكن فيه رجلاً ، قد جاءني خليفة صاحب مصر يسألني أن أستهدي صاحبه
شيئاً ، وقد أبيت ذلك عليه ، فألح علي ، وقد بلغني أنك قد أعطيت يجاريتك
فلانة ثلاثة آلاف دينار ، فهو ذا أستهديه إياهاً وأخبره أنها قد أعجبتني فإياك
أن تنقصها من ثلاثين ألف دينار وانظر كيف تكون ، قال : فوالله ما شعرت
إلا بالرجل وافاني فساومني بالجارية ، فقلت له : لا أنقصها من ثلاثين ألف
دينار ، فلم يزل يساومني حتى بذل لي عشرين ألف دينار ، فلما سمعتها ضعف
قلبي عن ردها ، فبعتها وقبضت العشرين ألفاً ، ثم صرت إلى يحيى بن خالد
فقال لي : كيف صنعت في بيعك الجارية ؟ فأخبرته وقلت : والله ما ملكت
نفسي أن أجبت إلى العشرين ألفاً حين سمعتها ، فقال : إنّك لخسيس فخذ
جاريتك بارك الله لك فيها ، وهذا خليفة صاحب فارس قد جاءني في مثل هذا ،
فإذا ساومك بها فلا تنقصها من خمسين ألف دينار ، فإنّه لا بد أن يشتريها منك
بذلك ، فجاءني الرجل فاستمت عليه خمسين ألف دينار ، فلم يزل يساومني حتى
أعطاني ثلاثين ألف دينار ، فضعف قلبي عن ردها ولم أصدق بها ، فأوجبتها
ثم صرت إلى يحيى بن خالد فقال لي : بكم بعت الجارية ؟ فأخبرته ، فقال :
ويحك ! ألم تؤدبك الأولى عن الثانية ، قال : فقلت : والله ضعفت عن رد
شيء لم أطمع فيه ، قال فقال : هذه جاريتك فخذها إليك ، قال :
فقلت : جارية أفدت بها خمسين ألف دينار ، ثم أملكها ، أشهدك أنها حرة ،
وأنّي قد تزوجتها. هكذا رأيت هذه الحكاية، ثم نظرت في كتاب (( أخبار
الوزراء )) تأليف الجهشياري فقال: إن يحيى قال لإبراهيم الموصلي : لا تقبل
أقل من مائة ألف دينار ، وأنّه باعها بخمسين ألف دينار ، وقال له في المرة الثانية
١ انظر ج ١ : ٢٠٢ .
٢٢٢

لا تقبل أقلَّ من خمسين ألف دينار فباعها بثلاثين ألف دينار١ .
وقال الأصمعي ٢ : دخلت على يحيى يوماً فقال : يا أصمعي ، هل لك
زوجة ؟ فقلت : لا ، فقال : فجارية ؟ فقلت : لكم منّة ، فأمر بإخراج
جارية غاية في الحسن والجمال والظرف ، فقال لها قد وهبتك لهذا ، وقال :
يا أصمعي ، خذها فشكرته ودعوت له ، فلما رأت الجارية ذلك بكت وقالت :
يا سيدي ، تدفعني إلى هذا ، فما ترى من سماجته وقبحه ؟ فقال لي : هل لك
أن أعوضك عنها ألفي دينار ؟ قلت : ما أكره ذلك ، ودخلت الجارية إلى داره
فقال لي : أنكرت على هذه الجارية أمراً فأردت أن أعاقبها بك ثم رخمتها ،
فقلت له : هلا أعلمتني حتى كنت لحقت بالباب على صورتي الأصلية من غير
أن أسرح لحيّي وأصلح عمتي وأتطيب وأتجمل ، فضحك ، وأمر لي بألف
دينار أُخرى .
وحكى إسحاق النديم أيضاً قال : كانت صلات يحيى بن خالد إذا ركب
لمن تعرض له مائتي درهم ، فركب ذات يوم فتعرض له أديب شاعر وأنشده :
يا سميَّ الحصُور٣ يحيى أتيحتْ لك من فضل ربّنا جنتان
فله من نوالكم مائتان
كل من مَرَّ في الطريق عليكم
هي منكم للقابس العجلان
مائتا درهم لمثلي قليل
قال له يحيى : صدقت ، وأمر بحمله إلى داره ، فلما رجع من دار الخلافة
سأله عن حاله ، فذكر أنّه تزوج وقد أخذ بواحدة من ثلاث : إما أن يؤدي
المهر وهو أربعة آلاف ، وإمّا أن يطلق ، وإمّا أن يقيم جارياً للمرأة يكفيها
إلى أن يتهيأ له نقلها ، فأمر له يحيى بأربعة آلاف للمهر ، وبأربعة آلاف لثمن
منزل ، وبأربعة آلاف لما يحتاج إليه المنزل ، وبأربعة آلاف للبنية ، وبأربعة
آلاف يستظهر بها ، فأخذ عشرين ألفاً وانصرف .
١ هكذا رأيت ... بثلاثين ألف دينار : لم يرد في س بر من .
٢ لم ترد هذه القصة في س .
٣ ق ص ع : المحصور ؛ ويحيى المشار إليه هو يحيى بن زكريا، والحصور : الذي لم يتزوج.
٢٢٣

وقال محمد بن مناذر الشاعر : حج هارون الرشيد ومعه ابناه الأمين محمد
والمأمون عبد الله، وحج معه يحيى بن خالد وابناه الفضل وجعفر ، فلما صاروا
بالمدينة جلس الرشيد ومعه يحيى بن خالد ، فأعطى الناس عطاءهم ، ثم جلس
الأمين ومعه الفضل فأعطاهم العطاء، ثم جلس المأمون ومعه جعفر بن يحيى فأعطاهم
عطاياهم ، وكان أهل المدينة يسمون ذلك العام عام الأعطية الثلاثة ، ولم يروا
مثل ذلك قط ، فقلت في ذلك :
فيا طيبَ أخبارٍ ويا حُسْنَ منظرٍ
أتانا بنو الأملاك من آلٍ بَرْمَكٍ
وأُخرى إلى البيت العتيق المطهّر
لهم رحلةٌ في كلّ عام إلى العدى
إذا نزلوا بطحاء مكّة أشرقت
فتظلم بغدادٌ وتجلو لنا الدجى
فما خلقت إلا لجود أكفُهم
إذا راض يحيى الأمر ذلّت صعابه
ترى الناس إجلالاً له وكأنّهم
بیحیی وبالفضل بن يحيى وجعفر
بمكّة ما حجوا ثلاثة أقمر
وأقدامهم إلا لأعواد منبر
فناهيك من راعٍ له ومدبّر
غرانيق ماء تحت باز مصرصر ١
وذكر الخطيب في ((تاريخ بغداد)) ٢ ، في ترجمة أبي عبد الله محمد بن عمر
الواقدي أنّه قال : كنت حنّاطا٣ً بالمدينة في يدي مائة ألف درهم للناس أُضارب
بها ، فتلفت الدراهم ، فشخصت إلى العراق فقصدت يحيى بن خالد ، فجلست
في دهليزه وأنست بالخدم والحجاب وسألتهم أن يوصلوني إليه ، فقالوا : إذا
قدم الطعام إليه لم يحجب عنه أحد ، ونحن ندخلك عليه ذلك الوقت ، فلما حضر
طعامه أدخلوني فأجلسوني معه على المائدة ، فسألني : من أنت ؛ وما قصتك ؟
فأخبرته ، فلما رفع الطعام وغسلنا أيدينا دنوت منه لأقبل رأسه ، فاشمأز من
ذلك ، فلما صرت إلى الموضع الذي يركب منه لحقي خادم معه كيس فيه ألف
دينار ، فقال : الوزير يقرأ عليك السلام ويقول لك : استعن بهذا على أمرك
١ هذا البيت والذي قبله زيادة من : رن ، وسقطت القصة كلها من س بر من .
٢ تاريخ بغداد ٣ : ٤ .
٣ في بعض النسخ : خياطاً ؛ والحناط : هو بائع الحنطة ، وهذا مناسب للمضاربة .
٢٢٤

وعد إلينا في اليوم الثاني ، فأخذته وانصرفت ، وعدت في اليوم الثاني فجلست
معه على المائدة ، فأنشأ يسألني كما سألني في اليوم الأول ، فلما رفع الطعام
دنوت منه لأقبل رأسه فاشمأز مني ، فلما صرت إلى الموضع الذي يركب منه لحقني
خادم معه كيس فيه ألف دينار ، فقال لي : الوزير يقرأ عليك السلام ، ويقول
لك : استعن بهذا على أمرك وعُدْ إلينا في غد ، فأخذته وانصرفت وعدت في
اليوم الثالث كما أمر ، فأعطيت مثل الذي أعطيت في اليوم الأول والثاني ، فلما
كان في اليوم الرابع أعطيت الكيس كما أعطيت قبل ذلك ، وتركني بعد ذلك
أقبل رأسه ، وقال : إنّما منعتك ذلك لأنّه لم يكن وصل إليك من معروفي ما
يوجب هذا ، فالآن قد لحقك بعض النفع مني ، يا غلام أعطه الدار الفلانية ،
يا غلام افرش له الفرش الفلاني ، يا غلام أعطه مائتي ألف درهم يقضي دينه
بمائة ألف ويصلح شأنه بمائة ألف ، ثم قال لي : الزمني وكن في داري ، فقلت :
أعز الله الوزير، لو أذنت لي بالشخوص١ إلى المدينة لأقضي الناس أموالهم ثم
أعود إلى حضرتك كان ذلك أرفق بي ، قال : قد فعلت ، وأمر بتجهيزي ،
فشخصت إلى المدينة ، فقضيت ديني ثم رجعت إليه فلم أزل في ناحيته ٢ .
ودخل عليه يوماً أبو قابوس الحميري فأنشده :
رأيت يحيى أتم ٣ اللّه نعمتَهُ عليه يأتي الذي لم يأته أحدٌ
ينسى الذي كان من معروفه أبداً إلى الرجال ولا ينسى الذي يَعِدُ
فقضى حوائجه ووصله بجملة من المال .
قلت : قد حلَّ هذا البيت الثاني شرف الدولة مسلم بن قريش ، وقد قال
له رجل : لا تنس أيها الأمير حاجتي ، فقال : إذا قضيتها أنسيتها ؛ .
١ ر : بالنهوض والشخوص .
٢ قال صاحب المختار عند هذا الموضع : وذكر والدي أحمد قدس الله روحه من مكارم يحيى وكرمه
حكايات عديدة أضربت عن ذكرها طلباً للإيجاز .
٣ ر ن : أدام .
٤ زاد في ر : وهذا من الأجوبة الدالة على شرف القدر .
١٥ - ٦
٢٢٥

ولمسلم بن الوليد الأنصاري في يحيى بن خالد١ :
أجدّكِ هل تدرين إن رُبَّ ليلة كأن دجاها من قرونك يُنْشَرُ
صَبَرْتُ لها حتى تجلت بغرّةٍ كغرة يحيى حين يذكر جعفرٌ
وكان يحيى يقول : إذا أقبلت الدنيا فأنفق فإنها لا تفنى ، وإذا أدبرت
فأنفق فإنها لا تبقى ؛ وقال : ذكر النعمة من المنعم تكدير ، ونسيان المنعم عليه
كفر وتقصير ؛ وقال : النية الحسنة مع العذر الصادق يقومان مقام النجح ؛
وقال : إذا أدبر الأمر كان العطب في الحيلة .
وقال الحسن بن سهل - المقدم ذكره - : من غيرته الولاية لإخوانه علمنا
أن الولاية أكبر منه ، أخذنا ذلك عن صاحب ديوان المكارم أبي علي يحيى بن
خالد بن برمك .
[ولما عزم جعفر على بناء قصره شاور أباه يحيى بن خالد فيه فقال : هو
قميصك إن شئت فوسعه وإن شئت فضيقه ؛ وأتاه وهو يبني داره فإذا الصناع
يبيضون حيطانها فقال : إنّك تعطي الذهب بالفضة ، فقال جعفر : ليس كل
أوان يكون ظهور الذهب أصلح ، ولكن هل ترى عيباً ؟ قال : نعم ، مخالطتها
لدور السفل والسوقة ]٢ .
وكان ليحيى كاتب يختص بخدمته ويقرب من حضرته ، فعزم على ختان
ولده ، فاحتفل له الناس على طبقاتهم ، وهاداه أعيان الدولة ووجوه الكتاب
والرؤساء على اختلاف منازلهم ، وكان له صديق قد اختلت أحواله وضاقت
يده عما يريده لذلك ممّا دخل فيه غيره ، فعمد إلى كيسين كبيرين نظيفين ،
فجعل في أحدهما ملحاً وفي الآخر أشناناً مكفراً ، وكتب معهما رقعة نسختها :
لو تمت الإرادة لأسعفت بالعادة ، ولو ساعدت المكنة على بلوغ الهمّة لاتبعت
السابقين إلى برك وتقدمت المجتهدين في كرامتك ، لكن قعدت القدرة عن
. البغية وقصرت الجدة عن مباراة أهل النعمة ، وخفت أن تطوى صحائف البر
١ ديوان مسلم : ٣١٦.
٢ زيادة من ر .
٢٢٦

وليس لي فيها ذكر ، فأنفذت المبتدأ بيمنه وبركته والمختتم بطيبه ونظافته ،
صابراً على ألم التقصير ، ومتجرعاً غصص الاقتصار على اليسير ، فأمّا ما لم أجد
إليه السبيل في قضاء حقّك فالقائم فيه بعذري قول الله عزّ وجل ﴿لَيْسَ على
الضّعَفاء وَلا على المَرْضى وَلا على الذينَ لا يَجِدونَ ما يُنْفقون حرَج ﴾
( التوبة : ٩١) والسلام. فلما حضر يحيى بن خالد الوليمة عرض عليه كاتبه
الهدايا جميعها ، حتى الكيسين والرقعة فاستظرفها ، وأمر أن يملأ الكيسان مالاً
ويردا عليه ، فكان ذلك أربعة آلاف دينار .
وقال رجل ليحيى : والله لأنت أحلم من الأحنف بن قيس ، فقال له :
لا تقرّب١َ إليَّ من أعطاني فوق حقي .
ونادى إسحاق بن إبراهيم الموصلي أحد غلمانه فلم يجبه ، فقال : سمعت
يحيى بن خالد يقول : يدل على حلم الرجل سوء أدب غلمانه .
وكان يحيى يساير الرشيد يوماً فوقف له رجل فقال : يا أمير المؤمنين
عطبت دابتي ، فقال الرشيد : يعطى خمسمائة درهم ، فغمزه يحيى ، فلما
نزلوا قال له الرشيد : يا أبت أومأت إليَّ بشيء ولم أعرفه ، فقال : مثلك لا
يجري هذا القدر على لسانه ، إنّما يذكر مثلك خمسة آلاف ألف ، عشرة آلاف
ألف ، فقال : إذا سئلت مثل هذا كيف أقول ؟ ، فقال : تقول : يشترى
له دابة .
وبالجملة فإن أخبارهم كثيرة ، ولا يحتمل هذا المختصر الإطالة أكثر من
هذا .
ولما قتل هارون الرشيد جعفر بن يحيى البرمكي - كما ذكرناه في حرف
الجيم من هذا الكتاب - نكب البرامكة وحبس يحيى وابنه الفضل - كما ذكرناه
في حرف الفاء من هذا الكتاب - وكان حبسهما في الرافقة ، وهي الرقة القديمة
تجاور الرقة الجديدة ، وهي البلد المشهور الآن على شاطىء الفرات ، ويقال
هما الرقتان ، تغليباً لأحد الاسمين على الآخر ، كما قيل العمران والقمران
وغير ذلك .
١ س ص : ما تقرب .
٢٢٧

وحكى الجهشياري في كتاب ((أخبار الوزراء)) ١ أن يحيى بن خالد اشتهى
في وقت من الأوقات في محبسه وهو مضيق عليه سكباجة ، فلم يطلق له اتخاذها
إلا بمشقة ، فلما فرغ منها سقطت القدر من يد المتخذ لها فانكسرت ، فأنشد
يحيى أبياتاً يخاطب بها الدنيا ، ومضمونها اليأس وقطع الأطماع ٢ .
ولم يزل يحيى في حبس الرافقة ٣ إلى أن مات في الثالث من المحرم سنة
تسعين ومائة فجأة من غير علة ، وهو ابن سبعين سنة ، وقيل أربع وسبعين ٤ ،
وصلى عليه ابنه الفضل ، ودفن في شاطىء الفرات في ربض هرثمة ، ووجد في
جيبه رقعة فيها مكتوب بخطّه: قد تقدم الخصم، والمدعي عليه في الأثر، والقاضي
هو الحكم العدل الذي لا يجور ولا يحتاج إلى بينة . فحملت الرقعة إلى الرشيد ،
فلم يزل يبكي يومه كلّه وبقي أياماً يتبين الأسى في وجهه، رحمهما الله تعالى°.
وكان يحيى يجري على سفيان الثوري ، رضي الله عنه، في كل شهر ألف
درهم، وكان سفيان يقول في سجوده : اللّهم إن يحيى كفاني أمر دنياي، فاكفه
أمر آخرته ، فلما مات يحيى رآه بعض إخوانه في النوم فقال له : ما صنع
اللّه بك ؟ قال : غفر لي بدعاء سفيان ، وقيل إن صاحب هذه القضية هو سفيان
ابن عيينة لا سفيان الثوري ، واللّه تعالى أعلم .
قال الجهشياري ٦: ندم الرشيد على ما كان منه في أمر البرامكة وتحسر على
ما فرط منه في أمرهم ، وخاطب جماعة من إخوانه بأنّه لو وثق منهم بصفاء
النية منهم لأعادهم إلى حالهم . وكان الرشيد كثيراً ما يقول : حملونا على نُصحائنا
وكفاتنا ، وأوهمونا أنهم يقومون مقامهم ، فلما صرنا إلى ما أرادوا لم يغنوا عنا ،
وأنشد :
١ أخبار الوزراء : ٢٤٥، ولم يرد هذا النص في س بر من .
٢ مطلعها :
وأرحت من حل ومن تر حال
قطعت منك حبائل الآمال
٣ المختار : في الحبس بالرافقة .
٤ ن : وستين .
٥ هنا تنتهي الترجمة في س بر من .
٦ الوزراء والكتاب : ٢٥٨.
٢٢٨

أقلّوا علينا لا أبا لأبيكمُ من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
قلت : هذا البيت للحطيئة الشاعر ، وبعده :
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا١
قلت: وذكر الزمخشري في كتاب ((ربيع الأبرار)) ما مثاله : إنّه وجد
تحت فراش يحيى بن خالد البرمكي رقعة فيها مكتوب :
وحقّ اللّه إن الظلم لوم وإن الظلم مرتعهُ وخيمُ
إلى ديّانِ يومِ الدين نمضي وعند الله تجتمعُ الخصومُ
١ جاء في المختار عند هذا الموضع: هذا آخر ما نقلته من الجزء الرابع من كتاب ((وفيات الأعيان))
ويتلوه ما أنقله من الجزء الخامس، إن شاء اللّه، وأوله ترجمة عون الدين بن هبيرة.
٢ هنا تنتهي النسختان : ص ن: وفي آخرهما الخاتمة التي تمثل آخر ما خطه المؤلف قبل أن يعين
قاضياً في الشام ويتوقف عن التأليف، وهذه الخاتمة قد ثبتت في ر، رغم استمرار التراجم فيها إلى نهاية
الكتاب، وقد طبعها وستنفيلد، في نهاية الترجمة، ونصها: ((قلت : وقد أتيت في هذا المختصر
بالقدر الممكن مع ضيق الأوقات ، وتركت في هذا الباب الذي هو حرف الياء تراجم كثيرة كان
عزمي أن أذكرها فما اتسع الوقت لإثباتها، فأخرتها مع مسودات أخر كثيرة أعددتها لكتاب آخر
مطول ، أجمعه على هذا الأسلوب - إن فسح اللّه في الأجل ووفق للعمل - يكون محتوياً على فوائد
جمة يحتاج إليها من يعتني بهذا الفن ويستغني من يطالعه عن مراجعة كتب كثيرة ، فإني انتقيت
هذه المسودات من أمهات التواريخ وأخبار الناس المتقدمين والمتأخرين ، وفيما يغلب على ظني لم
أترك شيئاً من الكتب التي في أيدي الناس، المشهورة والخاملة، المبسوطة والوجيزة، إلا اخترت منه ما
يدخل في هذا الكتاب ، وفي عزمي بعونه عز وجل ومشيئته أن يكون أكثر من عشرة أسفار ، والله
عز وجل المسؤول في الإعانة عليه والإرشاد إليه ، بحوله وقوته، إن شاء الله تعالى، والله عز وجل
أعلم بالصواب وإليه المرجع المآب ، وكان آخر تحرير هذا المجلد في سنة تسع وخمسين وستمائة)).
٢٢٩

٨٠٧
الوزير ابن هبيرة
أبو المظفر الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة بن محمد بن هبيرة بن سعد١ بن
الحسين بن أحمد بن الحسن بن جهم بن عمرو ٢ بن هبيرة بن علوان بن الحَوْفزان
- وهو الحارث - بن شريك بن عمرو بن قيس بن شرحبيل بن مرة بن همام
ابن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط
ابن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان ،
الشيباني ، الملقب عون الدين ؛ هكذا ساق نسبه جماعة منهم ابن الدبي في تاريخه
وابن القادسي في كتاب ((الوزراء)) وغيرهما ، وإنّما أخرج له هذا النسب
بعد سنين من وزارته ، وذكره الشعراء في مدائحهم .
وهو من قرية من بلاد العراق تعرف بقرية بني أوقر ، بالقاف ، من
أعمال دجيل ، وهي دور عرمانيا ٣ ، بالعين المهملة والياء المثناة من تحت ،
وتعرف الآن بدور ٤ الوزير نسبة إليه ، وكان والده من أجنادها° .
٨٠٧ - ترجمته في الخريدة (قسم العراق) ١: ٩٦ وتاريخ ابن الأثير ١١: ٣٢١ والمنتظم ١٠:
٢١٤ وذيل ابن رجب ١: ٢٥١ وتاريخ ابن خلدون ٣ : ٥٢٤ والروضتين ١: ١٤١ ومطالع
البدور ٢ : ١١٤ ومفرج الكروب ١ : ١٤٧ ومرآة الزمان: ٢٥٥ ومرآة الجنان ٣: ٣٤٤
والفخري: ٢٧٦ والبداية والنهاية ١٢ : ٢٥١ وعبر الذهبي ٤ : ١٧٢ والشذرات ٤ : ١٩١
ووقعت هذه الترجمة في ع بعد ترجمة ياقوت الحموي؛ وابتداء من هذه الترجمة تعود مسودة المؤلف
إلا أن ورقات من أولها قد فقدت وأعاد بعض النساخ كتابتها. وسوف يكون اعتمادنا كبيراً عليها
حيث يبدأ خط المؤلف نفسه .
١ ع ق ر س : سعيد .
٢ ق ر : عمر .
٣ المختار : دوز عرمايا .
٤ ر : بدار .
٥ ق ع س : آحادها .
٢٣٠

ودخل بغداد في صباه ، واشتغل بالعلم ، وجالس الفقهاء والأدباء ، وكان
على مذهب الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه ، وسمع الحديث ، وحصل
من كل فن طرفاً ، وقرأ الكتاب العزيز وختمه بالقراءات والروايات ، وقرأ
النحو ، واطلع على أيام العرب وأحوال الناس ، ولازم الكتابة ، وحفظ ألفاظ
البلغاء وتعلم صناعة الإنشاء ، وكانت قراءته الأدب على أبي منصور ابن الجواليقي ،
وتفقه على أبي الحسين محمد بن محمد الفراء ، وصحب الشيخ أبا عبد الله محمد
ابن يحيى بن علي بن مسلم بن موسى بن عمران الزبيدي الواعظ ، وسمع الحديث
النبوي من أبي عثمان إسماعيل بن محمد بن قيلة الأصبهاني ومن أبي القاسم هبة
الله بن محمد بن الحسين الكاتب ومن بعدهما ، وحدث عن الإمام المقتفي الأمر
اللّه أمير المؤمنين ١ وعن غيره ، وسمع منه خلق كثير منهم الحافظ أبو الفرج
ابن الجوزي .
وأول ولايته الإشراف بالأقرحة الغربية ، ثم نقل إلى الإشراف على الإقامات
المخزنية ، ثم قلد الإشراف بالمخزن ، ولم يطل في ذلك مكثه حتى قلد في سنة
اثنتين وأربعين كتابة ديوان الزمام ، ثم ترقى إلى الوزارة ، وكان سبب توليته
الوزارة ما حكاه الذي جمع سيرته أنّه قال : من جملة ما رفع قدر الوزير ونقله
إلى الوزارة ما جرى من مسعود البلالي شحنة بغداد نيابة عن السلطان مسعود بن
محمد بن ملكشاه السلجوقي - وكان مسعود أحد الخدم الخصيان الحبشيين الكبار
من أمراء دولته - من سوء أدبه في الحضرة وخروجه عن معتاد الواجب وانتشار
مفسدي أصحابه ، وكان وزير الخليفة إذ ذاك قوام الدين أبو القاسم علي بن صدقة
ابن علي بن صدقة قد كتب عن الخليفة إلى السلطان مسعود عدة كتب يعتمد
الإنكار على مسعود البلالي على ما صدر منه ، فلم يرجع بجواب ، فلما قلد
عون الدين ابن هبيرة كتابة ديوان الزمام خاطب الخليفة في مكاتبة السلطان مسعود
بالقضية فوقع إليه : قد كان الوزير كتب في ذلك عدة كتب فلم يجيبوه ، فراجع
عون الدين في ذلك سؤاله إلى أن أجيب ، فكتب من إنشائه رسالة ، وهي طويلة
فأضربت عن ذكرها ، وحاصل الأمر فيها أنّه دعا له ، وأذكره ما كان أسلافه
١ زاد في المختار : العباسي .
٢٣١

يعاملون الخلفاء به من حسن الطاعة والتأدب معهم والذب عنهم ممن يفتاتُ
عليهم ، وشكا من مسعود البلالي ، وأنّه كاتب في ذلك عدة دفعات وما جاءه
جواب ، وأطال القول في ذلك ، وكان هذا في سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة
في شهر ربيع الآخر ، فما مضى على هذا إلا قليل حتى عاد الجواب بالاعتذار
والذم لمسعود البلالي والإنكار لما اعتمده ، فاستبشر المقتفي بإشارة عون الدين
وعظم سروره بذلك وحسن موقع عون الدين من قلبه ، ولم يزل عنده مَكيناً
حتى استوزره .
قال مصنف السيرة : وكان أيضاً من جملة أسباب وزارته أنّه في سنة ثلاث
وأربعين وصل إلى بغداد الأمير ابن ألقش ١ المسعودي صاحب اللحف ، وهو
صقع بالعراق ، ويلدكز السلطاني ، وقصداها في جموع كثيرة ، وصدر منهم
فتن عظيمة تضمنتها التواريخ ، فشرع الوزير قوام الدين بن صدقة في تدبير الحال ،
فأخفق مسعاه ، فحينئذ استأذن عون الدين الخليفة في أمرهم فأذن له في ذلك ،
فخاطب هؤلاء الخارجين على الخليفة ، وأحسن التدبير في ذلك حتى كف شرهم ،
ثم قوي عليهم حتى نهبت العامة أموالهم ، وجرت المقادير بهذه الأحوال لرفع
ابن هبيرة ووضع الوزير ابن صدقة ، فإنّه عند انقضاء هذا المهم استدعى الخليفة
المقتفي عون الدين بمطالعة على يد أميرين من أمراء الدولة فتبين بقراءته لها
التباشير في أسرّته ، فركب إلى دار الخليفة في جماعته ، وتسامع الناس بوزارته ،
ولما وصل إلى باب الحجرة استدعي فدخل وقد جلس له المقتفي بميمنة التاج،
فقبل الأرض وسلم ، وتحدثا ساعة بما لم يحط به غيرهما علماً ، ثم خرج وقد
جهزوا له التشريف على عادة الوزراء ، فلبسه ، ثم استدعي ثانياً فقبل الأرض،
ودعا بدعاء أعجب الخليفة ، ثم أنشده :
أياديَ لم تُمنْنْ وإن هي جَّتِ
سأشكر عمراً ما تراختْ منيتي
فكانت بمرأىً منه حتى تجلتٍ
رأى خَلّي من حيثُ يخفى مكانُها
قلت : وهذان البيتان لإبراهيم بن العباس الصولي - المقدم ذكره - وهي
١ كذا في س؛ وفي ق ع: ابن البقسق ؛ بر : أبو البقش.
٢٣٢

ثلاثة أبيات ، والثاني منهما بعد الأول :
فتى غيرُ محجوبِ الغنى عن صديقه ولا مظهرُ الشكوى إذا النعلُ زلّتٍ
ولمّا أنشد عون الدين هذين البيتين غير نصف البيت الثاني منهما فإن الشاعر
قال :
فكانت قذى عينيه حتى تجلت
فما رأى أنّه يخاطب الخليفة بهذه العبارة فغيّره تأدباً .
ثم إن عون الدين خرج فقدم له حصان أدهم سائل الغرة محجل ، وعليه من
الحلى ما جرت به عادتهم مع الوزراء ، والشرح في ذلك يطول فاختصرته ،
وخرج بين يديه أرباب المناصب وأعيان الدولة وأمراء الحضرة وجميع خدام
الخلافة وسائر حجاب الديوان ، والطبول تضرب أمامه ، والمسند وراءه محمول
على عادتهم في ذلك ، حتى دخل الديوان ونزل على طرف الديوان وجلس في
الدست ، وقام لقراءة عهده الشيخ سديد الدولة أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم
ابن الأنباري ، ولولا خوف الإطالة لذكرت العهد فإنّه بديع في بابه ، لكن
قصدي الاقتصار فأعرضت عن ذكره ، وهو مشهور في أيدي الناس ؛ فلما فرغ
من قراءته قرأ القراء وأنشد الشعراء ، وتولى الوزارة يوم الأربعاء ثالث عشر
ربيع الآخر من سنة أربع وأربعين وخمسمائة ، وكان لقبه جلال الدين ، فلما
ولي الوزارة لقبوه عون الدين .
وكان عالماً فاضلاً ذا رأي صائب وسريرة صالحة ، وظهر منه في أيام ولايته
ما شهد له بكفايته وحصن مناصحته ، فشكر له ذلك ولحظه بعين الرعاية وتوفرت
له أسباب السعادة ، وكان مكرماً لأهل العلم يحضر مجلسه الفضلاء على اختلاف
فنونهم ، ويقرأ عنده الحديث عليه وعلى الشيوخ بحضوره ، ويجري من البحث
والفوائد ما يكثر ذكره .
وصنف كتباً ، فمن ذلك كتاب (( الإفصاح عن شرح معاني الصحاح))
وهو يشتمل على تسعة عشر كتاباً ، شرح الجمع بين الصحيحين وكشف عما
فيه من الحكم النبوية، وكتاب ((المقتصد )) بكسر الصاد المهملة ، وشرحه أبو
٢٣٣

محمد ابن الخشاب النحوي المشهور في أربع ١ مجلدات شرحاً مستوفّى، واختصر
كتاب ((إصلاح المنطق)) لابن السكيت، وله كتاب ((العبادات في الفقه على
مذهب الإمام أحمد )) وأرجوزة في المقصور والممدود ، وأرجوزة في علم الخط ،
وغير ذلك .
وذكر شيخنا عز الدين أبو الحسن علي بن محمد المعروف بابن الأثير الجزري
في تاريخه الصغير الأتابكي ٢ في فصل حصار الملك محمد وزين الدين بغداد ،
وذلك في ذي القعدة من سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة ، أن المقتفي لأمر الله جد
في حفظ بغداد ، وقام وزيره عون الدين بن هبيرة في هذا الأمر المقام الذي يعجز
عنه غيره قال : وأمر المقتفي فنودي ببغداد : من جرح وقت القتال ٣ فله خمسة
دنانير ، فكان كل من جرح يوصل ذلك إليه ، فحضر بعض العامة عند الوزير
مجروحاً فقال الوزير : هذا جرح صغير لا تستحق عليه شيئاً ، فعاد إلى القتال
فضرب في جوفه فخرجت أمعاؤه ، فعاد إلى الوزير فقال : يا مولانا الوزير يرضيك
هذا ؟! فضحك منه وأمر له بصلة ، وأحضر له من يعالجه ؛ انتهى كلام ابن
الأثير .
قلت : وهذا محمد هو ابن محمود بن محمد بن ملكشاه السلجوقي ، وزين
الدين هو أبو الحسن علي بن بكتكين المعروف بكجك والد مظفر الدين صاحب
إربل .
وقال غير ابن الأثير : إن الملك اسمه محمد شاه وإن هذه القضية كانت في
سنة اثنتين وخمسين، والله أعلم؛ ذكر ذلك ابن الجوزي في كتاب ((شذور
العقود )) وهو أخبر ، لأنها بلده وهو بها ، وقد ذكرت محمد شاه في ترجمة أبيه .
وتوفي الإمام المقتفي لأمر الله أبو عبد الله محمد بن المستظهر ليلة الأحد ثاني ٤
ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمسمائة ، وبويع ولده المستنجد بالله أبو
١ س : أربعة .
٢ انظر الباهر : ١١٣ .
٣ وقت القتال : سقطت من ق ر والباهر .
٤ المختار : ثاني عشر ؛ ر س بر من : ثاني شهر .
٢٣٤

المظفر يوسف ، فدخل عليه وبايعه وأقره على وزارته وأكرمه ، وكان خائفاً
منه أن يعزله فلم يعزله١ ولم يتعرض له ، ولم يزل مستمراً في وزارته إلى حين
وفاته .
ومدحه جماعة من أماثل شعراء عصره : منهم أبو الفوارس سعد بن محمد
المعروف بابن صيفي الملقب حيص بيص - المقدم ذكره ٢ - وله فيه مدائح
منتخبة ، فمن ذلك قوله :
كما هز شَرْبَ الحيّ صهباءُ قَرْقَفُ
يهز حديثُ الجود ساكنَ عطفه
صعاب الذرا من زعزع الخطب ترجف
ويرسو إذا طاشت حُبًا القوم واغتدت
ولكنه بالمجد صَبٌّ مكلّف
صَروم الدنايا هاجرٌ كلَّ سُبّْةٍ.
بأهوالِ ما يدني من الحمد نَقْنَف
يضيق بأدنى العار ذرعاً وصدرُهُ
إذا قيل عونُ الدين يحيى تألّقَ الـب غمامُ وماس السمهريُّ المثقف
وكانت عوائدهم في بغداد في شهر رمضان أن الأعيان يحضرون سماط الخليفة
عند الوزير، وهم يسمون السماط ((الطبق)) وكان حيص بيص في جملة من
يحضر الطبق ، وكانت نفسه أبية وهمته عربية ، وإذا أحضروا الطبق تخطّاه
وقعد فوقه من أرباب المراتب جماعة ليس فيهم فضل ، فيجد في نفسه لذلك
مشقة عظيمة فكتب إلى الوزير عون الدين يستعفيه من الحضور ٣ :
يا باذلَ المالِ في عُدْمٍ وفي سَعَةٍ ومطعمَ الزاد في صُبْحٍ وفي غسقٍ
إلى مزيدٍ من النعماء مندفق
وحاشرّ الناس أغنتهم فواضله
يميرهم وهو يدعوهمُ إلى الطبق
في كل بيتٍ خِوانٌ من مكارمه
من بأس عدلك نادى الناسُ بالغرق
فاض النوالُ فلولا خوف منعمةٍ
حتى الوغى من نجيع الخيل والعرق
وكل أرض بها صوبٌ وساكبة
١ فلم يعزله : سقطت من رق ع س بر من : وورد بعدها : فلم يعرض له .
٢ انظر جـ ٢ : ٣٦٢.
٣ انظر الخريدة (قسم العراق) ١ : ٢٨٤.
٢٣٥

صُن منكبي عن زحامٍ إن غضبتُ له تمكن الطعنُ من عرضي١ ومن خلقي
فكم تكلفته حملاً فلم أطق
وإن رضيتُ به فالذل مَنْقَصةٌ
وليس غير إبائي حافظ رمقي
أنا المريض بأحداث وسورتها
فالجودُ بالعزّ فوق الجودِ بالورق
وهبه لي كعطاياك التي كثرت
على علاها لمرماها إلى الأفق
إن اصفرار مجن الشمس من حزن
فربما اشتبه التوقيرُ بالحمق
وإن توهم قومٌ أنّه حُمُقَّ
وأهدي إلى الوزير عون الدين دواة بلور مرصعة بمرجان ، وفي مجلسه
جماعة منهم حيص بيص ، فقال الوزير : يحسن أن يقال في هذه الدواة شيء
من الشعر ، فقال بعض الحاضرين ، وكان ضريراً ، ولم أقف على اسمه :
ألين لداودَ الحديدُ كرامةً يقدّره في السَّرْد كيف يريدُ
ولان لك البلور وهي حجارةٌ ومعطفه صعب المرام شديدُ
فقال حيص بيص : إنّما وصفت صانع الدواة ولم تصفها ، فقال الوزير :
من عَيَّر غَيّر ٢ ، فقال الحيص بيص :
صيغت دواتك من يوميك فاشتبها على الأنام بيلور ومرجان
ويومُ حربكَ قانٍ بالدّمِ القاني
فیوم سلمك مبیض بفيض ندی
ثم وجدت البيتين الأولين في كتاب ((الجنان)) تأليف القاضي الرشيد أحمد
ابن الزبير الغساني - المذكور في أوائل هذا الكتاب ٣ - ونسبهما إلى القاضي
الرشيد أحمد بن قاسم الصقلي قاضي مصر ، وذكر أنّه دخل على الأفضل شاهان
شاه أمير الجيوش بمصر - وقد تقدم ذكره أيضا٤ً - فرأى بين يديه دواة من
١ الخريدة : من عقلي ، وكذلك هو في ق ع بر من .
٢ بر من والمختار : من غير غير ؛ س : من غير غبر .
٣ انظر ج ١ : ١٦٠ .
٤ انظر جـ ٢ : ٤٤٨ .
٢٣٦
:

عاج محلاة بمرجان ، فقال بديهاً :
يقدره في السّرْد كيف يريدُ
ألين لداود الحديد كرامة
علی أنّه صعبُ المرام شديدا
ولان لك المرجان وهو حجارة
ومدحه أبو عبد الله محمد بن بختيار المعروف بالأبله الشاعر - المقدم ذكره -
بقصائد عديدة : منها وهي أحسنها فلهذا ذكرتها :
وصفاك إلا الحليّ والوَدْعا
ولع النسيم وبانة ٢ الجرعا
عنها وضقتُ بحبها ذرعا
یا دُميةَ ضاقتْ خلاخلها
فبقيت لا جلداً ولا دمعا
وسكنتِ بعد تبالةَ الجزعا
قلبي لها لا المنحنى مَرْعى
وجَلَتْ بعودٍ أراكةٍ طلعا
تعددْ لأيام الصبا رُّجْعى
سكرى اللواحظ وعثة المسعى
أبرادَهُ عَدَنٌ ولا صنعا
ركب الحمامُ لبانةٍ فرعا
لبس الغديرُ لخوفها درعا
عذلاً فشق لصخرة سمعا
قد کنتُ ذا دمعٍ وذا جلدٍ
صيرتٍ جسمي للضنى سكناً
يا من رأى أدماءَ سانحةً
لائتْ بمثل الغصن ٣ مئزرها
وإذا تراجعك الكلامَ فلا
ولقد سعت بالكأس تُصْبحي؛
في مستنير الزهر ما صنعت
باکرتُ مفترعاً ثراه وما
سَلّتْ عليه البارقاتُ ظباً
يا عاذلي إن شئت تُسمعني
طبعاً جبلتُ على الغرام كما جُبل الوزير على الندى طبعا
١ كذلك ذكر العماد في الخريدة ١ : ٣٢٦ (قسم العراق)، وقد سقط هذا النص كله من النسخ
ر س بر من .
٢ س : بيانة .
٣ س من بر ق : الدعص .
٤ س : تصحبني .
٢٣٧

وخرج بعد هذا إلى المديح فأضربت عنه ، ولولا خوف الإطالة لذكرته .
ومدحه أبو الفتح محمد بن عبد اللّه سبط ابن التعاويذي - المقدم ذكره - بقصيدة
واحدة وهي ١ :
حكت دَنَفى من بعدهم ونحولي
سقاها الحيا من أرْبُعٍ وطلولٍ
من الدمع مدرارِ الشؤونِ همول
ضمنتُ لها أجفانَ عينٍ قريحةٍ
فعهدُ الهوى في القلب غير محيل
لئن حال رسمُ الدارِ عما عهدتْهُ
سنا بارقٍ بالأجرعين ٢ كليل
خليليَّ قد هاج الغرامُ وشاقني
ووَكَّل طرفي بالسهاد تنظُّري
قضاء مليٍ بالديون مطولٍ
تقولُ وهل حبٌّ بغير نحول
تقولُ شهودُ الدمع غيرُ عدول
على ناقضٍ عهدَ الوفاء ملول
ملالُ حبيب أو ملام عذول
لعبن بألباب لنا وعقول
فلم تجلُ إلا عن دمٍ وقتيل
برياك ريحاً شمأل وقبول
شفاءُ فؤاد بالغرام عليل
وحاولتُ صبراً عنك غير جميل
على كاهلٍ للنائبات حمول
سوى رَعْي ليلٍ بالغرام طويل
ومنها :
إذا قلت قد أنحلتِ جسمي صبابة
وإن قلتُ دمعي بالأسى فيك شاهدي
فلا تعذلاني إن بكيتُ صبابةٌ
فأبرحُ ما يُمنى به الصب في الهوى
ودون الكثيب الفرد بيضٌ عقائل"
غداة التقتْ ألحاظها وقلوبنا
ألا حبذا وادي الأراك وقد وَشَتْ
وفي أبرديه كلما اعتلّتِ الصّبا
دعوتُ سُلُواً فيك غير مساعدي ٣
- تعرفت أسبابَ الهوى وحملته
فلم أحظَ في حبِّ الغواني بطائلٍ
إلى كم تمنيني الليالي بماجدٍ رَزينٍ وقارِ الحلم غير عَجول
١ ديوان ابن التعاويذي : ٣٤٤ .
٢ في بعض النسخ: بالأبرقين .
٣ ق ع والمختار : غير مساعد .
٢٣٨

وأسحبُ تيهاً في ثراه ذيولي
أهز اختيالاً في هواه معاطفي
لصبٌّ إلى تقبيل كف مُثيل
لقد طال عهدي بالنوال وإنّني
بها لي ، وعونُ الدین خير كفيل
وإن ندى يحيى الوزير لكافلٌ
و کان عون الدين كثيراً ما ينشد :
ما لم ينلك بمكروه من العَذَلِ
ما ناصحتك خبايا الودّ من أحد
بأن أراك على شيءٍ من الزلل
مودتي لك تأبى أن تسامحني
وذكر الشيخ شمس الدين أبو المظفر يوسف بن قزغلي بن عبد الله سبط الشيخ
جمال الدين أبي الفرج ابن الجوزي في تاريخه الذي سماه ((مرآة الزمان)) ورأيته
بدمشق في أربعين مجلداً وجميعه بخطه - وكان أبوه قزغلي مملوك عون الدين
ابن هبيرة المذكور ، وَزَوَّجه١ بنت الشيخ جمال الدين أبي الفرج المذكور ،
فأولدها شمس الدين فولاؤه له - أنّه سمع مشايخه ببغداد يحكون أن عون الدين
قال : كان سبب ولايتي المخزن أنني ضاق ما بيدي حتى فقدت القوت أياماً ،
فأشار عليَّ بعض أهلي أن أمضي إلى قبر معروف الكرخي رضي اللّه عنه، فأسأل
اللّه تعالى عنده ، فإن الدعاء عنده مستجاب ، قال : فأتيت قبر معروف فصليت
عنده ودعوت ، ثم خرجت لأقصد البلد ، يعني بغداد ، فاجتزت بقَطُفْنا ٢ -
قلت : وهي محلة من محال بغداد - قال : فرأيت مسجداً مهجوراً فدخلت
لأصلي فيه ركعتين ، وإذا بمريض ملقى على بارية ، فقعدت عند رأسه وقلت :
ما تشتهي ؟ فقال : سفرجلة ، قال : فخرجت إلى بقال هناك فرهنت عنده
مئزري على سفرجلتين وتفاحة وأتيته بذلك ، فأكل من السفرجلة ، ثم قال :
أغلق باب المسجد ، فأغلقته ، فتنحى عن البارية وقال : احفر هاهنا ، فحفرت
وإذا بكوز ، فقال : خذ هذا فأنت أحق به ، فقلت : أما لك وارث ؟ فقال :
لا ، وإنّما كان لي أخ وعهدي به بعيد وبلغني أنّه مات ، ونحن من الرصافة ،
١ س : زوجته .
٢ انظر التعريف بها في ياقوت .
٢٣٩

قال : وبينا هو يحدثني إذا قضى نحبه ، فغسلته وكفنته ودفنته ، ثم أخذت الكوز
وفيه مقدار خمسمائة دينار وأتيت إلى دجلة لأعبرها ، وإذا بملاح في سفينة عتيقة
وعليه ثياب رثة ، فقال : معي معي ، فنزلت معه ، وإذا به من أكثر الناس
شبهاً بذلك الرجل ، فقلت : من أين أنت ؟ فقال : من الرصافة ، ولي بنات ،
وأنا صعلوك ، قلت : فما لك أحد ؟ قال : لا ، كان لي أخ ولي عنه زمان
ما أدري ما فعل اللّه به ، قال : فقلت : ابسط حجرك ، فبسطه فصيبت المال
فيه ، فبهت ، فحدثته الحديث ، فسألني أن آخذ نصفه فقلت : لا والله ولا
حبة ، ثم صعدت إلى دار الخليفة وكتبت رقعة فخرج عليها إشراف المخزن ،
ثم تدرجت إلى الوزارة .
وقال جدي الشيخ أبو الفرج في كتاب ((المنتظم))١: وكان الوزير يسأل الله
تعالى الشهادة ويتعرض لأسبابها ، وكان صحيحاً يوم السبت ثاني عشر جمادى
الأولى من سنة ستين وخمسمائة ، فنام ليلة الأحد في عافية ، فلما كان في وقت
السحر قاء ، فأحضر طبيبا٢ً كان يخدمه فسقاه شيئاً ، فيقال إنّه سمه فمات ،
وسقي الطبيب بعده بنحو ستة أشهرٍ سماً فكان يقول : سُقيت كما سَقيت ،
ومات الطبيب .
وقال في ((المنتظم)) أيضاً : وكنت ليلة مات الوزير نائماً على سطح مع
أصحابي ، فرأيت في المنام كأنّي في دار الوزير وهو جالس ، فدخل رجل بيده
حربة قصيرة ٣ فضربه بها بين أنثييه فخرج الدم كالفوارة فضرب الحائط ،
فالتفت فإذا بخاتم من ذهب ملقى ، فأخذته وقلت : لمن أعطيه ؟ أنتظر خادماً
يخرج فأعطيه إياه ، وانتبهت وحدثت أصحابي بالرؤيا ، فلم أستثمَّ الحديث
حتى جاء رجل فقال : مات الوزير ، فقال بعض الحاضرين : هذا محال ، أنا
فارقته أمس العصر وهو في كل عافية ، وجاء آخر وصح الحديث ، وقال لي
ولده : لا بد أن تغسله ، فأخذت في غسله ورفعت يده لأغسل مغابنه - قلت :
١ المنتظم ١٠ : ٢١٦ .
٢ ق ع س بر من : فحضر طبيب ، وكذلك في المنتظم .
٣ قصيرة : سقطت من : ع ق س بر من ، والمنتظم .
٢٤٠