Indexed OCR Text
Pages 401-420
فقلت: أما سداد الكنيف فأنت مليّ به، وأما الثغر فلا علم لنا كيف أنت فيه، وكنت حديث السنّ وأردت العبث به، فأعرض عني ملياً، ثم أقبل عليّ متمثلاً يقول : وأُكرمُ نفسي إنني إن أهنتها وحقك لم تكرم على أحد بعدي فقلت : والله ما يكون من الهوان شيء أكثر مما بذلتها له فقال لي : والله إن من الهوان لشراً مما أنا فيه ، فقلت : وما هو ؟ قال : الحاجة إليك وإلى أمثالك ]١ . وكان سبب عمله هذه الأبيات أن محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي خال هشام بن عبد الملك لما كان والي مكة حبس العرجي المذكور لأنه كان يشبّبُ بأمه جَيْداء ، وهي من بني الحارث بن كعب ، ولم يكن ذلك لمحبته إياها ، بل ليفضح ولدها المذكور، وأقام في حَبْسِه تسع سنين ، ثم مات فيه بعد أن ضربه بالسّياط وشهره بالأسواق ، فعمل هذه الأبيات في السجن٢. [ قال إسحاق: وكان الوليد بن يزيد مضطفناً على محمد بن هشام أشياء كانت تبلغه عنه في حياة هشام ، فلما ولي الخلافة قبض عليه وعلى أخيه إبراهيم بن هشام وأشخصا إليه إلى الشام ، ثم دعا بالسياط ، فقال له محمد: أسألك بالقرابة، فقال : وأي قرابة بيني وبينك ، هل أنت إلا من أشجع ؟ قال : فأسألك بصهر عبد الملك ، قال : فلم تحفظه ؛ قال : يا أمير المؤمنين قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تضرب قريش بالسياط إلا في حد ، قال : ففي حدٍ أضربك وقود ، [ أنت ممن سنَّ] ذلك على العرجي وهو ابن عمي وابن أمير المؤمنين عثمان فما راعيت حق جده ولا نسبته إلى هشام ، ولا ذكرت حينئذ هذا الخبر، وأنا ولي ثأره ، اضرب يا غلام، فضربهما ضرباً مبرحاً وأثقلا بالحديد ووجههما إلى يوسف بن عمر بالكوفة وأمر باستقصائها وتعذيبهما حتى يتلفا ، ١ زيادة انفردت بهار، وانظر الأغاني ١ : ٣٩٠. ٢ وكان سبب ... السجن: هذه الفقرة وقعت في ر بعد الزيارة التالية، ولكنا قدمناها ليطرد السياق؛ وواضح من إيراد الزيادتين معاً أنهما نقل مباشر عن الأغاني . ٢٦ - ٥ ٤٠١ وكتب إليه : احتبسهما مع ابن النصرانية ، يعني خالداً القسري ، إن عاش أحد منهما ؛ فعنيهما عذاباً شديداً وأخذ منهما مالاً عظيماً، حتى لم يبق فيها موضع الضرب ، وكان محمد بن هشام مطروحاً فإذا أرادوا أن يقيموه أخذوا بلحيته فجذبوه بها ، ولما اشتد الحال بها تحامل إبراهيم لينظر في وجه محمد فوقع عليه فماتا جميعاً ومات خالد القسري معهما في يوم واحد . . قال إسحاق : غنيت الرشيد يوماً في عُرض الغناء: أضاعوني وأي فت أضاعوا ليوم كريمةٍ وسداد ثغر فقال لي: ما كان سبب العرجي حتى قال الشعر؟ فأخبرته بخبره من أوله إلى آخره إلى أن مات فرأيته يتغير كلما مرّ به شيء، فأتبعته بحديث مقتل ابني هشام ، فجعل وجهه يسفر وغضبه يسكن ، فلما انقضى الحديث قال : يا إسحاق والله لولا ما حدّثتني به من فعل الوليد لما تركت أحداً من بني مخزوم إلا قتلته بالعرجي ]١ . وقد خرجنا عن المقصود ، ونرجع الآن إلى تتمة أخبار النضر بن شميل . فمن ذلك ما حكاه الحريري في (( درة الغواص )) ٢ أيضاً في أوائل الكتاب في قوله: ويقولون للمريض٣: مسَحَ الله ما بك، بالسين، والصواب فيه مَصَح، بالصاد ، فقال : ويحكى أن النضر بن شُمَيل المازني مرض فدخل عليه قوم يعودونه ، فقال له رجل منهم يكنى أبا صالح: مسح الله ما بك، فقال: لا تقل مسح بالسين ولكن قل مَصَح بالصاد ، أي أذهبه وفرقه ، أما سمعت قول الأعشى : ... وإذا ما الخمر فيها أزبدت أفل الإزباد فيها ومصح فقال له الرجل : إن السين قد تبدل من الصاد، كما يقال الصراط والسراط ، ١ زيادة انفردت بهار، وانظر الأغاني ١ : ٣٩١ - ٣٩٢. ٢ درة الغواص : ١٤ - ٠١٥ ٣ المريض: سقطت من : ق ن ر . ٤٠٢ وسقر وصقر ، فقال له النضر : فإذاً أنت أبو سالح ؛ ويُشبه هذه النادرة ما حكي أيضاً : أن بعض الأدباء جوز بحضرة الوزير أبي الحسن بن الفرات : أن تقام السين مقام الصاد في كل موضع ، فقال له الوزير : أتقرأ ﴿جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم﴾ ( الرعد : ٢٣) أم من سلح ؟ فخجل الرجل وانقطع ؛ انتهى كلام الحريري . قلت أنا : والذي ذكره أرباب اللغة في جواز إبدال الصاد من السين : أن كل كلمة كان فيها سين، وجاء بعدها أحد الحروف الأربعة - وهي الطاء والخاء والغين والقاف - فيجوز إبدال السين بالصاد، فنقول في ((السراط)) الصراط ، وفي ((سخر لكم)) صخر، وفي ((مسغبة)) مصغية، وفي ((سيقل)) صيقل، وقس على هذا كله. ولم أر في شيء من كتب اللغة من ذكر هذا وحكى فيه خلافاً، سوى الجوهري في كتاب ((الصحاح)) في لفظة صدغ٢، فإنه قال: وربما قالوا السدغ بالسين ، قال قطرب محمد بن المستنير : إن قوماً من بني تميم يقال لهم بَلعَنْبر يقلبون السين صاداً عند أربعة أحرف، عند الطاء والقاف والغين والخاء ، إذا كن بعد السين، ولا يبالي أثانية كانت أم ثالثة أم رابعة ، بعد أن تكون بعدها ، يقولون : سراط وصراط ، وبسطة وبصطة ، وسيقل وصيقل ، وسرقت وصرقت ، ومسغبة ومصغبة ، ومسدغة ومصدغة ، وسخر لكم وصخر لكم ، والسخب والصخب ؛ انتهى كلامه في هذا الفصل . وأخبار النضر كثيرة ، والاختصار أولى . وله تصانيف كثيرة، فمن ذلك١: كتاب في الأجناس على مثال ((الغريب)) وسماه: ((كتاب الصفات)). قال علي بن الكوفي: الجزء الأول منه يحتوي على خلق الإنسان والجود والكرم وصفات النساء . والجزء الثاني يحتوي على الأخبية والبيوت وصفة الجبال والشعاب . والجزء الثالث يحتوي على الإبل فقط والجزء الرابع يحتوي على الغنم والطير والشمس والقمر والليل والنهار والألبان والكمأة والآبار والحياض والأرْشية والدلاء وصفة الخمر٢. والجزء الخامس ٠٠ ١ الصحاح ٤ : ١٣٢٣. ٢ انظر انباه الرواة ٣ : ٣٥٢. ٣ ص ن : الحمر . ٤٠٣ يحتوي على الزرع والكرم والعنب١ وأسماء البقول والأشجار والرياح والسحاب والأمطار. وله كتاب ((السلاح))، وكتاب (( خلق الفرس)) وكتاب ((الأنواء)) وكتاب (المعاني)) وكتاب ((غريب الحديث)) وكتاب (المصادر)) وكتاب ((المدخل إلى كتاب العين للخليل بن أحمد ))، وغير ذلك من التصانيف . وتوفي في سلخ ذي الحجة سنة أربع ومائتين ، وقيل في أولها ، وقيل سنة ثلاث ومائتين بمدينة مرو من بلاد خراسان ، وبها ولد ، ونشأ بالبصرة فلذلك نسب إليها ، رحمه الله تعالى . والنَّضْر : بفتح النون وسكون الضاد المعجمة وبعدها راء . وشميل : بضم الشين المعجمة وفتح الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها لام . وخَرَشة: بفتح الخاء المعجمة والراء والشين المعجمة . وكُلْثُوم : بضم الكاف والثاء المثلثة وبينهما لام ساكنة . وعبدة : بفتح العين والدال المهملة وبينهما باء موحدة وهاء ساكنة . والسكب : بفتح السين المهملة وسكون الكاف وبعدها باء موحدة، وإنما قيل له (( سکب )) لقوله٢ : برقٌ يضيء خلال البيتِ أسكوب وحليمة : بفتح الحاء المهملة وكسر اللام وسكون الياء المثناة من تحتها . وقال ابن الجوزي في كتاب ((الألقاب)) في ترجمة السكب : هو زهير بن عروة ابن جُلُهُمة ، والله أعلم بالصواب . وجُلُهُمة : بضم الجيم والهاء وبينهما لام ساكنة ، وهو في الأصل : اسم لجنب الوادي ، يقال له: جُلهمة، وجَلهَة: بفتح الجيم والهاء بغير ميم، وبه سمي الرجل . وحُجْر : بضم الحاء المهملة وبعدها جيم ساكنة ثم راء . ١ والعنب : سقطت من ق : وفي الانباه : والغيث. ٢ انظر التاج (سكب) والسمط : ٤٤١°. ٤٠٤ وخُزاعيّ : بضم الخاء المعجمة وفتح الزاي وبعد الألف عين مهملة مكسورة ثم ياء مشددة تشبه ياء النسب . والباقي معروف فلا حاجة إلى ضبطه . ٧٦٥ الإمام أبو حنيفة أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زُوطى بن ماه الفقيه الكوفي ، مولى تيم الله ابن ثعلبة، وهو من رهط حمزة الزيات ؛ كان خزازاً يبيع الخز، وجدُه زوطى من أهل كابُل، وقيل من أهل بابل ، وقيل من أهل الأنبار ، وقيل من أهل نَسا، وقيل من أهل ترمذ ، وهو الذي مَسَّه الرق فأعتق ، وولد ثابت على الإسلام . وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة : أنا إسماعيل بن حماد بن النعمان بن ثابت بن النعمان بن المرزبان ، من أبناء فارس من الأحرار ، والله ما وقع علينا رق قط. ولد جدي١ سنة ثمانين، وذهب ثابت إلى علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، وهو صغير ، فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته ، ونحن نرجو أن يكون الله تعالى قد استجاب ذلك لعلي فينا ، والنعمان بن المرزبان أبو ثابت هو الذي أهدى لعلي بن أبي طالب، رضي الله عنه، الفالوذج في يوم المهرجان النيروز٢، ٧٦٥ - مصادر ترجمته اكثر من أن يحاط بها ولكنا نشير إلى تذكرة الحفاظ : ١٦٨ وتاريخ بغداد ١٣ : ٣٢٣ والجواهر المضية ١: ٢٦ - ٣٢ ومرآة الجنان ١: ٣٠٩ وعبر الذهبي ١ : ٢١٤ والشذرات ١ : ٢٢٧ والبداية والنهاية ١٠: ١٠٧ والنجوم الزاهرة ٢: ١٢ وانظر بروكلمان ( الترجمة العربية ) ٣: ٢٣٦ - ٢٤٥ وبهذه الترجمة تبدأ (ع). ١ ر : جدي ثابت . ٢ ق ن ع ص : مهرجان النيروز؛ قلت والمهرجان غير النيروز، وسبب الاضطراب في النسخ وجود الروايتين في تاريخ بغداد . ٤٠٥ فقال: مَهْرجُونا! كل يوم ، هكذا قال الخطيب في تاريخه ، والله تعالى أعلم . وأدرك أبو حنيفة أربعة من الصحابة ، رضوان الله عليهم وهم : أنس بن مالك وعبد الله بن أبي أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد الساعدي بالمدينة ، وأبو الطفيل عامر بن وائلة بمكة ، ولم يلق أحداً منهم ولا أخذ عنه٢ ، وأصحابه يقولون : لقي جماعة من الصحابة وروى عنهم ، ولم يثبت ذلك عند أهل النقل. وذكر الخطيب في ((تاريخ بغداد))٣ أنه رأى أنس بن مالك ، رضي الله عنه . وأخذ الفقه عن حماد بن أبي سليمان وسمع عطاء بن أبي رباح وأبا إسحاق السبيعي ومحارب بن دثار والهيثم بن حبيب الصوّاف ومحمد بن المنكدر ونافعاً مولى عبد الله بن عمر ، رضي الله عنهما ، وهشام بن عروة وسماك بن حرب ؟ وروى عنه عبيد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح والقاضي أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني وغيرهم . وكان عالماً عاملاً زاهداً عابداً ورعاً تقياً كثير الخشوع دائم التضرع إلى الله تعالى، ونقله أبو جعفر المنصور من الكوفة إلى بغداد ، فأراده على أن يوليه القضاء فأبى ، فحلف عليه ليفعَلنّ ، فحلف أبو حنيفة أن لا يفعل [ فحلف المنصور ليفعلن، فحلف أبو حنيفة أن لا يفعل، وقال : إني لن أصلح إلى قضاء ]٤ فقال الربيع بن يونس الحاجب : ألا ترى أمير المؤمنين يحلف ؟ فقال أبو حنيفة : أميرُ المؤمنين على كفارة أيمانه أقدرُ مني على كفارة أيماني ، وأبى أن يلي ، فأمر به إلى الحبس في الوقت ، والعوام يدعون أنه تولى عدد اللبن أياماً ليكفر بذلك عن منه ، ولم يصح هذا من جهة النقل . وقال الربيع : رأيت المنصور ينازل أبا حنيفة في أمر القضاء، وهو يقول: اتق الله، ولا ترعي". ١ زاد في ع} وهامش ص : فيرزونا ، وفي بر من : مهر جونا أي نيرزونا ، وفي تاريخ بغداد - في احدى الروايتين : نورزونا . ٢ ر ص: إلا وأخذ عنه . ٣ ١٣ : ٣٢٤. ٤ زيادة من المطبوعة المصرية لم ترد في المخطوطات المعتمدة، وهي واردة في تاريخ بغداد: ٣٢٨. • هكذا في تاريخ بغداد والنسخ . ٤٠٦ أمانتك إلا من يخاف الله ، والله ما أنا مأمون الرضا فكيف أكون مأمون الغضب؟. ولو اتجه الحكم عليك، ثم تهددتني أن تغرقني في الفرات أو تلي ١ الحكم لاخترت أن أغرق ، ولك حاشية يحتاجون إلى مَنْ يكرمهم٢ لك، ولا أصلح لذلك، فقال له : كذبت أنت تصلح ، فقال له : قد حكمت لي على نفسك ، كيف يحل لك أن تولي قاضياً على أمانتك وهو كذاب ؟ وحكى الخطيب أيضاً في بعض الروايات٣ : أن المنصور لما بنى مدينته ونزلها ، ونزل المهدي في الجانب الشرقي وبنى مسجد الرصافة ، أرسل إلى أبي حنيفة فجيء به ، فعرض عليه قضاء الرصافة فأبى ، فقال له : إن لم تفعل ضربتك بالسياط ، قال : أو تفعل ؟ قال : نعم، فقعد في القضاء يومين فلم يأته أحد ، فلما كان في اليوم الثالث أناه رجل صَفّار ومعه آخر ، فقال الصفار : لي على هذا درهمان وأربعة دوانيق ثمن تور صُفر٤، فقال أبو حنيفة : اتق الله وانظر فيما يقول الصفّار، قال: ليس له عليَّ شيء ، فقال أبو حنيفة للصفار: ما تقول ؟ فقال : استحلفه لي ، فقال أبو حنيفة للرجل : قل والله الذي لا إله إلا هو، فجعل يقول ، فلما رآه أبو حنيفة معتمداً على أن يقول قطع عليه وضرب بيده إلى كمه ، فحلَّ صرة وأخرج درهمين ثقيلين وقال للصفار : هذان الدرهمان عوض عن باقي تَورك ، فنظر الصفار إليهما وقال : نعم ، فأخذ الدرهمين ، فلما كان بعد يومين اشتكى أبو حنيفة فمرض ستة أيام ثم مات . وكان° يزيد بن عمر بن هُبَيرة الفَزاري أمير العراقين أراده أن يلي القضاء بالكوفة أيام مروان بن محمد ، آخر ملوك بني أمية ، فأبى عليه فضربه مائة سوط وعشرة أسواط ، كل يوم عشرة أسواط ، وهو على الامتناع ، فلما رأى ذلك خلى سبيله . وكان أحمد بن حنبل، رضي الله عنه ، إذا ذكر ذلك بكى وترحم على أبي حنيفة ، وذلك بعد أن ضرب أحمد على القول بخلق القرآن ١ ن ر ص : ألي . ٢ ق : إلى أن يكرموا . ٣ تاريخ بغداد ١٣ : ٣٢٩. ٤ تور صفر : وعاء نحاس . ٥ تاريخ بغداد ١٣ : ٣٢٧ . ٤٠٧ وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة : مررت مع أبي بالكُناسة فبكى ، فقلت له : يا أبت ما يبكيك ؟ فقال : يابني ، في هذا الموضع ضرب ابن هُبيرة أبي عشرة أيام ، في كل يوم عشرة أسواط ، على أن يلي القضاء ، فلم يفعل . والكناسة ، بضم الكاف ، موضع بالكوفة . [ قال الفضل بن غانم: كان أبو يوسف مريضاً شديد المرض فعاده أبو حنيفة مراراً ، فصار إلى آخر مرة ، فرآه ثقيلً فاسترجع ثم قال : لقد كنت أؤملك بعدي للمسلمين ولئن أصيب الناس بك ليموتن معك علم كثير . ثم رزق العافية وخرج من الغد فأخبر أبو يوسف بقول أبي حنيفة فيه فارتفعت نفسه وانصرفت وجوه الناس إليه فعقد لنفسه مجلساً في الفقه ، وقصر عن لزوم مجلس أبي حنيفة فسأل عنه فأخبر أنه عقد لنفسه مجلساً وأنه يلقي كلامك فيه ، فدعا رجلاً كان له عنده قدر فقال : سر إلى مجلس يعقوب فقل له : ما تقول في رجل دفع إلى قصار ثوباً ليقصره بدرهم فصار إليه بعد أيام في طلب الثوب ، فقال له القصار : ما لك عندي شيء وأنكره ، ثم إن رب الثوب رجع إليه فدفع له الثوب مقصوراً، أله أجرة ؟ فإن قال لك : له أجرة فقل له أخطأت ، وإن قال : لا أجرة له فقل : أخطأت ؛ فسار إليه وسأله ، فقال أبو يوسف : له أجرة ، فقال: أخطأت ، فنظر ساعة ثم قال : لا أجرة له ، فقال له : أخطأت ، فقام أبو يوسف من ساعته فأتى أبا حنيفة فقال: ما جاء بك إلا مسألة القصار، قال : أجل ، قال : سبحان الله، من قعد يفتي الناس وعقد مجلساً يتكلم في دين الله وهذا قدره ، لا يحسن أن يجيب في مسألة من الاجارات ؟ فقال : يا أبا حنيفة، علمني، فقال: إن كان قصره بعد ما غصبه فلا أجرة لأنه قصر لصاحبه؛ ثم قال : من ظن أنه يستغني عن التعلم فليبك على نفسه ]١ . وكان أبو حنيفة حسن الوجه حسن المجلس ، شديد الكرم حسن المواساة لإخوانه ، وكان رَبْعة من الرجال ، وقيل كان طُوالا تعلوه سمرة ، أحسن ١ زيادة من ر ، ويبدو أنها مقحمة ، لأن سياق الترجمة حتى هذا الجد كان تلخيصاً مرتباً عن تاريخ بغداد ، وهذه الحكاية تجيء في ص : ٣٤٩ من تاريخ الخطيب . ٤٠٨ الناس منطقاً وأحلاهم نغمة . وذكر الخطيب في تاريخه١ أن أبا حنيفة رأى في المنام كأنه ينبش قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث مَنْ سأل ابن سيرين، فقال ابن سيرين : صاحب هذه الرؤيا يثور٢ً علماً، لم يسبقه إليه أحد قبله . قال الشافعي٣ ، رضي الله عنه ، قيل لمالك : هل رأيت أبا حنيفة ؟ فقال: نعم ، رأيت رجلاً لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهباً لقام بحجته . وروى حَرْمَلة بن يحيى عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: الناس عيال على هؤلاء الخمسة ، من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة ، وكان أبو حنيفة ممن وفق له الفقه ، ومن أراد أن يتبحر في الشعر فهو عيال على زهير ابن أبي سلمى ، ومن أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على محمد بن إسحاق ، ومن أراد أن يتبحر في النحو فهو عيال على الكسائي ، ومن أراد أن يتبحر في التفسير فهو عيال على مُقاتل بن سليمان ، هكذا نقله الخطيب في تاريخه . وقال يحيى بن معين : القراءة عندي قراءة حمزة ، والفقه فقه أبي حنيفة ، على هذا أدركت الناس . وقال جعفر بن ربيع : أقمت على أبي حنيفة خمس سنين ، فما رأيت أطول صَمْتاً منه، فإذا سئل عن الفقه تفتح وسال كالوادي ، وسمعت له دَويّاً وجَهارة في الكلام . وكان إماماً في القياس ؛ قال علي بن عاصم° : دخلت على أبي حنيفة وعنده حجام يأخذ من شعره ، فقال للحجام : تَتبَّع مواضع البياض ، فقال الحجام : لا تزد ، فقال: ولم ؟ قال: لأنه يكثر، قال : فتتبع مواضع السواد لعله يكثر ، وحكيت لشريك هذه الحكاية فضحك وقال : لو ترك أبو حنيفة قياسه لتركه مع الحجام . ١ تاريخ بغداد ١٣ : ٣٣٥ . ٢ ق : يشير . ٣ تاريخ بغداد ١٣ : ٣٣٧ - ٣٣٨. ٤ تاريخ بغداد ١٣ : ٣٤٦ ٥ تاريخ بغداد ١٣ : ٧٤٧ ٤٠٩ وقال عبد الله بن رجاء١ : كان لأبي حنيفة جار بالكوفة إسكاف ، يعمل نهاره أجمع ، حتى إذا جنَّه الليل رجع إلى منزله ، وقد حمل لماً فطبخه أو سمكة فيشويها ثم لا يزال يشرب ، حتى إذا دب الشراب فيه غَرَّد بصوت ، وهو يقول : أضاعوني وأي فق أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر فلا يزال يشرب ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم ، وكان أبو حنيفة يسمع جَلبته كل ليلة ، وأبو حنيفة كان يصلي الليل كله ، ففقد أبو حنيفة صوته فسأل عنه، فقيل : أخذه العَسَسُ منذ ليال وهو محبوس ، فصلى أبو حنيفة صلاة الفجر من غدٍ ، وركب بغلته ، واستأذن على الأمير ، فقال الأمير : ايذنوا له وأقبلوا به راكباً ولا تَدَعُوه ينزل حتى يطأ البساط ببغلته٢، ففعل، ولم يزل الأمير يوسع له في مجلسه، وقال: ما حاجتك ؟ فقال: لي جار إسكاف أخذه العسس منذ ليال ، يأمر الأمير بتخليته ، فقال: نعم ، وكل من أخذ في تلك الليلة إلى يومنا هذا ، فأمر بتخليتهم أجمعين ، فركب أبو حنيفة والإسكاف يمشي وراءه ، فلما نزل أبو حنيفة مضى إليه وقال : يا فتى أضعناك ؟ فقال : لا ، بل حفظت ورعيت جزاك الله خيراً عن حرمة الجوار ورعاية الحق ، وتاب الرجل ولم يَعُدْ إلى ما كان عليه . وقال ابن المبارك٣: رأيت أبا حنيفة في طريق مكة ، وشوي لهم فصيل سمين ، فاشتهوا أن يأكلوه بخل فلم يجدوا شيئاً يصبون فيه الخل ، فتحيروا ، فرأيت أبا حنيفة وقد حفر في الرمل٤ حُفْرة وبَسَط عليها السفرة ، وسكب الخل على ذلك الموضع، فأكلوا الشّواء بالخل، فقالوا : تحسن كل شيء ، فقال: عليكم بالشكر ، فإن هذا شيء ألهمته لكم فضلاً من الله عليكم . ١ انظر القصة في تاريخ بغداد ١٣: ٣٦٢ والأغاني ١ : ٣٨٩. ٢ ببغلته: سقطت من ع ر والمختار وتاريخ بغداد ٣ تاريخ بغداد ١٣ : ٣٦٥ . ٤ ع : الأرض . ٤١٠ [ وحكى الحسن بن زياد قال: دفن رجل مالاً في موضع، ثم نسي في أي موضع دفنه فلم يقع عليه ، فجاء إلى أبي حنيفة فشكا إليه فقال له أبو حنيفة : ما هذا فقه فأحتال لك ، ولكن اذهب فصلِّ الليلة ، ففعل الرجل ، ولم يقم إلا أقلّ من ربع الليل حتى ذكر الموضع ، فجاء إلى أبي حنيفة فأخبره ، فقال له : قد علمت أن الشيطان لا يدعك تصلي حتى يذكرك ، فهلا أتممت ليلتك شكراً لله عز وجل . وقال ابن شبرمة : كنت شديد الازراء على أبي حنيفة ، فحضر الموسم وكنت حاجاً يومئذ ، فاجتمع إليه قوم يسألونه ، فوقفت من حيث لا يعلم من أنا ، فجاءه رجل فقال: يا أبا حنيفة: قصدتك أسألك عن أمر أهمني وأزعجني قال: وما هو ؟ قال: لي ولد وليس لي غيره ، فإن زوّجته طلق، وإن سرّيته أعتق ، وقد عجزت عن هذا فهل من حيلة ؟ قال له : نعم اشتر الجارية التي يرضاها لنفسه ثم زوجها منه، فإن طلق رجعت إليك مملوكتك وإن أعتق أعتق ما لا يملك ، وإن ولدت ثبت نسبه لك ، فعلمت أن الرجل فقيه من يومئذ وكففت عن ذكره إلا بخير ]١ . وقال ابن المبارك أيضاً : قلت لسفيان الثوري : يا أبا عبد الله ، ما أبعد أبا حنيفة عن الغيبة ، ما سمعته يغتاب عدوّاً له قط، فقال: هو أعقل من أن يسلط على حسناته ما يذهبها٢ . وقال أبو يوسف٣ : دعا أبو جعفر المنصور أبا حنيفة ، فقال الربيع صاحب المنصور، وكان يُعادي أبا حنيفة: يا أمير المؤمنين، هذا أبو حنيفة يخالف جَدّك ، كان عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يقول: إذا حلف على اليمين ثم استثنى بعد ذلك بيوم أو بيومين جاز الإستثناء ، وقال أبو حنيفة : لا يجوز الاستثناء إلا متصلاً باليمين ، فقال أبو حنيفة: يا أمير المؤمنين ، إن الربيع يزعم أنه ليس لك في رقاب جُنْدك بَيْعة ، قال : وكيف ؟ قال : يحلفون لك ١ زيادة انفردت بهار . ٢ وقال ابن المبارك ... يذهبها : سقط من ع .. ٣ تاريخ بغداد : ٣٦٥. ٤١١ ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون فتبطل أيمانهم ، فضحك المنصور وقال : يا ربيع ، لا تتعرَّض لأبي حنيفة، فلما خرج أبو حنيفة قال له الربيع : أردت أن تشيط بدمي ، قال : لا، ولكنك أردت أن تشيط بدمي فخلصتك وخلصت نفسي . وكان أبو العباس١ الطوسي سيء الرأي في أبي حنيفة، وكان أبو حنيفة يعرف ذلك ، فدخل أبو حنيفة على المنصور ، وكثر الناس ، فقال الطوسي : اليوم أقتل أبا حنيفة ، فأقبل عليه فقال : يا أبا حنيفة، إن أمير المؤمنين يدعو الرجل فيأمره بضرب عنق الرجل لا يدري ما هو، أيسعه أن يضرب عنقه ؟ فقال: يا أبا العباس أمير المؤمنين يأمر بالحق أم بالباطل ؟ فقال: بالحق، قال: أنفذ الحق حيث كان ولا تسأل عنه ؛ ثم قال أبو حنيفة لمن قرب منه : إن هذا أراد أن يُوثِقني٢ فربطته . وقال يزيد بن الكميت٣ : كان أبو حنيفة شديد الخوف من الله تعالى ، فقرأ بنا علي بن الحسين٤ المؤذن ليلة في العشاء الأخيرة سورة ﴿ إذا زلزلت ﴾ وأبو حنيفة خلفه ، فلما قضى الصلاة وخرج الناس نظرت إلى أبي حنيفة وهو جالس يتفكر ويتنفس ، فقلت : أقوم لا يشتغل قلبه بي ، فلما خرجت تركت القنديل ولم يكن فيه إلا زيت قليل ، فجئت وقد طلع الفجر وهو قائم وقد أخذ بلحية نفسه، وهو يقول : يا من يجزي بمثقال ذرة خير خيراً، ويا من يجزي بمثقال ذرة شر شراً، أجسِرِ النعمانَ عبدَكَ من النار، ومما يقرب منها من السوء، وأدخله في سَعَة رحمتك ، قال: فأذنت° وإذا القنديل يزهر وهو قائم ، فلما دخلت قال لي : تريد أن تأخذ القنديل، قلت : قد أذنت لصلاة الغداة ، فقال: اكتم علي ما رأيت ، وركع ركعتين وجلس حتى أقمت الصلاة وصلى معنا الغداة على وضوء أوّل الليل . ١ المصدر السابق نفسه . ٢ ن ص : يوبقي . ٣ تاريخ بغداد : ٣٥٧ . ٤ ع ر ن ق : الحسن . ٥ ر : فدنوت . ٤١٢ وقال أسد بن عمرو١ : صلى أبو حنيفة فيما حُفظ عليه صلاة الفجر بوضوء صلاة العشاء أربعين سنة ، وكان عامة ليلة يقرأ جميع القرآن في ركعة واحدة وكان يُسمَع بكاؤه في الليل حتى يرحمه جيرانه ، وحفظ عليه أنه ختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعة آلاف مرة . وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة عن أبيه٢: لما مات أبي سألنا الحسن ابن عمارة أن يتولى غسله ففعل، فلما غسله قال : رحمك الله وغفر لك ! لم تفطر منذ ثلاثين سنة ، ولم تتوسّد يمينك في الليل منذ أربعين سنة ، وقد أتعبت مَنْ بعدك ، وفَضحْت القراء . ومناقبه وفضائله كثيرة ، وقد ذكر الخطيب في تاريخه منها شيئاً كثيراً ، ثم أعقب ذلك بذكر ما كان الأليق في تركه والإضراب عنه ، فمثل هذا الإمام لا يشك في دينه، ولا في وَرَعه وتحفظه٣ ، ولم يكن يُعاب بشيء سوى قلة العربية ، فمن ذلك ما روي أن أبا عمرو بن العلاء المقرىء النحوي - المقدم ذكره - سأله عن القتل بالمثل: هل يوجب القود أم لا ؟ فقال: لا، كما هو قاعدة مذهبه خلافاً للإمام الشافعي رضي الله عنه ، فقال له أبو عمرو : ولو قتله بحجر المنجنيق ، فقال : ولو قتله بأبا قُبَيس ، يعني الجبل المطل على مكة حرسها الله تعالى . وقد اعتذروا عن أبي حنيفة بأنه قال ذلك على لغة من يقول : إن الكلمات الست المعربة بالحروف - وهي أبوه وأخوه وخموه وهنوه وفوهُ وذو مال - أن إعرابها يكون في الأحوال الثلاث بالألف ، وأنشدوا في ذلك : إن أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاها وهي لغة الكوفيين ، وأبو حنيفة من أهل الكوفة ، فهي لغته، والله أعلم . وهذا وإن كان خروجاً عن المقصود لكن الكلام ارتبط بعضه ببعض فانتشر. وكانت ولادة أبي حنيفة سنة ثمانين للهجرة٤ ، وقيل سنة إحدى وستين ، ٣ تاريخ بغداد : ٣٥٤ . ٢ المصدر نفسه . ٣ ص ن : ولا في تحفظه . ٤ زاد في ر : وقيل سنة سبعين . ٤١٣ والأول أصح. وتوفي في رجب ، وقيل في شعبان سنة خمسين ومائة ، وقيل لاحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى من السنة ، وقيل سنة احدى وخمسين وقيل ثلاث وخمسين ، والأول أصح؛ وكانت وفاته ببغداد في السجن ليلي القضاء فلم يفعل ، هذا هو الصحيح ، وقيل إنه لم يمت في السجن ، وقيل توفي في اليوم الذي ولد فيه الإمام الشافعي رضي الله عنهما ، ودفن بمقبرة الخيزران ، وقبره هناك مشهور يزار . وزُوْطَى : بضم الزاي وسكون الواو وفتح الطاء المهملة وبعدها ألف مقصورة ، وهو اسم نبطي . وكابُل: بفتح الكاف وضم الباء الموحدة بعد الألف وبعدها لام ، وهي ناحية معروفة من بلاد الهند ينسب إليها جماعة من العلماء وغيرهم . وأما بابل والأنبار فها معروفان فلا حاجة إلى الكلام عليها . (286) وبنى شرف الملك أبو سعد١ محمد بن منصور الخوارزمي مستوفي مملكة السلطان ملك شاه السلجوقي على قبر الإمام أبي حنيفة مشهداً وقبة ، وبنى عنده مدرسة كبيرة للحنفية ، ولما فرغ من عمارة ذلك ركب إليها في جماعة من الأعيان ليشاهدوها ، فبيناهم هناك إذ دخل عليهمُ الشريف أبو جعفر مسعود المعروف بالبياضي الشاعر - المقدم ذكره - وأنشده : ألم تر أن العلم كان مُبَدِّدًا فجمْعَه هذا المغيَّبُ في اللحدِ كذلك كانت هذه الأرض مَيْتَةٌ فأنشرها فعلُ العميد أبي سعدٍ فأجازه أبو سعد جائزة سنية . ولهذا أبي سعد مدرسة بمدينة مرو ، وله عدة رُبُط وخانات في المفاوز ، وكان كثير الخير وعمل المعروف ، وانقطع في آخر عمره عن الخدمة ولزم بيته ، و کانوا یراجعونه في الأمور، وتوفي في الحرم سنة أربع وستين وأربعمائة بأصبهان، رحمة الله تعالى . وكان بناء المشهد والقبة في سنة تسع وخمسين وأربعمائة ، وقد تقدم في ترجمة ١ ر: أبو سعيد، وقد وقع كذلك أحياناً في ق؛ والشعر يضبطه ((أبو سعد)) انظر البيتين التاليين. ٤١٤ ألب أرسلان محمد والد السلطان ملك شاه أنه بنى مشهداً على قبر الإمام أبي حنيفة ، وكذلك وجدته في بعض التواريخ، وقد غاب عني الآن من أين نقلته، ثم وجدت بعد ذلك أن الذي بنى المشهد والقبة أبو سعد المذكور ، والظاهر أن أبا سعد بناهما نيابة عن ألب أرسلان المذكور ، وهو كان المباشر كما جرت عادة النواب مع ملوكهم ، فتسبت العمارة إليه بهذه الطريق ، ويدل على ذلك أن تاريخ العمارة في أيام ألب أرسلان ، وأبو سعد كان مستوفياً في أيامه ، ثم استمر على وظيفته في أيام ولده ملك شاه ، وهذا إنما ذكرته لنجمع بين النقلين ، والله أعلم . ٧٦٦ القاضي النعمان أبو حنيفة النعمان بن أبي عبد الله محمد بن منصور بن أحمد بن حيون١ ، أحد الأئمة الفضلاء المشار إليهم ، ذكره الأمير المختار المسبّحي في تاريخه فقال : كان من أهل العلم والفقه والدين والنبل على ما لا مزيد عليه ، وله عدة تصانيف : منها كتاب ((اختلاف أصول المذاهب)) وغيره، انتهى كلام المسبحي في هذا الموضع. وكان مالكي المذهب ثم انتقل إلى مذهب الإمامية، وصنف كتاب «ابتداء ٧٦٦ - ترجمته وأخباره في اتعاظ الحنفا : ١٤٩ ولسان الميزان ٦ : ١٦٧ والنجوم الزاهرة ٤ : ١٠٦ والكندي: ٢٨٦ ومرآة الجنان ٢: ٣٧٩ والشذرات ٣: ٤٧ وروضات الجنات: ٧٢٧ ومقدمة كتاب ((الهمة في آداب أتباع الأئمة)) وكتاب ((دعائم الإسلام)) وبروكلمان (الترجمة العربية) ٣ : ٣٤١ - ٣٤٢ و Ivanov : A Guide to Ismaili Literature وقد أو جز صاحب المختار فيما اختاره من هذه الترجمة كثيراً . ١ ق ر ن : حيوان . ٢ اختلاف : سقطت من ق ن . ٤١٥ الدعوة للعُبَيديين))(١ وكتاب ((الأخبار)) في الفقه، وكتاب ((الاقتصار)) ٢ في الفقه أيضاً . وقال ابن زولاق في كتاب ((أخبار قضاة مصر)) في ترجمة أبي الحسن علي بن النعمان المذكور، ما مثاله: وكان أبوه النعمان بن محمد القاضي في غاية الفضل، من أهل القرآن والعلم بمعانيه ، وعالماً بوجوه الفقه وعلم اختلاف الفقهاء واللغة والشعر الفَحْل والمعرفة بأيام الناس ، مع عقل وإنصاف٣ ، وألف لأهل البيت من الكتب آلاف أوراق بأحسن تأليف وأملح سجع ، وعمل في المناقب والمثالب كتاباً حسناً، وله ردود على المخالفين: له رد على أبي حنيفة وعلى مالك والشافعي وعلى ابن سُرَيج، وكتاب (( اختلاف الفقهاء)) ينتصر فيه لأهل البيت رضي الله عنهم ، وله القصيدة الفقهية لقبها بالمنتخبة . وكان أبو حنيفة المذكور ملازماً صحبة المعز أبي تميم معَد بن منصور - المقدم ذكره - ولما وصل من إفريقية إلى الديار المصرية كان معه ، ولم تطل مدته ، ومات في مستهل رجب سنة ثلاث وستين وثلاثمائة بمصر . وذكر أحمد بن محمد بن عبد الله الفرغاني في ((سيرة القائد جوهر)) أنه توفي في ليلة الجمعة سلخ جمادى الآخرة من السنة ٤، وصلى عليه المعز، وذكر ابن زولاق في تاريخه بعد ذكر وفاة المعز وذكر أولاده وقضاة المعز فقال: قاضيه الواصل معه من المغرب أبو حنيفة النعمان بن محمد الداعي، ولما وصل إلى مصر وجد جوهراً قد استخلف على القضاء أبا طاهر الذهلي البغدادي فأقره ، انتهى كلام ابن زولاق . (287) وكان والده أبو عبد الله محمد قد عُمَّر، ويحكي أخباراً كثيرة نفيسة حفظها وعمره أربع سنين ، وتوفي في رجب سنة إحدى وخمسين وثلثمائة ، وصلى عليه ولده أبو حنيفة المذكور ، ودفن في باب سلم ، وهو أحد أبواب القيروان ، وكان عمره مائة وأربع سنين . .دخشر باسم ((رسالة افتتاح الدعوة)) تحقيق الآنسة وداد القاضي (دار الثقافة، بيروت ١٩٧٠). ٢ ع : الانتصار. ٣ ر : مع العقل والإنصاف . ٤ وذكر أحمد ... السنة: سقط من ع . ٤١٦ (288) وكان لأبي حنيفة أولاد نجباء سروات ، فمنهم أبو الحسن علي بن النعمان١، أشرك المعز المذكور بينه وبين أبي طاهر محمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر بن بحير بن صالح بن أسامة الذهلي قاضي مصر في الحكم، ولم يزالا مشتركين فيه إلى أن توفي المعز ، وقام بالأمر ولده العزيز نزار - وقد تقدم ذكره أيضاً - فرد إلى القاضي أبي الحسن المذكور أمر الجامعين ودار الضرب ، وهما على الاشتراك في الحكم ، واستمرا على ذلك إلى أن لحقت القاضي أبا طاهر المذكور رطوبة عطلت شقه ومنعته من الحركة والسعي إلا محمولاً ، فركب العزيز المذكور إلى الجزيرة التي بين مصر والجيزة في مستهل صفر سنة ست وستين وثلثمائة ، فحمل أبو طاهر إليه ، فلقيه والشهود معه عند باب الصناعة، فرآه نحيلاً، وسأله استخلاف ولده أبي العلاء بسبب ما يجده من الضعف ، فحكي عن العزيز أنه قال : ما بقي إلا أن تقددوه . ثم قلد العزيز ثالث هذا اليوم القاضي أبا الحسن علي بن النعمان المذكور القضاء مستقلاً فركب إلى جامع القاهرة، وقرىء سجله، ثم عاد إلى الجامع العتيق بمصر وقرىء سجله، وكان القارىء أخاه أبا عبد الله محمد ابن النعمان ، وكان في سجله القضاء بالديار المصرية والشام والحرمين والمغرب وجميع مملكة العزيز والخطابة والإمامة والعيار في الذهب والفضة ، والموازين والمكاييل ، ثم انصرف إلى داره في جمع عظيم ، ولم يتأخر عنه أحد ، وأقام القاضي أبو طاهر المذكور منقطعاً في بيته عليلاً، وأصحاب الحديث يترددون إليه ويسمعون عليه ، إلى أن توفي سلخ ذي القعدة سنة سبع وستين وثلثمائة ، وسنه ثمان وثمانون سنة ، ومدة ولايته ست عشرة سنة وسبعة عشر يوماً، وأذن له العزيز أيضاً أن ينظر في الأحكام في هذه المدة ، فلم يكن فيه فضل ، وكان قد حكم في الجانب الغربي ببغداد أيضاً مدة ثم انتقل إلى مصر . ثم إن القاضي أبا الحسن استخلف في الحكم أخاه أبا عبد الله محمداً ، وفوض إليه الحكم بدمياط وتنيس والفرما والجفار، فخرج إليها واستخلف بها ثم عاد ، ثم سافر العزيز إلى الشام في سنة سبع وستين ، وسافر معه القاضي أبو الحسن المذكور ، وجلس أخوه محمد مكانه للحكم بين الناس . ١ انظر ترجمته في رفع الاصر : ٤٠٧ . ٢٧ - ٥ ٤١٧ وكان القاضي أبو الحسن المذكور مفنناً في عدة فنون، منها على القضاء والقيام به بوقار وسكينة، وعلم الفقه والعربية والأدب والشعر وأيام الناس ، وكان شاعراً مجيداً في الطبقة العليا، ومن شعره ما رواه له أبو منصور الثمالي في كتاب (( يتيمة الدهر))١ وهو قوله : ولي صديقٌ ما مسني عدم مذ وقعَتْ عينُه على عدمي أغنى وأقنى وما يُكلفُني تَقبيلَ كف له ولا قَدَم . وتمت عن حاجتي ولم ينَم قام بأمري لما قعدتُ به وأورد له الثعالبي أيضاً في المعنى٢: صديقٌ لي له أدب صداقةُ مثلِهِ تَسَبُ رعى لي فوق ما يُرْعى وأوجب فوق ما يجب فلو نُقِدَتْ خلائقه لبُهْرجَ عندها الذهب وأورد له أبو الحسن الباخرزي المقدم ذكره- في كتاب (( دمية القصر))٣ وأوردها أيضاً أبو محمد ابن زولاق في كتاب ((أخبار قضاة مصر)) في ترجمة أبي الحسن المذكور ، أبياتاً أحسن فيها كل الإحسان ، وهي : رب خَوْدٍ عرفت في عرفات سلَبَتْني مُجُسنها حسناتي واستباحت حمايَ باللحظات حَرَّمَتْ حِين أحْرَمَتْ نوم عيني من جُفوني سوابقُ العَبرات وأفاضَت معَ الحجيج ففاضَتْ محرقاً إذ مشت إلى الجمرات ولقد أضْرَمَتْ على القلب جَمراً. لم أنل من مِنِى مُنى النفس حق٤ خِفْتُ بالخَيْف أن تكون وفاتي ١ اليتيمة ١ : ٤٠٠ . ٢ المصدر السابق : ٤٠١ . ٣ لم ترد في المطبوعة . ٤ بر ص : لكن . ٤١٨ ولم يزل أبو الحسن المذكور مستمراً على أحكامه ، وافر الحرمة عند العزيز ، حتى أصابته الحمى وهو بالجامع ينظر في الأحكام ، فقام من وقته ومضى إلى داره، وأقام عليلاً أربعة عشر يوماً، وتوفي في يوم الاثنين لست خلون من رجب١ سنة أربع وسبعين وثلثمائة ، وأخرج تابوته من الغد إلى العزيز وهو معسكر بسطح الجب عند الموضع المعروف الآن بالبركة ، فوضع التابوت بالمسجد المعروف بالبئر والجميزة، وسار العزيز إليه من مُخَيِّمِه حتى صلى عليه في المسجد ، وردت الجنازة إلى داره بالحمراء فدفن فيها . والحمراء: مجلة بمصر، وهي ثلاث حمراوات، وإنما قيل لها الحمراء لنزول الروم بها . وأرسل العزيز إلى أخيه أبي عبد الله محمد -المذكور في هذه الترجمة- وكان ينوب عن أخيه أبي الحسن كما ذكرنا، فقال له: إن القضاء لك من بعد أخيك، ولا تخرجه عن هذا البيت . وكانت مدة ولاية أبي الحسن تسع سنين وخمسة أشهر وأربعة أيام . وكانت ولادته بالمغرب، في شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلثائة، رحمه الله تعالى. (289) وأقامت مصر بغير قاض ينظر فيها ثمانية عشر يوماً لأن أبا عبد الله كان مريضاً، ثم خف عنه المرض فركب في وقته إلى معسكر العزيز يوم الخميس لثان بقين من رجب، ثم عاد من عنده إلى الجامع العتيق بمصر في يوم الجمعة وقد قلده العزيز القضاء وخلع عليه وقلده سيفاً، فلم يقدر على النزول في الجامع لضعفه من العلة، فسار إلى داره ، ونزل ولده وجماعة من أهل بيته إلى الجامع العتيق بمصر، وقرىء سجله بعد صلاة الجمعة ، وكان مثل سجل أخيه أبي الحسن في جميع ولايته . وفي ذي القعدة سنة أربع وسبعين وثلثمائة استخلف ولده أبا القاسم عبد العزيز على القضاء بالإسكندرية بأمر العزيز ، وخلع عليه العزيز . وفي يوم الجمعة مستهل جمادى الأولى سنة خمس وسبعين عقد القاضي محمد بن النعمان المذكور نكاح ولده أبي القاسم عبد العزيز المذكور على ابنة القائد أبي ١ بر : سادس شهر رجب . ٤١٩ الحسن جوهر - المقدم ذكره في حرف الجيم - وكان العقد في مجلس العزيز ولم يحضره إلا خواصه ، وكان الصداق ثلاثة آلاف دينار، والكتاب ثوباً مصمتاً . وكان المعز أبو تميم معد والد العزيز المذكور قد تقدم وهو بالمغرب إلى القاضي أبي حنيفة النعمان المذكور في أول الترجمة بعمل اسطرلاب فضة، وأن يُجْلِس مع الصائغ أحد ثقاته ، فأجلس أبو حنيفة ولده المذكور محمداً ، فلما فرغ الاسطرلاب حمله أبو حنيفة إلى المعز، فقال له: من أجلست معه ؟ فقال: ولدي محمداً، فقال : هو قاضي مصر ، فكان كما قال ، لأن المعز كانت تحدثه نفسه أبداً بأخذ مصر ، فلهذا تلفظ بهذا الكلام ، ووافقته السعادة مع المقادير . وقال القاضي محمد المذكور: كان المعز إذا رآني وأنا صبي بالمغرب يقول لولده العزيز: هذا قاضيك . وكان محمد جيد المعرفة بالأحكام مفنناً في علوم كثيرة حسن الأدب والدراية بالأخبار والشعر وأيام الناس ، وله شعر ، فمن ذلك قوله : لسبعٍ وخمسٍ مضتْ واثنتينٍ أيا مُشْبةَ البدرِ بدرِ السماء شَغَلتَ فؤادي وأسهرت عيني ويا كاملَ الحسنِ في نعته وإلا انصرفتُ بُخْفَّيْ حُنّين فهل ليَ من مَطْعٍ أرتجيه ويفصح لي ظلت صفر اليدين ويشمتُ بي شامتٌ في هواك فأنت القديرُ على الحالتين فإما مننت وإما قتلت وكتب إليه عبد الله بن الحسن الجعفري السمرقندي : تعادلَتِ القضاة علاً فأما أبو عبد الإله فلا عديلُ وحيدٌ في فضائله غريبٌ خطيرٌ في مفاخره جليل تألق بهجةّ ومضى اعتزاماً كما يتألقُ السيفُ الصقيل فيقضي والسدادُ له حليفٌ ويعطي والغمام له رَسيل يؤيده عليها جَبْرَئيل لو اختبرتْ قضاياه لقالوا إذا رقيَ المنابرَ فهو قسّ وإن حضر المشاهد فالخليل فكتب إليه القاضي محمد المذكور : ٤٢٠