Indexed OCR Text
Pages 261-280
المقلد في الملك ، فلم يساعده بنو عقيل، وقدموا أخاه علياً لكبر سنه ، ثم توصل بالخديعة حتى ملك ، وأطال القول في ذلك فاختصرته ، وهذا حاصله . وقال غير ابن الأثير : إنه كان فيه عقل وسياسة وحسن تدبير ، فغلب على سقي الفرات واتسعت مملكته . ولقبه الإمام القادر بالله وكناه ، وأنفذ إليه باللواء والخلع فلبسها بالأنبار . واستخدم من الديلم والأتراك ثلاثة آلاف رجل وأطاعته خفاجة ، وكان فيه فضل ومحبة لأهل الأدب ، وينظم الشعر . حكى أبو الهيجاء ابن عمران بن شاهين قال : كنت أساير معتمد الدولة أبا المنيع قرواش بن المقلد المذكور ما بين سنجار ونصيبين ، فنزلنا ، ثم استدعاني بعد الزوال ، وقد نزل بقصر هناك يعرف بقصر١ العباس بن عمرو الغنوي ، وكان مطلاً على بساتين ومياه كثيرة ، فدخلت عليه فوجدته قائماً يتأمل كتابة على الحائط ، فقرأتها فإذا هي : يا قصر عباس بن عمـ ـرو كيف فارقك ابن عمرك قد كنت تغتال الدهو ر فكيف غالك رَيْب دهرك واهاً لعزك بل لجو دك بل مجدك بل لفخرك وتحتها مكتوب (( وكتب علي بن عبد الله بن حمدان بخطه في سنة إحدى وثلاثين وثلثمائة)) - قلت: وهذا الكاتب هو سيف الدولة بن حمدان ممدوح المتنبي، وقد تقدم ذكره - قال الراوي : وكان تحت ذلك مكتوب : يا قصر ضعضعك الزمان وحط من علياء فخرك ومحا محاسن أسطر شرفت بهن متون جُدْرك واهاً لكاتبها الكريـ ـم وقدره الموفي بقدرك وتحت الأبيات مكتوب ((وكتب الغضنفر بن الحسن بن علي بن حمدان بخطه في سنة اثنتين وستين وثلثمائة)) - قلت : وهذا الكاتب هو عدة الدولة بن ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان ابن أخي سيف الدولة ، وقد سبق ذكر ١ لي : بقصير . ٢٦١ والده أيضاً في حرف الحاء - وتحت ذلك مكتوب : يا قصر ما فعل الألى ضربت قبابهم بعقرك أخنى الزمان عليهمُ وطواهمُ بطويل نَشرك واهاً لقاصر عمر من يختال فيك وطول عمرك وتحته مكتوب (( وكتب المقلد بن المسيب بن رافع بخطه في سنة ثمان وثمانين وثلثمائة)) - قلت : وهذا الكاتب هو المقلد المذكور صاحب هذه الترجمة - وتحت ذلك مكتوب : يا قصر ما صنع الكرا م الساكنون قديم عصرك وشأوتهم طراً بصبرك عاصرتهم فبذذتهم يا ابن المسيب رقم سطرك ولقد أثار تفجعي وعلمت أني لاحق بك دائب في قَفْو أثرك وتحته مكتوب ((وكتب قرواش بن المقلد بن المسيب بخطه في سنة إحدى وأربعمائة)) قال الراوي : فعجبت من ذلك ، وقلت لقرواش : الساعة كتبت هذا ؟ فقال: نعم ، وقد هممت بهدم القصر فإنه مشئوم قد دفن الجماعة ، فدعوت له بالسلامة وانصرفت ، ورحلت بعد ثلاثة أيام ، ولم يهدم القصر . (259) وهذا العباس بن عمرو الغنوي من أهل تل بني سيار الذي بين الرقة ورأس عين بالقرب من حصن مَسْلمة بن عبد الملك بن مروان الحكمي ، وكان يتولى اليمامة والبحرين، وسيره المعتضد بالله الحرب القرامطة في أول أمرهم، فقاتلوه وكسروه وأسروه ، ثم أطلقوه فرجع إلى المعتضد ودخل بغداد ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة مضت من شهر رمضان سنة سبع وثمانين ومائتين . وقال أبو عبد الله العظيمي الحلبي في تاريخه الصغير : مات العباس بن عمرو الغنوي في سنة خمسين وثلثمائة، ومن العجائب أنه توجه إليهم في عشرة آلاف ، فقتل الجميع وسلم وحده، وعمرو بن الليث الصفار حارب إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان ٢٦٢ وهو في خمسين ألفاً ، فأخذوه ونجا الباقون١. وكان بين ما كتبه سيف الدولة وبين ما كتبه قرواش سبعون سنة ؛ وقد سبق نظير هذه الحكاية في ترجمة عبد الملك بن عمير وما جرى له مع عبد الملك ابن مروان ، فلينظر هناك . وبينما المقلد المذكور في مجلس أنسه وهو بالأنبار إذ وثب عليه غلام تركي فقتله ، وذلك في صفر سنة إحدى وتسعين وثلثمائة، ويقال : إنه مدفون على الفرات بمكان يقال له شيفيا٢ بين الأنبار وهيت ، وحكي أن هذا التركي سمعه وهو يقول لرجل ودعه وهو يريد الحج : إذا جئت ضريح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقف عنده وقل له عني : لولا صاحباك لزرتك ؛ ولما مات رئاه الشريف الرضي بقصيدتين ورؤاه جماعة من الشعراء . (260) وكان ولده معتمد الدولة أبو المنيع قرواش غائباً عنه، ثم تقلد الأمر من بعده وكان له عمان ينازعانه في الأمر : أحدهما أبو الحسن ابن المسيب ، والآخر أبو مرح٣ مصعب بن المسيب ، فتوفي أبو الحسن سنة اثنتين وتسعين ، وتوفي أبو مرح سنة سبع وتسعين ، فتفرد قرواش بالملك واستراح خاطره منهما ، وكانت له بلاد الموصل والكوفة والمدائن وسقي الفرات ، وخطب في بلاده للحاكم صاحب مصر - وسيأتي ذكره٤ - في سنة إحدى وأربعمائة ، ثم رجع عن ذلك ، ووصلت الغز إلى الموصل ونهبوا دار قرواش، وأخذوا منها ما يزيد على مائتى ألف دينار ، فاستنجد بنور الدولة أبي الأغر دبيس بن صَدَقة - المقدم ذكره٥ - فأنجده واجتمعا على محاربة الغز فنصروا عليهم وقتل الكثير منهم . ومدحه أبو علي ابن الشبل البغدادي الشاعر المشهور بقصيدة ذكر فيها هذه الواقعة ، فمنها قوله : ١ وهذا العباس ... الباقون : سقط من : لي بر من . ٢ ر ن ق ص : شيقيا . ٣ ن : مرج؛ وفي المطبوعة المصرية ودي سلان : مرخ . ٤ ن : المقدم ذكره ، وهو خطأ . ٥ ٢ ٢: ٢٦٣. ٢٦٣ فَعْدَت قبورُهُمُ بطونَ الأنسُر نزهت أرضك عن قبور١ جسومهم من هذه الدنيا بكل مظفر من بعد ما وطئوا البلاد وظفروا ولقُوا ببأسك سطوة الإسكندر فضوا رتاج السَّدِّ عن يأجوجه وكان قرواش المذكور [ يلقب مجد الدين، وهو ابن أخت الأمير أبي الهيجاء الهذباني صاحب إربل ، وكان ]٢ أديباً شاعراً ظريفاً، وله أشعار سائرة ، فمن ذلك ما أورده له أبو الحسن الباخَرْزي في أول كتاب ((دمية القصر))٣ وهو قوله : صَدَأ اللئام وصيقلُ الأحرار. لله در النائبات فإنها سيفاً وأطلق صرفهن غراري ما كنت إلا زبرة فطبعنني وأورد له أيضاً : من كان يحمَدُ أو يذم مُورِّثاً للمال من آبائه وجدوده شكراً كثيراً جالباً لمزيده فأنا امرؤ لله أشكر وحده يعطيك ما يرضيك من مجهوده لي أشقر ملء العنان مغاور خلتَ البروق تموج في تجريده ومهند عضب إذا جَرَّدته أم المنايا رُكبت في عوده ومثقف لذن السنان كإنما وبذا حَوَيْتُ المالَ إلا أنني سلطت جود يدي على تبديده ما أحسن هذا الشعر وأمتنه ! ومن المنسوب إليه أيضاً : وآلفة للطيب ليست تغبه مُنْعَّمة الأطراف لينةُ اللمس ١ لي بر من : قبول . ٢ زيادة من ر، وردت عند وستنفيلد . ٣ دمية القصر : ١٣ - ١٤ . ٢٦٤ إذا ما دخان الند من جيبها علا على وجهها أبصرت غيما على شمس (261) وذكر الباخرزي المذكور في ((دمية القصر)) أيضاً لأبي جوثة ١ ابن عم الأمير قرواش المذكور : قوم إذا اقتحموا العجاج رأيتهم شمساً وخلت وجوههم أقمارا عدل الزمان عليهم أو جارا لا يعدلون برفدهم عن سائل بذلوا النفوس وفارقوا الأعمارا وإذا الصريخ دعاهُمُ لملمة وإذا زناد الحرب أخمد نارها قدحوا بأطراف الأسنة نارا (262) ومن جملة شعراء ((دمية القصر)) أيضاً الطاهر الجزري٢، وقد مدح قرواشاً المذكور بقوله ، وهو في نهاية الحسن في باب الاستطراد : وبرد أغانيه وطول قرونه وليل كوجه البرقعيديِّ ظلمة كعقل سليمان بن فهد ودينه سرِيتُ ونومي فيه نوم مشرَّدٌ أبو جابر في طيشه وجنونه على أولقٍ فيه مَضاء٣ كأنه إلى أن بدا ضوء الصباح كأنه سنا وجه قرواش وضوء جبينه ولشرف الدين ابن عنين الشاعر المقدم ذكره على هذا الأسلوب في فقيهين كانا بدمشق ينبز أحدهما بالبغل والآخر بالجاموس٤ : البغلُ والجاموس في جدليهما قد أصبحا عظةً لكل مناظر برزا عشية ليلة فتباحثا هذا بقرنيه وذا بالحافر ما أتقنا غير الصياح كأنما لقنا جدال المرتضى بن عساكر ١ بر من : حوثة ؛ ق لي : حونة ؛ ر : جوشنة . ٢ دمية القصر : ٥٠ . ٣ ن : انزعاج . ٤ ديوان ابن عنين : ٢٠٥ ٢٦٥ لفظ طويل تحت معنى قاصر كالعقل في عبد اللطيف الناظر اثنان ما لهما وحقك ثالث إلا رقاعة مدلويه١ الشاعر ولقد حكى لي بعض الأصحاب أنه سأل ابن عنين عن أبيات الطاهر الجزري واستحسن بناءه٢ عليها ، فحلف أنه ما كان سمعها ، والله أعلم . (263) ومدلويه المذكور : لقب كان ينبز به الرشيد أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن بدر بن الحسن بن المفرج بن بكار الشاعر المعروف بابن النابلسي ، وكان مقيماً بدمشق ، ولابن عنين فيه عدة مقاطيع هجو . وتوفي في منتصف صفر سنة تسع عشرة وستمائة بدمشق المحروسة ، ودفن بباب الصغير ، رحمه الله تعالى . وذكر في كتاب ((الدمية)) أيضاً للطاهر الجزري المذكور أبياتاً لطيفة أحببت ذكرها ، وهي : انظر إلى حظ ابن شبل في الهوى إذ لا يزال لكل قلب شائقا شغل النساء عن الرجال ، وطالما شغل الرجال عن النساء مراهقا عشقوه أمرد والتحى فعشقنه الله أكبر ليس يعدم عاشقا ثم وجدت في كتاب ((الخريدة)) في ترجمة أبي نصر ابن النحاس الحلي البيتين الأخيرين من هذه الأبيات الثلاثة وقال: أورده أبو الصلت في ((الحديقة))٣ له ، يعني لابن النحاس ، والله أعلم . رجعنا إلى حديث الأمير قرواش : وكان كريماً وهاباً نهاباً جارياً على سنن العرب، نقل أنه جمع بين أختين في النكاح٤ ، فلامته العرب على ذلك فقال : خبروني ما الذي نستعمله مما ١ ص ق : مدكويه . ٢ لي بر من : ثناءه . ٣ ص ق ن : الخريدة ، وهو سهو . ٤ ن : نكاح . ٢٦٦ ! تبيحه الشريعة ؟ وكان يقول : ما في رقبتي غير خمسة أو ستة من أهل البادية قتلتهم ، فأما الحاضرة فما يعبأ الله بهم . ودامت إمارة قرواش مدة خمسين سنة فوقع بينه وبين أخيه بركة بن المقلد - وكان١ خارج البلد - فقبض بركة عليه في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة ، وقيده وحبسه في الجراحية إحدى قلاع الموصل ، وتولى مكانه . (264) ولقب بركة بزعيم الدولة وأقام في الإمارة سنتين، وتوفي في ذي الحجة سنة ثلاث وأربعين (265) فقام مقامه ابن أخيه أبو المعالي قريش بن أبي الفضل بدران بن المقلد - وكان بدران المذكور صاحب نصيبين، وتوفي في رجب سنة خمس وعشرين وأربعمائة - فأول ما فعل قريش أنه قتل عمه قرواشاً المذكور في محبسه في مستهل رجب سنة أربع وأربعين وأربعمائة، ودفن بتلّ توبة شرقي الموصل، وكان فصيحاً شاعراً كريماً شجاعاً . وقِرواش : بكسر القاف وسكون الراء وفتح الواو وبعد الألف شين معجمة، وهو فعْوَال من القرْش، وهو في اللغة الكَسْب والجمع، وبه سميت قريش أيضاً لأنها كانت تعاني التجارة . واجتمع قريش مع أرسلان البساسيري - المقدم ذكره - على نهب دار الخلافة ، ثم إن الإمام القائم بأمر الله جرى على سجيته في الحلم، وكتب إلى. السلطان طُغْرُلبَك - المقدم ذكره في المحمدين - ليرضى عنه، وورد الخبر بعد ذلك بموته - أعني قريش بن بدران - في سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة في أوائلها بالطاعون بمدينة نصيبين ، وكان عمره إحدى وخمسين سنة . (266) وولي بعده إمارة بني عقيل ولدُه أبو المكارم مسلم بن قريش الملقب شرف الدولة ، وكان قد طمع في الاستيلاء على بغداد بعد وفاة السلطان طغرلبك السلجوقي - المقدم ذكره - ثم رجع عن ذلك ، واستولى على ديار ربيعة ومضر وملك حلب وأخذ الاقاوة من بلاد الروم ، وقصد دمشق وحاصرها وكاد يأخذها، ١ ن لي بر من : وكانا . ٣٢ ١: ١٩٢ ٢٦٧ فبلغه أن حَرّان عصى عليه أهلها فرحل إليهم وحاربوه ، ففتحها وقتل خلقاً كثيراً من أهلها ، وذلك في سنة ست وسبعين وأربعمائة ، واتسعت له المملكة ، ولم يكن من أهل بيته من ملك مثله ، وكانت سيرته من أحسن السير وأعدلها ، وكانت الطرقات آمنة في بلاده . ومن جملة ما نقل عنه أن ابن حَيُّوس الشاعر - المقدم ذكره - مات عنده وخلف أكثر من عشرة آلاف دينار ، فحمل ذلك على خزانته فرده وقال : لا يتحدث عني أحد أنني أعطيت شاعراً مالاً ثم شرهت فيه وأخذته ، وأنه دخل خزانتي مال جمع من أوساخ الناس . وكان يصرف الجزية في جميع بلاده إلى الطالبيين١ ولا يأخذ منها شيئاً، وهو الذي عمر سور الموصل ، وكان ابتداء عمارته يوم الأحد ثالث شوال سنة أربع وسبعين ، وفرغ من عمارته في ستة أشهر ؛ واخباره كثيرة . وجرى بينه وبين سليمان بن قتلمش السلجوقي صاحب الروم مصاف ، قتل فيه على باب أنطاكية في خامس عشر صفر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة ، يوم الجمعة ، وعمره خمس وأربعون سنة وشهور، هكذا قاله محمد بن عبد الملك الهمداني في كتابه الذي سماه ((المعارف المتأخرة))؛ وذكر أيضاً ابن الصابي في تاريخه أن مولد مسلم بن قريش يوم الجمعة الثالث والعشرين من رجب سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، والله أعلم ؛ وذكر المأموني في تاريخه أنه وثب عليه خادم من خواصه فخنقه في الحمام ، وذكر له واقعة في ذلك ، وذلك في سنة أربع وسبعين ، والله أعلم بالصواب . (267) ورتب السلطان ملكشاه السلجوقي - المقدم ذكره - ولده أبا عبد الله محمداً في الرحبة وحران وسروج وبلد الخابور ، وزوجه أخته زليخا بنت السلطان ألب أرسلان ، وكان والده مسلم بن قريش اعتقل أخاه أبا سالم إبراهيم ابن قريش بقلعة سنجار مدة أربع عشرة سنة ، فلما هلك مسلم وتقرر أمر ولده محمد في الإمارة اجتمع أهله على إبراهيم المذكور فأخرجوه وقدموه عليهم ، ثم اعتقله ملكشاه وولى ابن أخيه محمداً المذكور ، فلما مات ملكشاه أطلق٢ ، ١ رن بر من : الطالبين . ٢ ن : أطلقوه ؛ ق ر لي بر من : اطلقا . ٢٦٨ وجمع إبراهيم العرب وحارب١ تاج الدولة تُتُش السلجوقي -المذكور في حرف التاء - بمكان يعرف بالمصنع وقتله تاج الدولة تُتُشُ صبرا في سنة ست وثمانين وأربعمائة . (268) ومن أمراء بني عقيل أيضاً أبو الحارث مهارش بن المجلي بن عليب ابن قيان٢ بن شعيب٣ بن المقلد الأكبر بن جعفر بن عمرو بن المهنّا المذكور في أول هذه الترجمة ؛ ومهارش المذكور هو صاحب الحديثة ، وهو الذي نزل عليه الإمام القائم في قصة البساسيري لما خرج من بغداد ، وبالغ في إكرامه وإجلاله والإحسان إليه ، وأقام عنده سنة، وهي واقعة مشهورة فلا حاجة إلى شرحها . وكان مهارش المذكور كثير الصدقة والصلوات٤ ، ملازم الجمع والجماعات ، وتوفي في صفر سنة تسع وتسعين وأربعمائة ، وعمره ثمانون سنة، رحمهم الله أجمعين . ٧٣٦ مخلص الدولة ابن منقذ أبو المتوج مقلد بن نصر بن منقذ الكناني ، الملقب مخلص الدولة ، والد الأمير سديد الدولة أبي الحسن علي صاحب قلعة شَيْزَر - المقدم ذكره - ؛ كان رجلاً نبيل القدر سائر الذكر، رُزِق السعادة في بنيه وحَفَدته ، وقد تقدم في ترجمة ولده المذكور طرف من بدء أمرهم ، وكيف ملك القلعة المذكورة . وكان والده مقلد المذكور في جماعة كثيرة من أهل بيته مقيمين بالقرب من ١ ن ق : وداور . ٢ ن : عكيث ؛ بر من : عكيب ؛ ق ص : عليث ، ر : عكيث ؛ ص : قبان ؛ ن : قنان ؛ ر : فتان ؛ وفي لي دون احجام إلا الباء ؛ بر من : قيار . ٣ لي ن ر : شعب ؛ ق : أشعب . ٤ ن : والصلات . ٢٦٩ قلعة شَيْزر عند جسر بني مُنقذ المنسوب إليهم ، وكانوا يتردَّدون إلى حلب وحماة وتلك النواحي، ولهم بها الآدر١ النفيسة والأملاك المثمنة، وذلك كله قبل أن ملكوا٢ قلعة شيزر، وكان ملوك الشام يكرمونهم ويبجلون أقدارهم ، وشعراء عصرهم يقصدونهم ويمدحونهم ، وكان فيهم جماعة أعيان روساء كرماء علماء ، وقد سبق ذكر أسامة بن منقذ٣ ، وهو من أحفاده . ولم يزل مخلص الدولة في رياسته وجلالته ، إلى أن توفي في ذي الحجة سنة خمسين وأربعمائة بحلب ، وحمل إلى كفرطاب ؛ ورأيت في ديوان ابن سنان الخفاجي الشاعر عقيب أشعار له في المذكور؛ ، يقول ما صورته : وقال يرثيه وقد توفي في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وأربعمائة ، والله أعلم بالصواب ، رحمه الله تعالى . ورثاه القاضي أبو يعلى حمزة بن عبد الرزاق بن أبي حصين® بهذه القصيدة، وهي من فائق الشعر، وأنشدها لولده أبي الحسن علي المذكور، وسأذكرها كلها إن شاء الله تعالى ، وإن كانت طويلة ، لكنها غريبة قليلة الوجود بأيدي الناس، وما رأيت أحداً قط يحفظ منها إلا أبياتاً يسيرة فأحببت ذكرها لذلك، وهي هذه : وآجلُ ما يُخْشى من الدهر عاجلُه ألا كلُّ حيٍّ مُقْصَدَات مَقاتِله خُيُول الردى قُدَّامَه٦ وحبائله وهل يفرحُ الناجي السليمُ وهذه إلى الحين والمغرورُ بالعيش آمله لعمرُ الفتى إن السلامة سُلّم ويقضي غريم الدين ما هو ماطله فتسلب أثواب الحياة مُعارها وجُدّل كِسْرى ما حَمَتَهُ مجادله مضى قيصرٌ لم تغن عنه قصوره ١ ر : الأدور، وهما بمعنى واحد ٢ لي بر من : تملكوا . ٣٠ ر لي بر من: أسامة بن مرشد . ٤ عقيب ... المذكور : سقطت من : رَ لي بر من . ٥ لي : ابن أبي حصينة ؛ ن : ابن أبي حفص . ٦ ق :- حبال الردى تقتاده ٠ ٢٧٠ وما صد هلكاً عن سليمانَ ملكه ولا مَنَعَتْ منه أباه سرابله ولم يبق إلا مَنْ يروح ويغتدي على سَفَر ينأى عن الأهل قافله وما نفس الإنسان إلا خِزامة فهل غال بدءاً مخلص الدولة الردى ولكنه حوض الحمام، ففارط لقد دفن الأقوامُ أروع لم تكن سقى جَدَثاً هالت عليه ترابه. ففيه سحابٌ يرفع المحلَ هدبه بأيدي المنايا والليالي مراحله وهل تنزوي عمن سواه غوائله إليه ، وقالٍ مسرعاتٌ رواحله بمدفونةٍ طول الزمان فضائله أكفُهُم طلُّ الغمام ووابله وبحرُ ندى يستغرقُ البِرّ ساحله كأن ابن نصر سائراً في سريره حبي١ٍّ من الوسميّ أقشَع ماطله عليه ، وبالنادي فتبكي أرامله سری جوده فوق الركاب ونائله بقولك فانظر ما الذي أنت قائله جهلت وقد يستصغرُ الأمر جاهله والجود عطفاه والطعن عامله عيونهم مما تفيض أنامله على ماجد لم يعرف الشحّ سائله وإن يسألوه الضيم تَبْدُ عوامله وكم ثال منه قانع ما يحاوله يجالده أو كلِّ خصم يجادله ولكنه في المجد مات مساجله يمرُّ على الوادي فتثني رماله سرى نعشه فوق الرقاب وطالما أناعِيّه إن النفوس منوطةٌ بفيك الثرى لم تدر من حل بالثرى هو السيد المهتز للتم بدره أفاض عيون الناس حق كأنما فیا عين سُحِّي لا تشحي بسائل متى يسألوه المال تَنْدَ بنانه وكم عاد عنه بالخسار مقنع له الغَلَبُ القاضي على كل باسل محاسنه في روضةٍ طّلها الندى فيا عمره أنى قصرت ولم تطل منازله بل كفه بل حمائله جرت تحته العلياء ملء فروجها إلى غاية طالت على من يطاوله ١ ق : حياء. ٢٧١ فتى طالما يعتاده الجيش عافياً صَفُوحٌ عن الجاني وصفحةُ سيفَه وأدمى عسيبَ الطِّرف بعدك هلبه فيا طرفه ما كان عجزك حاملاً لقد كثر الملبوس بعد مروع إذا ظن لا يخطي كأن ظنونه فلا رحلت عنه نوازلُ رحمةٍ ورّى ثراه منهل العفو في غد قضى الله أن يُرْزا الأميرُ وهذه وكل فتى كالبرق إبريق غمده؛ فليت ظباه صَلْتِ اليوم خلفه بني منقذ صبراً فإن مصابكم لقد جل حتى كلُّ واجد لوعة إذا صوحت أيدي الرجال فأنتمُ وإِن فرّ من وزر الزمان مُفَرْحٌ وصاحب"،عليّ، الصبرَ عنه فما غوى وما نام حتى قام منك وراءه كأنكما نوءان في فلك العلا فما مات حتى نال أقصى مراده كما يستسر البدر تمت منازله١ فينزله أو عادياً فينازله إذا هي لم تقتله فالصفح قاتله وعادته أن يقذف الدمَ كاهله أدى٢ صارم لو أنّ ظهرك حامله جرت ببيان المشكلات شواكله على ما يضلّ الناس عنه دلائله ضحاه بها موصولة وأصائله فقد روّتِ العافين أمس مناهله صوافنه موقورة٣ ومناصله إذا شامه٥ ، أو كالذبالة ذابله وظلت على غير الصيام صواهله يصاب به حافي الأنام وفاعله إذا لج فيها ليس يوجد عاذله بني منقذ روضُ الندى وخمائله فإنكمُ أوزاره ومعاقله مصاحبُ صبرٍ عن حبيب يزايله أخو يقَظات وافر العزم٦ كامله فطالعه هذا وذلك آفله ١ ق ن والمختار : أقصى منازله . ٢ ص ن : أذى ؛ لي : أرى صارماً . ٣ ص : صوافيه ؛ ق لي ن : موفورة . ٤ ق : عهده . ٥ ر بر من ن : سامه . ٦ ق : العقل . ٢٧٢ وما كَفَلواء١ الأمر إلا لعلمهم قيامك بالأمر الذي أنت كافله ولو كنت لا تسعى كفتك فواضله سعيت إلى نيل المكارم سعيه أجل إنما المرفوع بالفعل فاعله ولم تر أن ترقى بما كان فاعلاً شريكُ عنان ناصحُ الود ناخله لعمرك إني في الذي عن كله وقد خُلِّدت بين الشغاف دواخله وكيف خُلو القلب من ذلك الهوى نجزت القصيدة بتمامها وكمالها . وقد تقدم في ترجمة الصالح طلائع بن رُزِّيك وزير مصر مرثية رفاه بها الفقيه عمارة اليمني ، وهي على وزن هذه المرئية ورويها ، ولم أذكر منها هناك سوى أبيات قلائل لكثرة وجود ديوان عمارة بأيدي الناس ، وهذه لا تكاد توجد بكمالها ، فلهذا أتممتها هاهنا ، وقد تقدم منها ذكر بيتين في ترجمة الوزير جمال الدين أبي جعفر محمد المعروف بالجواد الأصبهاني وزير الموصل . (269) وتوفي أخوه أبو الغيث منقذ بن نصر بن منقذ سنة تسع وثلاثين وأربعمائة، ورفاه الشيخ الأديب أبو محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن يحيى بن الحسين بن محمد بن الربيع بن سنان بن الربيع الخفاجي الحلبي الشاعر المشهور صاحب الديوان الشعر بقوله ، وهو من شعره القديم زمن الصبا : غربت خلائقك الحسانُ غريبةُ ورمى الزمانُ دنوها ببعادٍ ذهبتْ كما ذهب الربيعُ وخلفت فيضَ الدموع حرارة الأكبادِ والخفاجي المذكور رثى مخلص الدولة المذكور أيضاً بقصيدة طويلة رائية ، ومدحه بأخرى حائية أجاد فيهما وتركتها لطولهما ، والله تعالى أعلم بالصواب . .................. ١ لي ر ص بر من : كلفوك . ١٨ - ٥ ٢٧٣ ٧٣٧ مكي بن أبي طالب أبو محمد مكي بن أبي طالب بن حَمُّوش بن محمد بن مختار القَيْسي المقرىء ؛ أصله من القيروان ، وانتقل إلى الأندلس ومكن قرطبة، وهو من أهل التبحر في علوم القرآن والعربية ، [كان] حسن الفهم والخلق جيد الدين والعقل، كثير التواليف في علم القرآن محسناً لذلك ، مجوداً للقراءات السبع عالماً بمعانيها . ولد بالقيروان عند طلوع الشمس أو قبل طلوعها بقليل، لسبع بقين من شعبان سنة خمس وخمسين وثلثمائة، وقال أبو عمرو المقرىء الداني : إنه ولد سنة أربع وخمسين ، ونشأ بالقيروان وترعرع)، وسافر إلى مصر وهو ابن ثلاث عشرة سنة ، واختلف بها إلى المؤدبين والعارفين بعلوم الحساب ، ثم رجع إلى القيروان ، وكان إكماله لاستظهار القرآن بعد كماله وفراغه من الحساب وغيره من الآداب ، وذلك في سنة أربع وسبعين وثلثمائة ، ثم عاد إلى مصر ثانية بعد استكماله القراءات بالقيروان وذلك في سنة سبع وسبعين، فحج في تلك السنة حجة الإسلام، ثم ابتدأ بالقراءات على أبي الطيب عبد المنعم بن عبيد الله بن غلبون الحلبي المقرىء نزيل مصر بمصر في أول سنة ثمان وسبعين، فقرأ عليه بقية السنة وبعض سنة تسع، ورجع إلى القيروان وقد بقي عليه بعض القراءات . ثم عاد إلى مصر مرة ثالثة في سنة اثنتين وثمانين ، فاستكل ما بقي له ، ثم عاد إلى القيروان في سنة ثلاث وثمانين وأقام بها يقرى. إلى سنة سبع وثمانين ، ثم خرج إلى مكة وأقام بها إلى آخر سنة تسعين ، وحج أربع حجج متوالية ، ثم رجع من مكة في سنة إحدى وتسعين ، فوصل إلى مصر، ثم رحل منها إلى القيروان في سنة اثنتين وتسعين ، ثم ارتحل إلى الأندلس وقدمها في رجب سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة ، وجلس للاقراء بجامع قرطبة ، ٧٣٧ - ترجمته في عبر الذهبي ٣: ١٨٧ وانباه الرواة ٣: ٣١٣ (وفي الحاشية ذكر لمصادر أخرى). ٢٧٤ فانتفع به خلق كثير وجودوا عليه القرآن، وعظم اسمه في البلدة وجلَّ فيها قدره، ونزل عند دخوله قرطبة في مسجد النخيلة١ الذي بالزقاقين٢ عند باب العطارين ، فأقرأ به ، ثم نقله المظفر عبد الملك بن أبي عامر إلى جامع الزاهرة ، وأقرأ فيه حتى انصرمت دولة آل عامر ، فنقله محمد بن هشام المهدي إلى المسجد الخارج بقرطبة، وأقرأ فيه مدة الفتنة كلها إلى أن قلده أبو الحسن ابن جَهْور؟. الصلاة والخطبة بالمسجد الجامع بعد وفاة يونس بن عبد الله ، وكان ضعيفاً عليها على أدبه وفهمه ، وأقام في الخطابة إلى أن مات ، رحمه الله تعالى . وكان خيراً فاضلاً متواضعاً متديناً مشهوراً بإجابة الدعاء ، وله في ذلك أخبار، فمن ذلك ما حكاه أبو عبد الله الطرفي المقرىء؛ قال : كان عندنا بقرطبة رجل فيه بعض الحدة ، وكان له على الشيخ أبي محمد المذكور تسلط ، وكان يدنو منه إذا خطب فيغمزه ويحصي عليه سقطاته ، وكان الشيخ كثيراً ما يتلعثم. ويتوقف ، فحضر ذلك الرجل في بعض الجمع ، وجعل يحد النظر إلى الشيخ ويغمزه ، فلما خرج معنا ونزل في الموضع الذي كان يقرأ فيه قال لنا : أمنوا على دعائي ، ثم رفع يديه وقال: اللهم اكفتيه، اللهم اكفنيه"، فأمنا، قال: فأقعد ذلك الرجل ، وما دخل الجامع بعد ذلك اليوم. وله تصانيف كثيرة نافعة فمنها: ((الهداية إلى بلوغ النهاية)» في معاني القرآن الكريم وتفسيره وأنواع علومه، وهو سبعون جزءاً، و((منتخب الحجة)) لأبي علي الفارسي، ثلاثون جزءاً، وكتاب ((التبصرة في القراءات)» في خمسة أجزاء، وهو من أشهر تواليفه٦.)، و((الموجز في القراءات)) جزءان، وكتاب ١ الانباه: التخيلية . ٢ كذا في ن ر ص ق؛ لي: بالزفانين؛ وستنفيلد: بالرقاقين؛ القفطي : بالرواقين . ٣٠ كذا في جميع النسخ، والقفطي. وفي وستنفيلد: اين جوهر: قلت والصواب: أبو الحزم ابن جهور كما ذكره الجزري في طبقات القراء نقلا عن الصلة. ٤ هو محمد بن أحمد بن مطرف الكتاني القرطبي المقرىء (٣٨٧ - ٤٥٤) عرف بالطرفي لكونه كان يؤم في جامع طرفة ( غاية النهاية ٢ : ٨٩). ه اللهم اكفنيه : كررت ثلاث مرات في ر ن . ٦ ق ن : وهو من أحسن تواليفه وأشهرها ٢٧٥ ((المأثور عن مالك في أحكام القرآن وتفسيره)) عشرة أجزاء، وكتاب «الرعاية لتجويد القراءة)) أربعة أجزاء، وكتاب ((اختصار أحكام القرآن)) أربعة أجزاء، وكتاب ((الكشوف عن وجوه القراءات وعللها)) عشرون جزءاً، وكتاب ((الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه)) ثلاثة أجزاء، وكتاب ((الإيجاز في ناسخ القرآن ومنسوخه)) جزء، وكتاب ((الزاهي في اللمع الدالة على مستعملات الإعراب)) أربعة أجزاء، وكتاب (( التنبيه على أصول قراءة نافع وذكر الاختلاف عنه)) جزءان، وكتاب (( الانتصاف ، فيما رده على أبي بكر الأدفوي وزعم أنه غلط فيه في كتاب الإبانة)) ثلاثة أجزاء، وكتاب ((الرسالة إلى أصحاب الأنطاكي في تصحيح المدّ لورش)) ثلاثة أجزاء، وكتاب (( الإبانة عن معاني القراءة)) جزء، وكتاب ((الوقف على كلا وبلى في القرآن)) جزءان ، وكتاب ((الاختلاف في عدد الأعشار)) جزء، وكتاب ((الإدغام الكبير في الخارج)) جزء، وكتاب (بيان الصغائر والكبائر)) جزء، وكتاب ((الاختلاف في الذبيح من هو )) جزء، وكتاب (( دخول حروف الجر بعضها مكان بعض » جزء، وكتاب ((تنزيه الملائكة عن الذنوب وفضلهم على بني آدم)) جزء ، وكتاب ((الياءات المشددة في القرآن والكلام)) جزء، وكتاب ((اختلاف العلماء في النفس والروح)) جزء، وكتاب ((إيجاب الجزاء على قاتل الصيد في الحرم خطأ على مذهب الإمام مالك، والحجة في ذلك)) جزء، وكتاب «مشكل غريب القرآن)) ثلاثة أجزاء، وكتاب «بيان العمل في الحج أول الإحرام إلى زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم)) جزء، وكتاب ((فرض الحج على من استطاع إليه سبيلاً)) جزء، وكتاب ((التذكرة لاختلاف القراء)) جزء، وكتاب (تسمية الأحزاب)) [جزء]١، وكتاب ((منتخب كتاب الإخوان لابن وكيع)) جزءان، وكتاب ((الحروف المدغمة)) جزءان، وكتاب ((شرح التمام والوقف)) أربعة أجزاء، وكتاب ((مشكل المعاني والتفسير)) خمسة عشر جزءاً، وكتاب ((هجاء المصاحف)) جزءان، وكتاب ((الرياض)) مجموع خمسة أجزاء، وكتاب ((المنتقى في الأخبار)) أربعة أجزاء، وله في القراءات واختلاف القراء وعلوم ١ زيادة من ن بر من؛ وفي القفطي ((قسمة الأحزاب)). ٢٧٦ القرآن تصانيف كثيرة ، ولولا خوف التطويل لاستوعبت ذكرها . وتوفي يوم السبت عند صلاة الفجر١، ودفن يوم الأحد ضحوة لليلتين خلتا من المحرم سنة سبع وثلاثين وأربعمائة بقرطبة ، ودفن بالرَّبض ، وصلى عليه ولده أبو طالب محمد ، رحمه الله تعالى . وحموش : بفتح الحاء المهملة وتشديد الميم المضمومة وسكون الواو وبعدها شين معجمة . وقد تقدم الكلام على القيسي والقيروان وقرطبة ، فأغنى عن الإعادة . (270) وأبو الطيب عبد المنعم بن غلبون المقرىء المصري٢ المذكور في هذه الترجمة ذكره الثعالبي في كتاب (( اليتيمة)) فقال : كان على دينه وفضله وعلمه بالقرآن ومعانيه وإعرابه متفننا في سائر علوم الأدب ، أنشدت له قصيدة منها قوله : عليك باقلال الزيارة إنها إذا كثرت كانت إلى الهجر مسلكا ألم تر أن الغيث يُسأم دائماً ويطلب بالأيدي إذا هو أمسكا وقال غير الثعالبي : ولد أبو الطيب المذكور في رجب سنة تسع وثلثمائة ، وتوفي بمصر يوم الجمعة لسبع خلون من جمادى الأولى سنة تسع وثلثمائة ، رحمه الله تعالى . ١ ن من بر : عند طلوع ؛ ق : قبل طلوع الفجر . ٢ انظر اليتيمة ٢: ١٢٩ ( الطبعة الشامية) وطبقات القراء لابن الجزري ١ : ٤٧٠ . ٢٧٧ ٧٣٨ مكي الماكسيني النحوي أبو الحرم١ مكي بن رَيّان بن شبّة بن صالح، الماكِسيني المولد الموصلي الدار، المقرىء النحوي الضرير، الملقب صائن الدين٢؛ ان والده يصنع الأنطاع بماكسين، ومات فقيراً لم يخلف شيئاً، وترك ولده أبا الحرم المذكور وأمه وبنتا، فلم تقدر أمه على القيام بمصالحه بسبب الفقر ، وتضجرت منه ففارقها ، وخرج من بلده وقصد الموصل، واشتغل بها بعلم القرآن والأدب ، ثم رحل إلى بغداد واجتمع بأئمة الأدب ، وقرأ على أبي محمد ابن الخشاب وابن العصار وابن الأنباري وأبي محمد سعيد بن الدهان - وقد تقدم ذكرهم - ثم عاد إلى الموصل وتصدر بها للإفادة، وأخذ الناس عنه، وانتشر ذكره في البلاد وبعد صيته وانتفع به خلق كثير . وذكره أبو البركات ابن المستوفي في ((تاريخ إربل)» فقال: هو جامع فنون الأدب ، وحجة كلام العرب، المجمع على دينه وعقله، والمتفق على علمه وفضله ؛ رحل إلى بغداد ولقي بها مشايخ النحو واللغة والحديث ، وكان واسع الرواية ، قد نصب نفسه للانتفاع عليه بالقرآن العزيز٣ وجميع ضروب الأدب ، ثم قال : وأنشدني من شعره، وكان قد اشتغل عليه بالموصل ، أعني ابن المستوفي المذكور: سئمت من الحياة فلم أردها تسالمني وتشجيني بريقي عدوي لا يقصر في أذاني ويفعل مثل ذلك بي صديقي ٧٣٨ - ترجمته في البدر السافر، الورقة: ٢٠٠ وانباه الرواة ٣: ٣٢٠ (وبقية المصادر الهامة مذكورة في الحاشية ). ١ لي: الجزم ٢ ق : ضياء الدين . ٣ زاد في لي: ومعانيه وإعرابه متقناً في سائر علوم الأدب ، أنشدت له قصيدة منها ... الخ ٢٧٨ وقد أضحت لي الحدباء داراً وأهل مودتي بِلِوَى العقيق والحدباء : كنية الموصل . ومن شعره أيضاً إذا احتاج النوالُ إلى شفيع فلا تقبله تضحِ قرير عينٍ إذا عيف النوال لفرد مَنّ فأولى أن يعاف لمنّتين وله أيضاً : على البابِ عبدٌ يسألُ الإذنَ طالباً به أدباً لا أنْ نعماك تحجبُ فإن كان إذنٌ فهو كالخير داخلٌ عليك وإلا فهو كالشر يذهبُ وهذا مأخوذ من قول بعضهم : بنعماك مغمورٌ بشكرك معترف على الباب عبدٌ من عبيدك واقفٌ. : مدى الدهر أم مثل الحوادث ينصرف١ أيدخلُ كالإقبالِ لا زلتَ مقبلاً ثم قال ابن المستوفي : وكان قد أضر وهو ابن ثمان أو تسع سنين ، وكان أبداً يتعصب لأبي العلاء المعري ، ويطرب إذا قرى، عليه شعره ، للجامع بينهما من من العمى والأدب ، فسلك مسلكه في النظم ؛ انتهى كلام ابن المستوفي . قلت : وحكى لي بعض من أخذ عنه أنه لما كان ببلده كان جيرانهم ومعارفهم يسمونه مكيك تصغير مكي ، فلما ارتحل واشتغل وحصّل اشتاقت نفسه إلى وطنه ، فعاد إليه ، فتسامع به من بقي ممن كان يعرفه ، فزاروه وفرحوا به لكونه فاضلاً من أهل بلدهم ، وبات تلك الليلة ، فلما كان سحر خرج إلى الحمام فسمع امرأة في غرفتها تقول لأخرى : ما تدرين مَنْ جاء ؟ فقالت : لا، فقالت: مكيك ابن فلانة ، فقال: والله لا قعدت في بلد أدعى فيه مكيك وسافر من غير تربُّث بعد أن كان قد نوى الإقامة بها مدة وعاد إلى الموصل ، ثم ١ ومن شعره ... ينصرف: سقط من: لي بر من . ٢٧٩ خرج إلى الشام في أواخر عمره لزيارة بيت المقدس ، فانتهى إليه وقضى منه وطره . ورجع إلى الموصل من حلب . وكان دخوله إلى الموصل في شهر رمضان ، وتوفي ليلة السبت السادس من شوال سنة ثلاث وستمائة بالموصل ، وخلف ولداً صغيراً . ودفن بصحراء باب الميدان في مقبرة المعافى بن عمران جوار أبي بكر القرطبي وابن الدهان النحوي ، رحمهم الله تعالى ؛ ويقال إنه مات مسموماً من جهة صاحب الموصل نور الدين أرسلان شاه -المقدم ذكره في حرف الهمزة- لسبب اقتضى ذلك ، والله أعلم . وريّان : بفتح الراء وتشديد الياء المثناة من تحتها وبعد الألف نون . وشبة : بفتح الشين المعجمة وتشديد الباء الموحدة وبعد هاء ساكنة . والماكِسيني : بفتح الميم وبعد الألف كاف مكسورة وسين مهملة مكسورة أيضاً ثم ياء ساكنة مثناة من تحتها وبعدها نون ، هذه النسبة إلى ماكسين ، وهي بليدة من أعمال الجزيرة الفراتية على نهر الخابور ، وهي على صغرها تشابه المدن في حسن بنائها ومنازلها . ٧٣٩ مکحول الشامي أبو عبد الله مكحول بن عبد الله الشامي ، من سبي كابل [ ذكره ابن ماكولا في كتاب (( الإكمال )) في ترجمة شاذل فقال في نسبه: وهو مکحول بن أبي .. ٧٣٩ - ترجمته في طبقات ابن سعد ٧ : ٤٥٣ والمعارف: ٤٥٢ وطبقات الشيرازي : ٧٥ وحلية الأولياء ٥ : ١٧٧ والجرح والتعديل ١/٤: ٤٠٧ وتذكرة الحفاظ: ١٠٧ وميزان الاعتدال ٤: ١٧٧ وتهذيب التهذيب ١٠: ٢٨٩, حسن المحاضرة ١ : ١١٩ والشذرات ١ : ٠١٤٦ ٢٨٠