Indexed OCR Text

Pages 141-160

وكان إنشاده إياه١ هذه القصيدة عند وصول عميد الملك إلى العراق ، وهو
في دَسْتٍ وزارته وعلو منصبه ، وهذه القصيدة من الشعر الفائق المختار وقد
أثبتثُها بكمالها ما خلا ثلاثة أبيات فإنها لم تعجبني فأهملتها ، وقد وازن هذه
القصيدة جماعة من الشعراء منهم ابن التعاويذي - المقدم ذكره - وازنه بقصيدته
التي أولها :
إن كان دينك في الصبابة ديني فقِفِ المطي برملَتَيْ يَبْرِينِ
وهي من القصائد النادرة ، وأرسلها من العراق إلى الشام ممتدحاً بها السلطان
صلاح الدين ، رحمه الله تعالى، ولولا خوف الإطالة لأثبتها ، ثم ذكرتها في ترجمة
صلاح الدين يوسف بن أيوب فتطلب هناك ؛ ووازنه أيضاً ابن المعلم - المقدم
ذكره - بقصيدته التي أولها :
ما وقفة الحادي على يَبْرِين وهو الخليُّ من الظباء العينِ
وهي أيضاً قصيدة جيدة ، وقد ذكرت بعضها في ترجمته ، وقد وازنها الأبله
أيضاً، وبالجملة فما قاربها إلا ابن التعاويذي، وقد خرجنا عن المقصود ، ولكن
انتشر الكلام فلم يكن بد من استيفائه .
ولم يزل عميد الملك في دولة طُفْرُ لبَك عظيم الجاه والحرمة ، إلى أن توفي
طغرلبك - في التاريخ المذكور في ترجمته - وقام في المملكة ابن أخيه ألب أرسلان
- المقدم ذكره - فأقره على حاله وزاد في إكرامه ورتبته ، ثم إنه سيره إلى
خوارزم شاه ليخطب له ابنته ، فأرجف أعداؤه أنه خطبها لنفسه ، وشاع
ذلك بين الناس فبلغ عميد الملك الخبر ، فخاف تغير قلب مخدومه عليه ، فعمد
إلى لحيته فحلقها وإلى مذاكيره فجبّها ، فكان ذلك سبب سلامته من ألب
أرسلان، وقيل إن السلطان خصاه ، فلما فعل ذلك عمل أبو الحسن علي بن
الحسن الباخَرْزي المذكور في ترجمته قوله :
قالوا محا السلطان عنه بَعْدكم سمةَ الفحولِ وكانَ قَرْماً صائِلا
١ إياه: سقطت من رق .
١٤١

قلتُ اسكتوا فالآن زاد فُحولة لما اغتدى من أنثييه عاطلا
فالفحلُ يأنف أن يُسمى بعضهُ أنثى، لذلك جذَّه مستاصلا
وهذا من المعاني الغريبة البديعة .
ثم إن ألب أرسلان عزله من الوزارة في المحرم من سنة ست وخمسين وأربعمائة
لسبب يطول شرحه ، وفوض الوزارة إلى نظام الملك أبي علي الحسن بن علي بن
إسحاق الطوسي المقدم ذكره. وحبس عميد الملك بنيسابور في دار عميد خراسان،
ثم نقله إلى مرو الروذ وحبسه في داره ، فكان في حجرة تلك الدار عياله ،
وكانت له بنت واحدة لا غير ، فلما أحس بالقتل دخل الحجرة وأخرج كفنه
وودع عياله وأغلق باب الحجرة واغتسل وصلى ركعتين ، وأعطى الذي همّ بقتله
مائة دينار نيسابورية وقال : حقي عليك أن تكفنني في هذا الثوب الذي
غسلته بماء زمزم ، وقال لجلاده : قل للوزير نظام الملك : بئس ما فعلت ،
علمت الأتراك قتل الوزراء وأصحاب الديوان ، ومن حفر مَهْواة وقع فيها ،
ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ؛ ورضي
بقضاء الله المحتوم .
وقتل يوم الأحد سادس عشر ذي الحجة سنة ست وخمسين وأربعمائة وعمره
يومئذ نيف وأربعون سنة ، فعمل في ذلك الباخَر ◌ْزي الشاعر المذكور مخاطباً
للسلطان ألب أرسلان :
وبوأه من ملكه كنفاً رحبا
وعمك أدناه وأعلى محله
قضى كل مولى منكما حق عبده فخوله الدنيا وخولته العقبى
ومن العجائب أنه دفنت مذا کیره بخوارزم ، وأریق دمه بمروالروذ ، ودفن
جسده بقريته كندر ، وجمجمته ودماغه بنيسابور ، وحشيت سوأته بالتبن
ونقلت إلى كِرْمان، وكان نظام الملك هناك، ودفنت ثمّ، وفي ذلك عبرة لمن
اعتبر ، بعد أن كان رئيس عصره ، رحمه الله تعالى .
والكُنْدُري: بضم الكاف وسكون النون وضم الدال المهملة وبعدها راء ،
هذه النسبة إلى كندر، وهي قرية من قرى طُرَيثيث - بضم الطاء المهملة وفتح
١٤٢

الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وكسر الثاء المثلثة وسكون الياء المثناة من
تحتها أيضاً وبعدها ثاء مثلثة - وهي كورة من نواحي نيسابور ، خرج منها
جماعة من العلماء وغيرهم ، والله تعالى أعلم بالصواب .
٧٠٤
الوزير الجواد جمال الدين
أبو جعفر محمد بن علي بن أبي منصور ، الملقب جمال الدين المعروف بالجواد
الأصفهاني ، وزير صاحب الموصل ؛ كان جده أبو منصور فهّاداً السلطان
ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - فتأدب
ولده وسَمَتْ همته، فاشتهر أمره وخدم في مناصب علية وصاهر الأكابر ، فلما
ولد له جمال الدين المذكور عني بتأديبه وتهذيبه ، ثم ترتب في ديوان العرض
للسلطان محمود بن محمد بن ملكشاه - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - فظهرت
كفايته وحمدت طريقته ، فلما تولى أنابك زنكي بن آق سنقر - المقدم ذكره -
الموصل وما والاها استخدم جمال الدين المذكور وقربه واستصحبه معه إليها ،
فولاه نصيبين ، فظهرت كفايته، وأضاف إليه الرحبة ، فأبان عن كفاية وعفة،
و کان من خواصه وأُ کبر ندمائه ، فجعله مشرف مملكته كلها وحكمه تحكيماً
لا مزيد عليه . وكان الوزير يومئذ ضياء الدين أبا سعيد بهرام بن الخضر
الكَفْرَتوني ، استوزره أنابك زنكي في سنة ثمان وعشرين وخمسمائة ، وتوفي
خامس شعبان سنة ست وثلاثين وخمسمائة ، وهو على وزارته ، وتولى الوزارة
بعده أبو الرضى ابن صدَقَةَ ، وجمال الدين المذكور على وظائفه .
وكان جمال الدين دمث الأخلاق ، حسن المحاضرة مقبول المفاكهة ، فخف
على أنابك زنكي المذكور وأعجبه حديثه ومحاورته ، وجعله من ندمائه ،
٧٠٤ - تراجع أخباره في الباهر والمنتظم ١٠: ٢٠٩ والشذرات ٤ : ١٨٥.
١٤٣

[ وعول عليه في آخر مدته في أشراف ديوانه]١ وزاد ماله، ولم يظهر منه في
أيام أنابك زنكي كرم ولا جود ولا تظاهر بموجود ، فلما قتل على قلعة جعبر
- كما تقدم في ترجمته - أراد بعض العسكر قتل الوزير المذكور ونهب ماله ،
فتعرضوا له ورموا خيمته بالنشاب ، فحماه جماعة من الأمراء، وتوجه بالعسكر
إلى الموصل ، فرتبه سيف الدين غازي بن أنابك زنكي - المقدم ذكره - في
وزارته ، وفوض الأمور وتدبير أحوال الدولة إليه وإلى زين الدين علي بن
بكتكين والد مظفر الدين صاحب إربل - وقد تقدم طرف من خبره في ترجمة
ولده في حرف الكاف - فظهر حينئذ جود الوزير المذكور وانبسطت يده، ولم
يزل يعطي ويبذل الأموال ويبالغ في الإنفاق حتى عرف بالجواد ، وصار ذلك
كالعلم عليه، حتى لا يقال له إلا ((جمال الدين الجواد)). ومدحه جماعة من
الشعراء، من جملتهم محمد بن نصر بن صغير القَيّسراني الشاعر - المقدم ذكره -
فإنه قصده بقصيدته المشهورة التي أولها :
سقى الله بالزوراء من جانب الغربي مَهاً وردت عين الحياة من القلبِ
وهي من القصائد الطنانة .
وأثر آثاراً جميلة، وأجرى الماء إلى عرفات أيام الموسم من مكان بعيد، وعمل
الدرج من أسفل الجبل إلى أعلاه، وبنى سور مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ،
وما كان خرب من مسجده ، وكان يحمل في كل سنة إلى مكة شرفها الله تعالى
والمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام من الأموال والكسوات للفقراء
والمنقطعين ما يقوم بهم مدة سنة كاملة ، وكان له ديوان مرتب باسم أرباب
الرسوم والقصاد لا غير ، ولقد تنوع في فعل الخير حتى جاء في زمنه بالموصل
غلاء مفرط فواسى الناس حتى لم يبقَ له شيء، وكان إقطاعه عُشر مُغَلّ البلاد
على جاري عادة وزراء الدولة السلجوقية ، فأخبر بعض وكلائه أنه دخل عليه
يوماً فناوله بقياره ، وقال له: بع هذا واصرف ثمنه إلى المحاويج ، فقال له
الوكيل : إنه لم يبق عندك سوى هذا البقيار والذي على رأسك ، وإذا بعت
١ لم يرد في ر ن ق، وورد في بر من ..
١٤٤

هذا ربما تحتاج إلى تغيير١ البقيار فلا تجد ما تلبسه ، فقال له : إن هذا الوقت
صعب كما ترى، وربما لا أجد وقتاً أصنع فيه الخير كهذا الوقت، وأما البقيار
فاني أجد عوضه كثيراً ، فخرج الوكيل وباع البقيار وتصدق بثمنه ؛ وله من
هذه النوادر أشياء كثيرة .
وأقام على هذه الحال إلى أن توفي مخدومه غازي - في التاريخ المذكور في
ترجمته - وقام بالأمر من بعده أخوه قطب الدين مودود - وسيأتي ذكره إن
شاء الله تعالى - فاستولى عليه مدة ، ثم إنه استكثر إقطاعه وثقل عليه أمره ،
فقبض عليه في شهر رجب الفرد سنة ثمان وخمسين وخمسمائة . وفي أخبار زين
الدين صاحب إربل طرفٌ من خبر قبضه وحبسه في قلعة الموصل . ولم يزل
مسجونا٢ً بها إلى أن توفي في العشر الأخير من شهر رمضان المعظم، وقيل شعبان،
سنة تسع وخمسين وخمسمائة، وصلي عليه، وكان يوماً مشهوداً من ضجيج الضعفاء٣
والأرامل والأيتام حول جنازته، ودفن بالموصل إلى بعض سنة ستين، ثم نقل
إلى مكة - حرسها الله تعالى - وطيف به حول الكعبة، وكان بعد أن صعدوا
به ليلة الوقفة إلى جبل عرفات، وكانوا يطوفون به كل يوم مراراً مدة مقامهم
بمكة ، شرفها الله تعالى، وكان يوم دخوله مكة يوماً مشهوداً من اجتماع الخلق
والبكاء عليه ، ويقال إنه لم يعهد٤ عندهم مثل ذلك اليوم ، وكان معه شخص
مرتب يذكر محاسنه ويعدد مآثره، إذا وصلوا به إلى المزارات والمواضع
المعظمة )، فلما انتهوا به إلى الكعبة وقف وأنشد :
يا كعبة الإسلام هذا الذي جاءك يسعى كعبةُ الجود
قصدتٍ في العام وهذا الذي لم يخل يوماً غير مقصودٍ
ثم حمل إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ودفن بها بالبقيع بعد أن أدخل
١ ق : إلى أن تغير .
٢ بر : محبوساً .
٣ بر : من ضجيج الناس من الضعفاء .
٤ بر : انهم لم يعهدوا .
١٠ - ٥
١٤٥

المدينة ، وطيف به حول حجرة الرسول صلى الله عليه وسلم مراراً، وأنشد
الشخص الذي كان مرتباً معه ، فقال :
سرى جوده فوق الركاب ونائله
سرى نعشه فوق الرقاب وطالما
عليه وبالنادي فتبكي أرامله
يمرُّ على الوادي فتثني رماله
قلت : وهذان البيتان من جملة القصيدة المذكورة في ترجمة المقلد بن نصر بن
منقذ الشيزري - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - ؛ رحمه الله تعالى.
(233) وكان ولده أبو الحسن علي الملقب جلال الدين، من الأدباء الفضلاء
البلغاء الكرماء، رأيت له ديوان رسائل أجاد فيه، وجمعه مجد الدين أبو السعادات
المبارك المعروف بابن الأثير الجزري صاحب ((جامع الأصول)) - وقد تقدم
ذكره١ - وسماه كتاب ((الجواهر والآلي من الإملاء المولوي" الوزيريّ الجلاليّ)).
وكان مجد الدين المذكور في أول أمره كاتباً بين يديه، علي رسائله وإنشاءه عليه،
وهو كاتب يده ، وقد أشار مجد الدين إلى ذلك في أول هذا الكتاب ، وبالغ
في وصف جلال الدين المذكور وتقريضه، وفضله على كل من تقدم من الفصحاء،
وذكر أنه كان بينه وبين حَيْصَ بَيْصَ - الشاعر المقدم ذكره٢ - مكاتبات ،
ولولا خوف الإطالة لذكرت بعض رسائله .
وفي جملة ما ذكره أن حيص بيص كتب إليه على يد رجل عليه دين رسالة
مختصرة، فأتيت بها لقصرها، وهي ((الكرم غامر والذكر سائر، والعَوْنُ
على الخطوب أكرم ناصر، وإغاثة الملهوف من أعظم الذخائر، والسلام))٣.
وكان جلال الدين المذكور وزير سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود ،
- وقد تقدم ذكره أيضاً في حرف الغين٤ - .
وتوفي جلال الدين المذكور سنة أربع وسبعين وخمسمائة ، بمدينة دُنَيْسَر
١ انظر ج ٤ : ١٤١
٢ انظر ج ٢ : ٣٦٢.
٣ لم ترد هذه الرسالة في ق .
٤ انظر = ٤ : ٤.
١٤٦

وحمل إلى الموصل ثم نقل إلى المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ، ودفن
بها في تربة والده ، رحمه الله تعالى .
ودُنَيْسَر : بضم الدال المهملة وفتح النون وسكون الياء المثناة من تحتها
وفتح السين المهملة وبعدها راء ، وهي مدينة بالجزيرة الفراتية بين نصيبين ورأس
عين ، تطرقها التجار من جميع الجهات ، وهي مجمع الطرقات ، ولهذا قيل لها:
دنيسر ، وهي لفظ مركب عجمي ، وأصله دنياسر ، ومعناه رأس الدنيا ،
وعادة العجم في الأسماء المضافة أن يؤخروا المضاف عن المضاف إليه ، وسر
بالعجمي رأس .
والكَفْرَتُوني الوزير المذكور: بفتح الكاف وسكون الفاء وفتح الراء وضم
التاء المثناة من فوقها وسكون الواو وبعدها ثاء مثلثة، هذه النسبة إلى كفرتونا
وهي قرية من أعمال الجزيرة الفراتية بين رأس عين ودارا، والله أعلم بالصواب .
٧٠٥
العماد الاصفهاني الکاتب
أبو عبد الله محمد بن صفي الدين أبي الفرج محمد بن نفيس١ الدين أبي الرجا
حامد بن محمد بن عبد الله بن علي بن محمود بن هبة الله المعروف بابن أخي العزيز
- وقد تقدم ذكر عمه العزيز في حرف الهمزة٢ -. المعروف بألة، الملقب عماد
الدين ، الكاتب الأصبهاني .
كان العماد المذكور فقيهاً شافعي المذهب ، تفقه بالمدرسة النظامية زماناً ،
٧٠٥ - أخباره في مرآة الزمان والكامل لابن الأثير (ج: ١٢) والروضتين ١: ١٤٤ والوافي
١ : ١٣٣ ومعجم الأدباء ١٨: ١١ وطبقات السبكي ٤ : ٩٧ وعبر الذهبي ٤ : ٢٩٩
والشذرات ٤ : ٣٣٢ وفي الخريدة والبرق الشامي أخبار كثيرة عن شئونه واشعاره .
١ ر : نصير .
٢ انظر = ١ : ١٨٨ ٠
١٤٧

وأتقن الخلاف وفنون الأدب ، وله من الشعر والرسائل ما يغني عن الإطالة في
شرحه . وكان قد نشأ بأصبهان وقدم بغداد في حداثته ، وتفقه على الشيخ أبي
منصور سعيد بن محمد بن الرزاز مدرس النظامية، وسمع بها الحديث من أبي
الحسن علي بن هبة الله بن عبد السلام وأبي منصور محمد بن عبد الملك بن جیرون
وأبي المكارم المبارك بن علي السمرقندي وأبي بكر أحمد بن علي بن الأشقر ،
وغيرهم ، وأقام بها مدة .
ولما تخرج ومهر تعلق بالوزير عون الدين يحيى بن هبيرة ببغداد، فولاه النظر
بالبصرة ثم بواسط، ولم يزل ماشي الحال مدة حياته، فلما توفي - في التاريخ الآتي
ذكره في ترجمته إن شاء الله تعالى - تشتت شمل أتباعه والمنتسبين إليه وقال
المكروه بعضهم، وأقام العماد مدة في عيش منكد وجفن مسهد ، ثم انتقل إلى
مدينة دمشق ، فوصلها في شعبان سنة اثنتين وستين وخمسمائة، وسلطانها يومئذ
الملك العادل نور الدين أبو القاسم محمود بن أنابك زنكي - الآتي ذكره إن شاء
الله تعالى - وحاكمها ومتولي أمورها وتدبير دولتها القاضي كمال الدين أبو الفضل
محمد ابن الشهرزوري - المقدم ذكره١ - فتعرف به وحضر مجالسه، وذكر لديه
مسألة في الخلاف ، وعرفه الأمير الكبير نجم الدين أبو الشكر أيوب والد
السلطان صلاح الدين رحمهما الله تعالى، وكان يعرف عمه العزيز من قلعة تكريت
فأحسن إليه وأكرمه وميزه عند الأعيان والأماثل، وعرفه السلطان صلاح الدين
من جهة والده، ومدحه في ذلك الوقت بدمشق المحروسة، وذكر العماد ذلك
في كتابه ((البرق الشامي)) وأورد القصيدة التي مدحه بها يومئذ.
ثم إن القاضي كمال الدين نوّه بذكره عند السلطان نور الدين، وعدد عليه
فضائله وأهله لكتابة الإنشاء . قال العماد : فبقيت متحيراً في الدخول فيا ليس
من شأني ولا وظيفتي ، ولا تقدمت لي به دربة . ولقد كانت مواد هذه الصناعة
عتيدة عنده ، لكنه لم يكن قد مارسها فجبن عنها في الابتداء ، فلما باشرها
هانت عليه وأجاد فيها وأتى فيها بالغرائب ؛ وكان ينشىء الرسائل باللغة
العجمية أيضاً،وحصل بينه وبين صلاح الدين في تلك المدة مودة أ کیدة وامتزاج قام٢،
١ انظر ج ٤ : ٢٤١ .
٢ تام : سقطت من ق ن بر من .
١٤٨

وعلت منزلته عند نور الدين، وصار صاحب سره ، وسيره إلى دار السلام
بغداد رسولاً في أيام الإمام المستنجد ، ولما عاد فوض إليه تدريس المدرسة
المعروفة به في دمشق ، أعني العماد، وذلك في شهر رجب سنة سبع وستين
وخمسمائة ، ثم رتبه في اشراف الديوان في سنة ثمان وستين، ولم يزل مستقيم الحال
رخي البال ، إلى أن توفي نور الدين - في التاريخ الآتي ذكره إن شاء الله تعالى-
وقام ولده الملك الصالح إسماعيل مقامه وكان صغيراً فاستولى عليه جماعة كلفوا
يكرهون العماد فضايقوه وأخافوه إلى أن ترك جميع ما هو فيه وسافر قاصداً
بغداد فوصل إلى الموصل ومرض بها مرضاً شديداً .
ثم بلغه خروج السلطان صلاح الدين من الديار المصرية لأخذ دمشق ، فانثنى
عزمه عن قصد العراق وعزم على العود إلى الشام وخرج من الموصل رابع جمادى
الأولى سنة سبعين وخمسمائة، وسلك طريق البرية، فوصل إلى دمشق في ثامن
جمادى الآخرة وصلاح الدين يومئذ نازل على حلب ، ثم قصد خدمته وقد تسلم
قلعة حمص في شعبان من السنة ، فحضر بين يديه وأنشده قصيدة أطال نفسه
فيها ، ثم لزم الباب ينزل لنزول السلطان ويرحل لرحيله١، فاستمر على عطلته
مديدة ، وهو يغشى مجالس السلطان وينشده في كل وقت مدائح ويعرض
بصحبته القديمة ، ولم يزل على ذلك حتى نظمه في سلك جماعته واستكتبه واعتمد
عليه وقرب٢ منه، فصار من جملة الصدور المعدودين والأماثل المشهورين، يضاهي
الوزراء ويجري في مضاره . وكان القاضي الفاضل في أكثر أوقاته ينقطع عن
خدمة السلطان ويتوفر على مصالح الديار المصرية ، والعماد ملازمٌ الباب بالشام
وغيره وهو صاحب السر المكتوم .
وصنف التصانيف النافعة، من ذلك: كتاب ((خريدة القصر وجريدة
العصر)) جعله ذيلاً على ((زينة الدهر)) تأليف أبي المعالي سعد بن علي الوراق
الحظيري ، والحظيري جعل كتابه ذيلاً على « دمية القصر وعصرة أهل العصر»
للباخرزي، والباخرزي جعل كتابه ذيلاً على ((يقيمة الدهر)) الثعالي، وقد
١ ق.ر : يرحل لرحيل السلطان وينزل لنزوله .
٢ ق : وقربه .
١٤٩

تقدم ذكر هؤلاء الثلاثة المؤلفين، والثعالي جعل كتابه ذيلاً على كتاب ((البارع))
هارون بن علي المنجم - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وقد ذكر العماد في
خريدته١ الشعراء الذين كانوا بعد المائة الخامسة إلى سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة،
وجمع شعراء العراق والعجم والشام والجزيرة ومصر والمغرب ، ولم يترك أحدا٢ً
إلا النادر الخامل، وأحسن في هذا الكتاب ، وهو في عشر مجلدات .
وصنف كتاب ((البرق الشامي)) في سبع مجلدات، وهو مجموع تاريخ،
وبدأ فيه بذكر نفسه وصورة انتقاله من العراق إلى الشام ، وما جرى له في
خدمة السلطان نور الدين محمود ، وكيفية تعلقه بخدمة السلطان صلاح الدين ،
وذكر شيئاً من الفتوحات بالشام ، وهو من الكتب الممتعة، وإنما سماه ((البرق
الشامي )) لأنه شبه أوقاته في تلك الأيام بالبرق الخاطف لطيبها وسرعة انقضائها.
وصنف كتاب ((الفتح القدسي ٣ في الفتح القدسي )) في مجلدين ، يتضمن كيفية
فتح البيت المقدس، وصنف كتاب ((السيل على الذيل)) جعله ذيلاً على ((الذيل))
لابن السمعاني المقدم ذكره الذي ذيل به ((تاريخ بغداد)) تأليف الخطيب
البغدادي الحافظ ، هكذا كنت قد سمعت ثم إني وقفت عليه فوجدته ذيلاً على
كتابه (( خريدة القصر)) المذكور، وصنف كتاب ((نصرة الفترة وعصرة الفطرة
في أخبار الدولة السلجوقية)) وله ديوان رسائل وديوان شعر في أربع مجلدات ،
ونفسه في قصائده طويل ، وله ديوان صغير جميعه دوبيت .
وكان بينه وبين القاضي الفاضل مكاتبات ومحاورات لطاف ، فمن ذلك ما
يحكى عنه أنه لقيه يوماً وهو راكب على فرس ، فقال له : سر فلا كبا بك
الفرس، فقال له الفاضل: دام علا العماد، وهذا مما يقرأ مقلوباً وصحيحاً سواء.
واجتمعا يوماً في موكب السلطان، وقد انتشر من الغبار لكثرة الفرسان ما سد
الفضاء ، فتعجبا من ذلك ، فأنشد العماد في الحال :
أما الغبار فإنه مما أثارته السنابك
والجو منه مظلم لكن أنار به السنا بك
١ ق ر ن : الخريدة
٣ ر ن : القسي .
٢ أحداً : سقطت من ر ق.
١٥٠

يا دهر لي عبد الرحيـ م فلست أخشى مَسّ نابك
وقد اتفق له الجناس في الأبيات الثلاثة ، وهو في غاية الحسن .
وكان القاضي الفاضل قدحج من مصر في سنة أربع وسبعين وخمسمائة وركب
البحر في طريقه، فكتب إليه العماد: طوبى للحجز والحَجُون من ذي الحجر
والحجا، منيل الجدا ومنير الدجى، ولندي الكعبة من كعبة الندى، والهدايا
المشعرات من مشعر الهدى، وللمقام الكريم من مقام الكريم ، ومن حاطم فقار
القفر الحطيم ، ومتى رؤي هرم في الحرم، وحاتم ماتح زمزم ؟ ومتى ركب
البحر البحر، وسلك البر البر؟ لقد عاد قُس إلى عكاظه، وعاد قيس لحفاظه،
ويا عجباً الكعبة يقصدها كعبة الفضل والإفضال ، ولقبلة يستقبلها قبلة القبول
والإقبال ، والسلام .
لقد أبدع في هذه الرسالة وما أودعها من الصناعة ، لكن الظاهر أنه غلط
في قوله قيس لحفاظه ، فإن المشهور أنس الحفاظ ، وهم أربعة أخوة لكل واحد
منهم لقب ، ولولا خوف الإطالة والانتقال عما نحن بصدده لذكرت قصتهم١ .
ولما توفي الوزير عون الدين بن هبيرة اعتقل الديوان العزيز جماعة من أصحابه
وكان العماد في جملة من اعتقل، لأنه كان ينوب عنه في واسط تلك المدة ،
فكتب من الحبس إلى عماد الدين بن عضد الدين بن رئيس الرؤساء ، وكان
حيفئذ أستاذ الدار المستنجدية ، وذلك في شعبان سنة ستين وخمسمائة من قصيدة :
قل للامام : علام حبس وليكم أولوا جميلكم جميلَ ولائه
أوليس إذ حبس القمامُ وليّه خلى أبوك سبيله بدعائه
فأمر بإطلاقه ، وهذا معنى مليح غريب ، وفيه إشارة إلى قضية العباس بن
عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإن
الغيث قد انقطع في زمن خلافته وأمحلت الأرض، فخرج للاستسقاء ومعه
١ هم المعروفون بالكملة من بني عبس أبناء فاطمة بنت الخرشب الأنمارية: الربيع الكامل وقيس
الحفاظ وعمارة الوهاب وأنس الفوارس ؛ وأخطأ المؤلف في تعليقه .
١٥١

العباس والناس ، فلما وقف للدعاء قال: اللهم إنا كنا إذا قحطنا توصلنا إليك
بنينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك اليوم بعم نبينا فاسقنا ، فسقوا . وأما الولي
فهو المطر الذي يأتي بعد الوسمي، وسمي ولياً لأنه يلي الوسمي، والوسمي :
مطر الربيع الأول ، وسمي بذلك لأنه يَسم الأرضَ بالنبات ، وهو منسوب
إلى الوسم ، وقد جمعهما المتني في بيت واحد وهو :
أَمُنْعِمة بالعودة الظبيةُ التي بغير ولي كان نائلها الوسمي
يعني أنه لم تكن لزيارتها الأولى ثانية .
ولم يزل العماد الكاتب على مكانته ورفعة منزلته إلى أن توفي السلطان صلاح
الدين، رحمه الله تعالى، فاختلت أحواله وتعطلت أوصاله ، ولم يجد في وجهه
باباً مفتوحاً، فلزم بيته وأقبل على الاشتغال بالتصانيف ، وقد ساق في أوائل
((البرق الشامي)» طرفاً من ذلك. وتقدم في ترجمة ابن التعاويذي ما دار
بينهما في طلب الفروة والرسالة والقصيدة وجوابها .
وكانت ولادته يوم الاثنين ثاني جمادى الآخرة، وقيل في شعبان، سنة
تسع عشرة وخمسمائة بأصبهان . وتوفي يوم الاثنين مستهل شهر رمضان المعظم
سنة سبع وتسعين وخمسمائة بدمشق، ودفن في مقابر الصوفية خارج باب النصر،
رحمه الله تعالى .
أخبرني بعض الرؤساء ممن كان ملازمه في مدة مرضه أنه كان إذا دخل
عليه أحدٌ يعوده أنشده :
أنا ضيف بربعكم أين أين المضيفُ؟
أنكرتني معارفي مات من كنت أعرف
وألة : بفتح الهمزة وضم اللام وسكون الهاء ، وهو اسم عجمي معناه
بالعربي العقاب، وهو الطائر المعروف، وقد قيل إن العقاب لا يوجد فيه ذكر
بل جميعه أنثى، وإن الذي يسافده طائر آخر من غير جنسه ، وقيل إن
الثعلب يسافده ، وهذا من العجائب .
ولابن عنين الشاعر المقدم ذكره في هجو شخص يقال له ابن سيده :
١٥٢

ما أنت إلا كالعقاب فأمه معروفة ولهَ ب مجهولُ
وهذه إشارة إلى ما نحن فيه ، والله تعالى أعلم بالصواب .
٧٠٦
الفارابي الفيلسوف
أبو نصر محمد بن محمد بن طَرْخان بن أَوْ زَلغ الفارابي التركي الحكيم المشهور،
صاحب التصانيف في المنطق والموسيقى وغيرهما من العلوم ؛ وهو أكبر فلاسفة
المسلمين ، ولم يكن فيهم من بلغ رتبته في فنونه ، والرئيسُ أبو علي ابن سينا
- المقدم ذكره - بکتبه تخرج وبكلامه انتفع في تصانيفه . و کان رجلا تر کیاً
ولد في بلده ونشأ بها - وسيأتي الكلام عليها في آخر الترجمة إن شاء الله تعالى-
ثم خرج من بلده وتنقلت به الأسفار إلى أن وصل إلى بغداد ، وهو يعرف
اللسان التركي وعدة لغات غير العربي ، فشرع في اللسان العربي فتعلمه وأتقنه
غاية الإتقان ، ثم اشتغل بعلوم الحكمة .
X
(234) ولما دخل بغداد كان بها أبو بشر متى بن يونس الحكيم المشهور، وهو
شيخ كبير، وكان يقرأ الناسُ عليه١ فن المنطق، وله إذ ذاك صيت عظيم وشهرة
وافية ، ويجتمع في حلقته كل يوم المئون من المشتغلين بالمنطق ، وهو يقرأ كتاب
أوسطاطاليس في المنطق وعلي على تلامذته شرحه، فكتب عنه في شرحه سبعون٢
٧٠٦ - ترجمته في الفهرست : ٢٦٣ وتاريخ الحكماء : ٢٧٧ وطبقات صاعد: ٥٣ وعبر الذهبي
٢: ٢٥١ وتاريخ ابن العبري: ١٧٠ والوافي ١: ١٠٦ قال ورأيت ابن خلكان قد قال :
محمد بن طرخان ؛ قلت: وهو ثابت في النسخ ق ر ن والمختار : محمد بن محمد، وانظر عيون
الانباء ٢ : ١٣٦.
١ ر ن بر من : وكان يعلم الناس.
٢ بر : سبعين .
١٥٣

سفراً ، ولم يكن في ذلك الوقت أحد مثله في فنه ، وكان حسن العبارة في
تواليفه لطيف الإشارة ، وكان يستعمل في تصانيفه البسط والتذليل ، حتى قال
بعض علماء هذا الفن : ما أرى أبا نصر الفارابي أخذ طريق تفهيم المعاني الجزلة
بالألفاظ السهلة إلا من أبي بشر يعني المذكور ، وكان أبو نصر يحضر حلقته في .
غمار تلامذته .
فأقام أبو نصر كذلك برهة ثم ارتحل إلى مدينة حَرّان وفيها يوحنا بن
حيلان١ الحكيم النصراني، فأخذ عنه طرفاً من المنطق أيضاً، ثم إنه قفل
راجعاً إلى بغداد وقرأ بها علوم الفلسفة ، وتناول جميع كتب أرسطاطاليس
وتمهر في استخراج معانيها والوقوف على أغراضه فيها ، ويقال إنه وجد
((كتاب النفس)) لأرسطاطاليس وعليه مكتوب بخط أبي نصر الفارابي: إني
قرأت هذا الكتاب مائتي مرة . ونقل عنه أنه كان يقول: قرأت «السماع
الطبيعي )) لأرسطاطاليس الحكيم أربعين مرة ، وأرى أني محتاج إلى معاودة
قراءته. ويروى عنه أنه سئل : من أعلم الناس بهذا الشأن أنت أم أرسطاطاليس؟
فقال: لو أدركته لكنت أكبر تلامذته .
وذكره أبو القاسم صاعد بن أحمد بن عبد الرحمن بن صاعد القرطبي في كتاب
((طبقات الحكماء)) فقال: الفارابي فيلسوف المسلمين بالحقيقة، أخذ صناعة
المنطق عن يوحنا بن حيلان المتوفى بمدينة السلام في أيام المقتدر، فبذ جميع أهل
الإسلام وأربى عليهم في التحقيق لها وشرح غامضها وكشف سرها وقرب
تناولها، وجميع ما يحتاج إليه منها، في كتب صحيحة العبارة لطيفة الإشارة،
منبهاً على ما أعيا الكندي وغيره من صناعة التحليل وأنحاء التعاليم ، وأوضح
القول فيها عن مواد المنطق الخمسة ، وأفاد وجوه الانتفاع بها وعرف طرق
استعمالها، وكيف تَصَرُّفُ صورة القياس في كل مادة منها ، فجاءت كتبه في
ذلك الغاية الكافية والنهاية الفاضلة، ثم له بعد هذا كتاب شريف في إحصاء
العلوم والتعريف بأغراضها لم يُسْبق إليه ولا ذهب أحد مذهبه فيه ولا يستغني
طلاب العلوم كلها عن الاهتداء به ، انتهى كلام ابن صاعد ؛ وذكر بعد ذلك
١ الوافي : حبلان؛ بر : حلان ؛ ق ر : خيلان
١٥٤

شيئاً من تواليفه ومقاصده فيها .
ولم يزل أبو نصر ببغداد مكباً على الاشتغال بهذا العلم والتحصيل له إلى أن
برز فيه وفاق أهل زمانه ، وألف بها معظم كتبه ، ثم سافر منها إلى دمشق ،
ولم يقم بها، ثم توجه إلى مصر، وقد ذكر أبو نصر في كتابه الموسوم بـ ((السياسة
المدنية)) أنه ابتدأ بتأليفه في بغداد وأكمله بمصر ، ثم عاد إلى دمشق وأقام بها،
وسلطانها يومئذ سيف الدولة بن حمدان، فأحسن إليه .
ورأيت في بعض المجاميع أن أبا نصر لما ورد على سيف الدولة وكان مجلسه
جمع الفضلاء في جميع المعارف فأدخل عليه وهو بزي الأتراك ، وكان ذلك زيه
دائماً ، فوقف، فقال له سيف الدولة: اقعد، فقال: حيث أنا أم حيث أنت ؟
فقال : حيث أنت، فتخطى رقاب الناس حتى انتهى إلى مسند سيف الدولة
وزاحمه فيه حتى أخرجه عنه، وكان على رأس سيف الدولة مماليك ، وله معهم
لسان خاص يسارّهم به قَلّ أن يعرفه أحد، فقال لهم بذلك اللسان: إن هذا
الشيخ قد أساء الأدب، وإني مسائله عن أشياء إن لم يوف بها فاخرقوا به ،
فقال له أبو نصر بذلك اللسان: أيها الأمير١ ، اصبر فإن الأمور بعواقبها ،
فعجب سيف الدولة منه وقال له : أتحسن هذا اللسان ؟ فقال : نعم أحسن
أكثر من سبعين لساناً، فعظم عنده . ثم أخذ يتكلم مع العلماء الحاضرين في
المجلس في كل فن ، فلم يزل كلامه يعلو وكلامهم يسفل حتى صمت الكل وبقي
يتكلم وحده ، ثم أخذوا يكتبون ما يقوله، فصرفهم سيف الدولة وخلا به ،
فقال له : هل لك في أن تأكل ؟ فقال: لا ، فقال: فهل تشرب ؟ فقال : لا،
فقال : فهل تسمع ؟ فقال: نعم ، فأمر سيف الدولة بإحضار القيان ، فحضر
كل ماهر في هذه الصناعة بأنواع الملاهي ، فلم يحرك أحد منهم آلته إلا وعابه
أبو نصر وقال له : أخطأت ، فقال له سيف الدولة : وهل تحسن في هذه
الصناعة شيئاً ؟ فقال : نعم ، ثم أخرج من وسطه خريطة ففتحها وأخرج منها
عيداناً وركبها، ثم لعب بها، فضحك منها كل من كان في المجلس ، ثم فكها
وركبها تركيباً آخر وضرب بها فبكى كل من في المجلس ، ثم فكها وغير
١ أيها الأمير: سقط من ن ر والمختار .
١٥٥

تركيبها وحركها فنام كل من في المجلس حتى البواب، فتركهم نياماً وخرج .
ويحكى أن الآلة المسماة القانون من وضعه، وهو أول من ركبها هذا التركيب.
وكان منفرداً بنفسه لا يجالس الناس١ ، وكان مدة مقامه بدمشق لا يكون
غالباً إلا عند مجتمع ماء أو مشتبك رياض، ويؤلف هناك كتبه، وينتابه المشتغلون
عليه . وكان أكثر تصنيفه في الرقاع ، ولم يصنف في الكراريس إلا القليل ،
فلذلك جاءت أكثر تصانيفه فصولاً وتعالیق، ويوجد بعضها ناقصاً مبتوراً. و کان
أزهد الناس في الدنيا لا يحتفل بأمر مكسب ولا مسكن ، وأجرى عليه سيف
الدولة كل يوم من بيت المال أربعة دراهم ، وهو الذي اقتصر عليها لقناعته .
ولم يزل على ذلك إلى أن توفي في سنة تسع وثلاثين وثلثمائة بدمشق، وصلى عليه
سيف الدولة في أربعة من خواصه ، وقد ناهز ثمانين سنة ، ودفن بظاهر دمشق
خارج باب الصغير ، رحمه الله تعالى .
وتوفي متى بن يونس ببغداد في خلافة الراضي ، هكذا حكاه ابن صاعد
القرطبي في ((طبقات الأطباء))".
وظفرت في مجموع بأبيات منسوبة إلى الفارابي ، ولا أعلم صحتها ، وهي :
أخي خَلْ حَيِّزَ ذي باطل وكن للحقائق في حَيزٍ
فما الدار دار مقام لنا وما. المرء في الأرض بالمعجز
أقَلَّ من الكلم الموجز
ينافس هدا لهذا على
وهل نحن إلا خطوط وقعن على نقطة وقْعَ مستوفز
محيط السموات أولى بنا. فماذا التنافس في مركز
(235) ورأيت هذه الأبيات في ((الخريدة)) منسوبة إلى الشيخ محمد بن عبد
الملك الفارقي البغدادي الدار. وقال العماد مؤلف (( الخريدة)): إنه اجتمع به يوم
الجمعة ثامن عشر شهر رجب ، سنة إحدى وستين وخمسمائة ، وتوفي بسنيات
بعد ذلك .
١ ق: لا يجالس أحداً من الناس .
٢ ق: الحكماء، وانظر ص : ١٥٤.
١٥٦

وطرخان : بفتح الطاء المهملة وسكون الراء وفتح الخاء المعجمة وبعد الألف نون.
وأوْ زَلَغ: بفتح الهمزة وسكون الواو وفتح الزاي واللام وبعدها غين
معجمة ، وهما من أسماء الترك .
والفارابي : بفتح الفلهو الراء وبينهما ألف وبعد الألف الثانية باء موحدة ،
هذه النسبة إلى فاراب ، وتسمى في هذا الزمان أُطرار - بضم الهمزة وسكون
الطاء المهملة وبين الراءين ألف ساكنة - وقد غلب عليها هذا الاسم، وهي مدينة
فوق الشاش ، قريبة من مدينة بلاساغون ، وجميع أهلها على مذهب الإمام
الشافعي ، رضي الله عنه ، وهي قاعدة من قواعد مدن الترك ، ويقال لها
فاراب الداخلة ، ولهم فاراب الخارجة ، وهي في أطراف بلاد فارس .
وبلاساغون : بفتح الباء الموحدة واللام ألف والسين المهملة وبعد الألف غين
معجمة ثم واو ساكنة وبعدها نون ، وهي بلدة في ثغور الترك وراء نهر سيحون
- المقدم ذكره - بالقرب من كاشْفَر .
وكاشْفَر: بفتح الكاف وبعد الألف شين معجمة ساكنة ثم غين معجمة
مفتوحة وفي آخرها راء ، وهي من المدن العظام في تخوم الصين ؛ والله تعالى
أعلم بالصواب .
٧٠٧
ابن زكريا الرازي
أبو بكر محمد بن زكريا الرازي الطبيب المشهور؛ ذكر ابن جلجل في «تاريخ
الأطباء)) أنه دبّر مارستان الري ثم مارستان بغداد في أيام المكتفي. ومن
٧٠٧ - ترجمته في طبقات ابن جلجل : ٧٧ وطبقات صاعد : ٣٣ والفهرست: ٢٩٩ وابن
أبي أصيبعة ٢: ٣٤٣ (ط. بيروت) ونكت الهميان: ٢٤٩ وتاريخ الحكماء : ٢٧١ والوافي
٣٠: ٧٦ وتاريخ ابن العبري: ١٥٨ وعبر الذهبي ٢: ١٥٠ والشذرات ٢: ٢٦٣ وابتداء
من هذه الترجمة تشترك نسخة لاله لي (رقم ٢١١٣) ورمزها (لي) مع سائر النسخ .
١٥٧

أخباره أنه كان في شبيبته يضرب بالعود ويغني، فلما التحى وجهه قال : كل
غناء يخرج من بين شارب ولحية لا يستظرف١، فنزع عن ذلك وأقبل على
دراسة كتب الطب والفلسفة ، فقرأها قراءة رجل متعقب على مؤلفيها ، فبلغ
من معرفة غوائرها الغاية ، واعتقد الصحيح منها وعَلَّلَ السقيم ، وألف في
الطب كتباً كثيرة .
وقال غيره: كان إمام وقته في علم الطب والمشار إليه في ذلك العصر، وكان
متقناً لهذه الصناعة حاذقاً فيها عارفاً بأوضاعها وقوانينها ، تشد إليه الرحال في
أخذها عنه، وصنف فيها الكتب النافعة، فمن ذلك كتاب ((الحاوي)) وهو
من الكتب الكبار، يدخل في مقدار ثلاثين مجلداً، وهو عمدة الأطباء في النقل
منه والرجوع إليه عند الاختلاف. ومنها كتاب ((الجامع))، وهو أيضاً من
الكتب الكبار النافعة. وكتاب ((الأعصاب))٢ وهو أيضاً كبير، وله أيضاً
كتاب ((المنصوري)) المختصر المشهور، وهو - على صغر حجمه - من الكتب
المختارة ، جمع فيه بين العمل والعلم ويحتاج إليه كل أحد ، وكان قد صنفه لأبي
صالح منصور بن نوح بن نصر بن إسماعيل بن أحمد بن أسد بن سامان ، أحد
الملوك السامانية ، فنسب الكتاب إليه ، وله غير ذلك تصانيف كثيره وكلها
يحتاج إليها .
ومن كلامه: مهما قدرت أن تعالج بالأغذية فلا تعالج بالأدوية ، ومهما
قدرت أن تعالج بدواء مفرد فلا تعالج بدواء مركب ؛ ومن كلامه : إذا كان
الطبيب عالماً والمريض مطيعاً فما أقل لبث العلة ؛ ومن كلامه : عالج في أول
العلة بما لا تسقط به القوة .
[وذكر القاضي التنوخي في كتاب ((الفرج بعد الشدة)) في باب من اشتد
بلاؤه بمرض فعافاه الله بأيسر سبب وأقاله: أن غلاماً من بغداد قدم الريّ وكان
ينفث الدم ، وكان لحقه ذلك في طريقه ، فاستدعى أبا بكر الرازي الطبيب
المشهور بالخذق ، صاحب الكتب المصنفة ، فأراه ما ينفث ووصف له ما يجد،
١ ر : يطرب.
٢ لي: الاقصاب؛ ر: الأقطار؛ ن: الاعصار؛ بر من: الاعضاء.
١٥٨

فأخذ الرازي مجسّه، ورأى قارورته واستوصف حاله منذ ابتداء ذلك به، فلم
يقم له دليل على سلّ ولا قرحة ، ولم يعرف العلة ، واستنظر الرجل لينظر في
الأمر ، فقامت على العليل القيامة وقال : هذا أيأس لي من الحياة لحذق الطبيب
وجهله بالعلة ، فازداد ما به من الألم، فولد الفكر الرازي أن عاد إليه فسأله
عن المياه التي شربها في طريقه، فأخبره أنه شرب من مستنقعات وصهاريج ،
فقام في نفس الرازي بحدة الخاطر وجودة الذكاء أن علقة كانت في الماء وقد
حصلت في معدته وأن ذلك الدم من فعلها وقال له : إذا كان في غد جئتك
فعالجتك ولم أنصرف حتى تبرأ ، ولكن بشرط أن تأمر غلمانك أن يطيعوني
فيك لما آمرهم ، فقال : نعم ؛ فانصرف الرازي فجمع ملء مركنين كبيرين من
طحلب فأحضرهما في غدٍ معه فأراه إياهما وقال له: ابلع، فقال: لا أستطيع،
فقال الغلمان : خذوه فأنيموه ، ففعلوا به ذلك ، وطرحوه على قفاه وفتحوا
فاه وأقبل الرازي يدس الطحلب في حلقه ويكبسه كبساً شديداً ويسأله ببلعه
ويهدده بأن يضرب، إلى أن أبلغه كارهاً أحد المركنين بأسره ، والرجل يستغيث
فلا ينفعه مع الرازي شيء ، إلى أن قال العليل : الساعة أقذف ، فزاد الرازي
في ما يكبسه في حلقه ، فذرعه القيء فقذف ، فتأمل الرازي قذفه فاذا فيه
علقة ، واذا هي لما وصل إليها الطحلب قربت إليه بالطبع وتركت موضعها
والتفت على الطحلب ونهض العليل معافى ]١.
ولم يزل رئيس هذا الشان ، وكان اشتغاله به على كبر ، يقال إنه لما شرع
فيه كان قد جاوز أربعين سنة من العمر ، وطال عمره فعمي في آخر مدته ،
وتوفي سنة إحدى عشرة وثلثمائة ، رحمه الله تعالى .
وكان اشتغاله بالطب على الحكيم أبي الحسن علي بن ربن الطبري صاحب
التصانيف المشهورة، منها ((فردوس الحكمة)) وغيره . وكان مسيحياً ثم أسلم .
وقد تقدم الكلام على الرازي .
وأما الملوك السامانية فكانوا سلاطين ما وراء النهر وخراسان ، وكانوا أحسن
الملوك سيرة ، ومن ولي منهم كان يقال له سلطان السلاطين ، لا ينعت إلا به ،
١ زيادة انفردت بها لي ، وقد وردت عند وستنفيلد .
١٥٩

وصار كالعلم لهم ، وكان يغلب عليهم العدل والدين والعلم ، وملك من بينهم
جماعة، ولم تنقرض دولتهم إلا بدولة السلطان محمود بن سُبُكتكين - الآتي ذكره
إن شاء الله تعالى - وكانت مدة ولايتهم مائة سنة وسنتين وستة أشهر
وعشرة أيام .
(236) وكانت وفاة أبي صالح منصور المذكور في شوال سنة خمس وستين
وثلثمائة وكان قد صنف له الرازي المذكور الكتاب المذكور في حال صغره ،
ليشتغل به .
ثم رأيت نسخة كتاب١ ((المنصوري))، وعلى ظهره : أن المنصور الذي
وسم الرازي هذا الكتاب باسمه هو المنصور بن إسحاق بن أحمد بن نوح من ولد
بهرام كوس٢ صاحب كرمان وخراسان، وكنيته أبو صالح، والله أعلم بالصواب.
وحكى ابن جلجل ـ المقدم ذكره - في تاريخه أيضاً : أن الرازي المذكور
صنف لمنصور المذكور كتاباً في إثبات صناعة الكيمياء ، وقصده به من بغداد
فدفع له الكتاب ، فأعجبه وشكره عليه وحباه بألف دينار وقال له : أريد
أن تخرج هذا الذي ذكرت في هذا الكتاب إلى الفعل ، فقال له الرازي : إن
ذلك مما يتمون له المؤن ، ويحتاج إلى آلات وعقاقير صحيحة ، وإلى إحكام
صنعة ذلك كله، وكل ذلك كلفة ، فقال له منصور: كل ما احتجت إليه من
الآلات، ومما يليق بالصناعة أحضره لك كاملاً حتى تخرج عما ضمنته كتابك
إلى العمل . فلما حقق عليه كحّ عن مباشرة ذلك وعجز عن عمله. فقال له
منصور: ما اعتقدتُ أن حكيماً يرضى بتحليل الكذب في كتب ينسبها إلى
الحكمة ، يشغل بها قلوب الناس ويتعبهم فيما لا يعود عليهم من ذلك منفعة .
ثم قال له : قد كافأناك على قصدك وتعبك بما صار إليك من الألف دينار ، ولا
بد من معاقبتك على تخليد الكذب ، فحمل السوط على رأسه ، ثم أمر أن
يضرب بالكتاب على رأسه حتى يتقطع ، ثم جهزه وسير به إلى بغداد ، فكان
ذلك الضرب سبب نزول الماء إلى عينيه، ولم يسمح بقدحها وقال : قد
رأيت الدنيا .
١ ق بر من : بكتاب .
٢ كذا هو في أكثر النسخ ؛ وسقطت الفقرة من لي .
١٦٠