Indexed OCR Text
Pages 41-60
بين جفوني والنوم معترك تصغر عنه حروب صِفِّين إن كان صرف الزمان أبعدني عنك فطيف الخيال يدنيني ومن هنا أنشد بهاء الدين زهير بن محمد - الكاتب المقدم ذكره١ - قوله من جملة قصيدة : بين جفوني والكرى مذ غبت عني معترك وله غير ذلك مقاطيع كثيرة . ولأبي عبد الله محمد بن أحمد بن خلف بن أحمد بن عثمان بن إبراهيم المعروف بالحداد القيسي٢ من أهل المريّة في مديحه قصائد بديعة ، فمن ذلك قصيدته التي أولها : لعلك بالوادي المقدس شاطىء فكالعنبر الهندي ما أنا واطىء فَرَوَحُ الهوى بين الجوانح ناشىء حُداة هُداة والنجوم طوافىء عِرابي وأوحى سيرها المتباطىء إلى الوجد من نيران قلي لواجىء٣ كَورِدُ لُباناتي وإني لظامىء ويا حبذا في أرض لبنى مواطىء فالشوق غاياتٌ بها ومبادىء وإنيَ من ريَّاك واجد ريحهم ولي في السُّرى من نارهم ومَنارهم لذلك ما حَنَّت ركابي وحمحمت فهل هاجها ما هاجني ولعلها رويداً فذا وادي لُبَينى وإنه ويا حبذا من آل لُبْنى مواطنٌ میادینُ تهيامي ومسرحُ خاطري ولا تحسبوا غيداً حوتها مقاصرٌ فتلك قلوبٌ ضُمِّنتها جاجىء ١ انظر جـ ٢ : ٣٣٢، وديوان البها زهير : ١٣٠ ٢ ترجمة ابن الحداد في الذخيرة ٢/١: ٢٠١ والمطمح: ٨٠ والاحاطة ٢: ٢٥٠ والفوات ٢ : ٣٤١ والمحمدون: ٩٩ والمغرب ٢: ١٤٣ والمسالك ١١: ٤٠٠ والوافي ٢ : ٨٦ وصفحات متفرقة في نفح الطيب ، وقصيدته الهمزية في الذخيرة . ٣ ق ن ر : نواجى. . ٤١ وفي الكِلِيَّة الزرقاء مكلوءُ عزة١ تَحُفُ به زرق العوالي الكوالى. مَحاملة السلوان مبعثُ حسنه فكل إلى دين الصبابة صابىء ومنها أيضاً : وتَهْوی ضيا عَيْنیهِ عينٌ جوازىء تمنّى مدى قُرْطيه عُفْرٌ تَوالع تخلله للحسن أحمر قانىء وفي ملعب الصدغين أبيض ناصع ورعت ولكن لحظ عينك٢ خاطىء أفاتكة الألحاظ ناسكة الهوى دموع هَوَامٍ والجروح مآقىء وآل الهوى جرحى ولكن دماؤهم وكيف أعاني كَلْم طرفك في الحشا وليس لتمزيق المهند راقىء ومن أين أرجو برء نفسي من الجوى وما كل ذي سقم من السقم بارى. ويخرج من هذا إلى المدح ، وهذه القصيدة طنانة طويلة . وقَصده أيضاً من شعراء الأندلس أبو القاسم الأسعد بن بِلْيطة٣ ، وهو من فحول شعرائهم ، ومدحه بقصيدته الطائية التي أولها : برامَةَ ريم زارني بعدما شَطًا تقنَّصتُه في الحلم بالشط فاشتطا رَعى من أُناس في الحشائمر الهَوى جنياً ولم يرعَ العرارَ ولا الخَمْطَا ومنها : وقد ذاب كحل الليل في دمع فجره إلى أن تبدى الصبح كاللمة الشمطا كأن الدجى جيش من الزنج نافر وقد أرسل الإصباح في إثره القبطا ومنها في صفة الديك : ١ ق ر مج : غرة. ٢ مج : عينيك . ٣ ترجمة الأسعد بن بليطة في الذخيرة ٢/١: ٢٩٠ والمطمح ٨٣ وبغية الملتمس: ٢٢٨ والمطرب : ١٢٦ والمغرب ٢ : ١٧ . ٤٢ كأن أنو شروانَ أعلاهُ تاجَهُ وناطَتْ عليه كفُّ مارية القُرْطا سبى حلَّةَ الطاوس١ حسنُ لباسه ولم يكفه حتى سبى المشية البطا ومنها أيضاً : فباتت بمسك الخالِ تنقطه نقطا توهم عطفَ الصدغ نوناً بخدها لخاتم فيها فصْ غالية خطا وقد ضمخت مسكا غدائرها المشطا وما في الشفاه اللّفْس من حسنها المعطى متى شربت ألحاظُ عينيك إسفنطا وشاربك المخضر بالمسك قد خطأ على الشَّفَة اللمياء قد جاء مختطا غلامية جاءت وقد جعل الدجى غدت تنقع المسواك في برد ثغرها فقلت أحاجيها بما في جفونها محيّرَة الألحاظ من غير سكرةٍ أرى صفرة المسواك في حمرة٣ اللَّمَى عسى قُزح قبلته فاخاله ومنها في المدح قوله؛ : كأن أبا يحيى بن معن أجادها فعلَّمها من كفه الوَكْفَ والبسطا فجاءت به العليا على جيدها سمطا تألف من در وشذرٍ نجاره فليس يحط المجد إلا إذا حطا إذا سار سار المجد تحت لوائه رفيع عماد النار في الليلِ للسرى فما يخبط العَشواء طارقُه خبطا ومنها أيضاً : أقول لركب يمموا مسقط الندى وقد جاوز الركبانُ من دونك السقطا أفي المجد تبغي لابن معنٍ مناقضاً ومن يوقدُ المصباحَ في الشمس قد أخطا وهي قصيدة طويلة مقدار تسعين بيتاً، أحسن فيها ناظمها مع وعورة ١٠ رير من : يساجله الطاوس . ٢ ق ر مج : مخثرة؛ ن : مخترة. ٣ الذخيرة : حوة ؛ وهو أدق ٤ ق : ومنها أيضاً في الملح . ٤٣ : مسلك حرف رويها . وكان المعتصم المذكور قد اختص بمؤانسة الأمير يوسف بن تاشفين عند عبوره إلى جزيرة الأندلس حسما شرحناه في ترجمة المعتمد بن عباد المذكور قبله وأقبل عليه أكثر من بقية ملوك الطوائف ، فلما تغيرت نية الأمير يوسف على المعتمد وجاهره المعتمد بالعصيان شاركه في ذلك المعتصم ، ووافقه على الخروج عن طاعته وعدم الانقياد لأمره ، فلما قصد الأمير يوسف بلاد الأندلس عزم على خلعهما وقبضهما . قال ابن بسام في ((الذخيرة))١: وكان بين المعتصم وبين الله سريرة، أسلفت له عند الحمام يداً مشكورة، فمات وليس بينه وبين حلول الفاقرة به إلا أيام يسيرة، في سلطانه وبلده ، وبين أهله وولده . حدثني من لا أرد خبره عن أروى بعض مسان حظايا أبيه قالت : إني لعنده وهو يوصي بشانه، وقد غُلب على أكثر يده ولسانه، ومعسكر أمير المسلمين٢ - تعني يوسف بن تاشفين - يومئذ بحيث نعد خياتهم ونسمع اختلاط أصواتهم إذ سمع وَجْبة من وجباتهم ، فقال: لا إله إلا الله، نُفِّص علينا كل شيء حتى الموت ! قالت أروى : فدمعت عيني ، فلا أنسى طرفاً إلي يرفعه ، وإنشاده لي بصوت لا أكاد أسمعه : ترفَّقْ بدمعك لا تُفْنِهِ فبين يديك بكاءٌ طويل انتهى كلام ابن بسام . وقال محمد بن أيوب الأنصاري في كتابه الذي صنفه السلطان الملك الناصر صلاح الدين رحمه الله تعالى في سنة ثمان وستين وخمسمائة في ترجمة المعتصم بن صمادح المذكور ، بعد أن ذكر طرفاً من أخباره ، وشيئاً من اشعاره، وحكى صورة حصاره ، وقوله في مرضه نغص علينا كل شيء حتى الموت : ومات - يعني المعتصم - في أثر ذلك عند طلوع الشمس يوم الخميس لثمان بقين من شهر ربيع الأول سنة أربع وثمانين وأربعمائة بالمريَّة ، رحمه الله تعالى، ودفن في تربة له عند باب الخوخة . ١ الذخيرة ٢/١: ٢٤٠. ٢ ق ر بر : المؤمنين ؛ وهو غير دقيق ، لأن يوسف لم يتخذ لقب خليفة . ٤٤ وصُمادح : بضم الصاد المهملة وفتح الميم وبعد الألف دال مكسورة ثم حاء مهملة ، وهو الشديد . وبليطة : والد أبي القاسم الأسعد الشاعر المذكور ، بكسر الباء الموحدة واللام المشددة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الطاء المهملة وبعدها هاء ساكنة ، ولا أعرف معناه ، وهو بلغة أعاجم الأندلس . والتجيبي : قد تقدم الكلام عليه . وبَجَاية: بفتح الباء الموحدة والجيم١ وبعد الألف ياء٢ ثم هاء ساكنة ، وهي مدينة بالأندلس . والمرية قد تقدم الكلام عليها ؛ والصُّمادحية منسوبة إلى صُمادح المذكور . ووَشْقة : بفتح الواو وسكون الشين المعجمة وفتح القاف وبعدها هاء ساكنة ، بلدة بالأندلس أيضاً ، والله أعلم . ٦٨٨ المهدي ابن تومرت أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن تومرت ، المنعوت بالمهدي الهرغي ، صاحب دعوة عبد المؤمن بن علي بالمغرب - وقد تقدم في ترجمة عبد المؤمن طرف من خبره ٣- وكان ينتسب إلى الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ؛ وجدت على ... ١ ق ر ن بر من : وتشديد الجيم . ٢ ق ر بر من : نون . ٦٨٨ - ترجمته في المعجب: ٢٤٥ وطبقات السبكي ٤: ٧١ وأبن خلدون ٦: ٢٢٥ والحلل الموشية: ٨٤ وجذوة الاقتباس: ١٢٨ والوافي ٣: ٣٢٣ وعبر الذهبي ٤: ٥٧ والشذرات ٤ : ٧٠ والاستقصا ٢: ٧٨ وراجع تاريخ البيذق وابن القطان وروض القرطاس وكل المصادر التاريخية المتعلقة بنشأة دولة الموحدين . ٣ أنظر = ٣ : ٢٣٧. ٤٥ ظهر كتاب النسب الشريف العابد١ بخط بعض أهل الأدب من عصرنا نسب ابن تومرت المذكور فنقلته كما وجدته وهو: محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن هود ابن خالد بن تمام بن عدنان بن صفوان بن سفيان بن جابر بن يحيى بن عطاء بن رباح بن يسار بن العباس بن محمد بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنهما ، والله أعلم . وهو من جبل السوس في أقصى بلاد المغرب ، ونشأ هناك ثم رحل إلى المشرق في شبيبته طالباً للعلم ، فانتهى إلى العراق ، واجتمع بأبي حامد الغزالي والكيا الهراسي والطُّرْ طوشي وغيرهم، وحج وأقام بمكة مُدَيدَةً وحصل طرفاً صالحاً من علم الشريعة والحديث النبوي وأصول الفقه والدين . وكان ورعاً ناسكاً متقشفاً مخشوشناً مخلولقاً كثير الإطراق، بساماً في وجوه الناس ، مقبلاً على العبادة ، لا يصحبه من متاع الدنيا إلا عصا وركوة . وكان شجاعاً فصيحاً في لسان العربي والمغربي ، شديد الإنكار على الناس فيما يخالف الشرع ، لا يقنع في أمر الله بغير إظهاره . وكان مطبوعاً على الالتذاذ بذلك متحملاً للأذى من الناس بسببه، وناله بمكة، شرفها الله تعالى، شيء من المكروه من أجل ذلك ، فخرج منها إلى مصر وبالغ في الإنكار ، فزادوا في أذاه ، وطردته الدولة ، وكان إذا خاف من البطش وإيقاع الفعل به خلط في كلامه فينسب إلى الجنون ؛ فخرج من مصر إلى الإسكندرية ، وركب البحر متوجهاً إلى بلاده. وكان قد رأى في منامه وهو في بلاد المشرق كأنه شرب ماء البحر جميعه كرتين، فلما ركب في السفينة شرع في تغيير المنكر على أهل السفينة، وألزمهم باقامة الصلوات وقراءة أحزاب من القرآن العظيم ، ولم يزل على ذلك حتى انتهى إلى المهدية إحدى مدن٢ إفريقية، وكان ملكها يومئذ الأمير يحيى بن تميم بن المعز ابن باديس الصنهاجي ، وذلك في سنة خمس وخمسمائة . هكذا وجدته في (تاريخ القيروان))، وقد تقدم في ترجمة الأمير تميم والد يحيى المذكور أن محمد بن تومرت المذكور اجتاز في أيام ولايته بإفريقية عند عوده من. ١ في بعض النسخ: في كتاب النسب الشريف العابد وأثبتنا ما في ن ؛ وقد سقط هذا النسب من بر من . ٢ ر. ق ن : قرى . ٤٦ المشرق ، وكنت وجدته كذا أيضاً والله أعلم بالصواب ، ولم يرحل إلى المشرق مرتین حتی يحمل١ ذلك على دفعتين، فان كان عوده في سنة خمس کما ذكرناه فهو في ولاية الأمير يحيى ، لأن أباه الأمير تميماً توفي سنة إحدى وخمسمائة كما تقدم في ترجمته ، وإنما نبهت عليه لئلا يتوهم الواقف عليه أنه فاتني ذلك، وهو متناقض. ورأيت في تاريخ القاضي الأكرم ابن القفطي وزير حلب وهو مرتب على السنين ما صورته : في هذه السنة - وكان آخر٢ سنة إحدى عشرة وخمسمائة - خرج محمد بن تومرت من مصر في زي الفقهاء بعد الطلب٣ بها وبغيرها ووصل؛ إِلى بَجَاية ، والله أعلم بالصواب ؛ ولما وصل إلى المهدية نزل في مسجد معلق ، وهو على الطريق، وجلس في طاق شارعٍ إلى المحجّة ينظر إلى المارة فلا يرى منكراً من آلة الملاهي او أواني الخمر إلا نزل إليها وكسرها، فتسامع به الناس في البلد"، فجاءوا إليه ، وقرأوا عليه كتباً من أصول الدين٦، وبلغ خبره الأمير يحيى ، فاستدعاه مع جماعة من الفقهاء ، فلما رأى سَمْته وسمع كلامه أكرمه وأجله وسأله الدعاء ، فقال له : أصلحك الله لرعيتك، ولم يقم بعد ذلك بالمهدية إلا أياماً يسيرة ، ثم انتقل الى بَجاية ، وأقام بها مدة وهو على حاله في الإنكار، فأخرج منها إلى بعض قراها واسمها ملالة ، فوجد بها٧ عبد المؤمن بن علي القيسي المقدم ذكره . ورأيت في كتاب ((المغرب٨ عن سيرة ملوك المغرب)) أن محمد بن تومرت كان ١ مج : نحمل ؛ ر : تحمل . ٢ ق ن ر : في . ٣ ر ق ن : الطلبة . ٤ ووصل : سقطت من ق ر ن . ه مج : فتسامع به أهل البلد . ٦ مج : فقصدوه يقرءون عليه أنواع العلوم وكان إذا مر به المنكر غيره وأزاله فلما كثر ذلك منه أحضره الأمير يحيى مع جماعة .. الخ . ٧ مج: ورحل عن المهدية وأقام بالمنستير مع جماعة من الصالحين مدة ، وسار إلى بجاية ففعل بها مثل ذلك فأخرج منها إلى قرية بالقرب منها اسمها ملاية ، فلقيه بها عبد المؤمن ... الخ . ٨ يتردد اسم هذا الكتاب في النسخ بين المعرب والمغرب . ٤٧ قد اطلع من علوم أهل البيت على كتاب يسمى الجفر وأنه رأى فيه صفة رجل يظهر بالمغرب الأقصى بمكان يسمى السوس ، وهو من ذرية رسول الله صلى عليه وسلم، يدعو إلى الله ، يكون مقامه ومدفنه بموضع من المغرب يسمى باسم هجاء حروفه (ت ي ن م ل ) ورأى فيه أيضاً أن استقامة ذلك الأمر واستيلاءه وتمکنه یکون علی ید رجل من أصحابه ھجاء اسمه (ع ب د م و م ن ) ويجاوز وقته المائة الخامسة للهجرة ، فأوقع الله سبحانه وتعالى في نفسه أنه القائم بأول الأمر ، وأن أوانه قد أزف ، فما كان محمد يمر بموضع إلا سأل عنه ، ولا يرى أحداً إلا أخذ اسمه وتفقد حليته ، وكانت حلية عبد المؤمن معه ، فبينما هو في الطريق رأى شاباً قد بلغ أشده١ على الصفة التي معه. فقال له محمد وقد تجاوزه: ما اسمك يا شاب ؟ فقال: عبد المؤمن ، فرجع إليه وقال له : الله أكبر ، أنت بغيتي ، فنظر في حليته فوافقت ما عنده ، فقال له : ممن أنت ، فقال : من كومية ، قال : أين مقصدك ؟ فقال: الشرق ، فقال: ما تبغي ؟ قال : أطلب علماً وشرفاً، قال: وجدت علماً وشرفاً وذكراً، اصحبني تنله فوافقه على ذلك ، فألقى محمد إليه أمره وأودعه سره . وكان محمد قد صحب رجلاً يسمى عبد الله الونشريسي ففاوضه فيما عزم عليه من القيام ، فوافقه على ذلك أتم موافقة٢ ، وكان الونشريسي ممن تهذب وقرأ فقهاً ، وكان جميلاً فصيحاً في لغة العرب وأهل المغرب ، فتحدثا يوماً في كيفية الوصول إلى الأمر المطلوب، فقال محمد لعبد الله : أرى أن تستر ما أنت عليه من العلم والفصاحة عن الناس وتظهر من العجز واللّكَن والحصَر والتعري عن الفضائل ما تشتهر به عند الناس ، لنتخذ الخروج عن ذلك واكتساب العلم والفصاحة دفعة واحدة ليقوم ذلك مقام المعجزة عند حاجتنا إليه ، فنصدق فيما نقوله ، ففعل عبد الله ذلك . ثم إن محمداً استدنى أشخاصاً من أهل الغرب أجلاداً في القوى الجسمانية أغماراً، وكان أميلَ إلى الأعمار من أولي الفطن والاستبصار ، فاجتمع له منهم ٠ ١ زاد في ق : وبلغ أربعين سنة . ٢ ق : فوافقه على ذلك وكانت موافقته أتم موافقة . ٤٨ ستة سوى عبد الله الونشريسي ، ثم إنه رحل إلى أقصى المغرب ، واجتمع بعبد المؤمن بعد ذلك ، وتوجهوا جميعاً إلى مراكش وملكها يومئذ أبو الحسن علي بن يوسف بن تاشفين - وقد سبق ذكر والده في ترجمة المعتمد بن عباد والمعتصم بن صمادح - وكان ملكاً عظيماً حليماً ورعاً عادلاً متواضعاً ، وكان بحضرته رجل يقال له مالك بن وهيب الأندلسي، وكان عالماً صالحاً، فشرع محمد في الإنكار على جاري عادته ، حتى أنكر على ابنة الملك ، وله في ذلك قصة يطول شرحها١. وبلغ الملك خبره وأنه يتحدث٢ في تغيير الدولة ، فتحدث مالك بن وهيب في أمره ، وقال : نخاف من فتح باب يعسر علينا سده، والرأي أن يحضر هذا الشخص وأصحابه لنسمع كلامهم بحضور جماعة من علماء البلد ، فأجاب الملك إلى ذلك ، وكان محمد وأصحابه مقيمين في مسجد خَراب خارج البلد ، فطلبوهم ، فلما ضمهم المجلس قال الملك لعلماء بلده : سلوا هذا الرجل ما يبغي منا ، فانتدب له قاضي المريَّة واسمه محمد بن أسود٣ فقال: ما هذا الذي يذكر عنك من الأقوال في حق الملك العادل الحليم المنقاد إلى الحق المؤثر طاعة الله تعالى على هواه ؟ فقال له محمد : أما ما نقل عني فقد قلته ولي من ورائه أقوال ، وأما قولك إنه يؤثر طاعة الله تعالى على هواه وينقاد إلى الحق فقد حضر اعتبار ١ لعلها القضية التي وردت في مج إذ جاء النص فيها كالآتي: « وتوجهوا جميعاً إلى مرا کش دار مملكة أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين وقد سبق ذكر والده في ترجمة المعتمد بن عباد والمعتصم بن صمادح فرأى فيها من المنكرات أكثر مما عاينه في طريقه ، فزاد في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فكثر اتباعه وحسنت ظنون الناس فيه، فبينما هو في بعض الأيام في طريقه إذ رأى أخت أمير المسلمين في موكبها ومعها من الجواري الحسان كثير وهن مسفرات ، وكانت هذه عادة الملثمين ، تسفر نساؤهم وجوههن وتتلثم الرجال ، فأنكر على النساء وأمرهن بستر وجوههن وصرف هو وأصحابه دوابهن، فسقطت أخت أمير المسلمين عن دابتها فرفع أمره إلى أمير المسلمين فأحضره وأحضر الفقهاء ليناظروه فأخذ يعظه ويذكره ويخوفه فبكى أمير المسلمين، وأمر أن يناظره الفقهاء فلم يكن فيهم من يقوم له لقوة إيمانه في الذي فعله ، وكان عند أمير المسلمين مالك ابن وهيب وكان كثير الاجتراء على الملك ... الخ . ٢ ن ر ق بر من : تحدث . ٣ المختار : محمد بن سواد . ٤ - ٥ ٤٩ صحة هذا القول عنه، ليعلم بتعرِّيه عن هذه الصفة أنه مغرور بما تقولون له وتضرونه١ به ، مع علمكم أن الحجة عليه متوجهة ، فهل بلغك يا قاضي أن الخمرة تباع جهاراً ، وتمشي الخنازير بين المسلمين ، وتؤخذ أموال اليتامى ؟ وعدّد من ذلك شيئاً كثيراً . فلما سمع الملك كلامه ذرفت عيناه وأطرق حياء، ففهم الحاضرون من فحوى كلامه أنه طامع في المملكة لنفسه ، ولما رأوا سكوت الملك وانخداعه لكلامه لم يتكلم أحد منهم ، فقال مالك بن وهيب، وكان كثير الاجتراء على الملك : أيها الملك ، إن عندي لنصيحة إن قبلتها حمدت عاقبتها، وإن تركتها لم تأمن غائلتها ، فقال الملك : ما هي ؟ قال : إني خائف عليك من هذا الرجل ، وأرى أنك تعتقله وأصحابه ، وتنفق عليهم كل يوم ديناراً لتكتفي شره ، وإن لم تفعل ذلك لتنفقن عليه٢ خزائنك كلها، ثم لا ينفعك ذلك. فوافقه الملك على ذلك ، فقال له وزيره : يقبح منك أن تبكي من موعظة هذا الرجل ثم تسيء إليه في مجلس واحد ، وأن يظهر منك الخوف منه مع عظم ملكك ، وهو رجل فقير لا يملك سد جوعه ، فلما سمع الملك كلامه أخذته عزة النفس واستهون أمره وصرفه ، وسأله الدعاء . وحكى صاحب كتاب ((المغرب في أخبار أهل المغرب)) أنه لما خرج من عند الملك لم يزل وجهه تلقاء وجهه إلى أن فارقه ، فقيل له : نراك قد تأدبت مع الملك إذ لم توله ظهرك ، فقال : أردت أن لا يفارق وجهي الباطل حتى أغيره ما استطعت٣ ؛ انتهى كلامه . فلما خرج محمد وأصحابه من عند الملك قال لهم : لا مقام لنا بمراكش مع وجود مالك بن وهيب ، فما نأمن من أن يعاود الملك في أمرنا فينالنا منه مكروه ، وإن لنا بمدينة أغمات أخاً في الله ، فنقصد المرور به فلن نعدم منه رأياً ودعاء صالحاً ، واسم هذا الشخص عبد الحق بن إبراهيم ، وهو من فقهاء موز ١٠ ق بر من : وتطرونه . ٢ مج بر من والمختار : لتنفقن عليك . ٣ ت مج بر من : ما استطعت حتى أغيره . ٥٠ المصامدة ، فخرجوا إليه ونزلوا عليه ، وأخبره محمد خبرهم وأطلعه على مقصدهم وما جرى لهم عند الملك ، فقال عبد الحق : هذا الموضع لا يحميكم ، وإن أحصن المواضع المجاورة لهذا البلد تين مل ، وبيننا وبينها مسافة يوم في هذا الجبل ، فانقطعوا فيه برهة ريثما ينسى ذكركم، فلما سمع محمد بهذا الاسم تجدد١ له ذكر اسم الموضع الذي رآه في كتاب الجفر ، فقصده مع أصحابه ، فلما أتوه رآهم أهله على تلك الصورة فعلموا أنهم طلاب العلم ، فقاموا إليهم وأكرموهم وتلقوهم بالترحاب وأنزلوهم في أكرم منازلهم ، وسأل الملك عنهم بعد خروجهم من مجلسه فقيل له: إنهم سافروا، فسره ذلك وقال : تخلصنا من الإثم بحبسهم. ثم إن أهل الجبل تسامعوا بوصول محمد إليهم ، وكان قد سار فيهم ذكره ، فجاءوه من كل فج عميق وتبركوا بزيارته ، وكان كل من أتاه استدناه وعرض عليه ما في نفسه من الخروج على الملك ، فإن أجابه أضافه إلى خواصه ، وإن خالفه أعرض عنه . وكان يستميل الأحداث وذوي الغرة٢ ، وكان ذوو العقل والعلم والحلم من أهاليهم ينْهَوْنهم ويحذرونهم من اتباعه ويخوفونهم٣ من سطوة الملك ، فكان لا يتم له مع ذلك حال . وطالت المدة وخاف محمد من مفاجأة الأجل قبل بلوغ الأمل ، وخشي أن يطرأ على أهل الجبل من جهة الملك ما يحوجهم إلى تسليمه إليه والتخلي عنه ، فشرع في إعمال الحيلة فيما يشار كونه فيه ليعصوا على الملك بسببه، فرأى بعض أولاد القوم شُقْراً زرقاً، وألوان آبائهم السمرة والكحل ، فسألهم عن سبب ذلك فلم يجيبوه ، فألزمهم بالإجابة فقالوا: نحن من رعية الملك وله علينا خراج ، وفي كل سنة تصعد مماليكه إلينا ينزلون في بيوتنا ويخرجونا عنها ويخلون بمن فيها من النساء ، فتأتي الأولاد على هذه الصفة ، وما لنا قدرة على دفع ذلك عنا ، فقال محمد : والله إن الموت خير من هذه الحياة، وكيف رضيتم بهذا وأنتم أضرب خلق الله بالسيف وأطعنهم بالرمح والحربة ؟ فقالوا: بالرغم لا بالرضا، فقال: أرأيتم لو أن ناصراً نصركم على ١ ق و المختار : تحدد ٢ وكان يستميل ... الغرة: سقط من رق والمختار؛ بر من : الغرارة . ٣ ت مج بر من : ويخيفونهم . ٥١ أعدائكم ما كنتم تصنعون ؟ قالوا : كنا نقدم أنفسنا بين يديه للموت ، قالوا : من هو ؟ قال : ضيفكم - يعني نفسه - فقالوا : السمع والطاعة ، وكانوا يغالون في تعظيمه ؛ فأخذ عليهم العهود والمواثيق واطمأن قلبه ، ثم قال لهم : استعدوا لحضور هؤلاء بالسلاح، فإذا جاءوكم فأجروهم على عاداتهم وخلتُوا بينهم وبين النساء وميلوا عليهم بالخمور ، فإذا سكروا فأذنوني بهم ، فلما حضر! المماليك وفعل بهم أهل الجبل ما أشار به محمد ، وكان ليلاً ، فأعلموه بذلك ، فأمر بقتلهم بأسرهم ، فلم يمض من الليل سوى ساعة حتى أتوا على آخرهم ، ولم يفلت منهم سوى مملوك واحد كان خارج المنازل لحاجة له ، فسمع التكبير عليهم والوقع بهم فهرب من غير الطريق حتى خلص من الجبل ولحق بمراكش وأخبر الملك بما جرى ، فندم على قوات محمد من يده، وعلم أن الحزم كان مع مالك ابن وهيب فيما أشار به ؛ فجهز من وقته خيلاً بمقدار ما يسع وادي تين مل فإنه ضيق المسلك ، وعلم محمد أنه لا بد من عسكر يخرج إليهم ، فأمر أهل الجبل بالقعود على أنقاب الوادي ومراصده٢ ، واستنجد لهم بعض المجاورين ، فلما وصلت الخيل إليهم أقبلت عليهم الحجارة من جانبي الوادي مثل المطر ، وكان ذلك من أول النهار إلى آخره ، وحال بينهم الليل ، فرجع العسكر إلى الملك وأعلموه بما تم لهم ، فعلم أنه لا طاقة له بأهل الجبل لتحصنهم ، فأعرض عنهم . وتحقق محمد ذلك منه ، وصفت له مودة أهل الجبل ، فعند ذلك استدعى الونشريسي المذكور وقال له : هذا أوان إظهار فضائلك دفعة واحدة ليقوم لك مقام المعجزة لنستميل بك قلوب من لا يدخل في الطاعة ، ثم اتفقا على أنه يصلي الصبح ويقول بلسان فصيح بعد استعمال العجمة واللكنة في تلك المدة : إني رأيت البارحة في منامي وقد نزل بي مَلكان من السماء وشقًا فؤادي وغَسلاه وحَشياه علماً وحكمة وقرآناً، فلما أصبح فعل ذلك، وهو فصل يطول شرحه ، فانقاد له كل صَعْب القياد ، وعجبوا من حاله وحفظه القرآن ١ المختار، ر ن : حضروا . ٢ ن : ومراصدة من يحضر . ٥٢ في النوم ، فقال له محمد فعجل لنا البُشرى في أنفسنا وعرفنا أسُعَداء نحن أم أشقياء ؟ فقال له : أما أنت فانك المهدي القائم بأمر الله ، ومن تبعك سعد ومن خالفك هلك ؛ ثم قال : اعرض أصحابَكَ علي حتى أميز أهل الجنة من أهل النار ، وعمل في ذلك حيلة قتل بها مَنْ خالف أمر محمد ، وأبقى من أطاعه ، وشرح ذلك يطول ، وكان غرضه أن لا يبقى في الجبل مخالف لمحمد ، فلما قتل من قتل علم محمد أن في الباقين من له أهل وأقارب قتلوا وأنهم لا تطيبُ قلوبهم بذلك فجمعهم وبشرهم بانتقال ملك! مراكش إليهم ، واغتنام أموالهم، فسرهم ذلك وسلاّهم عن أهلهم ، وبالجملة فإن تفصيل هذه الواقعة يطول شرحه ولسنا بصدد ذلك . وخلاصة الأمر أن محمداً لم يزل حتى جهز جيشاً عددُ رجاله عشرة آلافٍ. بين فارس وراجل، وفيهم عبد المؤمن والونشريسي وأصحابه كلهم ، وأقام هو بالجبل ، فنزل القومُ لحصار مراكش، وأقاموا عليها شهراً ، ثم كسروا كسرة شنيعة، وهرب مَنْ سلم من القتل، وكان فيمن سلم عبد المؤمن ، وقتل الونشريسي ، وبلغ محمداً الخبر وهو بالجبل وحضرته الوفاة قبل عود أصحابه إليه ، فأوصى من حضر أن يبلغ الغائبين أن النصر لهم ، وأن العاقبة حميدة. فلا يضجروا وليعاودوا القتال، وان الله سبحانه وتعالى سيفتح على أيديهم والحرب سِجال، وإنكم ستقوون ويضعفون ويقلون وتكثرون ، وأنتم في مبدإ أمرٍ وهم في آخره ، ومثل هذه الوصايا وأشباهها ، وهي وصية طويلة . ثم إنه توفي إلى رحمة الله تعالى في سنة أربع٢ وعشرين وخمسمائة ، ودفن في الجبل ، وقبره هناك مشهور يزار ، وهذه السنة تسمى عندهم عام البحيرة ؛ وكانت ولادته يوم عاشوراء سنة خمس وثمانين وأربعمائة ، وأول ظهوره ودعائه إلى هذا الأمر سنة أربع عشرة وخمسمائة وكان رجلاً رَبْعَة قضيفاً أسمر عظيم الهامة حديد النظر ، وقال صاحب كتاب ((المغرب في أخبار أهل المغرب)) في حقه : ١ المختار: وبشرهم بالقتال وأن ملك صاحب ٢ ق : خمس . ٥٣ آثاره تُنْبيك عن أخباره حتى كأنك بالعيان تراه قدم في الثرى وهمة في الثريا، ونفس ترى إراقة ماء الحياة دون إراقة ماء المحيًّا، أغفل المرابطون حله وربطه، حتى دبْ دبيبَ الفلق في الغسق، وترك في الدنيا دَوياً ، أنشأ دولة لو شاهدها أبو مسلم ، لما كان لعزمه فيها بمسلم، وكان قوته من غزل أخت له رغيفاً في كل يوم بقليل سمن او زيت ، ولم ينتقل عن هذا حين كثرت عليه الدنيا ، ورأى أصحابه يوماً وقد مالت نفوسهم إلى كثرة ما غنموه ، فأمر بضم ذلك جميعه وأحرقه وقال : من كان يتبعني الدنيا فما له عندي إلا ما رأى ، ومن تبعني للآخرة فجزاؤه عند الله تعالى. وكان على خمول زيه وبسط وجهه مَهيباً منيع الحجاب، إلا عند مظلمة ، وله رجل مختص بخدمته والإذن عليه ، وكان له شعر فمن ذلك قوله : أخذت بأعضادهم إذ نأوا وخَلْفك القوم إذ ودعوا فكم أنت تنهى ولا تنتهي وتُسْمع وعظاً ولا تَسْمع فيا حجر الشَّحْذِ حتى متى تسن الحديد ولا تقطع وكان كثيراً ما ينشد : تجرد من الدنيا فإنك إنما خرجت إلى الدنيا وأنت مجردُ وكان أيضاً يتمثل بقول المتنبي : إذا غامرت في شرف مَرُوم فلا تقنع بما دون النجوم فطعم الموت في أمر حقير كطعم الموت في أمر عظيم وبقوله أيضاً : ومن عرف الأيام معرفتي بها وبالناس،ر وّی رمحه غير راحم فليس بمرحوم إذا ظفروا به ولا في الردى الجاري عليهم بآثم وبقوله أيضاً : ٥٤ وما أنا منهمُ بالعيش فيهم ولكن معدن الذهب الرغامُ ولم يفتح شيئاً من البلاد ، وإنما قرر القواعد ومهدها، ورتب الأحوال ووظدها ، وكانت الفتوحات على يد عبد المؤمن كما تقدم ذكره في ترجمته . والهَرْغي: بفتح الهاء وسكون الراء وبعدها غين معجمة ، هذه النسبة إلى حَرْغة وهي قبيلة كبيرة من المصامدة في جبل السوس في أقصى المغرب تنسب إلى الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ، يقال إنها نزلت في ذلك المكان عندما فتح المسلمون البلاد على يد موسى بن نصير - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى . وتُومَرْت: بضم التاء المثناة من فوقها وسكون الواو وفتح الميم وسكون الراء بعدها تاء مثناة من فوقها أيضاً ، وهو اسم بربري . والونشبريسي : بفتح الواو وسكون النون وفتح الشين المعجمة وكسر الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها سين مهملة، هذه النسبة إلى ونشريس ، وهي بليدة١ بإفريقية من أعمال يجاية بين باجة وقسطنطينة المغرب . وتين مل: بكسر التاء المثناة من فوقها وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون ثم ميم مفتوحة ولام مشددة٢ . وقد تقدم الكلام على الجفر في ترجمة عبد المؤمن فليكشف من هناك ؛ والله أعلم . ١ ونشريس : جبل يقع في الجزائر . ٢ تكتب في المصادر المغربية تين ملل ، وهو أصح . ٥٥ ٦٨٩ أبو بكر الاخشيد أبو بكر محمد بن أبي محمد طُفْج - وتفسيره عبد الرحمن - ابن جُفَّ بن يَلْتِكِينَ بن فُوران بن فُورِي١ ابن خاقان، الفرغاني الأصل، صاحب سرير الذهب المنعوت بالإخشيد ، صاحب مصر والشام والحجاز ؛ أصله من أولاد ملوك فَرْ غانة٢ . (209) وكان المعتصم بالله بن هارون الرشيد قد جلبوا إليه من فرغانة جماعة كثيرة، فوصفوا له جفًّ وغيره بالشجاعة والتقدم في الحروب فوجه المعتصم من أحضرهم، فلما وصلوا إليه بالغ في إكرامهم وأقطعهم قطائع بسُر من رأى، وقطائع جُفَّ إلى الآن معروفة هناك ولم يزل مقيماً بها، وجاءته الأولاد، وتوفي جُفَ ببغداد في الليلة التي قتل فيها المتوكل، وكانت ليلة الأربعاء لثلاث خلون من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين . ٦٨٩- أخباره في تاريخ ابن الأثير ( صفحات متفرقة من ج: ٨) والمغرب (قسم مصر) ١ : ١٤٨ والنجوم الزاهرة ٣: ٢٥١ والكندي: ٢٨١، ٢٨٦ والوافي ٣: ١٧١ وعبر الذهبي ٢: ٢٣٩ والشذرات ٢ : ٣٣٧. ١ مج : قوران بن قوري . ٢ وردت هذه الترجمة في مج ت موجزة كثيراً مختلفة في سياقها كالآتي: أصله من أولاد ملوك فرغانة وكان أبوه طنج ينوب عن خمارويه أحمد بن طولون المقدم ذكره في ولاية دمشق والشام ، وكان ولده محمد المذكور حازماً شديد التيقظ في حروبه حسن التدبير مكرماً للأجناد شديد القوى لا يكاد يجر قوسه غيره ، حسن السيرة في الرعية ، فلما رأى الإمام القاهر بالله نجابته وشهامته ولاه مصر في سنة ثلاث وعشرين وثلثمائة ولقبه الإخشيد لكونه من أولاد ملوك فرغانة وهذا اللقب وضع لكل من ملك تلك الجهة كما لقبوا ملك الترك ... الخ؛ فلما مات الراضي وتولى ولده المتقي ضم إليه الشام والحجاز فاتسعت مملكته وعظم شأنه ، وهو أستاذ كافور وفاتك ... الخ وهو عم أبي محمد الحسن بن عبيد الله بن طنج صاحب الرملة الذي مدحه المتنبي ( ثم قصيدة المتنبي وذكر الولادة والوفاة وضبط بعض الأسماء ) . ٥٦٠٠ (210) فخرج١ أولاده إلى البلاد يتصرفون ويطلبون لهم معايش، فاتصل طُفْجُ بن جُفَ بلؤلؤ غلام ابن طولون وهو إذ ذاك مقيم بديار مصر، فاستخدمه على ديار مصر ، ثم انحاز طُفْجُ إلى جملة أصحاب إسحاق بن كنداج، فلم يزل معه إلى أن مات أحمد بن طولون ، وجرى الصلح بين ولده أبي الجيش خمارويه ابن أحمد بن طولون - المقدم ذكره٢ - وبين إسحاق بن كنداج، ونظر أبو الجيش إلى طغج بن جف في جملة أصحاب إسحاق فأعجب به وأخذه من إسحاق وقدمه على جميع من معه ، وقلده دمشق وطبرية، ولم يزل معه إلى أن قتل أبو الجيش - في تاريخه المقدم ذكره - فرجع طُفْجُ إلى الخليفة المكتفي بالله ، فخلع عليه وعرف له ذلك ، وكان وزير الخليفة يومئذ العباس بن الحسن ، فسام طغج أن يجري في التذلل له مجرى غيره ، فكبرت نفس طغج عن ذلك ، فأغرى به المكتفي ، فقبض عليه وحبسه وابنه أبا بكر محمد بن طُفْجَ المذكور ، فتوفي طغج في السجن . وبقي ولده أبو بكر بعده محبوساً مدة ، ثم أطلق وخلع عليه، ولم يزل يراصد العباس بن الحسن الوزير المذكور حتى أخذ بثأر أبيه هو وأخوه عبيد الله في الوقت الذي قتله فيه الحسين بن حمدان . ثم خرج أبو بكر وأخوه عبيد الله في سنة ست وتسعين ومائتين ، وهرب عبيد الله إلى ابن أبي الساج ، وهرب أبو بكر إلى الشام ، وأقام متغرباً في البادية سنة ، ثم اتصل بأبي منصور تكين الخزري ، فكان أكبر أركانه . ومما كبر به اسمه سَرِيَّتُه إلى النقيب على الجمع الذين تجمعوا على الحجاج لقطع الطريق عليهم، وذلك سنة ست٣ وثلثمائة، وهو يومئذ يتقلد عمَّان وجبال الشراة من قبل تكين المذكور ، وظفره بهم، ومجيء الحاجّ وقد فرغ من أمرهم بأسر من أسره وقتل من قتله وشرد الباقين . وكان قد حج في هذه السنة من دار الخليفة المقتدر بالله امرأة تعرف بعجوز ، فحدثت المقتدر بالله بما شاهدت ١ ق بر من: فنجع ٢ - ٢ : ٠٢٢١ ٣ ق : ثمان . ٥٧ منه، فأنفذ إليه خلماً وزيادة" في رزقه . ولم يزل أبو بكر في صحبة تكين إلى سنة ست عشرة وثلثمائة ، ثم فارقه بسبب اقتضى ذلك ولا حاجة بنا إلى التطويل بذكره، وسار إلى الرملة فوردت كتب المقتدر إليه بولاية الرملة ، فأقام بها إلى سنة ثماني عشرة ، فوردت كتب المقتدر إليه بولاية دمشق فسار إليها ، ولم يزل بها إلى أن ولاه القاهر بالله ولاية مصر في شهر رمضان سنة إحدى وعشرين وثلثمائة ، ودعي له بها مدة اثنتين وثلاثين يوماً ولم يدخلها ، ثم ولي أبو العباس أحمد بن كَيَغْلَغ الولاية الثانية من قبل القاهر أيضاً لتسع خلون من شوال سنة إحدى وعشرين وثلثمائة ، ثم أعيد إليها أبو بكر محمد بن الإخشيد من جهة الخليفة الراضي بالله بن المقتدر بعد خلع عمه القاهر عن الخلافة، وضم إليه البلاد الشامية والجزرية والحرمين وغير ذلك، ودخل مصر يوم الأربعاء لسبع١ بقين من شهر رمضان المعظم سنة ثلاث وعشرين وثلثمائة وقيل إنه لم يزل على مصر فقط إلى أن توفي الراضي بالله في سنة تسع وعشرين وثلثمائة، وتولى أخوه المقتفي لأمر الله فضم إليه الشام والحجاز وغير ذلك ، والله أعلم . ثم إن الراضي لقبه بالإخشيد في شهر رمضان المعظم سنة سبع وعشرين وثلثمائة وإنما لقبه بذلك لأنه لقب ملوك فَرْغانة ، وهو من أولادهم - كما سبق ذكره في أول هذه الترجمة - وتفسيره بالعربي ملك الملوك ، وكل من ملك تلك الناحية لقبوه بهذا اللقب، كما لقبوا كل من ملك بلاد فارس كسرى٢، وملك الترك خاقان ، وملك الروم قيصر ، وملك الشام هرقل ، وملك اليمن تبع ، وملك الحبشة النجاشي ، وغير ذلك . وقيصر كلمة فرنجية تفسيرها بالعربية شُقْ عنه وسببه أن أمه ماتت في المخاض فشق بطنها وأخرج ، فسمي قيصر، وكان يفتخر بذلك على غيره من الملوك ، لأنه لم يخرج من الرحم ، واسمه أغسطس ، وهو أول ملوك الروم، وقد قيل إنه في السنة الثالثة والأربعين من ملكه ولد المسيح ١ ق : لتع ٢ ق : كل من ملك بلاد بهذا اللقب - يعني فارس - كسرى . ٥٨ عيسى عليه السلام وقيل في السنة السابعة عشرة من ملكه ، فسموا ملوك الروم باسمه ، والله أعلم !. ودعي له إخشيد على المنابر بهذا اللقب واشتهر به وصار كالعلم عليه ؛ وكان ملكاً حازماً كثير التيقظ في حروبه ومصالح دولته ، حسن التدبير ، مكرماً للجنود شديد القوى لا يكاد يجر قوسه غيره ؛ وذكر محمد بن عبد الملك الهمداني في تاريخه الصغير الذي سماه ((عيون السير)) ان جيشه كان يحتوي على أربعمائة ألف رجل ، وأنه كان جباناً، وكان له ثمانية آلاف مملوك يحرسه في كل ليلة ألفان منهم ، ويوكل بجانب خيمته الخدم إذا سافر ، ثم لا يثق حق يمضي إلى خيم الفراشين فينام فيها . ولم يزل على مملكته وسعادته إلى أن توفي في الساعة الرابعة من يوم الجمعة لثمان بقين من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وثلثمائة بدمشق ، وحمل تابوته إلى بيت المقدس فدفن به ؛ وقال أبو الحسين الرازي : توفي في سنة خمس وثلاثين ، والله أعلم ؛ وكانت ولادته يوم الاثنين منتصف شهر رجب من سنة ثمان وستين ومائتين ببغداد ، بشارع باب الكوفة ، رحمه الله تعالى . وهو أستاذ كافور الإخشيدي وفاتك المجنون - وقد تقدم ذكر كل واحد منهما في ترجمة مستقلة في هذا الكتاب٢ . ثم قام كافور المذكور بتربية ابني مخدومه أحسن قيام ، وهما أبو القاسم أنوجور وأبو الحسن علي، كما تقدم شرحه في ترجمة كافور فأغنى عن إعادته هاهنا، فقد ذكرت هناك تاريخ مولد كل واحد منهما ، ومدة ولايته وتاريخ وفاته ، على سبيل الاختصار ، واستوفيت حديث كافور وما كان منه إلى حين وفاته ، وأن الجند أقاموا بعده أبا الفوارس أحمد بن علي بن الإخشيد المذكور ، وأحلت بقية الكلام في ذلك على ذكره في هذه الترجمة ؛ وكان عمر أبي الفوارس أحمد يوم ذاك إحدى عشرة سنة . أ زاد هنا في المختار: (( قلت ، أعني كاتبها موسى بن أحمد لطف الله به : وكذلك برمك اسم لكل من يلي النوبهار الذي كان ببلغ وهو بيت النار الذي كان آلهة المجوس)) .. ٢٠ انظر = ٤ : ٢١ ، ٩٤. ٥٩ (211) وجعلوا خليفته في تدبير أموره أبا محمد الحسن بن عبيد الله بن طغج ابن جف ، وهو ابن عم أبيه ، وكان صاحب الرملة من بلاد الشام ، وهو الذي مدحه المتنبي بقصيدته التي أولها١ : أنا لائمي إن كنتُ وقتَ اللوائم علمت با بي بين تلك المعالم وقال في مخلصها : إذا صُلْتُ لم أترك مَصالا لفاتكٍ وإن قلتُ لم أترك مقالا لعالم وإلا فخانتني القوافي وعاقني عن ابن عبيد الله ضعف العزائم وما أحسن قوله فيها : ضراباً يمشي الخيل فوق الجماجم أرى دون ما بين الفرات وبرقة عرفن الردَيْنِيَّاتٍ قبلَ المعاصِم وطعن غطاريف كأن أكفهم سُيُوفُ بَنِي طُغْجَ بِن جُفَّ القماقم وأحنُ منه كرُّهم في المكارم ويحتملون الغرم عن كل غارم أقل حياء من شفار الصوارم ولكنها معدودة في البهائم حمته على الأعداء من كل جانب همُ المحسنونَ الكر في حومة الوغي وهم يُحْسنون العفو عن كل مُذْنب حَيِيُّون إلا أنهم في نزالهم ولولا احتقارُ الأسد شبهتها بهم ومنها : كأنهمُ ما جَفَّ من زاد قادم نفضت الناس لما بلغته کريم وكاد سروري لا يفي بندامتي على تركه في عُمريَ المتقادم وهي قصيدة طويلة من غرر القصائد . ولما تقرر الأمر على هذه القاعدة تزوج الحسن بن عبيد الله ابنة عمه الإخشيد، ودعوا له على المنابر بعد أبي الفوارس أحمد بن علي وهو بالشام ، واستمر الحال ١ ديوان المتنبي : ١٩٥ . ٦٠