Indexed OCR Text

Pages 21-40

٦٨٦
المعتمد بن عباد ملك الأندلس وأبوه وجده
المعتمد على الله أبو القاسم محمد بن المعتضد بالله أبي عمرو عَبَّاد بن الظافر
المؤيد بالله أبي القاسم محمد قاضي إشبيلية بن أبي الوليد إسماعيل بن قريش بن
عباد بن عمرو بن أسلم بن عمرو بن عطاف بن نعيم ، اللخمي ، من ولد النعمان
ابن المنذر اللخمي آخر١ ملوك الحيرة ؛ كان المعتمد المذكور صاحب قرطبة
وإشبيلية وما والاهما من جزيرة الأندلس وفيه وفي أبيه المعتضد يقول بعض
الشعراء٢:
من بني المنذرين وَهْوَ انتساب زاد في فخره بنو عَبادِ
فتيةٌ لم تلد سواها المعالي والمعالي قليلةُ الأولاد
وكان بدء أمرهم في بلاد الأندلس أن نعيماً وابنه عطافاً أول من دخل إليها
من بلاد المشرق ، وهما من أهل العريش، المدينة القديمة الفاصلة بين الشام والديار
المصرية في أول الرمل من جهة الشام، وأقاما بها مستوطنين بقرية بقرب يومين٣
من إقليم طشانه٤ من أرض إشبيلية .
٦٨٦ - ترجمته في الذخيرة (القسم الثالث): ١٤ والمعجب: ١٥٨ والقلائد: ٤٠ والحلة السيراء
٢: ٥٢ وأعمال الأعلام: ١٥٧ والبيان المغرب ٣: ٢٥٧ والوافي ٣: ١٨٣ والشذرات
٣: ٢٨٦ وعبر الذهبي ٣: ٣٢١ ونفح الطيب (صفحات متفرقة) وقد جمع دوزي
كثيراً مما ورد في المصادر في مجموع سماه ((تاريخ بني عباد Historia Abbadidorum)) ( ليدن:
١٨٤٦)
١ ن ر ق : أحد .
٢ نسب ابن الأبار هذين البيتين لابن اللبانة (الحلة ٢ : ٣٥).
٣ يرجح دوزي أن هناك قرية تسمى Toriomina وأن اسمها الكامل بالعربية طور يومين؛ وفي
بعض النسخ : تومين ، وفي مج غير معجمة .
طشانة Tocina لا تزال معروفة بمنطقة اشبيلية
٤
٢١

(204) وامتد لعطاف عمود النسب في الولد إلى الظافر محمد بن إسماعيل القاضي،
فهو أول من نبغ منهم في تلك البلاد وتقدم باشبيلية إلى أن ولي القضاء بها فأحسن
السياسة مع الرعية والملاطفة بهم، فرمقته القلوب ، وكان يحيى بن علي بن حمُود
الحسني المنعوت١ بالمعتلي صاحب قرطبة، وكان مذموم السيرة، فتوجه إلى
إشبيلية محاصراً لها ، فلما نزل عليها اجتمع رؤساء إشبيلية وأعيانها وأتوا القاضي
محمداً المذكور وقالوا له: أما ترى ما حل بنا من هذا الظالم وما أفسد من أموال
الناس ؟ فقم بنا نخرج إليه ونملكك ونجعل الأمر إليك ، ففعل ، ووثبوا على
يحيى ، فركب إليهم وهو سكران فقتل .
وتم له الأمر ثم ملك بعد ذلك قرطبة وغيرها من البلاد. وقصته مشهورة مع
الذي زعم أنه هشام بن الحكم آخر ملوك بني أمية بالأندلس الذي كان المنصور
ابن أبي عامر قد استولى عليه وحَجَبه عن الناس ، وكان يصدر الأمور عن
إشارته ، ولا يمكنه من التصرف، وليس له سوى الاسم والخطبة على المنابر ،
فإنه كان قد انقطع خبره مدة نيف وعشرين سنة، وجرت أحوال مختلفة في
هذه المدة ، ثم قيل للقاضي محمد المذكور بعد تملكه واستيلائه على البلاد: إِن
هشام بن الحكم في مسجد بقلعة رباح ، فأرسل إليه من أحضره ، وفوّض الأمر
إليه ، وجعل نفسه كالوزير بين يديه ، وفي هذه الواقعة يقول الحافظ أبو محمد
ابن حزم الظاهري في كتاب (( نقط العروس)): أخلوقة لم يقع في الدهر مثلها
فإنه ظهر رجل يقال له خلف الحصري٢ بعد نيف وعشرين سنة من موت هشام
ابن الحكم المنعوت بالمؤيد وادعى أنه هشام، فبويع وخطب له على جميع منابر
الأندلس في أوقات شتى ، وسفك الدماء وتصادمت الجيوش في أمره ، وأقام
المدّعي أنه هشام نيفاً وعشرين سنة، والقاضي محمد بن إسماعيل في رتبة الوزير
بين يديه ، والأمر إليه ، ولم يزل الأمر كذلك إلى أن توفي المدعو هشاماً ،
فاستبد القاضي محمد بالأمر بعده. وكان من أهل العلم والأدب والمعرفة التامة بتدبير
الدول ، ولم يزل ملكاً مستقلاً إلى أن توفي ليلة الأحد لليلة بقيت من جمادى
١ ن ر ق : المعروف .
٢ ق ر ن : الخضري .
٢٢

4
الأولى سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة؛ وقيل إنه عاش إلى قريب الخمسين وأربعمائة
ودفن بقصر إشبيلية ، واختلفوا أيضاً في مبدإ استيلائه : فقيل سنة أربع عشرة
وأربعمائة، وهو الذي ذكره العماد الكاتب في ((الخريدة ))، وقيل أربع
وعشرين ، والله أعلم بالصواب في ذلك كله .
(205) ولما مات محمد القاضي قام مقامه ولده المعتضد بالله أبو عمرو عَبّاد ،
قال أبو الحسن علي بن بَسّام صاحب كتاب ((الذخيرة)) في حقه: ثم أفضى
الأمر إلى عبّاد سنة ثلاث وثلاثين، وتسمى أولاً بفخر الدولة ثم بالمعتضد، قطب
رَحى الفتنة ، ومنتهى غاية المحنة ، من رجل لم يثبت له قائم ولا حصيد ، ولا
سلم منه قريب ولا بعيد ، جبار أبرم الأمر وهو متناقض، وأسدٌ فَرسَ الطلا
وهو رابض ، متهور تتحاماه الدهاة، وجَبان لا تأمنه الكُماة، متعسّف
اهتدى، ومُنْبَتّ قطع فما أبقى، ثار والناس حرب وضبط شأنه بين قائم
وقاعد ، حتى طالت يده واتسع بلده وكثر عديده وعدده، وكان قد أوتي أيضاً
من جمال الصورة وتمام الخلقة وفخامة الهيئة وسَباطة البنان وثقوب الذهن
وحضور الخاطر وصدق الحس، ما فاق على نظرائه ، ونظر مع ذلك في الأدب
قبل ميل الهوى به إلى طلب السلطان أدنى نظر بأزكى طبع حصل منه الثقوب
ذهنه على قطعة وافرة علقها من غير تعمُّد لها ولا إِمعان في غمارها ولا إِكثار
من مُطالعتها ولا منافسة في اقتناء صحائفها ، أعطته سجيته على ذلك ما شاء
من تحبير الكلام وقرض قطع من الشعر ذات طلاوة في معان أمدته فيها الطبيعة،
وبلغ فيها الإرادة ، واكتتبها الأدباء للبراعة ، جمع هذه الخلال الظاهرة إلى جود
كفّ بارى السحاب بها. وأخبار المعتضد في جميع أفعاله وضروب أنحائه
غريبة بديعة . وكان ذا كلف بالنساء فاستوسع في اتخاذهن وخلط في جنوسهنّ،
فانتهى في ذلك إِلى مَدَّى لم يبلغه أحد من نظرائه ، ففشا نسله لتوسعه في
النكاح وقوته عليه ، فذكر أنه كان له من الولد نحو العشرين ذكوراً ، ومن
الإناث مثلهم . وأورد له عدة مقاطيع ، فمن ذلك قوله :
شربنا وجفن الليل يغسل كحله بماءٍ صباحٍ والنسيمُ رقيقُ
مُعتقة كالتبر أما نجارها فضَخْم وأما جِسْمُها فدقيقُ
٢٣

- وقد تقدم في ترجمة أبي بكر محمد بن عمار الأندلسي ذكر شيء من قصيدتيه
اللتين مدح المعتضد المذكور بها : إحداهما رائية والأخرى ميمية ١ -.
ولولده المعتمد فيه من جملة أبيات :
سَمَيْدَعِ يَهَبُ الآلاف مبتدئاً ويَسْتَقلُّ عطاياه ويعتذرُ
له يدٌ كِلُّ جبارٍ يُقَبِّلها لولا نَداها لقلنا إنها الحَجَرُ
ولم يزل في عز سلطانه واغتنام مساره ، حتى أصابته علة الذبحة ، فلم تطل
مدتها ، ولما أحس بتداني حمامه استدعى مغنياً يغنيه ليجعل ما يبدأ به فألاً
فأول ما غنى :
فَطْوي اللياليَ علماً أنْ سَتَطوينا فشَعْشعيها بماءٍ المزن واسقينا
فتطيّر من ذلك ولم يعش بعده سوى خمسة أيام [وقيل إنه ما غنى منها إلا
بخمسة أبيات]٢ وتوفي يوم الاثنين غرة جمادى الآخرة سنة إحدى وستين واربعمائة،
ودفن ثاني يوم بمدينة إشبيلية ، رحمه الله تعالى .
وقام بالمملكة بعده ولده المعتمد على الله أبو القاسم محمد .
قال أبو الحسن علي بن القطاع السعدي - المقدم ذكره٣ - في كتاب ((لمح
الملح )) في حق المعتمد المذكور؛: أندى° ملوك الأندلس راحة، وأرحبهم ساحة،
وأعظمهم تماداً، وأرفعهم عماداً، ولذلك كانت حَضْرته مَلقى الرحال، وموسم
الشعراء ، وقِبلة الآمال، ومألف الفضلاء ، حتى إنه لم يجتمع بباب أحد من
ملوك عصره من أعيان الشعراء وأفاضل الأدباء ما كان يجتمع ببابه ، وتشتمل
عليه حاشيتا جنابه .
١ أنظر ٤ : ٤٢٦ - ٤٢٧.
٢ لم يرد في النسخ الخطية .
٣ ٢ ٣: ٠٣٢٢
٤ انظر النفخ ٤ : ٣٧٢
٥ ر ن : هو أسمح
٢٤

وقال ابن بسام في ((الذخيرة)): وللمعتمد بن عَبّاد شعر كما انشق الكمام عن
الزهر، لو صدر١ مثله عمن جعل الشعر صناعة واتخذه بضاعة، لكان رائقاً معجباً
ونادراً مستغرباً ، فمن ذلك قوله٢ :
أكْثَرْت هجرَك غير أنك ربما عطَفَتْك أحياناً عليَّ أمورُ
فكأنما زَمَنُ التَّهاجر بيننا ليلٌ وساعاتُ الوصالِ بدورُ
وهذا المعنى ينظر إلى قول بعضهم من جملة أبيات :
أُسْفَرَ ضوءُ الصبح عن وَجْهه فقام خالُ الخِدَّ فيه بلال
كأنما الخالُ على خَدِّه ساعَةُ هجرٍ في زمان الوصال
وعزم المعتمد على إرسال حظاياه من قرطبة إلى إشبيلية ، فخرج معهن
يشيعهن٣ فسايرهن من أول الليل إلى الصبح، فودعهن ورجع وأنشد أبياتاً من
جملتها؛ :
سايرتهم والليل غُفْلٌ ثوبه حتى تبدى النواظر معلما
فوقفت ثَمَّ مودعاً وتسلمَتْ مني يد الإصباح تلك الأنجما
وهذا المعنى في نهاية الحسن . وله في وداعهن أيضاً :
ولما وَقَفنا للوَدَاعِ غُدَيَّةٌ وقد خَفَقَتْ في ساحة القصر راياتُ
بكينا دماً حتى كأن عيوننا بجري الدموعِ الحمر منها جراحات
وهذا ينظر إلى قول القائل :
بكيت دماً حتى لقد قال قائلٌ أهذا الفتى من جفن عينيه يُرْعَفُ
١ بر من : صار .
٢ ديوانه : ١٣ .
٣ ن : ليشيعهن؛ المختار : يودعهن .
٤ هذه القطعة في ديوانه : ٢٦ والمسالك ١٠ : ٣٩٧.
٥ ديوانه : ٤ .
٢٥

وقد سبق في شعر الأبيوردي نظيره .
ومن شعره أيضا١ً :
لولا عيونٌ من الواشين ترمقني وما أحاذره من قول حراسٍ
لزرتكم لا أُكافيكم يحفوتكم مشياً على الوجه أو سعياً على الراس
وكتب إلى نداماه من قصره بقرطبة وقد اصطبحوا بالزهراء يدعوهم إلى
الاغتباق عنده٢ :
حسد القصرُ فيكم الزهراءَ ولعمري وعَمْركم ما أساءَ
فاطلعوا عندنا بدوراً مساءً
قد طلعتمْ بها شموساً نهاراً
وهذا من بديع المعاني العجيبة .
والزهراء: بفتح الزاي وسكون الهاء وفتح الراء وبعدها همزة ممدودة، وهي
من عجائب أبنية الدنيا، أنشأها أبو المطرّف عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله
الملقب الناصر أحد ملوك بني أمية بالأندلس ، بالقرب من قرطبة ، في أول سنة
خمس وعشرين وثلثمائة ، ومسافة ما بينهما أربعة أميال وثلثا ميل ، وطول
الزهراء من الشرق إلى الغرب ألفان وسبعمائة ذراع ، وعرضها من القبلة إلى
الجنوب ألف وخمسمائة ذراع ، وعدد السواري التي فيها أربعة آلاف سارية
وثلثمائة سارية ، وعدد أبوابها يزيد على خمسة عشر ألف باب٣ . وكان الناصر
يقسم جباية البلاد أثلاثاً ، فثلث للجند وثلث مدخر وثلث ينفقه على عمارة
الزهراء ، وكانت جباية الأندلس يومئذ خمسة آلاف ألف دينار وأربعمائة ألف
وثمانين ألف دينار ، ومن السوق والمستخلص سبعمائة ألف وخمسة وستون ألف
دينار ، وهي من أهول ما بناه الإنس وأجله خطراً وأعظمه شأناً ، ذكر ذلك
كله ابن بَشْكُوال - المقدم ذكره في حرف الخاء٤ - في ((تاريخ الأندلس )).
١ ديوانه : ٥٨ والمسالك ١٠ : ٣٩٧ .
٢ ديوانه : ٤٩ .
٣ كذا في جميع النسخ.
٤ جـ ٢ : ٢٤٠ .
٢٦

وكان أبو بكر محمد بن عيسى بن محمد اللخمي الداني الشاعر المشهور مائلاً إلى
بني عباد بطبعه ، إذ كان المعتمد الذي جذب بضَبْعه ، وله فيه المدائح الأنيقة ،
فمن ذلك قصيدة يمدحه بها ويذكر أولاده الأربعة وهم : الرشيد عبيد الله ،
والراضي يزيد والمأمون والمؤتمن١، ومن جملتها قوله، ولقد أجاد فيه كل الإجادة
وأبدع فيه٢ :
يَغينك في محل ، يُغيئك في ردّى يروعك في درع ، يروقك في بردِ
کشمس الضحى کالمزن كالبرق کالرعد
جمالٌ وإِجمالٌ وسبق وصَولة
بناءً بأبناءٍ جحاجحة لدّ
بهجته شاد العلا ثم زادها
لتعديل جسم المجد والشرف العِدِّ
بأربعةٍ مثلِ الطباع تركبوا
ومع هذه المكارم والإحسان العام لم يسلموا من لسان طاعن ، وفيهم يقول
أبو الحسن جعفر بن إبراهيم بن الحاج اللورقي٣ :
تعزّ عن الدنيا ومعروف أهلها إذا عدم المعروف في آل عَبَّادِ
حللتُ بهم ضيفاً ثلاثة أشهر بغير قرى ثم ارتحلت بلا زاد
وكان الأذفونش فرذلند ملك الإفرنج بالأندلس قد قوي أمره في ذلك الوقت،
وكانت ملوك الطوائف من المسلمين هنالك يصالحونه ، ويؤدون إليه ضريبة ،
ثم إنه أخذ طليطلة في يوم الثلاثاء مستهلَّ صفر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة بعد
حصار شديد ، وكانت القادر بالله بن ذي النون ، وفي أخذها يقول أبو محمد
عبد الله بن فرج بن غزلون اليحصبي ، يعرف بابن العسال الطليطلي ، وهو مذكور
في (( الصلة)) لابن بشكوال؛ :
١ ن : والمأمول والمؤمل ؛ ق ر : والمأمون والمؤمل .
٢ كل الاجادة وابدع فيه : سقط من ت س بر من .
٣ النفح ٤ : ٢٢٦؛ وفي ن : جعفر بن محمد بن إبراهيم .
٤ الصلة : ٢٧٦ (وتوفي سنة ٤٨٧)؛ س بر: عزلون؛ ق: غزنون؛ المختار : غرنون، ن:
عرنون ، دون أعجام ؛ وفي س : الغسال . وقد وردت هذه الأبيات في عدة مصادر أندلسية ،
انظر النفح ٤ : ٣٥٢.
٢٧

حثوا رَواحلكم يا أهل أندلس فما المقام بها إلا من الغلطِ
سلك الجزيرة منثوراً من الوسط
السلك ينثر من أطرافه وأرى
كيف الحياة مع الحيات في سَقَط
من جاور الشر لم يأمنْ عواقيه
وكان المعتمد بن عباد أكبر ملوك الطوائف وأكثرهم بلاداً . وكان يؤدي
الضريبة للأذفونش، فلما ملك طليطلة لم يقبل ضريبة المعتمد طمعاً في أخذ بلاده،
وأرسل إليه يتهدده ويقول له: تنزل عن الحصون التي بيدك ويكون لك السهل١،
فضرب المعتمد الرسول وقتل من كان معه ، فبلغ الخبر للأذفونش وهو متوجه
لحصار قرطبة فرجع إلى طليطلة لأخذ آلات الحصار .
فلما سمع مشايخ الإسلام وفقهاؤها بذلك اجتمعوا وقالوا : هذه مدن الإسلام
قد تغلب عليها الفرنج، وماوكنا مشتغلون بمقاتلة بعضهم بعضاً، وإن استمرت
الحال ملك الفرنج جميع البلاد ، وجاءوا إلى القاضي عبيد الله بن محمد بن أدهم٢
وفاوضوه فيما نزل بالمسلمين وتشاوروا فيما يفعلونه ، فقال كل واحد منهم شيئاً ،
وآخر ما اجتمع٣ رأيهم عليه أن يكتبوا إلى أبي يعقوب يوسف بن تاشفين ملك
الملثمين٤ صاحب مراكش يستنجدونه - وسيأتي ذكره في حرف الياء إن شاء
الله تعالى . فاجتمع القاضي بالمعتمد وأخبره بما جرى ، فوافقهم على أنه مصلحة
وقال له تمضي إليه بنفسك ، فامتنع فألزمه بذلك، فقال: أستخير الله سبحانه،
وخرج من عنده، وكتب للوقت كتاباً إلى يوسف بن تاشفين يخبره بصورة الحال،
وسيره مع بعض عبيده إليه، فلما وصله خرج مسرعاً إلى مدينة سَبْتة، وخرج
القاضي ومعه جماعة إلى سبتة للقائه وإعلامه بحال المسلمين فأمر بعبور عسكره
مج : وتكون ملك السهل .
١
٢ فيما عدان ق: عبد الله، وانظر الصلة: ٢٩٣؛ وكنيته أبو بكر، كان قاضي الجماعة بقرطبة
استقضاه المعتمد سنة ٦٨؛ وكان قد نظر قبل ذلك في أحكام المظالم وشوور في الأحكام وتوفي
سنة ٤٨٦؛ قلت: وفي مج فوق لفظة أدهم : (خ : ابراهيم ).
٣ بر ن من: أجمع ؛ ت : أجمعوا .
٤ ر : المسلمين .
٢٨

إلى الجزيرة الخضراء ، وهي مدينة في بر الأندلس ، وأقام بسبتة ، وهي في بر
مراكش مقابلة الجزيرة الخضراء ، وسيَّر إلى مراكش يستدعي من تخلف بها من
جيشه ، فلما تكاملوا عنده أمرهم بالعبور ، وعبر آخِرَهم وهو في عشرة آلاف
مقاتل ، واجتمع بالمعتمد وقد جمع أيضاً عساكره ، وتسامع المسلمون بذلك ،
فخرجوا من كل البلاد طلباً للجهاد، وبلغ الأذفونش الخبر وهو بطليطلة، فخرج
في أربعين ألف فارس غير ما انضم إليه، وكتب الأذفونش إلى الأمير يوسف
كتاباً يتهدده، وأطال الكتاب، فكتب يوسف الجواب في ظهره: ((الذي
يكون ستراه )) ورده إليه . فلما وقف عليه ارتاع لذلك وقال : هذا رجل
عازم .
ثم سار الجيشان والتّقيا في مكان يقال له الزَّلاقة من بلد بَطْلَيَوسَ وتصافا،
وانتصر المسلمون وهرب الأنفونش بعد استئصال عساكره ولم يسلم معه سوى
نفر يسير ، وذلك يوم الجمعة في العشر الأول من شهر رمضان المعظم سنة تسع
وسبعين وأربعمائة ، كذا قال بعضهم، والصحيح أن هذه الوقعة٢ كانت في
منتصف رجب من السنة المذكورة ، وهذا العام يؤرخ به في بلاد الأندلس كلها
فيقال عام الزلاقة ، وهذه الواقعة من أشهر الوقائع . وثبت المعتمد في ذلك
اليوم ثباتاً عظيماً، وأصابه عدة جراحات في وجهه وبدنه، وشهد له بالشجاعة ،
وغنم المسلمون دوابهم وسلاحهم ، ورجع الأمير يوسف إلى بلاده والمعتمد إلى
بلاده.
ثم إن الأمير يوسف عاد إلى الأندلس في العام الثاني وخرج إليه المعتمد ،
وحاصرا بعض حصون الفرنج٣ ، فلم يقدرا عليه ، فرحلا عنه وعبر يوسف على٤
غَرْناطة ، فخرج إليه صاحبها عبد الله بن بُلُكِّين ثم دخل البلد ليخرج إليه
التقادم ، فغدر به يوسف ودخل البلد وأخرج عبد الله ودخل قصره فوجد فيه
١ ق : فتصافا فانتصر .
٢ ق : الواقعة .
٣ هو حصن لييط .
٤ ق : ودخل إلى .
٢٩

من الأموال والذخائر ما لا يحد ولا يحصى . ثم رجع إلى مراكش وقد أعجبه
حسن بلاد الأندلس وبهجتها وما بها من المباني والبساتين والمطاعم وسائر أصناف
الأموال التي لا توجد في مراكش ، فإنها بلاد بربر وأحلاف العربان١ ، وجعل
خواص الأمير يوسف يعظمون عنده بلاد الأندلس ويحسنون له أخذها ، ويغرون
قلبه على المعتمد بأشياء نقلوها عنه فتغير عليه وقصده ، فلما انتهى إلى سَبْتة
جهز إليه العساكر وقدم عليها سير٢ بن أبي بكر الأندلسي ، فوصل إلى إشبيلية
وبها المعتمد فحاصره أشد محاصرة ، وظهر من مصابرة المعتمد وشدة بأسه
وتراميه على الموت بنفسه ما لم يسمع بمثله ، والناس بالبلد قد استولى عليهم الفزع
وخامرهم الجزع يقطعون سبلها سياحة ويخوضون نهرها سباحة ويترامون من
شرفات الأسوار ، فلما كان يوم الأحد العشرين من رجب سنة أربع وثمانين
وأربعمائة هجم عسكر الأمير يوسف البلد وشنوا فيه الغارات ، ولم يتركوا
لأحد شيئاً ، وخرج الناس من منازلهم يسترون عوراتهم بأيديهم ، وقبض على
المعتمد وأهله، وكان قد قتل له ولدان قبل ذلك ، أحدهما : المأمون ، وكان
ينوب عن والده في قرطبة فحصروه بها إلى أن أخذوه وقتلوه، والثاني الراضي،
كان أيضاً نائباً عن أبيه في رُندة٣ ، وهي من الحصون المنيعة فنازلوها وأخذوها
وقتلوا الراضي ، ولأبيهما المعتمد فيهما مراث كثيرة؛ .
وبعد ذلك جرى بإشبيلية على المعتمد ما ذكرناه . ولما أخذ المعتمد قيدوه
من ساعته ، وجعل مع أهله في سفينة، قال ابن خاقان في ((قلائد العقيان)» في
هذا الموضع°: ثم جمع هو وأهله وحملتهم الجواري المنشآت ، وضمتهما كأنهم
أموات ، بعدما ضاق عنهم القصر ، وراق منهم العصر ، والناس قد حشروا
١ المختار : وأحلاف الغربان .
٢ ن ر والمختار : شير .
٣ بر س ن ت ق من : روندة ؛ ر: رنوذة ، مج : رويله .
٤ س ت بر من: مرات عديدة، وسقطت ((عديدة)) من ر .
٥ قلائد العقيان : ٢٣ .
٦ القلائد : وضمنتهم جوانحها .
٣٠

بضفتي الوادي ، يبكون بدموع الغوادي١، فساروا والنوح يحدوهم ، والبوح
باللوعة لا يعدوهم ، وفي ذلك يقول أبو بكر محمد بن عيسى الداني المعروف
بابن اللبانة :
تبكي السماء بدمع رائح غادي على البهاليل من أبناء عباد
ومن جملتها :
يا ضيف أقفر بيتُ المكرمات فخذ في ضم رحلك واجمع فضلة الزاد
وهي قصيدة طويلة لا حاجة إلى ذكرها . وفي هذه الحال وصفتها يقول أبو محمد
عبد الجبار بن حمديس الصقلي الشاعر المشهور - المقدم ذكره٢:
ولما رحلتم بالندى في أكفكم وقُلْقل رَضْوى منكم وثَبَيرُ
رفعت لساني بالقيامة قد دنت فهذي الجبال الراسيات تسير
وهي أبيات كثيرة ، وهذا المعنى مأخوذ من قول عبد الله بن المعتز في أبي العباس
أحمد بن محمد بن الفرات الوزير وقد مات٣ :
قد استوى الناس ومات الكمال وصاح؛ صرف الدهر أين الرجال
هذا أبو العباس في نعشه قوموا انظروا كيف تسير الجبال
وقيل إنه أنشدها لما مات الوزير أبو القاسم عبيد الله بن سلمان بن وهب ،
والله أعلم بالصواب ، ثم وجدت القول الثاني هو الصحيح ، والله أعلم .
وتألم المعتمد يوماً من قيده وضيقه وثقله فأنشد° :
١ القلائد : كالغوادي .
٢ انظر = ٣ : ٢١٢ وديوانه : ٢٦٨ .
٣ ورد هذا من قبل في ترجمة ابن حمديس ٣: ٢١٤ وذكر هنالك أن ابن المعتز رأى الوزير أبا القاسم
عبيد الله بن سليمان بن وهب .
٤ ن ق : وقال .
٥ ديوان المعتمد : ٩٤ .
٣١

تبدلت من ظل عزّ البنودِ بذل الحديد وثقل القيودِ
وكان حديدي سناناً ذليقاً وعضباً رقيقاً صقيل الحديد
بعض بساقَيَّ عض الأسود
وقد صار ذاك وذا أدهما
ثم إنهم حملوا إلى الأمير يوسف بمراكش ، فأمر بإرسال المعتمد إلى مدينة
أغمات ، واعتقله بها ولم يخرج منها إلى الممات ، قال ابن خاقان١: ولما أجلي٢
عن بلاده ، وأعري من طارفه وتلاده ، وحمل في السفين ، وأحل في العُدْوة
محل الدفين، تندبه منابره وأعواده، ولا يدنو منه زُوّره ولا عُوّاده، بقي
آسفاً تتصعد زفراته، وتطرد اطراد المذانب عبراته، ولا يخلو بمؤانس، ولا يَرى
إلا عرينا٣ بدلاً من تلك المكانس، ولما لم يجد سلوّاً ولم يؤمل دنوّاً، ولم ير وجه
مسرّة مجلوّاً ، تذكر منازله فشاقته، وتصور بهجتها فراقته ، وتخيل استيحاش
أوطانه، وإجهاش قصره إلى قُطّانه، وإظلام جوه٤ من أقماره ، وخلوه من
حراسه وسماره . وفي اعتقاله يقول أبو بكر الداني المذكور قصيدته المشهورة
التي أولها :
لكلِّ شيءٍ من الأشياء ميقاتُ وللمنى من مناياهنَّ غاياتُ
والدهر في صبغة الحرباء منغمسٌ ألوانُ حالاته فيها استحالات
ونحن من لُعَب الشطرنج في يده وربما قُمرت بالبيدقِ الشاة
قلت : هذا غلط ، فإن الشاه بالهاء الملك بالعجمي ، وإذا كان كذلك فلا
تسلم له القافية ، لأنها على حرف التاء ، ثم قال :
انفُضْ يديك من الدنيا وساكنها فالأرض قد أقفرت والناس قد ماتوا
وقل لِعالمها الأرضي : قد كتمت سريرة العالم العلوي أغماتُ
١ القلائد : ٢٣ .
٢ القلائد : نقل ؛ ر : أخلي .
٣ في النسخ : غريباً ، والتصويب عن القلائد
٤ ت : الوجوه .
٣٢

وهي طويلة تقارب خمسين بيتاً .
وله أيضاً في حبسه قصيدة عملها بأغمات ، سنة ست وثمانين وأربعمائة :
تنَشَّقْ رَيَاحِينَ السلامِ فإنّا. أفضُّ بها مِسْكاً عَليكَ مُخَتْما
لعلكَ فِي نُعْمى وقد كنتَ مُنعما
وقُلْ لي مَجازاً إِن عَدِمتَ حقيقةٌ
فيرجع ضوء الصبح عنديَ مُظلما
أفكرُ في عَصْرٍ مضى لك مُشرِقِا
كسوفك شمساً كيف أطلع أنجما
وأعجبُ من أُفْقِ المجرَّةِ إذ رأى
وجَدناكَ منها في المَزية١ِ أعظَمَا
لئن عَظمت فيكَ الرَّزية اننا
قناةٌ سعت للطعنِ حتى تقصدت وسَيْفٌ أُطالَ الضرْبَ حتى تثلما
ومنها :
بكى آل عباد ولا كمحمد وأبنائهِ صَوْبُ الغمامةِ إِذ هَمى
عسى طَلَل يَدنو بهمْ ولعلما
حبيبٌ إلى قلبي ، حبيبٌ لقولهِ
صباحهمُ كنا بهم نحمد السرَى
فلما عدمناهم سرينا على عَمى
فقد أجْدَبَ المرعى وقد أقفَر الحمى
وكنا رعينا العز حولَ حماهُم
مناسج سَدَّى الغيثُ فيها وألما
وقد ألبست أيدي الليالي محلَّهم
سوى الأدم تمشي حول واقعة الدمى
أجاب القيان الطائر المترنما
بها الوفد جمعاً والخميس عرمزما
ومنها٢ :
قصورٌ خلت من ساکنیها فما بها
يجيب بها الهام الصدى ولطالما
كأن لم يكن فيها أنيس ولا التقى
حكيتَ وقد فارقت مُلكك مالكا ومن ولَهي أحكي عليك متمما
مصابٌ هوى بالنيراتِ من العلا ولم يُبْق في أرضِ المكارم معلما
تضيقُ عليَّ الأرضُ حتى كأنما خلقت وإياها سواراً ومعصما
١٠ ر ن ق : الرزية .
٢٠ ومنها : زيادة من ن ر ق بر .
٣ - ٥
٣٣

ندبتك حتى لم يخلّ لي الأسى دموعاً بها أبكي عليك ولا دَما
وإني على رسمي مقيمٌ فإن أمت سأجعلُ الباكين رسميَ موسما
عليك، وناح الرعد باسمك معلما
بكاك الحيا والربح شَقْت جيوبها
ومُزَّقَ ثوبُ البرقِ واكتست الضحى
وحار ابنكَ الإصباحُ وَجداً فما اهتدى
حداداً، وقامَتْ أنجم الجوّ مأتما
وغاضَ أَخوكَ البَحرُ غيضاً فما ظَما
ولا أَظهَرَتْ شمْسُ الظّهِيرةِ مبسما
وما حلّ بَدْر التِّمَّ بعدَكِ دارة
قضى الله أن حَطُّوكَ عن ظَهْر أشقرٍ أَشمَّ وأن أمْطَوْكَ أشأم أدْهما
وكان قد انفكت عنه القيود فأشار إلى ذلك بقوله منها :
مِنْهُمْ بالمكارم أرحما
قُلُودُك
قودك ذابت فانطلقت لقد غدتْ
أعلما
بالسريرة.
لقد كان منهم
عجبتُ لأن لان الحديدُ وقد قَسيوا
سيُنجِيكَ مَنْ نجَّى من الجبّ يوسفا ويُؤْويكَ من آوى المسيح بن مَريما
وله في البكاء على أيامهم وانتثار نظامهم عدة مقاطع١ وقصائد مطولات
يشتمل عليها جزء لطيف صدر عنه في صورة٢ تأليف وهيئة تصنيف سماه ((نظم
السلوك في وعظ الملوك)). ووفد على المعتمد وهو بأغمات وفادة وفاء ، لا
وفادة استجداء، وحكي أنه لما عزم على الانفصال عنه بعث إليه المعتمدُ
عشرين ديناراً وشُقّة بغدادية ، وكتب معها :
إليك النزْر من كف الأسيرِ فإن تَقْبل يكُنْ عينَ الشكور
وإن عَذرتهُ أحوال٣ الفقير
تقبّل ما يذوب له حياء
وهي عدّة أبيات، قال أبو بكر المذكور : فرددتها إليه، لعلمي بحاله وأنه
لم يترك عنده شيئاً، وكتبت إليه جوابها ، وهو :
١ ق بر ر ن : مقطوعات .
٢ صورة : سقطت من ق بر من .
٣ بر من ق مج : حالات .
٣٤

فِذَرْني والذي لكَ في ضميري
سَقطْتَ من الوفاء على خَبير
تركتُ هواكَ وهو شقيقُ نفسي١
ولا كنتُ الطَليق من الرزايا
جَذِيمةُ أنت والزباء خانت٢
أسيرُ ولا أسيرُ إلى اغتنام.
أنا أدرى بفضلك منك ، إني
ومنها أيضاً قوله :
لئن شقت برُودي عن غدور
لئن أصبحْتُ أجْحِفُ بالأسير
وما أنا من يُقصِّر عن قصير
معاذ الله من سوء المصير
لبست الظلّ منه في الحرُور
تصرّفُ في الندِى خيْل٣َ المعالي فتسمحُ من قليل بالكثير؛
وأعجبُ منك أنك في ظلام وترفع للعفاة منار نور
إذا عاد ارتقاؤك للسرير
رُوُيْدَكَ سوف توسعني سروراً
غَدَاةَ تَحُلُّ في تلك القصور
وسوف تُحْلُني رتبَ المعالي
بها وأزيدُ ثمَ على جرير
تزيدُ على ابن مروانٍ عطاءً
فليسَ الخسفُ ملتزمَ البدور
تأهّبْ أن تعودَ إلى طُلوعٍ
ودخل عليه يوماً بناته السجن، وكان يوم عيد ، وكن يغزلن للناس بالأجرة
في أغمات ، حتى إن إحداهن غزلت لبيت صاحب الشرطة الذي كان في خدمة
أبيها وهو في سلطانه، فرآمن في أطار رَثّة وحالة سيئة، فصدَ عْنَ قلبه وأنشد":
فيما مضى كنتَ بالأعيادِ مسرورا فساءَك العيدُ في أغماتَ مأسورا
نرى بناتِكَ في الأطار جائعةٌ يَغْزِلِنَ للناس لا يملكن قِطمِيرا
١ ن ر : قلبي .
٢ ق : يوماً .
٣ ن : حيل، مج : جيد .
٤ ق : بالقليل وبالكثير .
٥ ديوانه: ١٠٠ والقلائد : ٢٥
٣٥

برَزْنَ نحوك للتَّسليم خاشعةٌ أبصارهُنَّ حسيراتٍ مكاسيرا
يطأنَ في الطين والأقدامُ حافيةٌ كأنها لمْ تطأ مسكاً وكافورا
ومنها أيضاً :
لا خدّ إلا ويشكو١ الجدب ظاهره وليس إلا مع الأنفاسِ ممطورا
قد كان دهركَ إن تأمُرُهُ ممتثلاً فردَّكَ الدَّهرُ مَنْهِيّاً ومأمورا
مَنْ بَاتِ بَعْدَك في مُلكٍ يُسرُّ به فإنما باتَ بالأحلام مغرورا
ودخل عليه وهو في تلك الحال ولده أبو هاشم والقيود قد عضَّتْ بساقيه
عض الأسود ، والتوت عليه التواء الأساود السود ، وهو لا يطيق إعمال قدم ،
ولا يُريق دمعاً إلا ممتزجاً بدم، بعد ما عهد نفسه فوق منبر وسرير، وفي وسط
جنة وحرير، تَخفِق عليه الألوية، وتشرق منه الأندية، فلما رآه بكى وعمل٢:
أَبَيتَ أن تشفق أو ترحما
قَيْدي أما تعلمني مسلما.
دمي شرابٌ لك، واللحمُ قد أكلتَهُ، لا تهثم الأعظما
يبصرني فيك أبو هاشمٍ فينثني والقلبُ قد هشما
ارحمْ طُفَيلاً طائشاً لُه
لم يخشَ أن يأتيك مسترحما
جرعتهُنَّ السمْ والعلقم)
وأرحم أُخَيّاتٍ له مثله
خِفْنا عليه للبكاء العمى
منهنَّ من يفهمُ شيئاً فقد
والغير لا يفهم شيئاً فما يفتح إلا لرضاعٍ فما
وكان قد اجتمع عنده جماعة من الشعراء٣ وألحوا عليه في السؤال ، وهو على
تلك الحال ، فأنشد :
سألوا اليسير من الأسير وإنه بسؤالهم لأحقُ منهم فاعجَبِ
١ بر ر ق من : تشكى .
٢ ديوانه : ١١٢ ٠
٣ بر من : السؤال .
٣٦

لولا الحياء وعزةٌ لُميّةٌ طيّ الحشا لحكاهمُ في المطلب
وأَشعار المعتمد وأشعار الناس فيه كثيرة ، وقد جاوزنا الحد في تطويل
ترجمته، وسببه أن قضيته١ غريبة لم يعهد مثلها ، ودخل فيها حديث أبيه
وجده فطالت .
وكانت ولادته في شهر ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة بمدينة
باجة من بلاد الأندلس ، وملك بعد وفاة أبيه في التاريخ المذكور هناك ،
وخلع في التاريخ المقدم ذكره. وتوفي في السجن بأغمات لإحدى عشرة ليلة خلت
من شوال ، وقيل في ذي الحجة ، سنة ثمان وثمانين وأربعمائة ، رحمه الله تعالى؛
ومن النادر الغريب أنه نودي في جنازته بالصلاة على الغريب ، بعد عظم سلطانه
وجلالة شانه ، فتبارك من له البقاء والعزة والكبرياء . واجتمع عند قبره جماعة
من الشعراء الذين كانوا يقصدونه بالمدائح ، ويجزل لهم المنائح ، فرئوه بقصائد
مطولات ، وأنشدوها عند قبره وبكوا عليه ، فمنهم أبو بحر عبد الصمد شاعره
المختص به ، رئاه بقصيدة طويلة أجاد فيها ، وأولها٢ :
ملكَ الملوك ، أسامع فأنادي أم قد عدتك عن السماع عَوادي
لما نقلت عن القصور ولم تكن فيها كما قد كنت في الأعياد
أقبلت في هذا الثرى لك خاضعاً وجعلت قبرك موضع الإنشاد
ولما فرغ من إنشادها قبل الثرى ، ومرغ جسمه وعفر خده ، فأبكى كل
من حضر .
ويحكى٣ أن رجلاً رأى في منامه إثر الكائنة عليه كأن رجلاً صعد منبر
جامع قرطبة واستقبل الناس وأنشد :
ربّ ركبٍ قد أناخوا عِيسَهُمْ فِي ذرى مجدهمُ حين بسَقْ
١ ق بر من : قصته.
٢ انظر القلائد: ٣١ .
٣ ق : ويروى
٣٧

سكت الدهرُ زماناً عنهمُ ثم أبكاه دماً حين نطق
ورأى أبو بكر الداني حفيد المعتمد وهو غلام وسيم قد اتخذ الصياغة صناعة
وكان يلقب في أيام دولتهم ((فخر الدولة)) وهو من الألقاب السلطانية عندهم،
فنظر إليه وهو ينفخ الفحم بقصبة الصائغ ، فقال من جملة قصيدة :
شكاتنا فيك يا فخر العلا عظمت والرزةُ يعظم فيمن قدره عظما
ضاقت عليك وكم طوّقْتَنا نعما
طوقت من نائبات الدهر مخنقة
وعاد طوقُك في دكانِ قارعةٍ
صرَّقَتَ في آلةِ الصوّغ أغلةٌ
يدٌ عهدتُكَ للتقبيل تبسطها
يا صائفاً كانت العليا تُصاغُ له
للنفخ في الصور هولٌ ما حكاه سوی
وددت إذ نظرت عيني عليك به
ما حطَّكَ الدهر لما حطّ من شرفٍ
لُح في العلا کو کباً إن لمتَلُح قمرا
والله لو أنصفتك الشهبُلانكسفت
من بعدما كنت فيقصر حكى إرما
لم تدْرِ إِلا الندى والسيف والقلما
فتستقلُّ الثريا أن تكون فما
حلنياً وكان عليه الحلي منتظما
أني رأيتك فيه تنفخ الفحما
لو أن عينيَ تشكو قبل ذاك عمى
ولا تحيَّقَ من أخلاقك الكرما
وقمْ بها ربوةً إن لم تقم علما
ولو وفى لك دمع العين لانسجما
يمكيك رهطاً وألفاظاً ومبتسما
أبکی حدیثڭ حتى الدمر حین غدا .
ولا حاجة إلى الزيادة على ما أودعناه١ هذه الترجمة.
واللُّورقي: بضم اللام وسكون الواو والراء وبعدها قاف ، هذه النسبة
إِلى لورقة، وهي مدينة بالأندلس، وهذا الشاعر ذكره في (( الخريدة)) وقال :
عاش بعد الخمسمائة٢ طويلاً، وأورد كثيراً من شعره.
وأغمات: بفتح الهمزة وسكون الغين المعجمة وفتح الميم وبعد الألف تاء مثناة
١ بر : أوردناه في .
: ٢ ق : المائة .
٣٨

من فوقها ، وهي بُليدة وراء مراكش ، بينهما مسافة يوم ، وخرج منهما
جماعة مشاهير١ .
(206) وأما أبو بكر ابن اللّبَّانة المذكور فما رأيت تاريخ وفاته في شيء
من الكتب ولا رأيت من يعلم ذلك ، لكن رأيت في كتاب الحماسة التي صنفها
أبو الحجاج يوسف البياسي المذكور بعد هذا أن ابن اللبانة قدم مَيُورْقَة في آخر
شعبان سنة تسع وثمانين وأربعمائة، ومدح ملكها مبشر بن سليمان بأبيات أولها :
ملك يروعك في حُلى ريعانه واقت برونقه صفات زمانه
وكنت أظن أنه مات قبل المعتمد ، لأني ما رأيت له فيه مرئية ، إلى أن
رأيت ما قاله البياسي ، والله تعالى أعلم .
٦٨٧
المعتصم ابن صمادح الأندلسي
أبو يحيى محمد بن معن بن محمد بن أحمد بن صُمادح، المنعوت بالمعتصم ،
التجيبي، صاحب المرِيَّةِ وبَجابَةَ والصُّمادحية من بلاد الأندلس .
(207) كان جده محمد بن أحمد بن صادح صاحب مدينة وَشْقَةَ وأعمالها،
وذلك في أيام المؤيد هشام بن الحكم الأموي - المذكور في ترجمة المعتمد بن عباد -
١ هنا تنتهي الترجمة في بر من وينتهي الجزء الثاني من النسخة س، والثالث مفقود، ولهذا تتوقف
الإشارة إلى س حتى بداية الجزء الرابع ، وكنا اعتمدنا في عناوين التراجم على هذه النسخة بعد
توقف المسودة ، ولما كان الجزء الثالث مفقوداً وكذلك القسم الموازي له من المسودة ، فان
صيغة العناوين ستصبح تقديرية بالاستئناس إلى مختلف النسخ .
٦٨٧ - ترجمته في الذخيرة ٢/١: ٢٣٦ والقلائد: ٤٧ والمغرب ٢ : ١٩٥ والبيان المغرب
٣ : ١٦٧، ١٧٣ والمطرب: ٣٤ - ٣٨ والوافي ٥ : ٤٥ والمعجب : ١٩٦ والحلة السيراء
٢ : ٧٨ - ٨٨ وأعمال الأعلام : ١٩٠ وعبر الذهبي ٣ : ٣٠٦ .
٣٩

٠٠٥
فحاربه ابن عمه منذر بن يحيى التسجيبي ، فاستظهر عليه وعجز عن دفعه لكثرة
رجاله ، وترك له مدينة وَشْقة، وفر بنفسه ولم يبق له بالبلد علقة، وكان
صاحب رأي ودهاء ولسان وعارضة لم يكن في أصحاب السيوف من يعدله في
هذه الخلال في ذلك العصر .
(208) وكان ولده معن والد المعتصم مصاهراً لعبد العزيز بن أبي عامر صاحب
بَلَنْسِية ، فلما قتل زهير مولى أبيه - وكان صاحب المريَّة - وثب عبد العزيز
على المرِيَّة فملكها لكونها كانت لمولاهم ، فحسده على ذلك مجاهد بن عبد الله
العامري المكني أبا الجيش صاحب دانية، فخرج قاصداً بلاد عبد العزيز وهو
بالمرية مشتغل في تركة زهير ، فلما سمع بخروج مجاهد خرج من المرية
مبادراً لاستصلاحه واستخلف بها صهره ووزيره معن بن صمادح والد المعتصم
فخانه في الأمانة وغدر به ، وطرده عن الإمارة ، فلم يبق في ملوك الطوائف
بالأندلس أحد إلا ذمه على هذه الفعلة ، إلا أنه تم له الأمر واستتب .
فلما مات انتقل الملك إلى ولده المعتصم وتسمى بأسماء الخلفاء ، وكان رحب
الفناء، جزل١ العطاء ، حليماً عن الدماء، طافت به الآمال، واتسع في مدحه
المقال، وأعملت إلى حضرته الرحال ، ولزمه جماعة من فحول الشعراء كأبي
عبد الله ابن الحداد وغيره ، وله أشعار حسنة ، فمن ذلك ما كتبه إلى أبي بكر
ابن عمار الأندلسي - المقدم ذكره - يعاتبه :
وطول اختباري صاحباً بعد صاحب
وزهدني في الناس معرفتي بهم
بَواديه إلا ساءني في العواقب
فلم تُرفي الأيام خلاًّ تسرني
من الدهر إلا كان إحدى النوائب
ولا صرت أرجوه لدفع ملمة
فكتب إليه ابن عمار جوابها، وهي أبيات كثيرة فلا حاجة إلى ذكرها .
ومن شعره أيضاً :
ما منه غير الدنو يبريني
يا من يحسمي لبعده سقم
١ ن : جزلا في .
٤