Indexed OCR Text
Pages 181-200
وكانت ولادة محمد المذكور سنة أربع وسبعين للهجرة ؛ وتوفي سنة ثمان وأربعين ومائة بالكوفة ، وهو باق على القضاء ، فجعل أبو جعفر المنصور ابنَ أخيه مكانه ، رضي الله عنه . ٥٦٥ محمد بن سیرین أبو بكر محمد بن سيرين البصري ؛ كان أبوه عبداً لأنس بن مالك، رضي الله عنه، كاتَبَهُ على أربعين ألف درهم، وقيل عشرين ألفاً، وأدّى المكاتبة . وكان من سبي مَيْسان، ويقال من سي عين التمر . وكان أبوه سيرين من أهل جَرْ جَرايا، وكنيته أبو عمرة١، وكان يعمل قدور النحاس، فجاء إلى عين التمر يعمل بها ، فسباه خالد بن الوليد رضي الله عنه في أربعين غلاماً مختتنين٢، فأنكرهم ، فقالوا : إنا كنا أهل ملكة ، ففرقهم في الناس . وكانت أمه صفية مولاة أبي بكر الصديق ، رضي الله عنه ، طيبها ثلاث من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ودَعَوْن لها، وحضر إملاكها ثمانية عشر بَدْريّاً فيهم أبيّ ابن كعب يدعو وهم يؤمنون . وروى محمد المذكور عن أبي هريرة وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعمران بن حُصَيْن وأنس بن مالك ، رضي الله عنهم ، وروى عنه قتادة بن دعامة وخالد الحذاء وأبوب السختياني وغيرهم من الأئمة ، ٥٩٥ - ترجمته في طبقات ابن سعد ٧ : ١٩٣ وحلية الأولياء ٢: ٢٦٣ والمعارف : ٤٤٢ وطبقات الشيرازي: ٨٨ وتاريخ بغداد ٥ : ٣٣١ وصفة الصفوة ٣ : ١٦٤ والوافي ٣ : ١٤٦ وتهذيب التهذيب ٩ : ٢١٤ والشذرات ١ : ١٣٨ . ١ لي ل س ن بر : أبو عمرو . ٢ كذا في ن ؛ ل س : مخثين ؛ لي بر : محنثين ؛ تاريخ بغداد : مختفين؛ المطبوعة المصرية : مجنبين ؛ وسقطت اللفظة من المختار . ١٨١ وهو أحد الفقهاء من أهل البصرة ، والمذكور بالورع في وقته . وقدم المدائن على عبيدة السلماني وقال : صليت معه ، فلما قضى صلاته دعا بغَداء، فأتي بخبز ولبن وسمن فأكل وأكلنا معه، ثم جلسنا حتى حضرت العصر، ثم قام عبيدة فأذن وأقام ، ثم صلى بنا العصر ولم يتوضأ لا هو ولا أحد ممن أكل معنا فيما بين الصلاتين . وكان محمد المذكور صاحب الحسن البصري ثم تهاجرا في آخر الأمر ، فلما مات الحسن لم يشهد ابنُ سيرين جنازتَهُ . وكان الشعبي يقول: عليكم بذلك الرجل الأصم ، يعني ابن سيرين، لأنه كان في أذنه صَمَمٌ. وكانت له اليد الطُّولى في تعبير الرؤيا . وكانت ولادته لسنتين بقيتا من خلافة عثمان ؛ وتوفي تاسع شوال يوم الجمعة سنة عشر ومائة بالبصرة ، بعد الحسن البصري بمائة يوم ، رضي الله عنهما . وكان بزازاً، وحُبس بدَيْنٍ كان عليه ، وولد له ثلاثون ولداً من امرأة واحدة عربية١ ولم يبق منهم غير عبد الله، ولما مات كان عليه ثلاثون ألف درهم ديناً فقضاها ولده عبد الله، فما مات عبد الله حتى قُوِّم ماله بثلثمائة ألف درهم. وكان محمد المذكور كاتب أنس بن مالك بفارس . وكان الأصمعي يقول : الحسن البصري سيد سَمْح وإذا حدّث الأصم بشيء - يعني ابن سيرين - فاشدد يديك ، وقتادة حاطبُ ليل. قال ابن عوف: لما مات أنس بن مالك أوصى أن يصلي عليه ابن سيرين ويغسله ، قال : وكان ابن سيرين محبوساً ، فأتوا الأمير - وهو رجل من بني أسد - فأذن له، فخرج فغسله وكفنه وصلى عليه في قصر أنس بالطَّفِ ، ثم رجع فدخل كما هو إلى السجن ، ولم يذهب إلى أهله . قلت: وذكر عمر بن شبة في كتاب ((أخبار البصرة)) أن الذي غَسَّلَ أنس بن مالك هو قطن بن مدرك الكلابي والي البصرة ، وكذلك قال أبو اليقظان٢ . ....... ١ زاد في المطبوعة المصرية : وإحدى عشرة بنتاً ؛ ولم ير ذلك في النسخ الخطية . ٢ قال ابن عوف ... اليقظان: ورد في ر ، وبشيء يسير من الإيجاز في المختار . ١٨٢ ومَيْسان : بفتح الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح السين المهملة وبعد . الألف نون ، وهي بُليدة بأسفل أرض البصرة . وعين التمر : قد سبق الكلام عليها . ٥٦٦ ابن أبي ذئب أبو الحارث محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب ، واسمه هشام ، بن شعبة بن عبد الله بن أبي قيس بن عبد وُدّ بن نصر بن مالك بن حِسْل ابن عامر بن لؤي بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النَّضْر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن مَعَد بن عدنان١، القرشي العامري المدني؛ أحد الأئمة المشاهير ، وهو صاحب الإمام مالك رضي الله عنه وكانت بينهما ألفة أكيدة ومودة صحيحة . ولما قدم مالك على أبي جعفر المنصور سأله: مَنْ بقي بالمدينة من المشيخة ؟ فقال : يا أمير المؤمنين، ابن أبي ذئب وابن أبي سلمة وابن أبي سبرة . وكان أبوه قد أتى قيصر فسُمي به ، فحبسه حتى مات في حبسه . وتوفي أبو الحارث المذكور في سنة تسع وخمسين وكما وقيل ثمان وخمسين ومائة بالكوفة ، رضي الله عنه ؛ ومولده في المحرم سنة إحدى وثمانين للهجرة ، وقيل سنة ثمانين ، وهي سنة سيل الجاف . والحِسْل : ولد الضب، وجمعه حُسُول . ولؤي: مَنْ هَمَزه قال هو تصغير لأى، وهو الثور، ومن لم يهمزه قال هو تصغير لِوَى الرمل ؛ والفِهْر: الحَجَر ، والله أعلم . ٥٦٦ - ترجمته في المعارف: ٤٨٥ وطبقات الشيرازي: ٦٧ والوافي ٣ : ٢٢٣ وميزان الاعتدال ٣: ٦٢٠ وتذكرة الحفاظ: ١٩١ وتهذيب التهذيب ٩ : ٣٠٣ والشذرات ١ : ٢٤٥. ١ بن نصر ... عدنان : سقط من كل النسخ ما عدار . ١٨٣ ٥٦٧ محمد بن الحسن الحنفي أبو عبد الله محمد بن الحسن بن فرقد ، الشيباني بالولاء الفقيه الحنفي ؛ أصله من قرية على باب دمشق في وسط الغُوطَة اسمها حَرَسْتا، وقدم أبوه من الشام إلى العراق ، وأقام بواسط فولد له بها محمد المذكور ، ونشأ بالكوفة ، وطلب الحديث ، ولقي جماعة من أعلام الأئمة ، وحضر مجلس أبي حنيفة سنتين ، ثم تفقه على أبي يوسف صاحب أبي حنيفة . وصنف الكتب الكثيرة النادرة، منها ((الجامع الكبير)) و((الجامع الصغير)) وغيرهما . وله في مصنفاته المسائل المشكلة خصوصاً المتعلقة بالعربية . ونشر علم أبي حنيفة ، وكان من أفصح الناس ، وكان إذا تكلم خيل لسامعه أن القرآن نزل بلغته . ولما دخل الإمام الشافعي رضي الله عنه بغداد كان بها ، وجرى بينهما مجالس ومسائل بحضرة هارون الرشيد . وقال الشافعي : ما رأيت أحداً يُسأل عن مسألة فيها نظر إلا تبينت الكراهة في وجهه ، إلا محمد بن الحسن ؛ وقال أيضاً : حملت من علم محمد بن الحسن وقر بعير . وقال الربيع بن سليمان المُرادي : كتب الشافعي إلى محمد بن الحسن وقد طلب منه كتباً له لينسخها ، فتأخرت عنه : قل لمن١ لم تَرَء ين من رآه مثلَهُ ومن كأنّ من رآه قد رأى من قبلَه العلم ينهى أهله أن يمنعوه أهله لعله يَبْذُلُه لأهله لعلَّه ٥٦٧ - ترجمته في الفهرست : ٢٠٣ وتاريخ بغداد ٢ : ١٧٢ وطبقات الشيرازي : ١٣٥ والمعارف : ٥٠٠ والجواهر المضية ٢: ٤٢ ولسان الميزان ٥: ١٢١ والشذرات ١ : ٣٢١. ١ كذا في أكثر المصادر؛ وفي هامش نسخة شهيد علي من طبقات الشيرازي: صوابه ((قل للذي)). ١٨٤ فأنفذ إليه الكتب من وقته . ورأيت هذه الأبيات في ديوان منصور بن إسماعيل الفقيه المصري - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وقد كتبها إلى أبي بكر بن قاسم . والذي ذكرناه أولاً حكاه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في ((طبقات الفقهاء))١. وروي عن الشافعي أنه قال: ما رأيت سميناً ذكياً إلا محمد ابن الحسن . وكان الرشيد قد ولاه قضاء الرقة ثم عزله عنها ، وقدم بغداد . وحكى محمد بن الحسن قال: أتوا٢ أبا حنيفة في امرأة ماتت وفي جوفها ولد يتحرك ، فأمرهم فشقوا جوفها واستخرجوا الولد٣ وكان غلاماً ، فعاش حتى طلب العلم وكان يتردد إلى مجلس محمد بن الحسن ، وسمي ابن أبي حنيفة . ولم يزل محمد بن الحسن ملازماً للرشيد حتى خرج إلى الري خَرْجته الأولى، فخرج معه، ومات بِرَ نبَويْهِ قرية من قرى الري في سنة تسع٤ وثمانين ومائة. ومولده سنة خمس وثلاثين ، وقيل إحدى وثلاثين ، وقيل اثنتين وثلاثين ومائة. وقال السمعاني : مات محمد بن الحسن والكسائي في يوم واحد بالري، رحمهما الله تعالى ، وقيل إن الرشيد كان يقول : دفنت الفقه والعربية بالري . ومحمد بن الحسن المذكور ابن خالة الفَرّاء صاحب النحو واللغة . وقد تقدم الكلام على الشيباني . وحَرَسْتا : بفتح الحاء المهملة والراء وسكون السين المهملة وفتح التاء المثناة من فوقها وبعدها ألف مقصورة . ورَنَبَوَيْه٥ِ : بفتح الراء وسكون النون وفتح الباء الموحدة والواو وبعدها ياء مثناة من تحتها ساكنة وبعدها هاء ساكنة . ١ انظر ص : ١٣٦ والأبيات في ترتيب المدارك ١ : ٣٩٤ والجواهر المضية . ٢ ت ل لي س ن بر : أتي . ٣ ن : وأخرجوه ؛ لي : وأخرجوا الولد. ٤ س ن بر : سبع . ٥ هذا الضبط لم يرد إلا في ر . ١٨٥ ٥٦٨ محمد بن علي العباسي أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي ، وهو والد السفاح والمنصور الخليفتين - وقد تقدم ذكر والده في حرف العين١-؛ قال ابن قتيبة٢: كان محمد المذكور من أجمل الناس وأعظمهم قدراً، وكان بينه وبين أبيه في العمر أربع عشرة سنة ؛ وكان علي يخضب بالسواد ومحمد يخضب بالحمرة ، فيظن من لا يعرفهما أن محمداً هو علي . [قال يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج بن يوسف الثقفي، سمعت الحجاج يقول : بينا نحن عند عبد الملك بن مروان بدُومَة الجندل في منتزه له ومعه قائِفٌ يحادثه ويسائله ، إذ أقبل علي بن عبد الله بن العباس ومحمد ابنه ، فلما رآه عبد الملك مقبلاً حرك شفتيه وهمس بها وانتقع لونه وقطع حديثه ، قال الحجاج: فوثبت نحو علي لأرده ، فأشار إليّ عبد الملك أن كُفَّ عنه ، وجاء علي فسلم فأقعده إلى جانبه ، وجعل يمس ثوبه ، وأشار إلى محمد أن اقعد ، وكلمه وساءله ، وكان عليّ حلو المحادثة ، وحضر الطعام فأتي بالطست ، فغسل يده وقال: أَذْنِ الطست من أبي محمد، فقال: أنا صائم ، ثم وثب ، فأتبعه عبد الملك بصره حتى كاد يخفى عن عينيه ، ثم التفت إلى القائف فقال : أتعرف هذا ؟ فقال: لا، ولكن أعرف من أمره واحدة ، قال: وما هي ؟ قال : إن كان الفتى الذي معه ابنه فإنه يخرج من عقبه فراعنة يملكون الأرض ولا يناويهم مُناوٍ إِلا قتلوه ، قال: فارْبَدّ لون عبد الملك، ثم قال: زعم راهب ٥٦٨ - ترجمته في الوافي ٤: ١٠٣ والشذرات ١ : ١٦٦ وله ذكر في تاريخ الطبري ( حوادث ١٢٦،١٢٠،١٠٠) وابن خلدون ٣ : ١٧٢، وقــ وضعنا ما انفردت به ر بين معقفين. ١ انظر: ج ٣ : ٢٧٤ . ٢ المعارف : ١٢٤ . ١٨٦ إيليا - ورآه عندي - أنه يخرج من صلبه ثلاثة عشر ملكاً ، وصفهم بصفاتهم] . وكان سبب انتقال الأمر إليه أن محمد بن الحنفية - وقد سبق ذكره - كانت الشيعة تعتقد إمامته بعد أخيه الحسين، رضي الله عنه، فلما توفي محمد بن الحنفية انتقل الأمر إلى ولده أبي هاشم - وقد سبق ذكره أيضاً في ترجمة أبيه ١ - وكان عظيم القدر، وكانت الشيعة تتوالاه ، فحضرته الوفاة بالشام في سنة ثمان وتسعين للهجرة ولا عقب له ، فأوصى إلى محمد بن علي المذكور وقاله له : أنت صاحب هذا الأمر، وهو في ولدك، ودفع إليه كتبهُ وصرف الشيعة نحوه. ولما حضرت محمداً المذكور الوفاة بالشام أوصى إلى ولده إبراهيم المعروف بالإمام ؛ فلما ظهر أبو مسلم الخراساني بخراسان دعا الناس إلى مبايعة إبراهيم بن محمد المذكور ، فلذلك قيل له ((الإمام )). وكان نصر بن سيار نائب مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية يومئذ بخراسان ، فكتب إلى مروان يعلمه بظهور أبي مسلم يدعو لبني العباس ، فكتب مروان إلى نائبه بدمشق بأن يحضر إبراهيم من الحميمة موثقاً ، فأحضره وحمله إليه وحبسه مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية بمدينة حران ، فتحقق أن مروان يقتله ، فأوصى٢ إلى أخيه السفاح، وهو أول من ولي الخلافة من أولاد العباس ، هذه خلاصة الأمر ، والشرح فيه تطويل٣ وبقي إبراهيم في الحبس شهرين ، ومات ، وقيل قتل . وكانت ولادة محمد المذكور سنة ستين للهجرة ، هكذا وجدته منقولاً ، وهو يخالف ما تقدم من أن بينه وبين أبيه في العمر أربع عشرة سنة ، فقد تقدم في تاريخ أبيه أنه ولد في حياة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، أو في ليلة قتل عليّ ، على الاختلاف فيه ، وكان قتل عليّ في رمضان سنة أربعين ، فكيف يمكن أن يكون بينهما أربع عشرة سنة ؟ بل أقل ما يمكن أن يكون بينهما عشرون سنة. [وذكر ابن حمدون في كتاب ((التذكرة)) أن محمداً المذكور مولده في سنة اثنتين وستين للهجرة]؛ وتوفي محمد المذكور في سنة ست وعشرين ، ١ المختار : كما سبق في ترجمته . ٢ ل س ن ت لي: فلما حبسه مروان ... وتحقق ... أوصى. ٣ ل : يطول . ١٨٧ وقيل اثنتين وعشرين ومائة ، وفيها ولد المهدي بن أبي جعفر المنصور ، وهو والد-هارون الرشيد، وقيل سنة خمس وعشرين ومائة بالشراة، [وقال الطبري في تاريخه : توفي محمد بن علي مستهلَّ ذي القعدة سنة ست وعشرين ومائة ، وهو ابن ثلاث وستين سنة] رحمه الله تعالى . وقد تقدم الكلام على الشراة في ترجمة أبيه١ علي بن عبد الله . وقال الطبري في تاريخه٢: في سنة ثمان وتسعين للهجرة قدم أبو هاشم عبد الله ابن محمد بن الحنفية على سليمان بن عبد الملك بن مروان فأكرمه ، وسار أبو هاشم يريد فلسطين ، فأنفذ سليمان مَنْ قعد له على الطريق بلبن مسموم، فشرب منه أبو هاشم فأحسَّ بالموت ، فعدل إلى الحُمَيْمة واجتمع بمحمد بن علي بن عبد الله بن العباس وأعلمه أن الخلافة في ولده عبد الله بن الحارثية - قلت : وهو السفاح - وسلم إليه كتبَ الدعاة وأوقفه على ما يعمل بالحُمَيمة، هكذا قال الطبري ، ولم يذكر إبراهيم الإمام ، وجميعُ المؤرخين اتفقوا على إبراهيم ، إلا أنه ما تم له الأمر ، والله أعلم . ٥٦٩ البخاري أبو عبد الله محمد بن أبي الحسن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن الأحنف يَزْذِ بِه [وقال ابن ماكولا: هو يزدزبه] الجُعْفي بالولاء، البخاري الحافظ ١ إلى هنا تنتهي الترجمة في جميع النسخ ما عدا ر . ٢ هذا النص نقل في المختار عند الحديث السابق عن أبي هاشم . ٥٦٩ - ترجمته في تاريخ بغداد ٢: ٤ - ٣٦ وطبقات السبكي ٢: ٢ وطبقات الحنابلة ١ : ٢٧١ والوافي ٣ : ٢٣٢ وتذكرة الحفاظ : ٥٥٥ وتهذيب التهذيب ٩: ٤٧ والشذرات ٢: ١٣٤. ١٨٨ الإمام في علم الحديث ، صاحب الجامع الصحيح والتاريخ ؛ رحَل في طلب الحديث إلى أكثر محدثي الأمصار ، وكتب بخراسان والجبال ومدن العراق والحجاز والشام ومصر، وقدم بغداد، واجتمع إليه أهلها واعترفوا بفضله وشهدوا بتفرّده في علم الرواية والدراية ؛ وحكى أبو عبد الله الحميدي في كتاب ((جذوة المقتبس)) والخطيب في ((تاريخ بغداد))١ أن البخاري لما قدم بغداد سمع به أصحابُ الحديث ، فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها وجعلوا مَتنَ هذا الإسناد لإسناد آخر، ودفعوا إلى عشرة أنفس إلى كل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس يُلقُون ذلك على البخاري ، وأخذوا الموعد للمجلس، فحضر المجلسَ جماعةٌ من أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرها ومن البغداديين ، فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب إليه واحد من العشرة ، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث ، فقال البخاري : لا أعرفه ، فسأله عن آخر فقال : لا أعرفه ؛ فما زال يلقي عليه واحداً بعد واحد حتى فرغ من عشرته ، والبخاري يقول : لا أعرفه ؛ فكان الفقهاء٢ ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون : الرجل فهم ، ومن كان منهم ضدَّ ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم . ثم انتدب رجل آخر من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة ، فقال البخاري : لا أعرفه ؛ فسأله عن آخر فقال : لا أعرفه ؛ فلم يزل يلقي عليه واحداً بعد واحد حتى فرغ من عشرته ، والبخاري يقول : لا أعرفه ؛ ثم انتدب الثالث والرابع إلى تمام العشرة حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة ، والبخاري لا يزيدهم على قوله : لا أعرفه ؛ فلما علم البخاري أنهم فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال: أما حديثك الأوّل فهو كذا، وحديثك الثاني فهو كذا، والثالث والرابع على الولاء، حتى أتى على تمام العشرة، فردًّ كلَّ متنٍ إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين كذلك، ورد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها وأسانيدها إلى متونها ، فأقر له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل . ١ الجذوة: ١٢٨ وتاريخ بغداد ٢ : ٢٠. ٢ الجذوة : العلماء ؛ المختار : الفهماء . ١٨٩ وكان ابن صاعد إذا ذكره يقول : الكبش النطاح ؛ ونقل عنه محمد بن يوسف الفرَبْري أنه قال : ما وضعت في كتابي الصحيح حديثاً إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين . وعنه أنه قال : صنفت كتابي الصحيح لست عشرة سنة ، خرجته من ستمائة ألف حديث ، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله عز وجلّ . وقال الفرَبْري : سمع صحيح البخاري تسعون ألف رجل ، فما بقي أحد يروي عنه غيري . وروى عنه أبو عيسى الترمذي . وكانت ولادته يوم الجمعة بعد الصلاة ، لثلاث عشرة ، وقيل لاثنتي عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة ، وقال أبو يعلى الخليلي في كتاب ((الإرشاد)): إن ولادته كانت لاثنتي عشرة ليلة خلت من الشهر المذكور . وتوفي ليلة السبت بعد١ صلاة العشاء ، وكانت ليلة عيد الفطر، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر ، سنة ست وخمسين ومائتين بخَرْتَنْك ، رحمه الله تعالى . وذكر ابن يونس في ((تاريخ الغرباء)) أنه قدم مصر وتوفي بها، وهو غلط ، والصواب ما ذكرناه هاهنا رحمه الله تعالى. وكان خالد بن أحمد بن خالد الذهلي٢ أمير خراسان قد أخرجه من بخارى إلى خَرْتَنْك، ثم حج خالد المذكور فوصل إلى بغداد فحبسه الموفق بن المتوكل أخو المعتمد الخليفة ، فمات في حبسه . وكان شيخاً نحيف الجسم ، لا بالطويل ولا بالقصير . [وقد اختلف في اسم جده، فقيل إنه يزذبه - بفتح الياء المثناة من تحتها وسكون الزاي وكسر الذال المعجمة وبعدها باء موحدة ثم هاء ساكنة ، وقال أبو نصر بن ماكولا في كتاب ((الإكمال))٣: هو يَزْدِزبه - بدال وزاي وباء معجمة بواحدة - والله أعلم، وقال غيره : كان هذا الجد مجوسياً مات على دينه ، وأول من أسلم منهم المغيرة ، ووجدته في موضع آخر عوض يزذبه الأحنف ولعل يزذبه كان أحْنَفَ الرّجل، والله أعلم] . ....... ........ ١ المختار : عند . ٢ انظر قصة هذا الأمير مع البخاري في تاريخ بغداد. ٢ : ٣٣. ٣ الاكمال ١ : ٢٥٩ وفيه : بردز به . ١٩٠ 7 والبخاري : بضم الباء الموحدة وفتح الخاء المعجمة وبعد الألف راء ، هذه النسبة إلى بخارا، وهي من أعظم مدن ما وراء النهر ، بينها وبين سَمَرْقَنْدَ مسافة ثمانية أيام . وخَرْتَنْك: بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء وفتح التاء المثناة من فوقها وسكون النون وبعدها كاف، وهي قرية من قرى سَمَرْقَنْد . وقد سبق الكلام على الجُمْفي١؛ ونسبة البخاري إلى سعيد بن جعفر الجعفي والي خراسان ، وكان له عليهم الولاء فنسبوا إليه . ٥٧٠ ابن جرير الطبري أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد ، الطَّبَري ، وقيل يزيد بن كثير ابن غالب ؛ صاحب التفسير الكبير والتاريخ الشهير ، كان إماماً في فنون كثيرة منها التفسير والحديث والفقه والتاريخ وغير ذلك، وله مصنفات مليحة في فنون عديدة تدل على سعة علمه وغزارة فضله، وكان من الأئمة المجتهدين، لم يقلد أحداً، وكان أبو الفرج المعافى بن زكرياء النهرواني المعروف بابن طرارا على مذهبه - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - . وكان ثقة في نقله ، وتاريخه أصح التواريخ وأثبتها، وذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في ((طبقات الفقهاء))٢ في جملة المجتهدين، ورأيت في بعض ١ انظر ج ١ : ١٢٣ . ٥٧٠ - ترجمته في تاريخ بغداد ٢ : ١٦٢ ومعجم الأدباء ١٨: ٤٠ وتذكرة الحفاظ : ٧١٠ وميزان الاعتدال ٣: ٤٩٨ وطبقات السبكي ٢: ١٣٥ ولسان الميزان ٥ : ١٠٠ وغاية النهاية ٢: ١٠٦ والشذرات ٢: ٢٦٠ . ٢ طبقات الفقهاء : ٩٣ . ١٩١ المجاميع هذه الأبيات منسوبة إليه ، وهي : إذا أعْسَرْتُ لم يَعْلَم شقيقي وأستغني فيستغني صديقي ورفقي في مطالبتي رفيقي حيائي حافظٌ لي ماءَ وجهي لكنت إلى الغِنى سَهْلَ الطريق ولو أني سمَحْتُ ببذل وجهي وكانت ولادته سنة أربع وعشرين ومائتين ، بآمل طبرستان ؛ وتوفي يوم السبت آخر النهار ، ودفن يوم الأحد في داره ، في السادس والعشرين من شوال سنة عشر وثلثمائة ببغداد ، رحمه الله تعالى١. ورأيت بمصر في القرافة الصغرى عند سَفْح المقطم قبراً يُزار، وعند رأسه حجر عليه مكتوب ((هذا قبر ابن جرير الطبري )) والناس يقولون: هذا صاحب التاريخ ، وليس بصحيح ، بل الصحيح أنه ببغداد، وكذلك قال ابن يونس في ((تاريخ مصر)) المختص بالغرباء: إنه توفي ببغداد . وأبو بكر الخوارزمي الشاعر المشهور ابن أخته - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى ؛ وقد سبق الكلام على الطبري . ١ كتب بهامش ن التعليق التالي : هو الإمام البارع في أنواع العلوم أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ، له كتاب التاريخ المشهور وكتاب التفسير لم يصنف أحد مثله ، وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة ، قال الخطيب : سمعت علي بن عبد الله السمسار يحكي أن محمد بن جرير مكث أربعين سنة يكتب في كل يوم أربعين ورقة . توفي في وقت المغرب ليلة اثنين ليومين بقيا من شوال سنة عشر وثلثمائة وكأن مولده في آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وعشرين ومائتين ؛ واجتمع عليه من لا يحصيهم عدداً إلا اللّه تعالى ، وصلي على قبره عدة شهور ليلا ونهاراً ، وزاره خلق كثير من أهل الدرس والأدب ورثاه ابن الأعرابي وابن دريد وغيرهما ؛ والطبري نسبته إلى طبرستان ، وأما الطبراني فإن نسبته إلى طبرية . ١٩٢ ٥٧١ محمد بن عبد الحكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين [ابن لَيْث بن رافع]١ المصري الفقيه الشافعي ؛ سمع من ابن وَهْب وأشهب من أصحاب الإمام مالك ، فلما قدم الإمام الشافعي ، رضي الله عنه ، مصر صحبه وتفقه به، وحمل في المحنة إلى بغداد إلى القاضي أحمد بن أبي دُواد الإيادي - المقدم ذكره٢ - فلم يُجِب إلى ما طلب منه فرد إلى مصر ؛ وانتهت إليه الرياسة بمصر . وكانت ولادته سنة اثنتين وثمانين ومائة . وتوفي يوم الأربعاء لليلة خلت من ذي القعدة ، وقيل منتصفه ، سنة ثمان وستين ومائتين، وقبره فيما يذكر مع قبر أبيه وأخيه عبد الرحمن - وقد سبق ذكر ذلك٣ - وهما إلى جانب الإمام الشافعي ؛ وقال ابن قانع : توفي سنة تسع وستين بمصر ، رحمه الله تعالى . روى عنه أبو عبد الرحمن النّسائي في سُنَنه. وقال المُزَني: كنا نأتي الشافعي نسمع منه ، فنجلس على باب داره ، ويأتي محمد بن عبد الله بن عبد الحكم فيصعد إليه؛ ويُطيل المكث، وربما تغدّى معه ثم نزل° ، فيقرأ علينا الشافعي ، فإذا فرغ من قراءته قرب إلى محمد دابته فركبها ، وأتبعه الشافعي ..... ........... ٥٧١ - ترجمته في طبقات الشيرازي : ٩٩ والوافي ٣ : ٣٣٨ والانتقاء : ١١٣ وميزان الاعتدال ٣ : ٦١١ والديباج المذهب: ٢٣٠ وطبقات السبكي ١: ٢٢٣ وحسن المحاضرة ١ : ١٢٤ والشذرات ٢: ١٥٤ وطبقات الحسيبي: ٧ وطبقات العبادي: ٢٠ وعبر الذهبي ٢: ٣٨. ١ زيادة من ر . ٢ انظر جـ ١ : ٨١ . ٣ = ٣: ٣٥ (الترجمة رقم: ٣٢٣). ٤ المختار : فيصعد به . ٥ ل س : ينزل . ١٣ - ٤ ١٩٣ بصرَهُ ، فإذا غاب شخصه قال: وددت لو أن لي ولداً مثله وعليّ ألف دينار لا أجد لها قضاء . وحكي عن محمد المذكور أنه قال: كنت أتردَّدُ إلى الشافعي ، فاجتمع قوم من أصحابنا إلى أبي ، وكان على مذهب الإمام مالك - وقد سبق ذكره في العَبادلة١ - فقالوا: يا أبا محمد، إن محمداً ينقطع إلى هذا الرجل ويتردّد إليه فيرى الناس أن هذا رغبة عن مذهب أصحابه ، فجعل أُبي يُلاطفهم ويقول : هو حَدَث ويحب النظر في اختلاف أقاويل الناس ومعرفة ذلك ، ويقول لي في السر : يا بني ، الزم هذا الرجل، فإنك لو جاوزت هذا البلد فتكلمت في مسألة فقلت فيها : قال أشهب، لقيل لك : مَنْ أشهب ؟ قال : فلزمت الشافعي ، وما زال كلام والدي في قلبي حتى خرجت إلى العراق فكلمني القاضي بحضرة جلسائه في مسألة فقلت فيها: ((قال أشهب عن مالك)) فقال : ومَن أشهب ؟ وأقبل على جلسائه فقال لبعضهم كالمنكر : ما أعرف أشهب ولا أبلق . وأخباره كثيرة٢ . وذكره القُضاعي في كتاب ((خطط مصر)) قال: ومحمد هذا هو الذي أحضره أحمد بن طولون في الليل إلى حيث سقايته بالمعافر لما توقف الناس عن شرب مائها والوضوء به، فشرب منه وتوضأ ، فأعجب ذلك ابن طولون، وصرفه لوقته ووجّه إليه بصِلَة، والناس يقولون: إنه المزني، وليس بصحيح، والله أعلم. : + ١ = ٣ : ٣٤ ٠ ٢ إلى هنا تنتهي الترجمة في س ل لي ت بر. ١٩٤ . ٥٧٢ الترمذي أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر ، الترمذي الفقيه الشافعي ؛ لم يكن للفقهاء الشافعية في وقته أرأس منه ولا أورع ولا أكثر تقللا، وكان يسكن بغداد ، وحدث بها عن يحيى بن بكير المصري ويوسف بن عدي وكثير بن يحيى وغيرهم . وروى عنه أحمد بن کامل القاضي وعبد الباقي بن قانع وغيرهما. و کان ثقة من أهل العلم والفضل والزهد في الدنيا . قال أبو الطيب أحمد بن عثمان السمسار والد أبي حَقْص عمر بن شاهين: حضرت عند أبي جعفر الترمذي فسأله سائل عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا )) فالنزول كيف يبقى فوقه علو ؟ فقال أبو جعفر : النزول معقول والكيف مجهول ، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة . وكان من التقلل في المطعم على حالةٍ عظيمةٍ فقراً وورعاً وصبراً على الفقر؟ • أخبر محمد بن موسى بن حماد أنه أخبره أنه تَقَوَّتَ في سبعة عشر يوماً خمس حبات، أو قال ثلاث١ حبات، قال: قلت: كيف عملت؟ فقال: لم يكن عندي غيرها فاشتريت بها لفتاً ، فكنت آكل كل يوم واحدة . وذكر أبو إسحاق الزجاج النحوي أنه كان يُجْرى عليه في كل شهر أربعة دراهم ، وكان لا يسأل أحداً شيئاً . وكان يقول : تفقهت على مذهب أبي حنيفة ، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد المدينة عام حججت فقلت : يا رسول الله ، قد تفقهت بقول أبي حنيفة ، أفاخذ به ؟ قال : لا ، فقلت : آخذ بقول مالك بن أنس ؟ فقال : ٥٧٢ - ترجمته في طبقات الشيرازي: ١٠٥ وتاريخ بغداد ١: ٣٦٥ والوافي ٢: ٧٠ وطبقات ٠ السبكي ١: ٢٨٨ وعبر الذهبي ٢: ١٠٣ والشذرات ٢: ٢٢٠ وطبقات الحسيبي : ١٠ ١ ر والمختار: بخمس ... بثلاث. وطبقات العبادي : ٥٦ . ١٩٥ خذ منه ما وافق سنتي ، قلت : فآخذ بقول الشافعي ؟ فقال : ما هو بقوله ، إلا أنه أخذ بسنتي ورَدَّ على من خالفها، قال: فخرجت في أثر هذه الرؤيا إلى مصر ، وكتبت كتب الشافعي . وقال الدارقطني : هو ثقة مأمون ناسك، وكان يقول : كتبت الحديث تسعاً وعشرين سنة . وكانت ولادته في ذي الحجة سنة مائتين ، وقيل سنة عشر ومائتين . وتوفي لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم سنة خمس وتسعين ومائتين ، ولم يغير شَيْبَه ، وكان قد اختلط في آخر عمره اختلاطاً عظيماً ، رحمه الله تعالى . وقال السمعاني في نسبة الترمذي١: هذه النسبة إلى مدينة قديمة على طرف نهر بَلْخ الذي يقال له جيحون، والناس مختلفون في كيفية هذه النسبة: بعضهم يقول بفتح التاء ثالث الحروف، وبعضهم يقول بضمها، وبعضهم يقول بكسرها، والمتداول على لسان أهل تلك المدينة بفتح التاء وكسر الميم ، والذي كنا نعرفه قديماً كسر التاء والميم جميعاً، والذي يقوله المتنوّقُون٢َ وأهل المعرفة٣ بضم التاء والميم، وكل واحد يقول معنَى لما يدّعيه ، هذا كله كلام السمعاني ، والله أعلم بالصواب . وسألت من رآها : هل هي في ناحية خوارزم أم في ناحية ما وراء النهر ؟ فقال : بل هي في حساب ما وراء النهر في ذلك الجانب . ١ الأنساب ٣ : ٤١ . ٢ الأنساب : المتوقون ؛ ر : المتقنون . ٣ ر : وأهل العلم والمعرفة . ١٩٦ ٥٧٣ ابن الحداد المصري أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر الكناني ، المعروف بابن الحداد ، الفقيه الشافعي المصري؛ صاحب كتاب (( الفروع)) في المذهب وهو كتاب صغير الحجم كثير الفائدة ، دَقَّق في مسائله غاية التدقيق ، واعتنى بشرحه جماعة من الأئمة الكبار: شرحه القَفّال المروزي شرحاً متوسطاً ليس بالكبير، وشرحه القاضي أبو الطيب الطبري في مجلد كبير ، وشرحه الشيخ أبو علي السِّنْجي شرحاً تاماً مستوفى أطال فيه، وهو أحسن الشروح . وكان ابن الحداد المذكور قد أخذ الفقه عن أبي إسحاق المروزي ، وقال صاحبنا عماد الدين بن باطيش في كتابه الذي وضعه على ((المهذب )) وفي طبقات الفقهاء : إنه من أعيان أصحاب إبراهيم المُزَني، وقد وهم فيه ، فإن ابن الحداد ولد في السنة التي توفي فيها المزني. وقال القضاعي في كتاب ((خطط مصر)» إنه ولد في اليوم الذي مات فيه المزني رحمه الله تعالى ، فكيف يمكن أن يكون من أصحابه ؟ وإنما نبهت على ذلك لئلا يظن ظان أن هذا غلط ، وذلك الصواب ، ونسب إليه أيضاً الأبيات الذالية التي ذكرتها في ترجمة ظافر الحداد الإسكندري، وقد سبق الكلام عليها في ترجمة ظافر١ . وكان ابن الحداد فقيهاً محققاً غَوّاصاً على المعاني، تولى القضاء بمصر والتدريس وكانت الملوك والرعايا تُكرمه وتعظمه٣ وتقصده في الفتاوى والحوادث ، وكان ٥٧٣ - ترجمته في طبقات الشيرازي: ١١٤ وطبقات السبكي ٢: ١١٢ والوافي ٢ : ٦٩ والنجوم الزاهرة ٣ : ٣٠٢ وحسن المحاضرة ١٢٦:١ وطبقات الحسيبي: ٢١ والشذرات ٢ : ٣١٧ وعبر الذهبي ٢ : ٢٦٤ وطبقات العبادي : ٦٥ . ١ = ٢ : ٥٤٠ ٠ ٢ ت : متحققاً . ٣ ن : تعظمه وتكرمه . ١٩٧ يقال في زمنه : عجائب الدنيا ثلاث : غضب الجلاد ، ونظافة السماد ، والرد على ابن الحداد . وكانت ولادته لست بقين من شهر رمضان ، سنة أربع وستين ومائتين؛ وتوفي سنة خمس وأربعين وثلثمائة، وقال السمعاني: سنة أربع وأربعين، والله أعلم بالصواب . وحدث عن أبي عبد الرحمن النسائي وغيره رحمهم الله أجمعين؛ وذكر القضاعي في كتاب ((خطط مصر)) أن ابن الحداد المذكور توفي عند مُنْصَرَفه من الحج ، سنة أربع وأربعين وثلاثمائة بمنية١ حرب على باب مدينة مصر ، وقيل في موضع القاهرة . وكان متصرفاً في علوم كثيرة من علوم القرآن الكريم والفقه والحديث والشعر وأيام العرب والنحو واللغة وغير ذلك، ولم يكن في زمانه مثله، وكان محبباً إلى الخاص والعام ، وحضر جنازته الأمير أبو القاسم أنوجور ابن الإخشيد وكافور وجماعة من أهل البلد ، وله تسع وسبعون سنة وأربعة أشهر ويومان٢، رحمه الله تعالى٣ . والحداد : بفتح الحاء المهملة وتشديد الدال ثم دال بعد ألف ، وكان أحد أجداده يعمل الحديد ويبيعه فنسب إليه . ....... ١ المختار : بمنشية حرب . ٢ ر : يوم وفاته . ٣ وذكر القضاعي ... تعالى: ورد في ن ر ، وبإيجاز يسير في المختار. ١٩٨ ٥٧٤ أبو بكر الصير في أبو بكر محمد بن عبد الله ، المعروف بالصَّيْرَ في ، الفقيه الشافعي البغدادي ؛ كان من جملة الفقهاء، أخذ الفقه عن أبي العباس بن سُرَيج، واشتهر بالحِذْقِ في النظر والقياس وعلوم الأصول، وله في أصول الفقه كتاب لم يسبق إلى مثله . حكى أبو بكر القفال في كتابه الذي صنفه في الأصول أن أبا بكر الصير في كان أعلم الناس بالأصول بعد الشافعي، وهو أول من انتدب من أصحابنا للشروع في علم الشروط، وصنف فيه كتاباً أحسن فيه كل الإحسان . وتوفي يوم الخميس لثمان بقين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاثين وثلثمائة ، رحمه الله تعالى. والصَّيْرَ في: بفتح الصاد المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الراء وبعدها فاء ، هذه النسبة مشهورة لمن١ يصرف الدنانير والدراهم، وإنما قصدت بذكرها ضبطها وتقييدها، فقد رأيت كثيراً من الناس ينطقون بكسر الصاد والراء . ٥٧٤ - ترجمته في الفهرست: ٢١٣ وتاريخ بغداد ٥: ٤٤٩ وطبقات الشيرازي: ١١١ والوافي ٣ : ٣٤٦ وطبقات السبكي ٢: ١٦٩ وطبقات العبادي: ٦٩ وعبر الذهبي ٢: ٢٢١ والشذرات ٢ : ٣٢٥ وحسن المحاضرة ١: ١٢٥ وطبقات الحسيبي: ١٨؛ وقد تأخرت هذه الترجمة في ر عن الترجمة التالية . ١ ر : هي مشهورة لمن ؛ ن : إلى من . ١٩٩ ٥٧٥ القفال الشاشي أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل ، القَفّال الشاشي الفقيه الشافعي ؛ إِمام عصره بلا مدافعة ، كان فقيهاً محدثاً أصولياً لغوياً شاعراً ، لم يكن بما وراء النهر للشافعيين مثله في وقته ، رحل إلى خراسان والعراق والحجاز والشام والثغور ، وسار ذكره في البلاد ، وأخذ الفقه عن ابن سُرَيج ، وله مصنفات كثيرة ، وهو أول من صنف الجدل الحسن من الفقهاء ، وله كتاب في أصول الفقه ، وله شرح الرسالة ، وعنه انتشر مذهب١ الشافعي في بلاده ، وروى عن محمد بن جرير الطبري وأقرانه ، وروى عنه الحاكم أبو عبد الله وأبو عبد الله ابن مَنْدَه وأبو عبد الرحمن السلمي وجماعة كثيرة . وهو والد القاسم صاحب كتاب ((التقريب)) الذي ينقل عنه في ((النهاية)) و((الوسيط)) و((البسيط)). وقد ذكره الغزالي في الباب الثاني من كتاب الرهن ، لكنه قال : أبو القاسم ، وهو غلط، وصوابه: القاسم. وقال العجلي في ((شرح مشكلات الوجيز والوسيط)) في الباب الثالث من كتاب التيمم: إن صاحب («التقريب)) هو أبو بكر القفال، وقيل إنه ابنه القاسم، ثم قال: فلهذا يقال: صاحب ((التقريب)) على الإبهام. قلت : ورأيت في شوال سنة خمس وستين وستمائة ، في خزانة الكتب بالمدرسة العادلية بدمشق المحروسة كتاب (( التقريب)) في ست مجلدات ، وهي من حساب عشر مجلدات ؛ وكتب عليه بأنه تصنيف أبي الحسن القاسم ابن أبي بكر القفال الشاشي ، وقد كانت النسخة المذكورة للشيخ قطب الدين مسعود ٥٧٥ - ترجمته في الفهرست: ٢١٥ وطبقات الشيرازي: ١١٢ والوافي ٤ : ١١٢ واللباب : ( الشاشي) وطبقات السبكي ٢: ١٧٦ والشذرات ٣: ٥١ وطبقات الحسيبي : ٢٧ وطبقات العبادي: ٩٢ وعبر الذهبي ٢ : ٣٣٨. ١ الشيرازي : فقه . ٢٠٠