Indexed OCR Text

Pages 141-160

٥٥٢
مجد الدين ابن الأثير الجزري
أبو السعادات المبارك بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد
الشيباني ، المعروف بابن الأثير الجزري ، الملقب مجد الدين .
قال أبو البركات ابن المستوفي في ((تاريخ إربل)) في حقه: أشهر العلماء ذكراً،
وأكبر النبلاء قدراً ، وأحد الأفاضل المشار إليهم ، وفرد الأماثل المعتمد في
الأمور عليهم ، أخذ النحو عن شيخه أبي محمد سعيد بن المبارك الدهان - وقد
سبق ذكره١ - وسمع الحديث متأخراً ، ولم تتقدم روايته .
وله المصنفات البديعة والرسائل الوسيعة، منها: ((جامع الأصول في أحاديث
الرسول)) جمع فيه بين الصحاح الستة، وهو على وضع كتاب رُزَين ، إلا أن
فيه زيادات كثيرة عليه، ومنها كتاب ((النهاية في غريب الحديث )) في خمس
مجلدات، وكتاب (( الإنصاف في الجمع بين الكشف والكشاف)) في تفسير القرآن
الكريم ، أخذه من تفسير الثعلبي والزمخشري، وله كتاب (( المصطفى والمختار
في الأدعية والأذكار)) وله كتاب لطيف في صنعة الكتابة، وكتاب («البديع
في شرح الفصول في النحو لابن الدهان)» وله ديوان رسائل، وكتاب٢ ((الشافي
في شرح مسند الإمام الشافعي )» وغير ذلك من التصانيف٣ .
وكانت ولادته بجزيرة ابني عمر في أحد الربيعين سنة أربع وأربعين وخمسمائة
ونشأ بها ، ثم انتقل إلى الموصل [في سنة خمس وستين وخمسمائة ثم عاد إلى
الجزيرة ثم عاد إلى الموصل وتنقل في الولايات بها]٤ واتصل بخدمة الأمير مجاهد
٥٥٢ - ترجمته في انباه الرواة ٣ : ٣ : ٢٥٧ وذكر المحقق في الحاشية مصادر أخرى .
١ انظر ج ٢ : ٣٨٢.
٢ ر س : وله كتاب .
٣ ن : المصنفات .
٤ زيادة من ل وبعضه في المختار .
١٤١

الدين قايماز بن عبد الله الخادم الزيني - المقدم ذكره في حرف القاف١ - وكان
نائب المملكة ، فكتب بين يديه منشئاً إلى أن قبض عليه - كما سبق ذكره -
فاتصل بخدمة عز الدين مسعود بن مودود صاحب الموصل وتولى ديوان رسائله
وكتب له إلى أن توفي ، ثم اتصل بولده نور الدين أرسلان شاه - وقد سبق
ذكره٢ - فحظي عنده وتوفرت حرمته لديه وكتب له مدة .
ثم عرض له مرض كف يديه ورجليه فمنعه من الكتابة مطلقاً ، وأقام في
داره يغشاه الأكابر والعلماء، وأنشأ رباطاً بقرية من قرى الموصل تسمى ((قصر
حرب)) ووقف أملاكه عليه وعلى داره التي كان يسكنها بالموصل٣، وبلغني أنه
صنف هذه الكتب كلها في مدة العطلة ، فإنه تفرغ لها ، وكان عنده جماعة
يعينونه عليها في الاختيار٤ والكتابة .
وله شعر يسير، من ذلك ما أنشده للأتابك صاحب الموصل وقد زَلْتْ
به بغلته :
إن زلْتِ البغلة من تَحْتِهِ فإن في زلتها عذرا
حمّلها من علمه شاهقاً ومِنْ نَدَى راحته بجرا
وهذا معنى مطروق وقد جاء في الشعر كثيراً .
وحكى أخوه عز الدين أبو الحسن علي أنه لما أُفْعِدَ جاءهم رجل مغربي ،
والتزم أنه يداويه ويبرئه مما هو فيه، وأنه لا يأخذ أجراً إلا بعد برئه ، فملنا°
إلى قوله ، وأخذ في معالجته بدهن صنعه ، فظهرت ثمرة صنعته ولانت رجلاء
وصار يتمكن من مدهما ، وأشرف على كمال البرء فقال لي : أعط هذا المغربي
شيئاً يرضيه واصرفه فقلت له : لماذا وقد ظهر نُجْح معاناته٦ ؟ فقال: الأمر
٢ ج ١ : ١٩٣ ٠
١ انظر ما تقدم ص : ٨٢ .
٣ ل لي بر : في الموصل .
٤ ر : الاختيارات .
٥ س ل لي بر : قال فملنا .
٦ س ر والمختار : معافاته .
١٤٢

كما تقول ، ولكني في راحة مما كنت فيه من صحبة هؤلاء القوم والالتزام
بأخطارهم١: وقد سكنت روحي إلى الانقطاع والدعة، وقد كنت بالأمس وأنا
معافى أذل نفسي بالسعي إليهم ، وها أنا اليوم قاعد في منزلي ، فإذا طرأت لهم
أمور ضرورية جاءوني بأنفسهم لأخذ رأيي ، وبين هذا وذاك كثير ، ولم يكن
سبب هذا إلا هذا المرض ، فما أرى زواله ولا معالجته ، ولم يبق٢ من العمر إلا
القليل ، فدعني أعيش٣ باقيهُ حراً سليماً من الذل وقد أخذت منه بأوفر حظ،
قال عز الدين : فقبلت قوله وصرفت الرجل بإحسان .
وكانت وفاة مجد الدين المذكور بالموصل ، يوم الخميس٤ سلخ ذي الحجة سنة
ست وستمائة ، ودفن برباطه بدرب دراج داخل البلد ، رحمه الله تعالى . وقد
سبق ذكر أخيه عز الدين علي٦، وسيأتي ذكر أخيه ضياء الدين نصر الله ، إن
شاء الله تعالى٢ .
وجزيرة ابني عمر : مدينة فوق الموصل على دجلتها ، سميت جزيرة لأن
دجلة محيطة بها ، قال الواقدي : بناها رجل من أهل بَرْقَعِيدَ يقال له عبد
العزيز بن عمر .
..........
١ ن : والالزام بإحضارهم .
٢ س : ولا يبقى .
٣ س لي بر : أعش .
٤ ن : الاثنين .
٥ بر : الموصل .
٦ انظر = ٣ : ٣٤٨.
٧ هنا تنتهي الترجمة في ن س لي ت بر؛ والتعريف بجزيرة ابني عمر قد مر مفصلا في الترجمة رقم:
٤٦٠ (جـ ٣: ٣٤٨)؛ وترد في النسخ ما دا بر ((جزيرة ابن عمر)).
١٤٣

٥٥٣
المبارك بن منقذ
أبو الميمون المبارك بن كامل بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني، الملقب
سيف الدولة مجد الدين ؛ كان من أمراء الدولة الصلاحية ، وشادًّ الديوان بالديار
المصرية ، وهو من بيت كبير - وقد سبق ذكر جده سديد الدولة علي ، وابن
عمه أسامة بن مرشدا .
ولما سيّر السلطان صلاح الدين أخاه شمس الدولة توران شاه - المقدم ذكره٢-
إلى بلاد اليمن وتملكها رتب ابن منقذ المذكور نائباً عنه في زبيد ، ولما رجع
شمس الدولة إلى الشام فارق ابن منقذ اليمن واستناب أخاه حطان باذن شمس
الدولة ، ووصل إلى دمشق ، ثم رجع شمس الدولة إلى مصر وابنُ منقذ معه ،
وقيل لصلاح الدين عنه : إنه قتل جماعة من أهل اليمن وأخذ أموالهم ، فلما
مات شمس الدولة حبسه صلاح الدين ، وأخذ منه ثمانين ألف دينار وعروضاً
بعشرين ألف دينار، وذلك في سنة سبع وسبعين وخمسمائة، ثم توجه سيف الإسلام
طفتكين - المقدم ذكره - إلى اليمن فتحصن حطان في بعض القلاع ، فاستنزله
بالمهادنة والخداع ، وقبض عليه واستصفى أمواله ، وسجنه في بعض القلاع ،
وكان آخر العهد به ، ويقال إنه قتله ، وقيل إنه أخذ منه سبعين غلاف زردية
مملوءة ذهباً ، والله أعلم٣ .
ولم يزل سيف الدولة المذكور مقدماً في الدولة كبير القدر نبيه الذكر رئيساً
عالي الهمة ، وكانت فيه فضيلة وكان يحب أربابها ، ومدحه جماعة من مشاهير
٥٥٣ - في الروضتين ومرآة الزمان طرف من أخباره ، وانظر النجوم الزاهرة ٦ : ٧٩ .
١ انظر ج ٣ : ٤٠٩، = ١ : ١٩٥ .
٢ انظر ج ١ : ٣٠٦ .
٣ ولما سير السلطان ... أعلم : لم يرد إلا في ل .
١٤٤

الشعراء ، ومن جملة مداحه القاضي الوجيه رضي الدين أبو الحسن علي بن أبي
الحسن يحيى بن الحسن بن أحمد المعروف بابن الذَّرَوي١ مدحه بقصيدته الذالية
التي سارت مسير المثل ، وأولها :
لكَ الخيرِ عَرْج بي على رَبَعِهِمْ فَذِي ربوعٌ يفوحُ المسك من عَرْفِها الشَّذي
وذا، يا كليمَ الشوق، وادٍ مقدّسٌ لدى الحِبّ فاخلع لَيْسَ يمشيه محتذي
ومن جملتها٢ :
وبي ظبي إنسٍ كمّلَ الله حسنه وقال لأفواه الخلائق عَوّذي
رطيب وأبدى شارباً من زمرة
إذا أخذوا في عذلهم كل مأخذ
به كمداً يا رب لا عرفوا٣ الذي
جواداً إذا ما قال ماتٍ يَقُلْ خُذٍ
يكلفه طول السفار وقد حذي؛
جلا تحت ياقوتِ اللَّمَى ثغر جوهر
ولي عُدَّلٌ أبدي التشاغل عنهم
يقولون من هذا الذي مُتَّ في الهوى
ورُبّ أديب لم يجد في ارتحاله
أقول له إذ قام يرحل مصعباً
مبارك وفد العيس باب مبارك وهل منقذ القصاد إلا ابن منقذ
ومن مديحها وفيه صناعة بديعة :
وألين عند السلم من بطن حَيّة وأخشن يوم الروع من ظهرْ قنفُذٍ
وهي قصيدة نفيسة اقتصرت منها على هذه الأبيات حذراً من التطويل .
ولأبي الميمون المذكور شعر ، فمن ذلك توله في البراغيث :
١ بر : بالذروي .
٢ ن لي: ومنها.
٣ ن ل لي : لا علموا .
٤ سقط البيت من ن .
٥ بر : مس .
١٠ - ٤
١٤٥

ومعشر يستحل الناسُ قتلهمُ كما استحلوا دَمَ الحجاج في الحرَمِ
يداي من دمها المسفوكِ غيرَ دمي
إِذا سفکتُ دماً منها فما سفكت
فينقضي الليل في صيدي ولسمهم١
أصطاد هذا فيبقى ذا فيلسعني
(158) هكذا رواها٢ عنه عز الدين أبو القاسم عبد الله بن أبي علي الحسين
ابن أبي محمد عبد الله بن الحسين بن رواحة بن إبراهيم بن عبد الله بن رواحة بن
عبيد بن محمد بن عبد الله بن رواحة الأنصاري الحموي. ومولد ابن رواحة بساحل
صقلية سنة ستين وخمسمائة، ومات سنة ست وأربعين وستمائة في جباب التركمان ،
المنزلة التي بين حلب وحماة، وهو راكب على الجمل، فكانت ولادته في مركب ،
ومات على جمل٣ .
وكانت ولادة سيف الدولة المذكور بقلعة شَيْزر سنة ست وعشرين وخمسمائة.
وتوفي بالقاهرة ثامن شهر رمضان يوم الثلاثاء سنة تسع وثمانين وخمسمائة رحمه
الله تعالى .
والذَرَوى: بفتح الذال المعجمة والراء وبعدها واو ، هذه النسبة إلى
ذروى وهي قرية بصعيد مصر .
١ سقط البيت من النسخ الخطية، وجميع الأبيات الميمية لم ترد في ت؛ وعند آخر هذه الأبيات
تنتهي الترجمة في المختار .
٢ س ل لي بر : رواهما .
٣ ومات سنة ... جمل: سقط من ن س في بر .
١٤٦

٥٥٤
شرف الدين ابن المستوفي
أبو البركات المبارك بن أبي الفتح أحمد بن المبارك بن موهوب بن غنيمـة بن
غالب اللخمي ، الملقب شرف الدين ، المعروف بابن المستوفي الإربلي ؛ كان رئيساً
جليل القدر كثير التواضع واسع الكرم ، لم يصل إلى إربل أحد من الفضلاء إلا
وبادر إلى زيارته وحمل إليه ما يليق بحاله ، ويقرب إلى قلبه بكل طريق ،
وخصوصاً أرباب الأدب فقد كانت سوقهم لديه نافقة . وكان جم الفضائل عارفاً
بعدة فنون ، منها الحديث وعلومه وأسماء رجاله وجميع ما يتعلق به ، كان
إماماً فيه . وكان ماهراً في فنون الأدب من النحو واللغة والعروض والقوافي
وعلم البيان وأشعار العرب وأخبارها وأيامها ووقائعها وأمثالها. وكان بارعاً في
علم الديوان وحسابه وضبط قوانينه على الأوضاع المعتبرة عندهم .
وجمع لإربل تاريخاً في أربع مجلدات، وقد أحلْتُ عليه في هذا الكتاب في
مواضع عديدة، وله كتاب (( النظام في شرح شعر المتنبي وأبي تمام)) في عشر١
مجلدات، وكتاب (( إثبات المحصل في نسبة أبيات المفصل)) في مجلدين تكلم فيه
على الأبيات التي استشهد بها الزمخشري في ((المفصل)) وله كتاب ((سر الصنعة))
وله كتاب سماه « أبا قماش )) جمع فيه أدباً كثيراً ونوادر وغيرها .
وسمعت منه كثيراً، وسمعت بقراءته على المشايخ الواردين على إربل شيئاً
كثيراً فإنه كان يعتمد القراءة بنفسه ، وله ديوان شعر أجاد فيه ، فمن شعره
بيتان فضل فيها البياض على السمرة ، وهما :
لا تخدَعَنْكَ سُمْرة غَرّارة٢ ما الحسنُ إلا للبياض وجِذِسِهِ
٥٥٤ - في مرآة الزمان : ٦٤٤ طرف من أخباره، وانظر الحوادث الجامعة : ١٣٥ وبغية الوعاة
٣٨٤ وعبر الذهبي ٥ : ١٥٥ والشذرات ٥ : ١٨٦ .
١ س ل بر : عشرة .
٢٠ ر : بعذاره .
١٤٧

فالرمحُ يقتل بعضُه من غيره والسيفُ يقتل كلُّه من نفسهِ
وقد أخذ هذا المعنى من قول أبي الندى حسان بن نمير الكلبي المعروف
بالعرقلة الدمشقي الشاعر المشهور ، وهو١ :
إن كنتَ بالأسمر الزيتي مُفْتَقِناً فسَلْ عن الأبيض الفضيِّ بلَبالي
إن كان في الرمح شِبرٌ قاتلٌ أبداً ففي المُهَنَّدِ شبرٌ غيرِ قَتَالٍ
ولما نظم شرف الدين بيتيه هذين قال بعض الأدباء : لو قال إن بعض الرمح
الذي يقتل به هو من جنس السيف كان أتم في المعنى ، فعمل بعض المتأدبين
- ولا أعلم هل هو شرف الدين نفسه أم غيره - بيتين نَبَّه فيهما على هذه
الزيادة ، وهما :
البيضُ أُقتَلُ مضرباً وبمهجتي منها الحسان
بيضٍ يُصاغ لها السنان٢
والسمرُ إن قتلت فمن
ومن أشعاره التي يتغنى بها قوله٣ :
قابلت فيها بَدْرَها بأخيهِ
یا لیلة حتى الصباح سهرتُها
عَذُبَ العتاب بها لمجتذبيه
سمح الزمان بها فكانت ليلة
ما همّهُ إِلا الحديث يَشِيه
أحييتها وأَمتُها عن حاسدٍ
جُمِعَتْ ملاحة كل شيء فيه
ومُعانِقِي حُلو الشمائل أمْيَف
بقوامِهِ متعرضاً يثنيه
يختال معتدلاً فإن عبث، الصبا
ويردني وَرَعِي فأستحييه
نشوان تهجم بي عليه صبابتي°
١ ترجمة العرقلة وأشعاره في الجريدة (قسم الشام) ١ : ١٧٨ وفي الحاشية ذكر لمصادر أخرى.
٢ ولما نظم ... السنان: سقط من جميع النسخ ما عدا ل.
٣ نر : ومن شعره الذي يغنى به ( يتغنى) .
٤ ر : لعب .
٥ ر : صبابة .
١٤٨

علقت يدي بعذاره وبخده هذا أقبله وذا أجنيه
لو لم تخالط زفرتي أنفاسه كانت تتم بنا إلى واشيه
حَسَدَ الصباحُ الليلَ لما ضمنا غيظاً ففرق بيننا داعيه
وله :
رعى الله ليلات تَقَضَتْ بقربكم قصاراً وحَيّاها الحيا وسقاها
فما قلت إيهٍ بعدَها لمسامرٍ من الناس إلا قال قليَ آها
وهذان البيتان يوجدان في أثناء قصيدة لصاحبنا الحسام الحاجري - المقدم
ذكره في حرف العين١ - لكن رأيت أكثر أصحابنا يقولون: إنهما لشرف الدين
المذكور ، والله أعلم .
وكان قد خرج من مسجد يجواره ليلاً ليجيء إلى داره فوثب عليه شخص
وضربه بسكين قاصداً فؤاده ، فالتقى الضربة بعضده فجرحته جراحة متسعة
فأحضر في الحال المزين وخاطها ومَرَّخها وقمَّطها باللفائف ، فكتب إلى الملك
المعظم مظفر الدين صاحب إربل يطالعه بما تم عليه في هذه الأبيات ، وغالب
ظني أن ذلك كان في سنة ثماني عشرة وستمائة، وأذكر القضية٢ وأنا يومئذ
صغير ، والأبيات :
يا أيها الملك الذي سَطَوَاتُهُ من فعلها يتعجَّبُ المريخ
لا ناسخ فيها ولا منسوخ
آيات جودك محكمٌ تنزيلها
أشكو إليك وما بليت بمثلها شنعاء ذكْرُ حديثها تاريخ
هي ليلة فيها ولدت وشاهدي فيما ادعيت القمط والتمريخ
وهذا معنى بديع جداً . وكان يقول : عملت في نومي بيتين وهما :
وبتنا جميعاً وبات الغيورُ يعضُّ يديه علينا حَنَقْ
١ انظر ج ٣ : ٥٠١ .
٢ ت : القصة؛ بر : القصيدة .
١٤٩

نود غراماً لَوَ أَنَّا نُباعِ سَواد الدجى بسَواد الحَدَقْ
وكان قد وصل إلى إربل بعض الشعراء وهو الشرف عبد الرحمن بن أبي
الحسن بن عيسى بن علي بن يعرب البوازيجي الشاعر في سنة ثمان وعشرين وستمائة
وشرف الدين يومئذ وزير ، فسير له مثلوماً على يد شخص كان في خدمته يقال
له الكمال بن الشعار الموصلي صاحب التاريخ١ - والمثلوم: عبارة عن دينار
تُقْطَع منه قطعة صغيرة وقد جرت عادتهم في العراق وتلك البلاد أن يفعلوا
مثل هذا ، لأنهم يتعاملون بالقطع الصغار ، ويسمونها القُراضة ، ويتعاملون
أيضاً بالمثلوم ، وهو كثير الوجود بأيديهم في معاملاتهم - فجاء الكمال إلى ذلك
الشاعر وقال له : الصاحبُ يقول لك : أنفق السّاعة هذا حتى يجهز لك شيئاً
يصلح لك ، فتوهم ذلك الشاعر أن يكون الكمال قد قرض القطعة٢ من الدينار،
وأن شرف الدين ما سيره٣ إلا كاملاً، وقصد استعلام الحال من جهة شرف
الدين ، فكتب إليه :
يا أيها المولى الوزير ومن به في الجود حقاً تُضْرَبُ الأمثال
أرسلت بدر التم عند كمالِهِ حسناً فوافى العبدَ وهو هلال
ما غاله النقصان إلا أنه بَلَغَ الكمال، كذلك الآجال
فأعجب شرف الدين بهذا المعنى وحسن الاتفاق ، وأجاز الشاعر
وأحسن إليه .
وكنت خرجت من إربل في سنة ست وعشرين وستمائة وشرف الدين مستوفي
الديوان ، والاستيفاء في تلك البلاد منزلة عليّة ، وهو تلو الوزارة ، ثم بعد
ذلك تولى الوزارة في سنة تسع وعشرين وستمائة ، وشُكرت سيرته فيها ، ولم
١ هو صاحب عقود الجمان الذي نشير إليه في التعليقات .
.
٢ ن لي : تلك القطعة .
٣ ن : أرسل .
٤ ن ر بر : هذا .
١٥٠

يزل عليها إلى أن مات مظفر الدين في التاريخ المذكور في ترجمته في حرف الكاف١
رحمه الله تعالى ، وأخذ الإمام المستنصر إربل في منتصف شوال من السنة
المذكورة فيطل شرف الدين وقعد في بيته ، والناس يلازمون خدمته على ما
بلغني ، ومكث كذلك إلى أن أخذ التَّتَر مدينة إربل في سابع عشرين شوال
سنة٢ أربع وثلاثين وستمائة، وجرى عليها وعلى أهلها ما قد اشتهر، فكان
شرف الدين في جملة من اعتصم بالقلعة وسلم منهم ، ولما انتزح التقر عن القلعة
انتقل إلى الموصل وأقام بها في حرمة وافرة ، وله راتب يصل إليه، وكان عنده
من الكتب النفيسة شيء كثير . ولم يزل على ذلك حتى توفي بالموصل يوم الأحد
خمس خلون من المحرم سنة سبع وثلاثين وستمائة ، ودفن بالمقبرة السابلة خارج
باب الجصاصة . ومولده في النصف من شوال سنة أربع وستين وخمسمائة بقلعة
إربلَ. وهو من بيت كبير كان فيه جماعة٣ من الرؤساء الأدباء. وتولى الاستيفاء
بإربل والده وعمه صفي الدين أبو الحسن علي بن المبارك .
(159) وكان عمه المذكور فاضلاً وهو الذي نقل ((نصيحة الملوك)) تصنيف
حجة الإسلام أبي حامد الغزالي من اللغة الفارسية إلى العربية ، فإن الغزالي لم
يضعها إلا بالفارسية، وقد ذكر ذلك شرف الدين في تاريخه، وكنت أسمع ذلك
أيضاً عنه أيام كنت في تلك البلاد ، وكان ذلك مشهوراً بين الناس .
(160) ولما مات شرف الدين رثاه صاحبُنا الشمس أبو العز يوسف بن النفيس
الإربلي المعروف بشيطان الشام، ومولد شيطان الشام سنة٤ ست وثمانين وخمسمائة
بإربل ، وتوفي بالموصل سادس عشر شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وستمائة ،
ودفن بمقبرة باب الجصاصة ، وفيه يقول :
أبا البركات لو دَرَتِ المنايا بأنك فرد عصرك لم تصبكا
١ انظر ما تقدم ص : ١١٣ .
٢ ت: في بعض شهور سنة؛ وفي المختار: في سابع عشر شوال سنة ... الخ.
٣ ت ر : باربل .
٤ ر : ومولده سنة .
١٥١

كفى الإسلامَ رزا فقدُ شخص عليه بأعين الثقلين يُبْكى!
ولولا خوف الإطالة لذكرت كثيراً من وقائعه وأخباره وماجراياته وتفاصيل
أحواله وما مدح به ، ولقد كان ، رحمه الله ، من محاسن وقته ، ولم يكن في
آخر الوقت في ذلك البلد مثله في فضائله ورياسته» .
وقد سبق الكلام على اللَّخْمي فلا حاجة إلى إعادته .
٥٥٥
الوجیه ابن الدهان
أبو بكر المبارك بن أبي طالب المبارك بن أبي الأزهر سعيد، الملقب الوجيه،
المعروف بابن الدهان ، النحوي الضرير الواسطي ؛ ولد ببلده ونشأ به ، وحفظ
القرآن هناك وقرأ القراءات ، واشتغل بالعلم وسمع بها من أبي سعيد نصر بن
محمد بن سالم الأديب وأبي الفرج العلاء بن علي المعروف بابن السوادي الشاعر - وقد
تقدم ذكره٣ - وغيرهما ، ثم قدم بغداد واستوطنها، وكان يسكن بالظفريّة ٤،
وجالس أبا محمد ابن الخشاب النحوي وصحب أبا البركات ابن الأنباري - المقدم
ذكرهما° - ولازم أبا البركات ، وجُلُّ ما أخذ عنه، وسمع الحديث من أبي
زُرْعَةَ طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي ، وتفقه على مذهب أبي حنيفة بعد
أن كان حنبلياً، ثم شَفَر منصب تدريس النحو بالمدرسة النظامية ، وشرط
١ هنا تنتهي الترجمة في المختار.
٢ ورياسته : سقطت من ن .
٥٥٥ - ترجمته في مرآة الزمان ٢: ٥٧٣ وانباه الرواة ٣: ٣٥٤ وفي الحاشية ثبت بمصادر أخرى .
٣ انظر ج ٣ : ٤٨١ .
٤ ر : بالظاهرية؛ والظفرية : محلة بشرقي بغداد ( ياقوت ) .
٠ ٥ انظر جـ ٣ : ٤٨١ .
١٥٢

الواقف أن١ لا يفوض إلا إلى شافعي المذهب، فانتقل الوجيه المذكور إلى مذهب
الشافعي وتولاه ، وفي ذلك يقول المؤيد أبو البركات بن زيد التكريتي٢ :
وإن كان لا تُجْدي إليه الرسائلُ
ومن مْبْلِغٌ عني الوجيهَ رسالة"
وذلك لما أعوزتك المآكل
تَمَذِهَبْتَ النعمان بعدَ ابنِ حنبلٍ
ولكنما تهوى الذي منه حاصل
وما اخترتَ قولَ الشافعي تديناً
وعما قليلٍ أنت لا شك صائرٌ إِلى مالك فافطنْ لما أنا قائل
وللوجيه المذكور تصنيف في النحو، وأقرأ القرآن الكريم كثيراً، وكان كثير
الهذر، وفيه شَرَهُ نفس وتوسع في القول، وكان كثير الدعاوى، وله شعر فمنه٣:
لستُ استقبحُ اقتضاءك بالوعِ دِ؛ وإن كنتَ سيدَ الكرماءِ
فإِلّهُ السماء قد ضَمِنَ الرز قَ عليهِ ويقتضي بالدعاءِ
وكانت ولادته سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة بواسط. وتوفي ليلة الأحد السادس
والعشرين من شعبان سنة اثنتي عشرة وستمائة ببغداد، ودفن من الغد بالوَرْدية°،
رحمه الله تعالى٦.
١ ل والمختار : أنه ؛ وسقطت من لي .
٢ هو محمد بن أحمد بن زيد التكريتي ( ذيل الروضتين: ٣٦ وفيه الأبيات).
٣ -س بر : فمنه قوله .
٤ س : للموعد ؛ لي : في الوعد ، وما هنا موافق لما في الانباه وسائر النسخ .
٥ الوردية : مقبرة ببغداد بعد باب أبرز من الجانب الشرقي قريبة من باب الظفرية ( ياقوت ).
٦ تتفق هذه الترجمة مع ما ورد في انباه الرواة في سياقها العام .
١٥٣

٥٥٦
القاضي مجلی صاحب ((الذخائر )
أبو المعالي مجلي بن جُمَّيع بن نجا ، القرشي المخزومي الأرْسُوفي الأصل ،
المصري الدار والوفاة ، الفقيه الشافعي ؛ كان من أعيان الفقهاء المشار إليهم في
وقته، وصنف في الفقه كتاب ((الذخائر)) وهو كتاب مبسوط جمع١ من المذهب
شيئاً كثيراً ، وفيه نقل غريب ربما لا يوجد في غيره ، وهو من الكتب المعتبرة
المرغوب فيها ، وتولى أبو المعالي المذكور القضاء بمصر في سنة سبع وأربعين
وخمسمائة بتفويض من العادل أبي الحسن علي بن السلار - المقدم ذكره في حرف
العين٢ - فإنه كان صاحب الأمر في ذلك الزمان ، ثم صرف٣ عن القضاء في
أوائل سنة تسع وأربعين وخمسمائة، قيل في العشر الأخير من شعبان من السنة٤.
وتوفي في ذي القعدة سنة خمسين وخمسمائة ، ودفن بالقرافة الصغرى ، رحمه
الله تعالى .
والأرسوفي : بضم الهمزة وسكون الراء وضم السين المهملة وسكون الواو
وبعدها فاء ، هذه النسبة إلى أُرْسُوف، وهي بُليدة بالشام على ساحل البحر،
كان بها جماعة من العلماء والمرابطين، وهي اليوم بيد الفرنج، خذلهم الله تعالى°.
٥٥٦ - ترجمته في طبقات السبكي ٤: ٣٠٠ وحسن المحاضرة ١ : ١٧٠ وعبر الذهبي ٤ : ١٤١
والشذرات ٤: ١٥٧ وقد رآه ابن العربي في رحلته ببيت المقدس ( انظر مجلة الأبحاث ، بيروت
١٩٦٨ ص ٥٩ - ٩١)؛ وقد أسقط صاحب المختار ترجمة مجلي وبدأ بتعريف أرسوف،
وجاء بسياق التاريخ كما ثبت في ر أيضاً .
١ ن : جمع فيه .
٢ انظر ج ٣ : ٤١٦ .
٣ ر : وقيل أنه صرف .
٤ ر : السنة المذكورة .
• إلى هنا تنتهي الترجمة في ت ن لي س بر وما بعده زيادة من هامش ل وقد ثبت أكثره في ر =
١٥٤
:

(161) قلت : ثم انتزعها السلطان الملك الظاهر ركن الدين أبو الفتح بيبرس
الصالحي النجمي من أيديهم في ثاني عشرين رجب من شهور سنة ثلاث وستين
وستمائة بعد أن ملك قيسارية وخربها وعفى آثارها مع كثير من البلاد الساحلية
التي تجاورها مثل يافا وغيرها ، فامتلكها وبقي بها بعد ذلك١.
والملك الظاهر المذكور هو أحد مماليك الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن
الملك الكامل ابن الملك العادل ابن أيوب - وسيأتي ذكر والده في محله - وتولى
المملكة بعد قتل الملك المظفر سيف الدين قطز بن عبد الله المعزي في سنة ثمان
وخمسين وستمائة ، وكان قتل المظفر وهو عائد من كسرة التتر المخذولين ، وهي
الكسرة المشهورة على عين جالوت بالقرب من بيسان ، وقتل بمنزلة القصير من
الرمل ، وتولى الظاهر بعده باتفاق الأمراء عليه وتوجَّهَ لليلته ووصل القلعة
في اليوم الثاني لمسيره ودخلها ، وكنت يومئذ بالقاهرة .
وكان ملكاً عالي الهمة شديد البأس، لم نرَ في هذا الزمان ملكاً مثله في
عزمه وهمته وسعادته ، وفتح من حصون الفرنج والإسماعيلية ما أعيا من تقدمه
من ملوك الإسلام٢ وذلك في مدة مملكته. وكسر التقر دفعات آخرها في أواخر
سنة خمس٣ وسبعين وستمائة بحدود بلاد الروم، ودخل الروم ووصل إلى قيسارية
= ووستنفيلد أيضاً وأخلت به المطبوعة المصرية ؛ وهذه الزيادة من عمل المؤلف ، وسوف
يحيل عليها في تراجم لاحقة .
١ زاد هنا في المختار قوله: ((قلت، أعني كاتبها موسى بن أحمد لطف الله به: والذي فتح الملك
الظاهر المذكور من البلاد من أيدي الفرنج ، خذلهم الله تعالى، غير أرسوف ويافا المذكورتين :
قيسارية المجاورة لأرسوف ، والقرين الحصن المقارب لعكا، وصفا والشقيف وحصن عكار
وحصن الأكراد وحلبا وعرقا والقليعات وصافيتا وأنطاكية وقصير أنطاكية ، وأغار على
طرابلس فقطع أشجار بساتينها وخرب قناتها ، وبذلك انقطع الماء عنها ، وأغار على عكا وشعث
قراها وفتك بأبطالها وأسر جماعة من ملوك البحر فيها ومن فرسانها، تغمده الله برحمته)).
٢ زاد هنا في المختار: ((قلت، أعني كاتبها موسى بن أحمد لطف الله به: ((وفتح صهيون
وبلاطنش وما جاورهما من الحصون واستقصى فتح حصون الإسماعيلية بالشام ، وفتح دنقلة
كرسي بلاد النوبة وما جاورها من بلادهم ، وفتح بلاد السيس دفعتين ، وأسر ابن ملكها ثم
من عليه من الديار المصرية ، قدس الله روحه)).
١٥٥
٣ ل : أربع .

وجلس على سرير الملك بها ثم عاد إلى دمشق وأقام بها إلى أوائل سنة ست
وسبعين وستمائة ، فتوفي بها في يوم الخميس السابع والعشرين من المحرم من سنة
ست المذكورة بقصر الميدان ، ونقل ليومه إلى القلعة وكتم موته ، وقام مملوكه
وعتيقه الأمير بدر الدين بيلبك المعروف بالخازندار بتدبير الأمور والعساكر
وتوجه بهم إلى مصر ودخلها في شهر صفر من السنة ووطّد قواعد السلطنة
لولده السعيد ناصر الدين محمد بركة قان ، واستمرت المملكة .
ثم توفي بدر الدين الخازندار في شهر ربيع الأول من السنة المذكورة .
وفي أثناء هذه السنة أظهر موت الملك الظاهر ودفن بالتربة المجاورة للمدرسة
التي أنشأها ولده الملك السعيد المذكور بدمشق المحروسة شمالي الجامع قبالة
المدرسة العادلية الكبيرة .
(162) وأقام ولده الملك السعيد في المملكة إلى سنة ثمان وسبعين وستمائة .
وفي هذه السنة وصل إلى دمشق وزار قبر والده المذكور وأقام بدمشق مدة
يسيرة . وجرت أسباب أوجبت تغيُّر قلوب الأمراء ، وانفصل أكثر العساكر
عنه١ وفارقوه وتوجهوا طالبين الديار المصرية وتبعهم هو فيمن بقي من عسكره
وفيمن عنده من مماليك أبيه وعسكر الشام ومعه من الأمراء الكبار شمس الدين
سنقور الأشقر العلائي والأمير علم الدين سنجر الحلبي الكبير وغيرهما ؛ ثم جرت
أمور يطول شرحها ، خلاصتها انه شق جموعهم بنفسه ودخل قلعة مصر في
العشر الأواخر من ربيع الأول من السنة، ثم حاصروه بها وأنزلوه منها وأعطوه
قلعة الكرك ، وهي قلعة حصينة بين الشام ومصر على فم البرية الحجازية ،
فأقام بها إلى أن توفي في يوم الجمعة حادي عشر ذي القعدة سنة ثمان وسبعين
وستمائة ودفن بالكرك مدة ثم نُقل إلى دمشق المحروسة في شهر جمادى من
سنة ثمانين وستمائة ودفن على والده في التربة المجاورة للمدرسة المذكورة التي
أنشأها . وهذه المدرسة على الفريقين أصحاب الإمام الشافعي وأبي حنيفة رضي
الله عنهما ، وافتتح بذكر الدرس فيها يوم الأربعاء سابع عشر صفر سنة سبع
١ زاد في رهنا: ((في العشر الآخر من شهر ربيع الآخر من السنة)) وهو مخالف لما سيأتي .
١٥٦

وسبعين وستمائة، وكنت حاضره يومئذا، وحضر نائب المملكة بدمشق يومذاك،
وهو الأمير عز الدين ايدمر بن عبد الله الظاهري ، وهي من مشاهير المدارس
١ زاد في المختار قوله: ((قلت، أعني كاتبها موسى بن أحمد لطف الله به: وحضرت الدرس
المذكور ، وكان مدرس الشافعية الشيخ رشيد الدين إسماعيل المعروف بالفارقي العالم الفاضل
الأديب المنشىء المشهور، وهو من أصحاب والدي وأهل وده ، وله فيه مدائح كثيرة منها
ما كتبه إلى والدي عند قدومه من مصر في المحرم سنة سبع وسبعين وستمائة حا كماً بدمشق والشام،
وذلك بعدما أقام بدمشق سبع سنين :
أنت في الشام مثل يوسف في مصـ سر وعندي بين الكرام جناس
ولكل سبع شداد وبعد الـ جع عام فيه يغاث الناس
وكان مولده على ما نقلته من خط والدي في سنة سبع وثمانين وخمسمائة ، وكان هو يخفي
تاريخ مولده بالكلية . وقرأت عليه مختصراً في علم البيان الرماني ، وآخر في العلم المذكور
القيرواني ، وكان بيني وبينه صحبة واجتماعات كثيرة ، وكتب إلي يستدعيني إليه بهذين البيتين
وقال : لا يعززا بثالث وهما :
ممكن أن يزورني أوحد الشا م وعهدي به عهودي راعي
أو له شاغل فأسعى إليه مع ضعف القوى كسمي يراعي
) المحرم سنة تسع وثمانين وستمائة قتيلا بالمدرسة المذكورة وهو
وتوفي ( . .
مستمر على تدريسها ، وكان مجرداً من الأهل والزوجة ، خنقه ابن سعد الدين أسعد المنشيء الفارقي ،
وسعد الدين المذكور ابن اخت الشيخ رشيد الدين ، وذلك بسبب ذهب كثير اطلع عليه أنه في
حاصله ، ودفن من يومه بسفح قاسيون رحمه ، اللّه تعالى .
وكان مدرس الحنفية الشيخ صدر الدين سليمان الحنفي قاضي القضاة بالديار المصرية - كان- العالم
المشهور ، وكان قد استعفى من الحكم بمصر واختار المقام بمصر ، فأجابه السلطان إلى ذلك ،
ولي منه إجازة بجميع مصنفاته ومسموعاته . تم لما توفي مجد الدين عبد الرحمن بن الصاحب كمال
الدين ابن العديم الحلبي بدمشق بالجوسق المعروف بهم المطل على الوادي ، غربي زاوية الحريري
٠٠ ) ودفن بالتربة التي أنشأها تجاه الجوسق المذكور في
في ( . .
القبلة على طريق المزة ، وكان قاضي القضاة لمذهبه بدمشق عند وفاته ، وحضرت جنازته ، وكان
٠)
صاحبنا ، ولي منه إجازة كالأولى : وكان مولده ( .
رحمه الله، أضيف قضاء دمشق لمذهبه إلى سليمان المذكور فباشره إلى أن توفي (.
.) ودفن بتربته المعروفة بجبل الصالحيين بالقرب من رباط الناصر وحضرت
.
. ) وهو من أهل حوران ، رحمه الله تعالى.
جنازته ، وکان مولده (.
١٥٧

وكبارها يومئذ بدمشق المحروسة ، حماها الله تعالى وسائر بلاد المسلمين .
(163) [ولما نزل الملك السعيد من قلعة الجبل انتهى رأي أكابر الأمراء على
أن يقيموا أخاه سيف الدين سلامش ، وكان صغيراً، تقدير عمره دون عشر
سنين ، وأن يُلقبوه بالملك العادل فوضعوه مكانه في السلطنة ، وأن يكون
أنابك العساكر ومتولي التدبير الأمير سيف الدين قلاون الصالحي المعروف
بالألفي الكبير ، فجرى الأمر على ذلك، واستمر هذا الحال كذلك إلى أواخر
شهر رجب من السنة، فاستقلّ الأمير سيف الدين قلاون المذكور بالسلطنة
وركب بأبهتها في حادي عشرين رجب المذكور، ولقب بالملك المنصور، وخلفه
الأمراء والناس ، ودخل أهل جميع الممالك في طاعته، ولم يبق إلا الملك السعيد
بالكرك. ثم ان الأمراء أرسلوا إلى الملك السعيد بالكرك أخوة سلامش المذكور
وعامة أهل بيت الملك الظاهر ، فانقطعت مملكتهم من الديار المصرية وغيرها ،
ولم يبقَ لهم إلا قلعة الكرك وما هو مضاف إليها، والله متولي الأمور، وبمشيئته
يجري كل مقدور]١ .
[وكان سبب وفاة الملك السعيد أنه خرج إلى الصيد فتقنطر به الفرس ،
فحمل إلى قلعة الكرك فبقي يومات قلائل مريضاً ، ثم توفي في التاريخ
المذكور]٢ .
١ انفردت النسخة ل بما بين معقفين .
٢ زيادة من المختار .
١٥٨

٥٥٧
أبو علي التنوخي
القاضي أبو علي المحسِّنُ بن أبي القاسم علي بن محمد بن أبي الفهم داود بن إبراهيم
ابن تميم التَّنُوخي - وقد سبق ذكر أبيه في حرف العين وإيراد شيء من أخباره
وشعره١ - وذكرهما الثعالبي في باب واحد وقدّم ذكر الأب ، ثم قال في حق
أبي علي المذكور: ((هلال ذلك القَمَر، وغصن هاتيك الشجر، والشاهد العدل
بمجد أبيه وفضله، والفرع المسند لأصله، والنائب عنه في حياته ، والقائم مقامه
بعد وفاته . وفيه يقول أبو عبد الله بن الحجاج الشاعر :
إذا ذُكر القضاة وهم شيوخٌ تخيرت الشّبابَ على الشيوخِ
ومَنْ لم يرضَ لم أصفعْهُ إلا بحضرة سيّدي القاضي التنوخي
وله كتاب (( الفرج بعد الشدة)) وذكر في أوائل هذا الكتاب أنه كان على
العيار في دار الضرب بسوق الأهواز في سنة ست وأربعين وثلثمائة ، وذكر بعد
ذلك بقليل أنه كان على القضاء بجزيرة ابني عمر٢ً ، وله ديوان شعر أكبر من
ديوان أبيه، وكتاب ((نشوار٣ المحاضرة)) وله كتاب ((المستجاد من فَعَلات
الأجواد )).
وسمع بالبصرة من أبي العباس الأثرم وأبي بكر الصولي والحسين بن محمد بن
٥٥٧ - ترجمته في تاريخ بغداد ١٣: ١٥٥ واليتيمة ٢ : ٣٤٦ ومعجم الأدباء ١٧ : ٩٢ والجواهر
المضية ٢ : ١٥١ والمنتظم ٧ : ١٧٨ وعبر الذهبي ٣ : ٢٧ والنجوم الزاهرة ٤ : ١٦٨
والشذرات ٣ : ١١٢ .
١ انظر ج ٣ : ٣٦٦.
٢ وذكر ... عمر: سقط من س ن لي ت .
٣ ل ر : نشوان .
١٥٩

يحيى بن عثمان النسوي١ وطبقتهم ، ونزل ببغداد وأقام بها، وحدث إلى حين
وفاته وكان سماعه صحيحاً ، وكان أديباً شاعراً أخبارياً ، وكان أول سماعه
الحديث في سنة ثلاث وثلاثين وثلثمائة، وأول ما تقلّد القضاء من قبل أبي السائب
عتْبَة بن عبيد الله بالقصر وبابل وما والاهما في سنة تسع وأربعين ، ثم ولاه
الإمام المطيع الله القضاء بعسكر مكرم وإيدج ورامهرمز ، وتقلد بعد ذلك
أعمالاً كثيرة في نواح مختلفة .
ومن شعره في بعض المشايخ وقد خرج يستسقي وكان في السماء سحاب ، فلما
دعا أصْحَتِ السماء ، فقال أبو علي التنوخي :
خرجنا لنستسقي بيُمْنِ دعائه وقد كاد هُدْبُ الغَيم أن يُلحف٢ الأرضا
فلما ابتدا يدعو تكشفت السما فما تم إلا والغمامُ قد انفَضّا
ولبعضهم في المعنى وهو أبو الحسين سليمان بن محمد بن الطراوة النحوي الأندلسي
المالقي ٣ في هذا المعنى :
غربية قَمِنٌ بها السَّحُ
خرجوا ليستسقوا وقد نجمت
وبدا لأعينهم بها رشح
حتى إذا اصطفوا لدعوتهم
كُشِفَ السحابُ إجابةٌ لهمُ فكأنهم خرجوا ليستصحوا
ومن المنسوب إليه أعني القاضى التنوخي؛ :
قل للمليحَةِ في الخمار المذْهَبِ أُفسدْتِ نِسكَ أخي التقي المترهبِ
نور الخمار ونور خدكِ تحته عَجَباً لوجهِك كيف لم يتَلَهْب
١ ل س لي : الفسوي ؛ ر : الغسولي ؛ بر : القسموي .
٢ المختار؛ بر : يلحق .
٣ ل ر والمختار : المالكي ؛ وانظر ترجمة ابن الطراوة في المقتضب من التحفة : ١١ والمغرب
٢: ٢٠٨ والتكملة لابن الأبار (رقم: ١٩٧٩) وبغية الوعاة: ٢٦٣ والنفع ٣: ٣٨٤
وبغية الملتمس رقم : ٢٩٠ .
٤ أعني القاضي التنوخي : زيادة من ر ل ؛ وهي زيادة لازمة .
١٦٠