Indexed OCR Text
Pages 101-120
وأينَ من المشتاق عَنْقاء مُغْرِبٍ أُحِنُّ إلى أهلي وأهوى لقاءهُمْ فإن لم يكن إلا أبو المسك أو هُمُ فإنّكَ أحلى في فؤادي وأعذب وكل امرىء يُولي الجميلَ محببٌ وكل مكان يُنْبتُ العزَّ طيِّب [وحكي عن المتنبي أنه قال: كنت إذا دخلت على كافور أنشده يضحك إلي ويبش في وجهي ، إلى أن أنشدته١ : جَزَيْتُ على ابتسامٍ بابتسامٍ ولما صارَ وُدُ الناس خِياً وصرتُ أشك فيمن أصطَفِيه لعِلمِي أنهُ بعضُ الأنامِ قال: فما ضحك بعدها في وجهي إلى أن تفرّقنا، فعجبتُ من فطنته وذكائه]٢. وآخر شيء أنشده في شوال سنة تسع وأربعين ولم يلقَهُ بعدها قصيدتُه البائية وشابَها بطرف من العتب ، ومنها٣ : أرى لي بقربي منك عيناً قريرةً وإن كان قُرباً بالبعاد يُشابُ ودون الذي أملْتُ منك حجاب وهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا وأسكت كيما لا يكون جواب سكوتي بيانٌ عندَها وخِطاب ضعيفُ هَوَّى يُبْغى عليه ثواب على أن رأيي في هواك صَواب وغَرَّبْتُ أنى قد ظفرت وخابوا وأنك لَيْثٌ والملوك ذئاب ذئاباً ولم يخطىء فقال ذباب ومدحك حق ليس فيه كِذاب أقلُّ سلامي حب ما خفّ عنكم وفي النفس حاجات وفيك فطانة وما أنا بالباغي على الحب رشوةً وما شئت إلا أن أدُلَّ عواذلي وأعلم قوماً خالفوني فشَرَّقُوا جرى الخلف إلا فيك أنك واحد وأنك إن قویست صَحّفَ قارىء وإِن مديح الناس حق وباطلٌ إِذا نلتُ منك الود فالمالُ هينٌ وكلُّ الذي فوق التراب تراب ٢ لم يرد إلا في المختار . ١ ديوان المتنبي : ٤٧٦ . ٣ ديوانه : ٤٨١ . ١٠١ وما كنت لولا أنت إلا مهاجراً له كلَّ يوم بلدةٌ وصِحاب ولكنك الدنيا إلي حبيبةً فما عنك لي إلا إليك ذهاب وأقام المتنبي بعد إنشاده هذه القصيدة بمصر سنةً لا يلقَى كافوراً غضباً عليه لكنه يركب في خدمته خوفاً منه ولا يجتمع به ، واستعد للرحيل في الباطن ، وجهز جميع ما يحتاج إليه ، وقال في يوم عرفة سنة خمسين وثلثمائة قبل مفارقته مصر بيوم واحد قصيدته الدالية التي هجا كافوراً فيها، وفي آخر هذه القصيدة: من علْمَ الْأسْوَدَ الخصِيِّ مكرمةٌ أقومهُ البيضُ أم آباؤه الصِّيدُ أم قَدْرُهُ وهُوَ بالفلسين مردود] [أم أُذنهُ في يدِ النخّاسِ داميةٌ عن الجميل فكيف الخِصِيَةُ السود وذاك أن الفحولَ البيض عاجزة وله فيه أهاج كثيرة تضمنها ديوانه ، ثم فارقه بعد ذلك ، ورحل إلى عضد الدولة بن بويه بشيراز - حسبما تضمنه ترجمته٢ . ورأيت في بعض المجاميع قال بعضهم : حضرت مجلس كافور الإخشيدي ، فدخل رجل ودعا له وقال في دعائه : أدام الله أيامٍ مَوْلانا ، بكسر الميم من أيام ، فتحدث جماعة من الحاضرين في ذلك وعابوه عليه ، فقام رجل من أوساط الناس وأنشد مرتجلاً وهو أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن حشيش النَّجيرمي اللغوي الاخباري كاتب كافور٣ ، والذي دعا لكافور ولحن هو أبو الفضل ابن عياش : لا غَرْوَ أَن لَحنَ الداعي لسيدنا أو غَصَّ من دَهَشٍ بالريقِ أو بَهَر فتلك هيبتهُ حالت جلالَتُها بين الأديب وبين القول بالحَصَر ١ ديوان المتنبي : ٤٨٧ . ٢ ورد هنا في ر عبارة: وأخبار كافور كثيرة، وستأتي بعد النص التالي . ٣ ترد هذه الأبيات في ترجمة النجيرمي النحوي في معجم الأدباء ١ : ١٩٩ وانباه الرواة ١ : ١٧١ وفي البغية ((جنس)) موضع («حشيش)) .: ٤ في ياقوت وبغية الوعاة : الفضل بن عباس؛ وأثبتنا ما في انباه الرواة ومطبوعة وستنفيلد . ١٠٢ في مَوْضع النَّصْبِ لا عن قلة النظر فإن يكن خَفَضَ الأيام من غَلَطٍ والفألُ مأثورةٌ عن سيدِ البشر فقد تفاءلتُ في هذا لسيدنا بأن أيامه خَفْضٌ بلا نَصَبٍ وأن أوقاته صَفْوٌ بلا كَدَر وأخبار كافور كثيرة . [ولما كثرت الزلازل بمصر في أيام كافور أنشده محمد بن عاصم قصيدة يقول فيها : ما زلزلت مصر من سوء يراد بها لكنها رقصت من عدله فرَحا فأمر له بألف دينار ، وقيل إن عطاءه ذلك حث المتنبي على المسير إلى مصر . ودخل على كافور غلام فقال : ما اسمك ؟ قال : كافور ، فقال : نعم ما كل من اسمه محمد نبي . وله مع الشيخ عبد الله بن جابار الصوفي الزاهد شيخ البقاعي ، رحمهما الله تعالى، وكان من كبار المشايخ، قصة عجيبة هي من غرر مناقبه ؛ ذكر المسبحي في تاريخه قال: حدثني أبو الدابه كاتب أبي بكر القمي عن أبي الحسن البغدادي قال : وردت إلى مصر مع والدي وأنا صبي دون البلوغ في أيام كافور ، وكان أبو بكر المحلي يتولى نفقات مصالحه وخواص خدمه ، وقد نتجت بينه وبين أبي مودة ، وكان يزوره ويصله ، قال : فجاءه ذات يوم فتذاكرا أخبار كافور وطريقته وما هو عليه من الخشوع، فقال أبو بكر لأبي وأنا أسمع: هذا الأستاذ كافور له في كل عيد أضحى عادة، وهي أن يسلّم إليّ بغلاً محملً ذهباً وورِقاً وجريدة تتضمن أسماء قوم من حد القرافة إلى المنامة وما بينهما، ويمضي معي صاحب الشرطة ونقيب يعرف المنازل ، وأطوف من بعد العشاء الآخرة إلى آخر الليل حتى أسلم ذلك إلى من جعل له وتتضمن اسمَهُ الجريدة، وأطوف منزلَ كلّ إنسان ما بين رجل وامرأة وأقول : الأستاذ أبو المسك كافور يهنيك بعيدك ويقول لك : اصرف هذا في منفعتك ، فادفع إليه ما جعل له ؛ فلما كان في هذا العيد جريت على العادة ورأيته زادني في الجريدة ((الشيخ أبو عبد الله ابن جابار مائة دينار )) فأنفقت المال في أربابه ولم يبقَ إلا الصرة ، فجعلتها في كمي ١٠٣ وسرت مع النقيب حتى أتينا منزله بظاهر القرافة ، فطرقت الباب فنزل إلينا شيخ عليه أثر السهر فسلمت عليه فلم يرد علي وقال : ما حاجتك ؟ قلت : الأستاذ أبو المسك كافور يخص الشيخ بالسلام ، فقال : والي بلدنا ؟ قلت : نعم ، قال : حفظه الله، الله يعلم انني أدعو له في الخلوات وأدبار الصلوات وللمسلمين بما الله سامعه ومجيبه ، قلت : وقد أنفذ معي هذه الصرة وهو يسألك قبولها لتصرفها في مؤونة هذا العيد المبارك فقال : نحن رعيته ونحن نحبه في الله تعالى وما نفسد هذا بعلة ، فراجعته القول فتبيّن لي الضجر في وجهه والقلق والتلهف واستحييتُ من الله تعالى أن أقطعه عما هو عليه فتركته وانصرفت ؛ قال : فجئت فوجدت الأمير قد تهيأ للركوب وهو ينتظرني فلما رآني قال : هيه يا أبا بكر، فقلت له: أرجو أن يستجيب الله تعالى فيك كل دعوة صالحة دعيت لك في هذه الليلة وفي هذا اليوم الشريف، فقال: الحمد لله الذي جعلني سبباً لإيصال الراحة إلى عياله، ثم أخبرته بامتناع ابن جابار فقال: نعم هو بذلك جدير، لم يجرِ بيننا وبينه معاملة قبل هذا اليوم، ثم قال لي : عد إلیه وار کب دابة من دواب النَّوْبة فلست أشك فيما لقيت دابتك في هذه الليلة من التعب ، ثم امضٍ إليه واطرق بابه فإذا نزل إليك فإنه سيقول : ألم تكن عندنا ؟ فلا ترد عليه جواباً ثم استفتح واقرأ : ﴿بسم الله الرحمن الرحيم طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى. إِلا تذكرةً لمن يخشى. تنزيلاً ممن خلق الأرض والسموات العُلى. الرحمن على العرش استوى، له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى ﴾ ( طه: ١ - ٦) يا ابن جابار، يقول لك كافور: ومن كافور العبد الأسود ومن مولاه ومن الخلق؟ أبقي لأحد مع الله تعالى ملكة أو شركة؟ تلاشى الناس كلهم؛ هاهنا تدري مَن معطيك وعلى من رددتَ أنت ما سألت ، هو أرسل إليك يا ابن جابار ، ما تفرق بين السبب والمسبب ! قال : فركبت وسرت فطرقت منزله فنزل إلي وقال لي مثل لفظ كافور ، فأضربت عن الجواب وقرأت طه ثم قلت له ما قال كافور ، فبكى ابن جابار وقال : أين ما حملت ؟ فأخرجت له الصرة فأخذها وقال : علَّمَنا الأستاذ كيف التصوف ، قل له : أحسنَ الله جزاءك ؛ قال : فعدت إليه فأخبرته فسر بذلك ثم سجد لله تعالى شكراً وقال: ١٠٤ الحمد لله الذي جعلني سبباً لإيصال الراحة إلى عباده ، ثم ركب حينئذ]١. ولم يزل مستقلاً بالأمر بعد أمور يطول شرحها إلى أن توفي يوم الثلاثاء لعشرٍ بقين من جمادى الأولى سنة ست وخمسين وثلثمائة بمصر ، وقيل إنه توفي يوم الأربعاء ، وقيل توفي سنة خمس وخمسين وثلثمائة، وقيل سنة سبع وخمسين [وهو قول القضاعي في كتاب الخطط، والله أعلم، وكذا قال الفرغاني في تاريخه أيضاً، رحمه الله تعالى]٢ والأول أصحّ؛ ودفن بالقرافة الصغرى، وقبته مشهورة هناك٣ ، ولم تَطُلْ مدته في الاستقلال على ما ظهر من تاريخ موت علي بن الإخشيد إلى هذا التاريخ . وكانت بلاد الشام في مملكته أيضاً مع مصر؛ وكان يُدْعى له على المنابر بمكة والحجاز جميعه والديار المصرية وبلاد الشام من دمشق وحلب وأنطاكية وطرسوس والمصيصة وغير ذلك ، وكان تقدير عمره خمساً وستين سنة على ما حكاه الفرغاني في تاريخه ، والله أعلم . [وكانت أيامه سديدة جميلة، ووقع الخلفُ فيمن يُنَصَّب الأمر بعده ، إلى أن تقرر الأمر وتراضت الجماعة بولد أبي الحسن علي بن الإخشيد ، وكانت ولاية كافور سنتين وثلاثة أشهر إلا سبعة أيام ، وخطب لأبي الفوارس أحمد بن علي بن الإخشيد يوم الجمعة لسبع بقين من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين ، وبقية" خبرهم مذكورة في ترجمة جده محمد الإخشيد]. ١ انفردت ر بما بين معقفين ، وفي النص بعض اضطراب . ٢ زيادة من ر . ٣ زاد في ر : ولما دفن كتب على قبره بالقرافة الصغرى بقبة هناك مشهورة : أفنت أناساً بها كانوا وما فنيت انظر إلى عبر الأيام ما صنعت حتى إذا فنيت ناحت لهم وبكت دنياهم ضحكت أيام دولتهم وانظر النجوم الزاهرة ٤ : ١٠ وفيه أن تابوته حمل إلى القدس فدفن به . ؛ هذا تنتهي الترجمة في ر . ٥ ما بين معقفين سقط من النسخ الخطية وأثبتناه من المطبوعة ؛ وفي هامش س حكاية ليست من الأصل وهي: ((قيل كان في دار كافور قهر مانة بغدادية ما تهدأ من البكاء على ابنة لها خلفتها ببغداد بنت سبع سنين فقال لها كافور: منذ كم غبت عنها ؟ فقالت: من ثمان سنين، فأرسل= ١٠٥ ٥٤٦ کثیر عزة أبو صخر كُثَيِّر بن عبد الرحمن بن أبي جُمْعة الأسود بن عامر بن عويمر الخزاعي، أحد عشاق العرب المشهورين به [وقال ابن الكلبي في ((جمهرة النسب)): هو كثير بن عبد الرحمن بن الأسود بن عويمر بن مَخْلَد بن سعيد بن سبيع بن خنعمة١ بن سعد بن مليح بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة بن امرىء القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد ، وبقية = كافور أمراً إلى صاحب له ببغداد وأمره بتحصيلها وإنفاذها، فحملت الصبية إلى مصر وقد صارت بنت ست عشرة سنة وحسنت؛ فلما صارت في دار كافور قال الجواري: أخرجنها علي في جوار يعرضن للبيع ولا تعلم القهر مانة، وتكون هي التي تخرجهن فجاءت إليه القهر مانة فقالت: يا مولاي ، قد جاؤوا بالجواري فأعرضهن عليك ؟ فقال : افعلي ، فاخرجتهن وبنتها فيهن ولا تعلم، فلما عرضن قال كافور للقهر مانة : ما فيهن إلا هذه الصبية ، وأراها مليحة ، فأيش عندك ؟ فقالت القهر مانة : نعم يا مولاي ، هي واللّه مليحة حلوة، فقال لها : ويحك هي ابنتك ، أرسلت إلى بغداد وتلطفت في أمرها حتى حملت إليك من بغداد ، فقبلت الأرض بين يديه وبكت بكاء شديداً فكأنها القائل في بعض شعره : هجم السرور علي حتى إنه من عظم ما قد سرني أبكاني تبكين في فرح وفي أحزان يا عين صار الدمع عندك عادة ثم ضمت بنتها إليها واشتد بكاؤهما وبكى كافور لبكائهما لما رأى من شوق كل واحدة منهما إلى الأخرى . ٥٤٦ - ترجمته في الأغاني ٩: ٤، ١٢: ١٧٠، ١٥: ٢٢٤ والمؤتلف : ١٦٩ وطبقات ابن سلام : ٤٥٧ والموشح : ١٤٣ والشعر والشعراء : ٤١٠ وسط اللآلي: ٦١ ومعجم المرزباني : ٢٥٠ ومروج الذهب ٣ : ٠١؛ والعقد ٢: ٨٨ وعيون الأخبار ٢: ١٤٤ وشذرات الذهب ١ : ١٣١ ومعاهد التنصيص ٢: ١٣٦ وشرح شواهد المغني: ٢٤ والخزانة ٢ : ٣٨١ وتزيين الأسواق ١ : ٤٣ . ١ جمهرة ابن حزم : جعثمة ؛ وفي النسب اختلاف عما هنا . ١٠٦ النسب معروفة، وربيعة بن حارثة هو لُحَيِّ، وابنه عمرو بن لُحَيّ هو الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم يجر قُصْبَه١ُ في النار، وهو أول من سَيَّب السوائب وبَحَّر البَحِيرة وغَيَّرَ دين إبراهيم عليه السلام ، ودعا العربَ إلى عبادة الأصنام، وهذا لحي وأخوه أفصى ابنا حارثة هما خزاعة، ومنهما تفرقت، وإنما قيل لهم خزاعة لأنهم انقطعوا عن الأزد لما تفرقت الأزد من اليمن أيام سَيْل العَرم وأقاموا بمكة ، وسار الآخرون إلى المدينة والشام وعمان . وقال ابن الكلبي أيضاً قبل هذا بقليل : والأشيم وهو أبو جمعة بن خالد بن عبيد بن مبشر بن رباح ، وهو جد كثير بن عبد الرحمن صاحب عزة أبو أمه إليه يُنْسَب]٢. وهو صاحب عزة بنت جميل بن حفص بن إياس بن عبد العزى بن حاجب ٣ ابن غفار بن مليل بن ضمرة [بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة ابن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان . وقال السمعاني: جميل ابن وقاص بن حفص بن إياس ، والله أعلم]٤ . وله معها حكايات ونوادر وأمور مشهورة ، وأكثر شعره فيها . وكان يدخل على عبد الملك بن مروان وينشده، وكان رافضياً شديد التعصب لآل أبي طالب؛ حكى ابن قتيبة في ((طبقات الشعراء))° أن كثيراً دخل يوماً على عبد الملك فقال له عبد الملك : بحق علي بن أبي طالب هل رأيت أحداً أعشق منك ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، لو نشدتني بحقك أخبرتك، قال: نشدتك بحقي إلا ما أخبرتني، قال: نعم، بينا أنا أسير في بعض الفَلَوات إذا أنا برجل قد نصب حبالة ، فقلت له : ما أجلسك هاهنا ؟ قال : أهلكني وأهلي الجوع ، فنصبت حبالتي هذه لأصيد لهم شيئاً ولنفسي ما يكفينا ويعصمنا يومنا هذا ، ١ القصب : الأمعاء ٢ ورد بعضه في المختار فقط بإيجاز . ٣ لي ن ل س ر بر: حفص من بني حاجب؛ وما أثبتناه موافق لما في جمهرة ابن حزم ومطبوعة وستنفيلد . ٤ ما بين معقفين في ر وحدها . ٥ الشعر والشعراء : ٤١٦ . ١٠٧ قلت : أرأيتَ إِن أقمتُ معك فأصبتَ صيداً تجعل لي منه جزءاً ؟ قال: نعم، فبينا نحن كذلك إذ وقعت ظبية في الحبالة ، فخرجنا نبتدر ، فبدرني إليها فحلّها وأطلقها، فقلت له : ما حملك على هذا ؟ قال : دخلتني لها رقة لشبهها بليلى ، وأنشأ يقول : أيا شبْهَ ليلى لا تُراعي فإنني لكِ اليومِ من وَحْشيةٍ لصديقُ أقول وقد أطلَقتُها من وثاقها فأنت الليلى ما حييتُ طليقُ ولما عزم عبد الملك على الخروج إلى محاربة مُصْعب بن الزبير ناشدته زوجته١ عاتكة بنت يزيد بن معاوية أن لا يخرج بنفسه ، وأن يستنيب غيره في حربه ولم تزل تلحُّ عليه في المسألة وهو يمتنع من الإجابة ، فلما يئست أخذت في البكاء حتى بكى من كان حولها من جواريها وحشمها ، فقال عبد الملك : قاتل الله ابن أبي جمعة - يعني كثيراً - كأنه رأى موقفنا هذا حين قال : إذا ما أراد الغزو لم يَأْنِ عَزْمَهُ حَصانٌ عليها نظم درّ يَزينُها نَهَتْهُ فلما لم تر النهيَ عاقهُ بكَتْ فبكى مما شجاها قَطينُها ثم عزم عليها أن تُقصر فأقصرت وخرج لقصده . ويقال إن عزة دخلت على أم البنين ابنة عبد العزيز ، وهي أخت عمر ابن عبد العزيز وزوجة الوليد بن عبد الملك : فقالت لها : أرأيت قول كثير : قضى كلُّ ذي دين فوفَّى غريمهُ وعزة ممطول مُعَنَّى غريمُها ما كان ذلك الدين ؟ قالت : وعدته قبلة فحَرِجت منها ، فقالت أم البنين : أنجزيها وعلي إثمها . [ثم ندمت أم البنين فاستغفرت الله تعالى وأعتقت عن هذه الكلمة أربعين رقبة]٢. ١ ر : امرأته . ٢ بعد هذه الزيادة من ر جاء فيها : وكانت أم البغين عند هشام ( كذا) ابن عبد الملك فهي ابنة عبد العزيز بن مروان ، وقد سقط من هذه النسخة قوله فيما تقدم : وهي أخت ... عبد الملك. ١٠٨ وكان لكثير غلام عطار بالمدينة ، وربما باع نساء العرب بالنسيئة ، فأعطى عزة وهو لا يعرفها شيئاً من العطر، فمطلته أياماً، وحضرت إلى حانوته في نسوة فطالبها: فقالت له: حباً وكرامة، ما أقرب الوفاء وأسرعَهُ، فأنشد متمثلاً: قضى كل ذي دين فوفّىّ غريمه وعزة ممطول معنَّ غريمها فقالت النسوة : أتدري مَنْ غريمتك ؟ فقال : لا والله ، فقلن : هي والله عزة فقال: أشهدُ كن الله أنها في حل مما لي قبلها، ثم مضى إلى سيده فأخبره بذلك ، فقال كثير: وأنا أشهد الله أنك حُرّ لوجهه، ووهبه جميع ما في حانوت العطر، فكان ذلك من عجائب الاتفاق . ولكثيّر في مطالها١ بالوعد شعرٌ كثير، فمن ذلك قوله: أقول لها عُزَيزَ مطَلْتِ ديني وشر الغانيات ذوو المطالِ فقالت وَيْحَ غيرك كيف أقضِي غريماً ما ذهبتُ له بمالٍ ٢ وله : وقد زعمت أني تغيرْتُ بعدها ومن ذا الذي يا عَزَّ لا يتغيرُ تغيرَ جسمي والخليقَةُ كالذي عَهِدْتِ ولم يُخْبِرْ بسرِّكِ مخبرُ ولما قتل يزيد بن المهلب بن أبي صُفْرة وجماعة من أهل بيته بعَقْرِ بابِلَ - وسيأتي خبر ذلك في ترجمته إن شاء الله تعالى - وكانوا يكثرون الإحسان إلى كثير، فلما بلغه ذلك قال : ما أجلَّ الخطب! ضَحّى بنو حرب٣ٍ بالدين يوم الطف وضحى بنو مروان بالكَرَم يوم العَقرِ ، وأسبلت عيناه بالدموع . ١ ر : ولكثير المذكور في مطالبتها . ٢ بعد هذا الموضع وردت في ر زيادة وقد أثبتناها في ملحقات الجزء الأول على ترجمة جميل منقولة من ص ( انظر جـ ١ : ص ٤٨٠ ). ٣ ر : بنو أبي سفيان . ١٠٩ وحدث١ أبو الفرج الأصبهاني صاحب كتاب ((الأغاني))٢ أن كثيراً خرج من عند عبد الملك بن مروان وعليه مُطْرَفٌ، فاعترضته عجوز في الطريق اقتبست ناراً في روثة ، فتأفف كثير في وجهها ، فقالت : من أنت ؟ قال : كثير عزة ، فقالت : ألست القائل : فما روضة زهراءُ طيبةُ الثَّرى يُجُّ الندى جَتْجائُها وعَرارُها بأطيب من أردان عزة مَوْهِناً إذا أوقِدَتْ بالمندل الرطب نارها فقال لها كثيّر : نعم ، فقالت : لو وضع المندل الرطب على هذه الروثة لطَيَّبَ رائحتها ، هلا قلت كما قال امرؤ القيس : ألمْ ترَيَاني كلما جئتُ طارقاً وجدتُ بها طيباً وإن لم تطيب فناولها المطرف وقال : استري عليّ هذا . [وسمعت بعض مشايخ الأدب في زمن اشتغالي بالأدب يقول: إن النصف الثاني من البيت الثاني من تتمة أوصاف الروضة أيضاً ، فكأنه قال : إِن هذه الروضة الطيبة الثرى التي يمج الندى جثجائها وعرارها إذا أوقدت بالمندل الرطب نارها ما هي بأطيب من أردان عزة وعلى هذا لا يبقى عليه اعتراض ، لكنه يبعد أن يكون هذا مقصوده]٣ . وكان كثير ينسب إلى الحق، ويروى أنه دخل يوماً على يزيد بن عبد الملك فقال : يا أمير المؤمنين ، ما يعني الشماخ بقوله : إذا الأرْطى توسَّد أبْرَدَيه خدود جوازىءٍ بالرملِ عینِ* ١ ر : وقال . ٢ الأغاني ١٥ : ٢٢٥ . ٣ ما بين معقفين لم يرد إلا في المختار، وقد أثبتناه كذلك للتنبيه إليه وإلا فإنه من أصل المؤلف ، ولا بد . ٤ الشعر والشعراء : ٤١٠ . ٥ الأرطى : نوع من الشجر ؛ أبرداه : ظله وفيئه ، الجوازىء : التي جزأت بالرطب عن الماء ، العين : ذوات الأعين النجل ، يصف بقر وحش جزأت بالرطب عن الماء . ١١٠ فقال يزيد : وما يضرني أن لا أعرف ما عنى هذا الأعرابي الجلف ؟ واستحمقه وأمر بإخراجه . ودخل١ كثير على عبد العزيز بن مروان والد عمر يعوده في مرضه ، وأهله يتمنون أن يضحك ، وكان يومئذ أمير مصر ، فلما وقف عليه قال : لولا أن سرورك لا يتم بأن تسلم وأسقم لدعوتُ الله ربي أن يصرف ما بك إلي ، ولكني أسأل الله تعالى لك العافية ولي في كنّفَك النعمة، فضحك عبد العزيز ، وأنشد كثير : ونعود سيّدَنا وسيّد غيرنا ليتَ التشَكّيَ كان بالعُوّادِ لو كان يقبل فدية لفديته بالمصطَفى من طارفي وتلادي ومما يستجاد من شعر كثير قصيدته التائية التي يقول من جملتها٢ : وإني وتَهيامي بِعِزة بعد ما تسليتُ من وَجْدٍ بها وتَسَلَّتِ لكالمرتَجي ظلَّ الغمامة كلما تَبَوَّأ منها للمقيل اضْمَحَلْتِ [وقال أبو علي القالي٣: أنشدنا أبو عبد الله إبراهيم بن عرفة المعروف بنفطويه لكثير : ألا تلك عزة قد أقبلت تقلب للهجر طرفاً غضيضا تقول مرضت فما عدتني وكيف يعود مريضٌ مريضا ومن شعره أيضاً : ١ قارن بما في الشعر والشعراء : ٤٢٢. ٢ وردت هذه القصيدة التائية في مخطوطة منتهى الطلب وأمالي القالي والخزانة ٢ : ٣٧٩ - ٣٨١ وبعضها في شرح شواهد المغني : ٢٧٥ وتزيين الأسواق ١ : ٤٩ والعيني ٢ : ٤٠٨ والحماسة البصرية ، الورقة ١٥١ وصفوة الأدب ، الورقة : ٧٢ وشواهد الكشاف : ٥٥ والأغاني ٩ : ٢٩ وزهر الآداب : ٣٥٤ . ٣ الأمالي ١ : ٣٠ . ١١١ يبكون من حذر العذاب قعودا رهبان مدين والذين عهدتهم خرّوا لعزّة ركّعاً وسجوداً]! لو یسمعون کما سمعت كلامها [وبلغ كثيراً أن عزة مريضة وانها تشتاقه فخرج يريدها ، فلما صار ببعض الطريق لقيه أعرابي من نهد فقال : يا أبا صخر ، أين تريد ؟ قال : أريد عزة ، قال : فهل رأيت في وجهك شيئاً ؟ قال : لا ، إلا اني رأيت غراباً ساقطاً فوق بانة ينتف ريشه ، قال : توافي مصر وقد ماتت عزة ، فانتهره كثير ثم مضى وعاد كثير إلى مصر فوافاها والناس منصرفون من جنازة عزة فقال : رأيت غراباً ساقطاً فوق بانة ينتف أعلى ريشه ويطايره بنفسي للنهدي هل أنت زاجره> (فقلت ولو أني أشاء زجرته وبان فبين من حبيب تعاشره فقال غراب لاغتراب وفرقة فما أَعيفَ النهديِّ لا درَّ دره وازجره للطير لا عزّ ناصره]٢ وكان كثيّر بمصر وعزة بالمدينة، فاشتاق إليها فسافر نحوها ، فلقيها في الطريق وهي متوجهة إلى مصر ، وجرى بينهما كلام يطول شرحه ، ثم إنها انفصلت عنه وقدمت إلى مصر، وعاد كثير إلى مصر فوافاها والناسُ ينصرفون من جنازتها فأتى قبرها وأناخ راحلته عنده ، ومكث ساعة ، ثم رحل وهو ينشد أبياتاً منها : أقول ونِضْوي واقف عند قبرها عليكِ سلام الله والعين تَسْفَحُ وقد كنت أبكي من فراقِكِ حيةً فأنتِ لعمري اليوم أنأى وأنزَح٣ُ ١ ما بين معقفين زيادة من ر لم ترد في المختار وكذلك لم ترد في المطبوعة . ٢ زيادة من ر لم ترد في المختار والمطبوعة، وقد وقع قبلها: ((قال الزبير بن بكار وكان كثير بمصر وعزة بالمدينة فاشتاق إليها فسافر فلقيها في الطريق وهي متوجهة إلى مصر )) وقد حذفناه لأنه سيأتي بعد هذا النص؛ وانظر زهر الآداب : ٤٧٩ والمحاسن والمساوىء : ٣٣١ والموشى : ١٣٤ وقد زدنا البيت الثاني لتمام المعنى . ٣ فأتى قبرها ... وأنزح: لم يرد إلا في المختار. وانظر المحاسن والمساوىء: ٣٣١ ومصارع العشاق ١ : ١٢٦ وتزيين الأسواق ١ : ٥١ وزهر الآداب : ٤٠٨ . ١١٢ وأخبارهما كثيرة١ . وتوفي کثیر عزة في سنة خمس ومائة، رحمه الله تعالى؛ وروی محمد بن سعد عن الواقدي عن خالد بن القاسم البياضي قال: مات عكرمة مولى ابن عباس وكثير عزة في يوم واحد في سنة خمس ومائة ، فرأيتهما جميعاً صُلي عليهما في موضع واحد بعد الظهر ، فقال الناس : مات أفقه الناس وأشعر الناس ، وكان موتهما بالمدينة٢ ، وقد تقدم ذكر عكرمة والخلاف في تاريخ موته ، فلينظر هناك في ترجمته٣ . وقد تقدم الكلام على الخزاعي . وكُثير: تصغير كَثِير وإنما صغر لأنه كان حقيراً شديد القصر . وكان إذا دخل على عبد العزيز بن مروان يقول: طأطىء رأسك لئلا يؤذيك السقف، يمازحه بذلك؛ وكان يلقب ((زب الذباب)) لقصره، وقال بعضهم: رأيت كثيراً يطوف بالبيت ، فمن أخبرني أن طوله كان أكثر من ثلاثة أشبار فقد كذب؛ . ٥٤٧ مظفر الدين صاحب إِربل أبو سعيد كوكبوري بن أبي الحسن علي بن بكتكين® بن محمد٦، الملقب الملك المعظم مظفر الدين صاحب إربل . ١ ر : وأخبار كثير كثيرة . ٢ وكان ... بالمدينة : سقط من س ل ن ر ؛ ونص ابن سعد كله ساقط من المختار . ٣ انظر = ٣ : ٢٦٥ . ٤ وكان يلقب ... فقد كذب : لم يرد إلا في المختار . ٥٤٧ - أخباره في أماكن متفرقة من مرآة الزمان : والباهر وسيرة صلاح الدين وذيل الروضتين : ١٦١، والنجوم الزاهرة ٦: ٢٨٢ وعبر الذهبي ٥: ١٢١ والشذرات ٥ : ١٣٨. ٦ ابن محمد : سقطت من س ل ر والمختار . ٥ ل : بلتكين ؛ ر : سبكتكين . ٨ - ٤ ١١٣ (156) كان والده زين الدين علي المعروف بکجك صاحب إربل ، ورزق أولاداً كثيرة، وكان قصيراً، ولهذا قيل له (( كجك)) وهو لفظ أعجمي معناه بالعربي صغير : أي صغير القدر، وأصله من التركمان ، وملَكَ إِربل وبلاداً كثيرة في تلك النواحي ، وفرقها على أولاد أنابك قطب الدين مودود بن زنكي صاحب الموصل ولم يبق له سوى إربل، والشرحُ يطول، وعمّر طويلاً، يقال إنه جاوز مائة سنة وعمي في آخر عمره ، وانقطع بإربل إلى أن توفي بها ليلة الأحد حادي عشر ذي القعدة سنة ثلاث وستين وخمسمائة [وقال ابن شداد في ((سيرة صلاح الدين))١: مات في ذي الحجة من السنة]٢ ودفن في تربته المعروفة به المجاورة للجامع العتيق داخل البلد رحمه الله تعالى، وكان موصوفاً بالقوة المفرطة والشهامة ، وله بالموصل أوقاف كثيرة مشهورة من مدارس وغيرها . [قال شيخنا الحافظ عز الدين أبو الحسن علي المعروف بابن الأثير الجَزّري في تاريخه الصغير الذي عمله لبني أنابك ملوك الموصل٣: إن زين الدين المذكور سار عن الموصل إلى إربل سنة ثلاث وستين وخمسمائة ، وسَلْم جميع ما كان بيده من البلاد والقلاع إلى أقابك قطب الدين ، فمن ذلك سنجار وحران وقلعة عَقْر الحميدية وقلاع الهَكّارية جميعها وتكريت وشهرزور وغير ذلك ، وما ترك لنفسه سوى إربل ، وكان قد حج هو وأسد الدين شيركوه بن شاذي في سنة خمس وخمسين وخمسمائة ]٤ . ولما توفي ولي موضعَهُ ولدُهُ مظفر الدين المذكور وعمره أربع عشرة سنة ، وكان أتابكه مجاهد الدين قايماز - المذكور في حرف القاف - فأقام مدة ، ثم تعصب مجاهد الدين عليه ، وكتب محضراً أنه ليس أهلاً لذلك ، وشاور الديوان العزيز في أمره واعتقله ، وأقام أخاه زين الدين أبا المظفر يوسف مكانه ، وكان أصغر منه ، ثم أخرج مظفر الدين من البلاد ، فتوجه إلى بغداد فلم يحصل له بها ١ سيرة صلاح الدين : ٣٩. ٢ ما بين معقفين لم يرد في النسح الخطية . ٣ الباهر : ١٣٥ . ٤ لم يرد في النسخ الخطية التي اعتمدناها . ١١٤ مقصود، فانتقل إلى الموصل ومالكها يومئذ سيف الدين غازي بن مودود - المقدم ذكره في حرف الغين - ، فاتصل بخدمته ، وأقطعه مدينة حران ، فانتقل إليها وأقام بها مدة ، ثم اتصل بخدمة السلطان صلاح الدين، وحَظِيَ عنده ، وتمكن منه ، وزاده في الاقطاع الرما [في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وأخذ صلاح الدين الرها من ابن الزعفراني وأعطاها مظفر الدين مع حرّان، وأخذ الرقة من ابن حسان وأعطاها ابن الزعفراني، والشرح في ذلك يطول، ثم أعطاه]١ سُمَيساط، وزوّجه أخته الست ربيعة خاتون بنت أبوب، وكانت قَبْله زوجة سعد الدين مسعود بن معين الدين صاحب قصر معين الدين الذي بالغَور ، وتوفي سعد الدين المذكور سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. وشهد مظفر الدين مع صلاح الدين مواقف كثيرة وأبان فيها عن نجدة وقوة نفس وعزمة ، وثبت في مواضع لم يثبت فيها غيره على ما تضمنته تواريخ العماد الأصبهاني وبهاء الدين بن شداد وغيرهما، وشهرة ذلك تغني عن الإطالة فيه ، ولو لم يكن له إلا وقعة حطّينَ لكفته ، فانه وقف هو وتقي الدين صاحب حماة - المقدم ذكره - وانكسر العسكر بأسره، ثم لما سمعوا بوقوفهما تراجعوا حتى كانت النصرة للمسلمين ، وفتح الله سبحانه عليهم . ثم لما كان السلطان صلاح الدين منازلاً عكا٢ بعد استيلاء الفرنج عليها وردت عليه ملوك الشرق تنجده وتخدمه ، وكان في جملتهم زين الدين يوسف أخو مظفر الدين ، وهو يومئذ صاحب إربل ، فأقام قليلاً ثم مرض ، وتوفي في الثامن والعشرين٣ من شهر رمضان سنة ست وثمانين وخمسمائة بالناصرة - وهي قرية بالقرب من عكا يقال إن المسيح عليه الصلاة والسلام وُلد بها على الاختلاف الذي في ذلك - فلما توفي التمس مظفر الدين من السلطان أن ينزل عن حران والرها وسُمَيساط، ويعوّضه إِربل ، فأجابه إلى ذلك وضم إليه شهرزور ، فتوجه إليها ودخل إربلَ في ذي الحجة سنة ست وثمانين وخمسمائة ، هذه خلاصة أمره . ١ لم يرد في النسخ وهو ملخص في المختار بإيجاز . ٢ ر : نازلا على عكا . ٣ ر : ثامن عشري . ٤ ١١٥ وأما سيرته فلقد كان له في فعل الخيرات١ غرائب لم يسمع أن أحداً فعل في ذلك ما فعله ، لم يكن في الدنيا شيء أحبّ إليه من الصَّدَقة ، كان له كل يوم قناطير مقنطرة من الخبز يفرقها على المحاويج في عدة مواضع من البلد يجتمع في كل موضع خلق كثير يفرق عليهم في أول النهار ، وكان إذا نزل من الركوب يكون قد اجتمع عند الدار خلق كثير فيدخلهم إليه ويدفع لكل واحد كسوة على قدر الفصل من الشتاء والصيف٢ أو غير ذلك، ومع الكسوة شيء من الذهب من الدينار والاثنين والثلاثة وأقل وأكثر ، وكان قد بنى أربع خانقاهات للزَّمْنى والعُمْيان وملأها من هذين الصنفين ، وقرر لهم ما يحتاجون إليه كل یوم ، وكان يأتيهم بنفسه في كل عصرية اثنین و خميس ویدخل عليهم ، ويدخل إلى كل واحد في بيته، ويسأله عن حاله ويتفقده بشيء من النفقة ، وينتقل إلى الآخر ، وهكذا حتى يدور على جميعهم، وهو يُباسطهم ويمزح معهم ويجبر قلوبهم ، وبنى داراً للنساء الأرامل، وداراً للصغار الأيتام٣ ، وداراً للملاقيط رتب٤ بهم جماعة من المراضع، وكل مولود يُلتقط يحمل إليهن فيُرْضِعِنه ، وأجرى على أهل كل دار ما يحتاجون إليه في كل يوم ، وكان يدخل إليها في كل وقت ويتفقد أحوالهم ويعطيهم النفقات زيادة على المقرر لهم ، وكان يدخل إلى البيمارستان ويقف على مَريضٍ مريضٍ ويسأله عن مَبِيته وكيفية حاله وما يشتهيه وكان له دار مضيف يدخل إليها كل قادم على البلد من فقيه أو فقير أو غيرهما ، وعلى الجملة فما كان يمنع منها كل من قصد الدخول إليها ، ولهم الراتب الدارُّ في الغداء والعشاء، وإذا عزم الإنسان على السفر أعْطَوْه نفقةً على ما يليق بمثله ، وبنى مدرسة رتّبَ فيها فقهاء الفريقين من الشافعية والحنفية ، وكان كل وقت يأتيها بنفسه ، ويعمل السماط بها ويبيت بها ويعمل السماع ، فإذا طاب وخلع شيئاً من ثيابه ، سيّر للجماعة بكرة شيئاً من الانعام ، ولم يكن له ١ ر بر : فقد ... الخير . ٢ من هنا تبدأ النسخة : ت . ٣ ت : والأيتام ؛ المختار : للضعفاء الأيتام . ٤ س والمختار : ورتب . ١١٦ ، لذة سوى السماع ، فإنه كان لا يتعاطى المنكر، ولا يمكن من إدخاله إلى البلد، وبنى للصوفية خانقاهين١ فيها خلق كثير من المقيمين والواردين ، ويجتمع في أيام المواسم فيها من الخلق ما يعجب الإنسان من كثرتهم ، ولهما أوقاف كثيرة تقوم بجميع ما يحتاج إليه ذلك الخلق ، ولا بد عند سفر كل واحد من نفقة يأخذها، وكان ينزل بنفسه إليهم ويعمل عندهم السماعات في كثير من الأوقات. وكان يُسَيِّر في كل سنة دفعتين جماعة من أمنائه إلى بلاد الساحل ومعهم جملة مستكثرة من الناس يفتكُ بها أسرى المسلمين من أيدي الكفار ، فإذا وصلوا إليه أعطى كل واحد شيئاً، وإن لم يصلوا فالأمناء يعطونهم بوصية منه في ذلك. وكان يقيم في كل سنة سبيلاً للحاج ، ويسير معه جميع ما تدعو حاجة المسافر إليه في الطريق ، ويسير صحبته أميناً معه خمسة أو ستة آلاف دينار ينفقها بالحرمين على المحاويج وأرباب الرواتب ، وله بمكة ، حرسها الله تعالى ، آثار جميلة وبعضها باق إلى الآن ، وهو أول من أجرى الماء إلى جبل عرفات ليلة الوقوف: وغرم عليه جملة كثيرة، وعمّر بالجبل مصانع للماء ، فإن الحجاج كانوا يتضررون من عدم الماء ، وبنى له تربة أيضاً هناك . وأما احتفاله بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الوصف يقصر عن الإحاطة به ، لكن نذكر طرفاً منه: وهو أن أهل البلاد كانوا قد سمعوا بحسن اعتقاده٢ فيه ، فكان في كل سنة يصل إليه من البلاد القريبة من إربل - مثل بغداد والموصل والجزيرة وسنجار ونصيبين وبلاد العجم وتلك النواحي - خلق كثير من الفقهاء والصوفية والوعاظ والقراء والشعراء، ولا يزالون يتواصلون من المحرم إلى أوائل شهر ربيع الأول ، ويتقدم مظفر الدين بنَصْب قباب من الخشب كل قبة أربع أو خمس طبقات ، ويعمل مقدار عشرين قبة وأكثر ، منها قبة له٣ ، والباقي للأمراء وأعيان دولته لكل واحد قبة ، فإذا كان أول صفر زينوا تلك القباب بأنواع الزينة الفاخرة المستجملة ، وقعد في كل قبة جوق من المغاني وجوق ١ ر : خانقاهيتين، ت : خانقاهتين ، بر : خانقين. ٢ ت بر : اعتماده . ٣ ت : عشرين قبة وأكبر قبة له . ١١٧ من أرباب الخيال ومن أصحاب الملاهي ، ولم يتركوا طبقة من تلك الطباق في كل قبة١ حتى رتبوا فيها جوقاً ، وتبطل معايش الناس في تلك المدة ، وما يبقى لهم شغل إلا التفرج والدوران عليهم ؛ وكانت القباب منصوبة من باب القلعة إلى باب الخانقاه المجاورة للميدان ، فكان مظفر الدين ينزل كل يوم بعد صلاة العصر ويقف على قبة قبة إلى آخرها، ويسمع غناءهم ، ويتفرج على خيالاتهم وما يفعلونه في القباب ، ويبيت في الخانقاه ويعمل السماع ويركب عقيب صلاة الصبح يتصيد ، ثم يرجع إلى القلعة قبل الظهر ، هكذا يعمل كل يوم إلى ليلة المولد، وكان يعمله سنة" في ثامن الشهر، وسنة في الثاني عشر٢ ، لأجل الاختلاف الذي فيه ، فإذا كان قبل المولد بيومين أخرج من الإبل والبقر والغنم شيئاً كثيراً زائداً عن الوصف وزفها يجميع ما عنده من الطبول والمغاني والملاهي حتى يأتي بها إلى الميدان ، ثم يشرعون في نحرها ، وينصبون القدور ويطبخون الألوان ؛ المختلفة فإذا كانت ليلة المولد عمل السماعات بعد أن يصلي المغرب في القلعة ثم ينزل وبين يديه من الشموع المشتعلة شيء كثير، وفي جملتها شمعتان أو أربع - أشك في ذلك - من الشموع الموكبية التي تحمل كل واحدة منها على بغل ، ومن ورائها رجل يسندها وهي مربوطة على ظهر البغل حتى ينتهي إلى الخانقاه ، فإذا كان صبيحة يوم المولد أنزل الخلع من القلعة إلى الخانقاه على أيدي الصوفية ، على يد كل شخص منهم بقجة ، وهم متتابعون كل واحد وراء الآخر ، فينزل من ذلك شيء كثير لا أتحقق٣ عدده ، ثم ينزل إلى الخانقاه وتجتمع الأعيان والرؤساء وطائفة كبيرة من بياض الناس ، وينصب كرسي للوعاظ ٤، وقد نصب لمظفر الدين برج خشب له شبابيك إلى الموضع الذي فيه الناس والكرسي، وشبابيك أُخر للبرج أيضاً إلى الميدان ، وهو ميدان كبير في غاية الاتساع ، ويجتمع فيه الجند° ويعرضهم ذلك النهار ، وهو ثارة ينظر ١ في كل قبة : زيادة من ت : ٢ ن : ثاني عشر . ٣ س : لا يتحقق . ٤ ت : للوعظ . ٥ ت : ويجمع الجند . ١١٨ إلى عرض الجند وقارة إلى الناس والوعاظ ، ولا يزال كذلك حتى يفرغ الجند من عرضهم، فعند ذلك يقدم السماط في الميدان الصعاليك، ويكون سماطاً عاماً فيه من الطعام والخبز شيء كثير لا يحد ولا يوصف، ويمد سماطاً ثانياًً في الخانقاه للناس المجتمعين عند الكرسي ، وفي مدة العرض ووعظ الوعاظ يطلب واحداً واحدا٢ً من الأعيان والرؤساء والوافدين لأجل هذا الموسم ممن قدمنا ذكره من الفقهاء والوعاظ والقراء والشعراء ، ويخلع على كل واحد ثم يعود إلى مكانه ، فإذا تكامل ذلك كله ، حضروا السماط وحملوا منه لمن يقع التعيين على الحمل إلى داره ، ولا يزالون على ذلك إلى العصر أو بعدها ، ثم يبيت تلك الليلة هناك ، ويعمل السماعات إلى بكرة، هكذا يعمل في كل سنة ، وقد لخصت صورة الحال فإن الاستقصاء يطول، فإذا فرغوا من هذا الموسم تجهز كل إنسان للعود إلى بلده ، فيدفع لكل شخص شيئاً من النفقة٣، وقد ذكرت في ترجمة الحافظ أبي الخطاب ابن دحية في حرف العين وصوله إلى إربل وعمله لكتاب ((التنوير في مولد السراج المنير)) لما رأى من اهتمام مظفر الدين به، وأنه اعطاه ألف دينار غير ما غرم عليه مدة إقامته من الإقامات الوافرة . وكان رحمه الله متى أكل شيئاً استطابه لا يختص به ، بل إذا أكل من زبدية لقمة طيبة قال لبعض الجنادرة٤ : احمل هذا إلى الشيخ فلان أو فلانة ممن هم عنده مشهورون بالصلاح ، وكذلك يعمل في الفاكهة والحلوى وغير ذلك من المطاعم . وكان كريم الأخلاق كثير التواضع حسن العقيدة سالم البطانة شديد الميل إلى أهل السنة والجماعة لا ينفق عنده من أرباب العلوم سوى الفقهاء والمحدثين ومن عداهما لا يعطيه شيئاً إلا تكلفاً، وكذلك الشعراء لا يقول بهم ولا يعطيهم إلا إذا قصدوه فما كان يضيّع قصدهم ولا يخيّب أمل من يطلب بِرَّه ، وكان ١ ن : سماط ثان؛ ت س لي ن : سماط ثاني . ٢ ت : كل واحد . ٣ قوله: لكن نذكر طرفاً منه ... النفقة: سقط هذا النص الطويل من النسخة ر .. ٤ ن : أجناده . ١١٩ يميل إلى علم التاريخ ، وعلى خاطره منه شيء يذاكر به ، ولم يزل ، رحمه الله تعالى، مؤيدا١ً في مواقفه ومصافاته مع كثرتها، لم ينقل أنه انكسر في مصاف قط٢، ولو استقصيت في تعداد محاسنه لطال الكتاب، وفي شهرة معروفهٍ غنية٣ عن الإطالة وليعذر الواقف على هذه الترجمة ففيها تطويل، ولم يكن سببه إلا ما له علينا من الحقوق التي لا نقدر على القيام بشكر بعضها ، ولو عملنا مهما عملناه ، وشكر المنعم واجب، فجزاه الله عنا أحسن الجزاء ، فكم له علينا من الأيادي ، ولأسلافه على أسلافنا من الإنعام ، والإنسان صنيعة الإحسان ، ومع الاعتراف يحميله فلم أذكر عنه شيئاً على سبيل المبالغة ، بل كل ما ذكرته عن مشاهدة وعيان ، وربما حذفت بعضه طلباً للإيجاز . وكانت ولادته بقلعة الموصل ليلة الثلاثاء السابعة والعشرين من المحرم سنة تسع وأربعين وخمسمائة . وتوفي وقت الظهر ليلة الجمعة رابع عشر شهر رمضان سنة ثلاثين وستمائة بداره في البلد التي كانت لمملوكه شهاب الدين قراطايا ، فلما قبض عليه في سنة أربع عشرة وستمائة أخذها وصار يسكنها بعض الأوقات، فمات بها، ثم نقل إلى قلعة إربل ودفن بها ، ثم حمل بوصية منه إلى مكة ، شرفها الله تعالى ، وكان قد أعد له بها قبة تحت الجبل في ذيله يدفن فيها ، وقد سبق ذكرها ، فلما توجه الركب إلى الحجاز سنة إحدى وثلاثين سيّروه في الصحبة ، فاتفق أن رجع الحاج تلك السنة من لِينَةَ، ولم يصلوا إلى مكة ، فردوه ودفنوه بالكوفة بالقرب من المشهد، رحمه الله تعالى وعوضه خيراً وتقبل مَبَارَّه وأحسن مُنقَلبه. (157) وأما زوجته ربيعة خاتون بنت أبوب فإنها توفيت في شعبان سنة ثلاث وأربعين وستمائة ، وغالبُ ظني أنها جاوزت ثمانين سنة ، ودفنت في ١ ر : مؤيداً منصوراً . ٢ جاء في المختار بعد هذه اللفظة: ((قلت، أعني كاتبها موسى بن أحمد: قد اختصرت هذه الترجمة مع المبالغة في الاختصار مع أن والدي قدس الله روحه قال فيها إنه ذكر أحواله ملخصة مختصرة وأنه لو فصلها لطال الشرح ، واعتذر عن طولها مع الاختصار بكثرة ما كان المذكور عليه . (( وعلى سلفه من الإحسان والحقوق .. ٣ ر : تغني. ١٢٠