Indexed OCR Text

Pages 61-80

قال إبراهيم الحربي : كان أبو عبيد كأنه جبل نفخ فيه الروح يُحْسِن كل
شيء . وولي القضاء بمدينة طَرَ سُوسَ ثماني عشرة سنة ، وروى عن أبي زيد
الأنصاري والأصمعي وأبي عبيدة وابن الأعرابي والكسائي والفراء وجماعة كثيرة
غيرهم ، وروى الناس من كتبه المصنفة بضعة وعشرين كتاباً في القرآن الكريم
والحديث وغريبه والفقه وله ((الغريب المصنف)) و((الأمثال)) و((معاني الشعر»
وغير ذلك من الكتب النافعة .
ويقال إنه أول من صنف في غريب الحديث . وانقطع إلى عبد الله بن ،
طاهر مدة، ولما وضع كتاب ((الغريب)) عرضه على عبد الله بن طاهر ،
فاستحسنه وقال: إن عقلًا بعث صاحبه على عمل هذا الكتاب حقيق ألا يُحْوَج!
إلى طلب المعاش ، وأجرى عليه عشرة آلاف درهم في كل شهر. وقال محمد بن
وهب المسعري : سمعت أبا عبيد يقول : كنت في تصنيف هذا الكتاب أربعين
سنة ، وربما كنت أستفيد الفائدة من أفواه الرجال فأضعها في موضعها من
الكتاب ، فأبيت ساهراً فرحاً مني بتلك الفائدة ، وأحدكم يجيئني فيقيم أربعة
خمسة أشهر فيقول : قد أقمت كثيراً .
وقال الهلال بن العلاء الرقي: مَنَّ الله تعالى على هذه الأمة بأربعة في زمانهم:
بالشافعي تفقه في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبأحمد بن حنبل ثبت
في المحنة ولولا ذلك لكفر الناس ، وبيحيى بن مَعِين نَفى الكذب عن حديث
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأبي عبيد القاسم بن سَلاَم فسر غريب الحديث
ولولا ذلك لاقتحم الناس الخطأ .
وقال أبو بكر ابن الأنباري : كان أبو عبيد يقسم الليل أثلاثاً فيصلي ثلثه
وينام ثلثه ويضع الكتب ثلثه . وقال إسحاق بن راهويه : أبو عبيد أوسعنا
علماً وأكثرنا أدباً وأجمعنا جمعاً، إنا نحتاج إلى أبي عبيد وأبو عبيد لا يحتاج
إلينا . وقال ثعلب : لو كان أبو عبيد في بني إسرائيل لكان عجباً .
وكان يخضب بالحناء ، أحمر الرأس واللحية ، وكان له وقار وهيبة . وقدم
بغداد فسمع الناس منه كتبه . ثم حج وتوفي بمكة ، وقيل بالمدينة بعد الفراغ
ار : على أن لا يخرج.
٦١

من الحج ، سنة اثنتين او ثلاث وعشرين ومائتين ، وقال البخاري : سنة أربع
وعشرين، وزاد غيره: في المحرم، وقال الخطيب في ((تاريخ بغداد)): بلغني
أنه عاش سبعاً وستين سنة . وذكر الحافظ ابن الجوزي أن مولده سنة خمسين
ومائة. وقال أبو بكر الزبيدي في كتاب ((التقريظ))١: إن مولده سنة أربع
وخمسين ومائة . وذكر أن أبا عبيد لما قضى حجه وعزم على الانصراف واكترى
إلى العراق، رأى في الليلة التي عزم على الخروج٢ في صبيحتها النبيَّ صلى الله عليه
وسلم في منامه وهو جالس وعلى رأسه قوم يحجبونه وناس يدخلون فيسلمون
عليه ويصافجونه ، قال: فكلما دنوت لأدخل مُنِعْت ، فقلت لهم: لم لا تخلُّون
بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا : لا والله لا تدخل إليه ولا
تسلم عليه وأنت خارج غداً إلى العراق، فقلت لهم : إني لا أخرج إذاً، فأخذوا
عهدي ، ثم خَلَّوْا بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدخلت وسلمت
عليه وصافحني ، فأصبحت ففسخت الكراء وسكنت بمكة ، ولم يزل بها إلى
الوفاة٣ ، ودفن في دور٤ جعفر، وقيل إنه رأى المنام بالمدينة ومات بها بعد
رحيل الناس عنها بثلاثة أيام ، رحمه الله تعالى، ومولده بهَراة° .
وطَرَسوس: بفتح الطاء المهملة والراء وضم السين المهملة وسكون الواو
وبعدها سين ثانية)، وهي مدينة بساحل الشام عند السيس والمصيصة بناها المهدي
ابن المنصور أبي جعفر في سنة ثمان وستين ومائة ، على ما حكاه ابن الجزار في
تاريخه .
ومن تصانيفه أيضاً ((المقصور والممدود)) و((القراءات)) و((المذكر
١ ذكره ابن خير في فهرسته : ٣٥١ باسم كتاب رسالة التقريظ ، وقد روى الكتاب عن مؤلفه
عبادة بن ماء السماء الشاعر الأندلسي ؛ وهذا النص الذي ذكره المؤلف موجود أيضاً في
طبقات الزبيدي : ٢١٩ .
٢ ر: على الانصراف والخروج .
٣ ن : إلى أن توفي ؛ المختار : إلى الممات .
٤ لي : بدور .
٥ هنا تنتهي الترجمة في المختار .
٦٢

والمؤنث)) وكتاب ((النسب)) وكتاب ((الأحداث)) و((أدب القاضي)) و((عدد
آي القرآن)) و((الأيمان والنذور)) و((الحيض)) وكتاب ((الأموال)» وغير
ذلك ، رحمه الله تعالى .
١
٥٣٥
الحريري صاحب المقامات
أبو محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان الحريري البصري الحَرامي صاحب
المقامات ؛ كان أحد أئمة عصره، ورزق الحظوة التامة في عمل المقامات ،
واشتملت على شيء كثير من كلام العرب : من لغاتها وأمثالها ورموز أسرار
كلامها، ومَنْ عَرَفَها حق معرفتها استدل بها على فضل هذا الرجل وكثرة
اطلاعه وغزارة مادته ، وكان سبب وضعه لها١ ما حكاه ولده أبو القاسم عبد
الله قال : كان أبي جالساً في مسجده ببني حَرام فدخل شيخ ذو طِمْرَين عليه
أهبة السفر رشّ الحال فصيح الكلام حسن العبارة ، فسألته الجماعة : من أين
الشيخ ؟ فقال : من سَرُوج ، فاستخبروه عن كنيته فقال : أبو زيد ، فعمل٢
أبي المقامة المعروفة بالحرامية ، وهي الثامنة والأربعون ، وعَزاها إلى أبي زيد
٥٣٥ - ترجمته في المنتظم ٩: ٢٤١ وأنباه الرواة ٣ : ٢٣ ونزهة الألباء : ١٦٢ واللباب :
(الحريري) ومرآة الزمان: ١٠٩ ومعجم الأدباء ١٦: ٢٦١ وطبقات السبكي ٤ : ٢٩٥
وعبر الذهبي: ٣٨ والنجوم الزاهرة ٥: ٢٢٥ والشذرات ٤: ٥٠٠ وخزانة الأدب ٣ : ١١٧
ومعاهد التنصيص ٣ : ٢٧٢ وبغية الوعاة: ٣٧٨ وشرح الشريشي ١ : ٣، وقد أوردت م
جزءاً من هذه الترجمة ثم سقط سائرها كما سقطت تراجم كثيرة بعدها لضياع أوراق من
المخطوطة .
١ ر : وضعها .
٢ ن: فوضع المقامات وعزاها إلى أبي زيد المذكور واشتهرت فبلغ ... الخ.
٦٣
٢

المذكور ، واشتهرت فبلغ خبرها الوزير١ شرف الدين أبا نصر٢ أنو شروان
ابن خالد بن محمد القاشاني وزير الإمام المسترشد بالله ، فلما وقف عليها أعجبته ،
وأشار على والدي أن يضم إليها غيرها ، فأتمها خمسين مقامة٣ ، وإلى الوزير
المذكور أشار الحريري في خطبة المقامات بقوله: ((فأشار مَنْ إشارته حكم ،
وطاعته غنم ، إلى أن أنشىء مقامات أتلو فيها تلو البديع، وإن لم يدرك الظالع
شأو الضليع » هكذا وجدته في عدة تواريخ ، ثم رأيت في بعض شهور سنة
ست وخمسين٤ وستمائة بالقاهرة المحروسة نسخة مقامات وجميعها بخط مصنفها
الحريري ، وقد كتب بخطه أيضاً على ظهرها : إنه صنفها للوزير جلال الدين
عميد الدولة أبي علي الحسن بن أبي العز علي بن صدقة وزير المسترشد أيضاً ، ولا
شك أن هذا أصح من الرواية الأولى لكونه بخط المصنف ، وتوفي الوزير المذكور
في رجب سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة ، فهذا كان مستنده في نسبتها إلى أبي
زيد السروجي .
وذكر القاضي الأكرم جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف الشيباني القفطي
وزير حلب في كتابه الذي سماه ((إنباه الرواة على أنباه النحاة))° أن أبا زيد
المذكور اسمه المطهر بن سلار ، وكان بصريا٦ً نحوياً لغوياً، صحب الحريري
المذكور ، واشتغل عليه بالبصرة وتخرج به ، وروى عنه القاضي أبو
الفتح محمد بن أحمد بن المَنْدائي الواسطي ((ملحة الأعراب)) الحريري ،
وذكر أنه سمعها منه عن الحريري وقال : قدم علينا واسط في سنة ثمان
١ رن : إلى الوزير .
٢ ن : أبي نصر؛ وسقطت من ر .
٣ مقامة : سقطت من ر .
٤ ر : ست وسبعين .
• انباه الرواة ٣ : ٢٧٦ (ترجمة المطهر بن سلار) قلت : وقد اضطرب اسم كتاب القفطي في
بعض النسخ ، فهو في ر : انباه الرواة على ألباب النحاة ؛ وفي لي : اثبات الرواة على اثبات
النحاة .
٦ ل لي بر : بصيراً، ن : قصيراً .
٦٤

وثلاثين وخمسمائة ، فسمعتها١ منه ، وتوجه منها مصعداً إلى بغداد فوصلها
وأقام بها مدة يسيرة وتوفي بها ، رحمه الله تعالى [وكذا ذكره السمعاني في
في ((الذيل)) والعماد في ((الخريدة)) وقال: لقبه فخر الدين، وتولى صدرية
المَشَان، ومات بها بعد سنة أربعين وخمسمائة]٢.
وأما تسمية الراوي لها بالحارث بن همام فإنما عنى به نفسه ، هكذا وقفت
عليه في بعض شروح المقامات ، وهو مأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم ((كلكم
حارث وكلكم همام)) فالحارث الكاسب، والهمام الكثير الاهتمام، وما من
شخص إلا وهو حارث وهمام ، لأن كل واحد كاسب ومهتم بأموره .
وقد اعتنى بشرحها خلق كثير: فمنهم من طوّل، ومنهم من اختصر٣ .
ورأيت في بعض المجاميع أن الحريري لما عمل المقامات كان قد عملها أربعين
مقامة ، وحملها من البصرة إلى بغداد وادعاها ، فلم يصدقه في ذلك جماعة من
أدباء بغداد ، وقالوا : إنها ليست من تصنيفه ، بل هي لرجل مغربي من أهل
البلاغة مات بالبصرة ووقعت أوراقه إليه فادعاها ، فاستدعاه الوزير إلى الديوان
وسأله عن صناعته ، فقال: أنا رجل منشىء، فاقترح عليه إنشاء رسالة في واقعة
عيّنها ، فانفرد في ناحية من الديوان ، وأخذ الدواة والورقة ومكث زماناً
كثيراً فلم يفتح الله سبحانه عليه بشيء من ذلك ، فقام وهو خجلان ، وكان في
جملة من أنكر دعواه في عملها أبو القاسم علي بن أفلح الشاعر - المقدم ذكره -
فلما لم يعمل الحريري الرسالة التي اقترحها الوزير أنشد ابن أفلح ، وقيل إن
هذين البيتين لأبي محمد ابن أحمد المعروف بابن جكينا الحريمي البغدادي الشاعر
المشهورة :
شَيْخٌ لنا من رَبَيعَةِ الفَرَسِ يَنْتَفُ عُثْنُونه من الهَوَسِ
أنطقَهُ الله بالمَشانِ كَمَا رَمَاه وسْطَ الديوان بالخَرَسِ
١ ر بر : فسمعنا منه ، وكذلك عند القفطي .
٢ انفردت به ر .
٣ ن : قصر .
٤ وقيل ... المشهور : وقع هذا بعد البيتين في س .
٥ - ٤
٦٥

وكان الحريري يزعم أنه من ربيعة الفَرَس ، وكان مولعاً بنتف لحيته عند
الفكرة، وكان يسكن في مَشان البصرة، فلما رجع إلى بلده عمل عشر مقامات
أُخر وسيّرهنّ، واعتذر من عيه وحَصَره في الديوان ١ بما لحقه من المهابة.
والحريري تواليف حسان منها ((درة الغواص في أوهام٢ الخواص)) ومنها
((( ملحة الاعراب)) المنظومة في النحو، وله أيضاً شرحها ، وله ديوان رسائل
وشعر كثير غير شعره الذي في المقامات ، فمن ذلك قوله وهو معنى حسن :
· أما ترى الشّعْرَ في خديه قد نَبَتا
قال العواذلُ ما هذا الغرام به
تأمل الرشد في عينيهِ ما ثبتا
فقلتُ والله لو أن المفتِّدَ لي
ومَنْ أقام بأرضٍ وهي مُجْدِبة فكيف يرحل عنها والربيع أتى
وذكر له العماد الكاتب في (( الخريدة)»:
كم ظباءِ بحاجر فتنتْ بالمحاجر
خدرت بالمخادر
ونفوسٍ نفائس.
هاج وجداً لخاطري
وتَثَنّ لخاطر.
عاذلي عادَ عاذِرِي
وعِذارٍ لأجله
وشجونٍ تضافرت
كشف الضفائر
عند
وله قصائد استعمل فيها التجنيس كثيراً .
ويحكى أنه كان دميماً قبيح المنظر، فجاءه شخص غريب يزوره ويأخذ
عنه شيئاً ، فلما رآه استزرى شكله٣، ففهم الحريري ذلك منه، فلما التمس منه
أن يملي عليه قال له : اكتب :
ما أنتَ أول سارٍ غرّه قمرٌ ورائدٍ أعجبَتهُ؛ خضرة الدمَنِ
.....
١ بر : بالديوان .
٣ ل : بشكله .
٢ ن : درة الغواص وإفهام .
٤ لي : خدعته .
٦٦

فاختر لنفسكَ غيري إنني رجل مثل ١ المُعَيْديّ فاسمع بي ولا تَرَني
فخجل الرجل منه وانصرف٢ .
وكانت ولادة الحريري في سنة ست وأربعين وأربعمائة . وتوفي سنة ست
عشرة ، وقيل خمس عشرة وخمسمائة بالبصرة ، في سكة بني حترام [وخلف
ولدين ، وقال أبو منصور الجواليقي : أجازني المقامات نجم الدين عبد الله وقاضي
قضاة البصرة ضياء الإسلام عبيد الله عن أبيهما منشئها]٣ .
ونسبته بالحَرامي إلى هذه السكة، رحمه الله تعالى ، وهي بفتح الحاء المهملة
والراء وبعدها ألف بعده ميم ، وبنو حرام : قبيلة من العرب سكنوا في هذه
السکة فنسبت إليهم .
والحريري : نسبة إلى الحرير وعمله أو بيعه .
والمَشان : بفتح الميم والشين المعجمة وبعد الألف نون ، بُليدة فوق البصرة
كثيرة النخل موصوفة بشدة الوَخَم ، وكان أصل الحريري منها ، ويقال إنه
كان له بها ثمانية عشر ألف نخلة، وإنه كان من ذوي اليسار .
(150) والوزير أنو شروان المذكور؛ كان نبيلاً فاضلاً جليل القدر، له تاريخ
لطيف سماه ((صدور زمان الفتور وفتور زمان الصدور )» ونقل منه العماد
الأصبهاني في كتاب (( نصرة الفترة وعصرة الفطرة)) الذي ذكر فيه أخبار الدولة
السلجوقية نقلاً كثيراً، وتوفي الوزير المذكور سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة ،
رحمه الله تعالى .
(151) وأما ابن المندائي المذكور فهو أبو الفتح محمد بن أبي العباس أحمد بن
بختيار بن علي بن محمد بن إبراهم بن جعفر الواسطي ، المعروف بابن المندائي ،
وقد أخذ عنه جماعة من الأعيان كالحافظ أبي بكر الحازمي° وغيره ، وكانت
١ لي : شبه .
٢ ر بر : وانصرف عنه .
٣ انفردت به ر .
٤ انظر المنتظم ١٠: ٧٧ والبداية والنهاية ١٢: ١٩٢ والشذرات ٤: ١٠١ .
٥ زاد في ر بر : المقدم ذكره .
٦٧

ولادته في شهر ربيع الآخر سنة سبع عشرة وخمسمائة بواسط ، وتوفي بها في
الثامن من شعبان سنة خمس وستمائة ، رحمه الله تعالى .
والمَنْدَاني : بفتح الميم وسكون النون وفتح الدال المهملة ومد الهمزة .
والمُعَيْدي : بضم الميم وفتح العين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها
دال مهملة مكسورة وياء مشددة ، وقد جاء في المثل ((تسمع بالمعيدي لا أن
تراه)) وجاء أيضاً (تسمع١ بالمعيدي خير من أن تراه )) وقال المفضل الضبي٢:
أول من تكلم به المنذر بن ماء السماء ، قاله لشقة بن ضمرة التميمي الدارمي ،
وكان قد سمع بذكره ، فلما رآه اقتحمته عينه ، فقال له هذا المثل وسار عنه ،
فقال له شقة : أبيت اللعن ! إِن الرجال ليسوا يحُزُرٍ يراد منها الأجسام ، إنما
المرء بأصغريه قلبه ولسانه ، فأعجب المنذر ما رأى من عقله وبيانه . وهذا
المثل يضرب لمن له صيت وذكر ولا منظر له ؛ والمعيدي منسوب إلى مَعَدّ
ابن عدنان ، وقد نسبوه بعد أن صغروه وخففوا منه الدال .
٥٣٦
القاسم بن الشهر زوري
أبو أحمد القاسم بن المظفر بن علي بن القاسم الشهر زوري، والد قاضي الخافقين
أبي بكر محمد والمرتضى أبي محمد عبد الله وأبي منصور المظفر ، وهو جد بيت
الشهرزوري قضاة الشام والموصل والجزيرة ، وكلهم إليه ينتسبون ؛ كان حاكماً
بمدينة إربل مدة ومدينة سنجار مدة ، وكان من أولاده وحفَدَته علماء نجباء
كرماء نالوا المراتب العلية وتقدموا عند الملوك وتحكموا وقضوا ونفقت أسواقهم،
خصوصاً حفيده القاضي كمال الدين محمد ومحيي الدين بن كمال الدين - وسيأتي
١ ر بر : لأن تسمع .
٢ أمثال الضبي : ٩ .
٦٨

ذكرهما إن شاء الله تعالى - وإلى الآن من نسله جماعة من الأعيان والقضاة
بالموصل . وقدم بغداد غير مرة ، وذكره الحافظ أبو سعد السمعاني في كتاب
(((الذيل)) ثم ذكره في كتاب ((الأنساب)) في موضعين: أحدهما في نسبة
الإربلي١، وقال: كان منها - يعني إِربل - جماعة من العلماء ، منهم أبو أحمد
القاسم المذكور ، وقال : إنه شيباني ، والثاني في نسبة الشهرزوري٢ ، ذكره
وذكر ولده قاضي الخافقين المذكور ، وأثنى عليه ، وذكره أبو البركات ابن
المستوفي في ((تاريخ إربل))٣ وأورد له شعراً، فمن ذلك قوله :
همتي دونها السها والزبانى قد علت جهدها فما تتدانى
فأنا مُتْعَبٌ مُعندَّى إلى أن تتفانى الأيام أو نتفانى
ورأيت في كتاب ((الذيل)) للسمعاني هذين البيتين منسوبين إلى ولده أبي
بكر محمد المعروف بقاضي الخافقين؛ ؛ والله أعلم لمن هما منهما .
وتوفي القاسم المذكور سنة تسع وثمانين وأربعمائة بالموصل ، ودفن في التربة
المعروفة به الآن المجاورة لمسجد جده أبي الحسن بن فرغان ، رحمه الله تعالى .
وأما ولده المرتضى عبد الله فهو والد القاضي كمال الدين - وقد تقدم ذكره
في العبادلة، وأوردت قصيدته اللامية المعروفة بالموصلية .
(152) وأما قاضي الخافقين٦ فقد قال السمعاني: إنه اشتغل بالعلم على أبي
إسحاق الشيرازي ، وولي القضاء بعدة بلاد ، ورحل إلى العراق وخراسان
والجبال وسمع الحديث الكثير ، وسمع منه السمعاني، وكانت ولادة قاضي
الخافقين بإربل سنة ثلاث ، أو أربع وخمسين وأربعمائة ، وتوفي في جمادى
٢ تاريخ إربل ، الورقة : ٩٣.
١ الأنساب ١ : ١٥٢ .
٣ الباب : (الشهر زوري) .
٤ كذلك وردا أيضاً عند الصفدي منسوبين إلى قاضي الخافقين .
• انظر جـ ٣ : ٤٩ .
٦ ترجمة قاضي الخافقين في الخريدة (قسم الشام) ٢: ٣٢٢ والوافي ٤ : ٣٣٩ وطبقات السبكي
٤: ٩٥ والمنتظم ١٠ : ١١٢ والشذرات ٤: ١٢٣ واللباب: ( الشهر زوري).
٦٩

الآخرة سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة ببغداد، ودُفن في باب أبرز، رحمه الله تعالى،
وإنما قيل له ((قاضي الخافقين)) لكثرة البلاد التي ولي فيها١ .
(153) وأما المظفر٢ فإن السمعاني ذكره أيضاً في ((الذيل )) فقال: ولد بإربل،
ونشأ بالموصل ، وورد بغداد وتفقه بها على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي ، ورجع
إلى الموصل ، ثم ولي قضاء سنجار على كبر سنه وسكنها ، وكان قد أضر . ثم
قال: سألته عن مولده فقال : ولدت في جمادى الآخرة - أو رجب - سنة
سبع وخمسين وأربعمائة بإربل ، ولم يذكر وفاته .
والشَّهْرُ زوري: بفتح الشين المعجمة وسكون الهاء وضم الراء والزاي
وسكون الواو وبعدها راء، هذه النسبة إلى شَهْرُزور، وهي بلدة كبيرة
معدودة من أعمال إربل ، بناها زور بن الضحاك ، وهي لفظة عجمية معناها
بالعربي بلدة زور، ومات بها الإسكندر ذو القرنين عند عوده من بلاد المشرق،
وحكى لي بعضُ أهلها وقد سألته عن قبره فقال: هناك قبر يعرف بقبر
إسكندر، ولا يعرف أهلها مَنْ هو، وهي مدينة قديمة ، وحكى الخطيب في
(((تاريخ بغداد)) أن الإسكندر جعل المدائن دار إقامته ، أعني مدائن كسرى ،
ولم يزل بها إلى أن توفي هناك، وحُمل تابوته إلى الإسكندرية لأن أمه كانت
مقيمة هناك ، ودفن عندها ، والله أعلم .
١ ر بر : وليها .
٢ ترجمته في تاريخ إربل : الورقة : ٩٨ .
٧٠
٢٦

٥٣٧
الشيخ الشاطي
أبو محمد القاسم بن فِيُّره بن أبي القاسم خلف بن أحمد ، الرُّعَيْنِيُّ الشاطبي
الضرير المقرىء صاحب القصيدة التي سماها ((حرز الأماني ووجه التهاني )) في
القراءات، وعدتها ألف ومائة وثلاثة وسبعون بيتاً، ولقد أبدع فيها كل الإبداع،
وهي عمدة قراء هذا الزمان في نقلهم ، فقلّ من يشتغل بالقراءات إلا ويُقَدِّم
حفظها ومعرفتها ، وهي مشتملة على رموز عجيبة وإشارات خفية لطيفة ، وما
أظنه سُبق إلى أسلوبها ؛ وقد روي عنه أنه كان يقول : لا يقرأ أحد قصيدتي
هذه إلا وينفعه الله عز وجل بها ، لأني نظمتها الله تعالى مخلصاً في ذلك . ونظم
قصيدة دالية في خمسمائة بيت مَنْ حفظها أحاط علماً بكتاب ((التمهيد)) لابن
عبد البر .
وكان عالماً بكتاب الله تعالى قراءةً وتفسيراً، وبحديث رسول الله صلى الله
عليه وسلم مبرزاً فيه ، وكان إذا قرىء عليه صحيح البخاري ومسلم والموطأ
تُصَحْح النسخ من حفظه، ويعلي النكت على المواضع المحتاج إليها، وكان أوحداً
في علم النحو واللغة ، عارفاً بعلم الرؤيا، حسن المقاصد، مخلصاً فيما يقول ويفعل.
[وقرأ القرآن الكريم بالروايات على أبي عبد الله محمد بن علي بن محمد بن أبي
العاص النفزي المقري وأبي الحسن علي بن محمد بن هذيل الأندلسي، وسمع الحديث
من أبي عبد الله محمد بن يوسف بن سعادة وأبي عبد الله محمد بن عبد الرحيم
الخزرجي وأبي الحسن ابن هذيل والحافظ أبي الحسن ابن النعمة وغيرهم]١ وانتفع
٥٣٧ - ترجمته في التكملة (رقم: ١٩٧٣) والذيل والتكملة ٥: ٥٤٨ وغاية النهاية ٢: ٢٠
( نقلا عن رحلة ابن رشيد) والديباج المذهب: ٢٢٤ ومعجم الأدباء ١٦ : ٢٩٣ ونكت
الهميان: ٢٢٨ وطبقات السبكي ٤: ٢٩٧ والشذرات ٤: ٣٠١ وبغية الوعاة : ٣٧٩
١ انفردت به ر .
والنفح ٢ : ٢٢ وعبر الذهبي ٤ : ٢٧٣ .
٧١

به خلق كثير ، وأدركت من أصحابه جمعاً كثيراً بالديار المصرية .
وكان يجتنب فضول الكلام ولا ينطق في سائر أوقاته إلا بما تدعو إليه
ضرورة ، ولا يجلس للإقراء إلا على طهارة في هيئة حسنة وتخشع واستكانة ،
وكان يعتل العلة الشديدة فلا يشتكي ولا يتأوه ، وإذا سئل عن حاله قال :
العافية ، لا يزيد على ذلك . أنشدني بعض أصحابه قال: كان الشيخ كثيراً ما
ينشد هذا اللغز ، وهو في نعش الموتى فقلت له : فهل هو له؟ فقال: لا أعلم،
ثم إني وجدته بعد ذلك في ديوان الخطيب أبي زكريا يحيى بن سلامة الحصكفي
- وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وهو :
أتعرفُ شيئاً في السماء يطيرُ إذا سار صاح الناسُ حيث يسيرُ
فتلقاه مركوباً وتلقاه راكباً وكل أمير يعتليه أسير
وتنفر منه النفسُ وهو نذير
يحض على التقوى ويكره قربه
ولم يستزر عن رغبة في زيارة ولكن على رغم المزور يزور
وكانت ولادته في آخر سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة ، وخطب ببلده على فتاء
سنه، ودخل مصر سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة . وكان يقول عند دخوله إليها:
إِنهُ يحفظ وقْرَ بعيرٍ من العلوم ، بحيث لو نزل عليه ورقة أخرى لما احتملها ،
وكان نزيل القاضي الفاضل، ورتبه بمدرسته بالقاهرة متصدراً لإقراء القرآن
الكريم وقراءاته والنحو واللغة . وتوفي يوم الأحد بعد صلاة العصر، الثامن
والعشرين من جمادى الآخرة سنة تسعين وخمسمائة . ودفن يوم الاثنين في تربة
القاضي الفاضل بالقرافة الصغرى ، وزرت قبره مراراً ، رحمه الله تعالى ؛ وصلى
عليه الخطيب أبو إسحاق العراقي - المقدم ذكره - خطيبُ جامع مصر .
وفِيُّره : بكسر الفاء وسكون الياء المثناة من تحتها وتشديد الراء وضمها ،
وهو بلغة اللطيني من أعاجم الأندلس ومعناه بالعربي : الحديد .
والرُّعَيْنِي : بضم الراء وفتح العين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها
نون، هذه النسبة إلى ذي رُعَيْنٍ ، وهو أحد أقيال اليمن، نُسب إليه
خلق كثير .
٧٢

والشاطبي : بفتح الشين المعجمة وبعد الألف طاء مكسورة مهملة وبعدها باء
موحدة، هذه النسبة إلى شاطبة١، وهي مدينة كبيرة ذات قلعة حصينة بشرق
الأندلس ، خرج منها جماعة من العلماء ، استولى عليها الفرنج في العشر الأخير
من شهر رمضان ، سنة خمس وأربعين وستمائة .
وقيل إن اسم الشيخ المذكور أبو القاسم ، وكنيته اسمه ، لكن وجدت في
إجازات أشياخه له أبو محمد القاسم كما ذكرته هاهنا .
٥٣٨
أبو دلف العجلي
أبو دُلَف القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل بن عمير بن شيخ٢ بن معاوية
ابن خزاعي بن عبد العزى بن دُلف بن جُشَم بن قيس بن سعد بن عجل بن لجيم
ابن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن
جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، العجلي، أحد قواد المأمون
ثم المعتصم من بعده - وقد تقدم ذكره في ترجمة علي بن جَبَلَة العَكَوِّك ،
وبعض مديح العكوَّك فيه ، وتقدم أيضاً في ترجمة أبي مسلم الخراساني أنه كان
تربية جده المذكور ، وتقدم ذكر حفيده الأمير أبي نصر علي بن ماكولا ،
صاحب كتاب ((الإكمال ))٣ - .
١ شاطبة ( Sativa) : كانت تعد من عمل بلنسية ولها حصن منيع ، ويخترق بطاحها واد عليه
بساتين جميلة ( انظر العذري : ١٨ - ١٩ ).
٥٣٨ - ترجمته في تاريخ بغداد ١٢: ٤١٦ والفهرست: ١١٦ ومروج الذهب ٤ : ٥، ٦٢
ومعجم المرزباني : ٢١٦ والأغاني ٨ : ٢٤٦ وسط اللآلي : ٣٣١ وتاريخ ابن الأثير ( ج : ٦)
واللباب: (العجلي) وعبر الذهبي ١ : ٣٩٤ والشذرات ٢: ٥٧، وقد ورد النسب كاملا
في ر وحدها .
٢ س لي ن : بن شيخ بن عمير.
٣ انظر جـ ٣: ٣٥٠، ١٤٥، ٣٠٥.
٧٣

وكان أبو دلف المذكور كريماً سَرِيّاً جواداً ممدَّحاً شجاعاً مقدماً ذا وقائع
مشهورة وصنائع مأثورة ، أخذ عنه الأدباء والفضلاء ، وله صنعة في الغناء ، وله
من الكتب كتاب (البزاة والصيد)) وكتاب ((السلاح)) وكتاب ((النزه))١
وكتاب (( سياسة الملوك)) وغير ذلك .
ولقد مدحه أبو تمام الطائي بأحسن المدائح ، وكذلك بكر بن النَّطّاح ،
وفيه يقول :
يا طالباً للكيمياء وعلمه مَدْحُ ابنِ عيسى الكيمياءُ الأعظَمُ
لو لم يكنْ في الأرض إلا دِرْهُمٌ ومدحتهُ لأتاكَ ذاكَ الدرْهُمُ
ويحكى أنه أعطاه على هذين البيتين عشرة آلاف درهم ، فأغفله قليلاً ثم.
دخل عليه وقد اشترى بتلك الدراهم قرية في٢ نهر الأبُلَّةِ ، فأنشده :
بك ابتعتُ في نهر الأبُلَّةِ قريةً عليها قُصَيْرٌ بالرَّخامِ مَشِيدُ
إلى جنبها أختٌ لها يعرضونها وعندك مال للهيات عَتيدُ
فقال له: كم ثمن هذه الأخت٣ ؟ فقال: عشرة آلاف درهم ، فدفعها له ثم
قال له: تعلم أن نهر الأبلة عظيم وفيه قرى كثيرة ، وكل أخت إلى جانبها؛
أخرى، وإِن فتحت هذا الباب اتسع عليّ الخرق، فاقنع بهذه ونصطلح عليها ،
فدعا له وانصرف .
وقد ألم أبو بكر محمد بن هاشم، أحد الخالديين ، بمعنى قول بكر بن النطاح
المذكور في البيتين الأولين ، فقال :
وتيقَّنَ الشعراء أن رَجاءهم في مأمن بك من وقوع الياسٍ
ما صَحَّ علم الكيمياء لغيرهم فيمن عرفنا من جميع الناس
١ س : النزهة .
٢ بر ؛ عند .
٣ ر : فقال: وكم ثمن أختها هذه.
٤ ر : جنبها .
٧٤

تعطيهم الأموال في بدَرٍ إذا حملوا الكلام إليك في قرطاس
وكان أبو دلف قد لحق أكراداً قطعوا الطريق في عمله١، فطعن فارساً
فنفذت الطعنة إلى أن وصلت إلى فارس آخر وراءه رَدِيفه ، فنفذ فيه السنان
فقتلها ، وفي ذلك يقول بكر بن النطاح المذكور :
قالوا وينظم فارسَينِ بطعنة يوم الهياج ولا تراه كليلا
لا تعجبوا فلو أن طول قناته ميل إذاً نَظَم الفوارسَ ميلا
وكان أبو عبد الله أحمد بن أبي فنن٢ صالح مولى بني هاشم ، أسود مشوه
الخلق، وكان فقيراً، فقالت له امرأته: يا هذا، إن الأدب أراه قد سقط
نَجْمُهُ وطاش سَهْمُه ، فاعمد إلى سيفك ورمحك وقوسك ، وادخل مع الناس
في غزواتهم ، عسى الله أن يتفلك من الغنيمة شيئاً، فأنشد :
مالي وما لَكِ قد كَلْفْتِنِ شَطَطاً حملَ السلاح وقولَ الدارعين قِفٍ
أمسي وأصبحُ مشتاقاً إلى التلف
أمِنْ رجال المنايا خلتني رجلً
فكيف أمشي إليها بارزَ الكتف
تشي المنايا إلى غيري فأكرَهُها
ظننتِ أن نزال القرن من خلقي٣ أو أن قلبيَ فِي جَنْبَيْ أبي دُلَف
فبلغ خبره أبا دلف، فوجه إليه ألف دينار . وكان أبو دلف لكثرة عطائه
قد ركبته الديون ، واشتهر ذلك عنه ، فدخل عليه بعضهم وأنشده :
أيا ربَّ المنسائح والعطايا ويا طَلْقَ المحيّا واليدينِ
· لقد خبَّرْتُ أن عليك دينا فزِدْ في رقم دَينك واقضٍ دَيني}
١ ن لي بر : وكان أبو دلف قد شهد مصافاً .
٢ فتن : سقط من ن؛ بر : أبو عبيد أحمد ...
٣ تاريخ بغداد : أم هل حسبت سواد الليل شجعني .
٤- فدخل ... ديني : سقط من ل .
٧٥

فوصله وقضى دينه . ودخل عليه بعضُ الشعراء فأنشده :
الله أجْرَى من الأرزاق أكثرها على يديك تَعَلَّمْ يا أبا دُلفٍ
ما خَطَّ ((لا)) كاتباه في صحيفته كما تخطط ((لا)) في سائر الصحف
حتى إذا وقَفَتْ أعطى ولم يَقِف
بارى الرياحَ فأعطى وهي جارية
ومدائحه كثيرة . وله أيضاً أشعار حسنة ، ولولا خوف التطويل لذكرت
بعضها .
وكان أبوه قد شرع في عمارة مدينة الكَرَجِ وأتمها هو، وكان بها أهله
وعشيرته وأولاده ، وكان قد مدحه وهو بها بعضُ الشعراء ، فلم يحصل له منه
ما في نفسه ، فانفصل عنه وهو يقول - وهذا الشاعر هو منصور بن باذان ،
وقيل هو بكر بن النطاح والله أعلم - :
دَعِينِي أَجُوبُ الأرضَ فِي فَلَواتها فما الكَرَجُ الدُّنيا ولا الناسُ قاسِمُ
وهذا مثل قول بعضهم ، ولا أدري أيهما أخذ من الآخر :
فإنْ رَجَعْتَم١ْ إلى الإحسانِ فَهوَ لَكُمْ عَبدٌ كما كانَ، مِطواع٢ٌ ومِذْعَانُ
وإِنْ أَبَيتمْ فَأرْضُ اللهِ واسعة لا الناس أنتم ولا الدنيا خُراسانُ
ثم وجدت هذين البيتين قد ذكرهما السمعاني في كتاب ((الذيل))، في
ترجمة أبي الحسن علي بن محمد بن علي البلخي ، فقال : أنشدني القاضي علي بن
محمد البلخي بدورق متمثلاً للأمير أبي الحسن علي بن المنتجب ، ولعله سمع منه،
وأنشد البيتين٣ .
وروي أن الأمير علي بن عيسى بن ماهان صنع مأدبة لما قدم أبو دلف من
١ لي : رحلم .
٢ س : إن تكرموني فإني غرس نعمتكم، مهما حييت نمطواع، وذكر في الهامش الرواية التي
أثبتت هنا .
٣ ثم وجدت ... البيتين : سقط من س والمختار .
٧٦

الكَرَج ودعاه إليها ، وكان قد احتفل بها غاية الاحتفال ، فجاء بعض
الشعراء ليدخل دار عليّ بن عيسى فمنعه البواب ، فتعرض الشاعر لأبي دلف
وقد قصد دار علي بن عيسى، وبيده جُزازة فناوله إياها ، فإذا فيها مكتوب :
قلْ لهُ إِنْ لَقيتهُ مِتَأْنٌ بِلا وَهَجْ
جئتَ في ألفٍ فارس لِغِداء مِن الكَرَج
ما على الناس بعدَها في الدّنِيّات من حَرَج
فرجع أبو دلف ، وحلف أنه لا يدخل الدار ولا يأكل شيئاً من الطعام ،
ورأيت في بعض المجاميع أن هذا الشاعر هو عباد بن الحريش١، وكانت
المأدبة ببغداد .
ورأيت في بعض المجاميع أيضاً أن أبا دلف لما مرض مرض موته حجب
الناس عن الدخول عليه لثقل مرضه ، فاتفق أنه أفاق في بعض الأيام ، فقال
لحاجبه : مَنْ بالباب من المحاويج ؟ فقال : عشرة من الأشراف ، وقد وصلوا
من خراسان، ولهم بالباب عدة أيام لم يجدوا طريقاً، فقعد على فراشه واستدعاهم،
فلما دخلوا رَحْبَ بهم وسألهم عن بلادهم وأحوالهم وسبب قدومهم"، فقالوا :
ضاقت بنا الأحوال ، وسمعنا بكرمك فقصدناك ، فأمر خازنه بإحضار بعض
الصناديق ، وأخرج منه عشرين كيساً في كل كيس ألف دينار ، ودفع لكل
واحد منهم كيسين ، ثم أعطى كل واحد مؤونة طريقه ، وقال لهم : لا تمسوا
الأكياس حتى تصلوا بها سالمة إلى أهلكم، واصرفوا هذا في مصالح الطريق . ثم
قال : ليكتب لي كل واحد منكم خطه : أنه فلان بن فلان حتى ينتهي إلى علي
ابن أبي طالب رضي الله عنه ، ويذكر جدته فاطمة بنت رسول الله صلى الله
عليه وسلم ثم ليكتب : يا رسول الله إني وجدت إضافة" وسوء حال في بلدي
وقصدتُ أبا دلف العجلي ، فأعطاني ألفي دينار كرامة لك ، وطلباً لمرضاتك ،
ورجاء لشفاعتك ، فكتب كل واحد منهم ذلك ، وتسلم الأوراق . وأوصى من
................
١ انظر نفح الطيب ٣ : ٣٢١؛ وهذا الخبر سقط من بر ل س لي .
٧٧

يتولى تجهيزه إذا مات أن يضع تلك الأوراق في كفَنِهِ ، حق يلقى بها رسول الله
صلى الله عليه وسلم ويعرضها عليه .
ومع هذا فقد حكي أنه قال يوماً : من لم يكن مغالياً في التشيع فهو ولد
زنا، فقال له ولده : إني لست على مذهبك ، فقال له أبوه : لما وطئت أمك
وعلقَتْ بك ما كنت بعدُ قد استبرأتها ، فهذا من ذاك ، والله أعلم .
ومع هذا فقد حكى جماعة من أرباب١ التواريخ أن دُلفَ بن أبي دُلفَ
قال: رأيت في المنام آتياً أثاني فقال لي: أجب الأمير، فقمت معه ، فأدخلني
داراً وَحْشَةٌ وَعْرَة" سوداء الحيطان مقلعة السقوف والأبواب وأصعدني
على درج منها ، ثم أدخلني غرفة في حيطانها أثر النيران وفي أرضها أثر الرماد ،
وإذا بأبي وهو عُرْيان واضع رأسه بين ركبتيه ، فقال لي كالمستفهم : دلف ؟
قلت : دلف : فأنشأ يقول :
أبلغَنْ أهلنا ولا تُخْفِ عنهم ما لقينا في البرزخِ الخَنّاقِ
قد سُئِلْنا عن كل ما قد فعلنا فارحموا وَحْشَتي وما قد ألاقي
ثم قال : فهمت ؟ قلت : نعم ، ثم أنشد٢ :
فلو كُنا إِذا متنا تُركنا لكانَ الموتُ راحةَ كلِّ حَيّ
ولكنا إذا مُتنا بُعثنا ونُسْأل بعده عن كل شيء
ثم قال : أفهمت ؟ قلت : نعم ، وانتبهت .
وكانت وفاته سنة ست وعشرين، وقيل خمس وعشرين ومائتين٣ ببغداد ،
رحمه الله تعالى .
ودُلَفُ: بضم الدال المهملة وفتح اللام وبعدها فاء ، وهو اسم علم لا
ينصرف ، لاجتماع العلمية والعدل ، فإنه معدول عن دالفٍ .
١ ر : أهل .
٢ فأنشأ يقول ... ثم أنشد : سقط من ن .
٣ وقيل ... ومائتين : سقط من ن ر .
٧٨

والعجلي : قد تقدم الكلام عليه .
والأبُلَّة : بضم الهمزة والباء الموحدة واللام المشددة المفتوحة وبعدها هاء
ساكنة ، وهي بلدة قديمة على أربعة فراسخ من البصرة ، وهي اليوم من البصرة ،
وهي من جِنان الدنيا ، وإحدى المستنزهات الأربع ، وقد سبق ذكرها في
ترجمة عضد الدولة بن بُوَيه مع شعب بَوّان وغيره .
والكَرَج: بفتح الكاف والراء وبعدها جيم ، وهي مدينة بالجبل١ ، بين٢
أصبهان وهمذان .
والجبل : إقليم كبير بين بلاد العراق وخراسان ، والعامة تسميه عراق
العجم ، وفيه مدن كبار منها : همذان وأصبهان والري وزنجان ، وغير ذلك .
٢
٥٣٩
شمس المعالي قابوس
الأمير شمس المعالي أبو الحسن قابوس بن أبي طاهر وشمكير بن زيار بن
وردانشاه الجيلي ، أميرُ جُرْجان وبلاد الجيل وطبرستان.
قال الثعالبي في ((اليتيمة))٣: أنا أختم هذا الجزء بذكر خاتم الملوك ، وغرة
الزمان ، وينبوع العدل والإحسان ، ومن جمع الله سبحانه له إلى عزة العلم بسطة
القلم، وإلى فصل الحكمة فصل الحكم)). ثم قال: ومن مشهور ما ينسب إليه
من الشعر قوله :
١ لي ن بر : بالجبال .
٢ ر س : من .
٥٣٩ - أخباره في صفحات متفرقة من ذيل تجارب الأمم وابن الأثير ( ج ٨، ٩) وتاريخ ابن
العبري، وانظر المنتظم ٧ : ٢٦٤ ومعجم الأدباء ١٦: ٢١٩ والنجوم الزاهرة ٤ : ٢٣٣،
وكنيته في بر : أبو الحسين، ر؛ أبو الخير ؛ والترجمة شديدة الإيجاز في المختار .
٣ اليتيمة ٤ : ٥٩ .
٧٩

١
قل للذي بصُروف الدهرِ عَيَّرَنا هل حاربَ الدهرُ إلا من له خَطَرُ
وتستقر بأقصى قعره الدرر
ومَسَّنا من تمادي بؤسه ضرر
أما ترى البحرَ تعلو فوقه جيفٌ
فإن تکن عبثت أيدي الزمان بنا
ففي السماء نجومٌ ما لها عددٌ وليس يكسف إلا الشمس والقمر
وينسب إليه أيضاً :
فأحس منها في الفؤاد دبيبا
خطراتُ ذكرك تستثيرُ مودتي
فكأن أعضائي خُلقن قلوبا
لا عضو لي إلا وفيه صبابة
وذكر له جملة من النثر أيضاً .
وكان خطه في نهاية الحسن . وكان الصاحب بن عباد إذا رأى خطه قال :
هذا خط قابوس ، أم جناح طاووس ، وينشد قول المتنبي١ :
في خطه مِن كل قلب شهوة حتى كأن مداده الأهواءُ
ولكل عينٍ قرة في قربه حتى كأنَّ مغيبه الأقذاءُ
وكان الأمير المذكور صاحب جرجان وتلك البلاد ، وكانت من قَبْله لأبيه.
وكانت وفاة أبيه في المحرم سنة سبع وثلاثين وثلثمائة يجرجان ، ثم انتقلت مملكة
جرجان عنهم إلى غيرهم ، وشرح ذلك يطول . ومَلَكها قابوس المذكور في
شعبان سنة ثمان وثمانين وثلثمائة ، وكانت المملكة قد انتقلت إلى أبيه من أخيه
مرداويج بن زيار بن وردانشاه الجيلي، وكان ملكاً جليل القدر بعيد الهمة . وكان
عماد الدولة أبو الحسن عليّ بن بُويه - المقدم ذكره٢ - من أحد أتباعه ومقدمي
أمرائه ، وبسببه ترقى إلى درجة الملك ، وشرح حديثه يطول ، وهو أول من
ملك من بني بويه ، وهو أكبر الإخوة - وقد سبق ذكر ذلك كله .
وكان قابوس من محاسن الدنيا وبهجتها ، غير أنه كان ، على ما خص به من
١ ديوانه : ١١٦ .
٢ انظر ج ٣ : ٣٩٩
٨٠