Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٨١
سيف الدولة بن حمدان
سيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد الله بن حمدان - وقد تقدم تتمة١ نسبه في
ترجمة أخيه ناصر الدولة الحسن٢ في حرف الحاء فلا حاجة إلى إعادته ؛ قال أبو
منصور الثعالبي في كتاب ((يتيمة الدهر))٣: كان بنو حمدان ملوكاً أوجُهُهم للصباحة،
وألسنتهم الفصاحة، وأيديهم السماحة ، وعقولهم للرجاحة ؛ وسيف الدولة
مشهور بسيادتهم ، وواسطة قلادتهم، وحَضْرَته مقصد الوفود، ومطلع الجود ،
وقبلة الآمال ، ومحط الرحال ، وموسم الأدباء ، وحَلْبة الشعراء ، ويقال :
إنه لم يجتمع بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع ببابه من شيوخ الشعر
ونجوم الدهر، وإنما السلطان سوق يجلب إليها ما ينفق لديها؛ وكان أديباً شاعراً
محبّاً لجيّد الشعر شديد الاهتزاز له، وكان كلّ من أبي محمد عبد الله بن محمد
الفياض الكاتب وأبي الحسن علي بن محمد الشمشاطي٤ قد اختار من مدائح الشعراء
لسيف الدولة عشرة آلاف بيت .
ومن محاسن شعر سيف الدولة في وصف قوس قُزَحَ وقد أبدع فيه كل
٤٨١ - ترجمته في اليقيمة ١: ٢٧ وزبدة الحلب ١: ١١١ - ١٥٢ والمنتظم ٧ : ٤١ وعبر
الذهبي ٢: ٣٠٥ والشذرات ٣: ٢٠ وأخباره في الكتب التاريخية مثل تكملة الهمداني وتجارب
الأمم والكامل لابن الأثير، وقد جمع كانار مجموعة في أخباره بعنوان («الأمير سيف الدولة
الحمداني)» (ط الجزائر : ١٩٣٤)؛ والترجمة هنا موجودة بكاملها في المسودة .
١ ر : بقية .
٢ انظر المجلد الثاني : ١١٤ .
٣ في كتاب يتيمة الدهر: سقط من س ل ن لي م، وهو بهامش المسودة؛ وانظر اليقيمة ١: ٨ .
٠
٤ كان شاعراً مصنفاً له من الكتب كتاب أخبار أبي تمام والمختار من شعره وكتاب تفضيل أبي
نواس على أبي تمام وغيرهما (انظر الفهرست: ١٥٤ ومعجم الأدباء ١٤: ٢٤٠).
٢٦ - ٣
٤٠١

الإبداع، وقيل: إن هذه الأبيات لأبي الصقر القبيصي١، والأول ذكره الثعالبي
في كتاب ((اليتيمة » ٢:
فقام وفي أجفانه سِنَةُ الغُمْضِ
وساقٍ صَبِيح للصَّبُوح دعوتُه
فمِنْ بين مُنْقَضّ علينا ومنفض
يطوف بكاساتِ العُقار كأنجُم
على الجوّدُكناً والحواشي على الأرض
وقد نشرت أيدي الجنوب مطارفاً
على أحمرٍ في أخضر تحت مُبْيَض
يُطَرِّزُها قوسُ السحاب بأصفَرٍ
كأذيال خَوْدٍ أقبلت في غَلائل مُصَبَّغة، والبعضُ أقصَرُ من بعض
وهذا من التشبيهات الملوكية التي لا يكاد يحضر مثلها للسوقة ، والبيت الأخير
أخذ معناه أبو علي الفرج بن محمد بن الأخوة المؤدّب البغدادي ، فقال في
فرس أدهم مُحَجْل :
لَبِسَ الصُّبْحَ والدُّجُنَّةَ بُردَيْ ن فأرخى بُرْداً وَقَلْصَ بُرْدا
وقيل إنها لعبد الصمد بن المعذَّل٣ .
وكانت له جارية من بنات ملوك الروم في غاية الجمال، فحسدها بقية الحظايا
لقربها منه ومحلها من قلبه، وعَزَمْنَ على إيقاع مكروه بها من سم أو غيره ،
فبلغه الخبر وخاف عليها ، فنقلها إلى بعض الحصون احتياطاً ، وقال :
راقَبَتني العيونُ فيكِ فأشفق ت ولم أُخْلُ قَطُ من إشفاقٍ
ورأيتُ العدوَّ يَحْسُدُني فيـ ك مجدّاً يا أنفسَ الأعلاق
والذي بيننا من الودّ باق
فتمنيتُ أن تكوني بعيداً
رُبَّ هجر يكون من خوف؛ هجر وفراقٍ يكون خَوْقَ فراق
١ ل: القيصي ؛ ولأبي الصقر القبيصي ذكر في الفهرست ، ويفهم مما فيه أنه كان من غلمان أبي
عثمان الدمشقي وكان يقرأ عليه المجسطي .
٢ وقيل ان هذه ... اليقيمة : سقط من ن .
٣ والبيت الأخير ... المعذل : سقط من ن ، وهو بهامش المسودة .
٤ ر : فرط .
٤٠٢

ورأيت هذه الأبيات بعينها في ديوان عبد المحسن الصوري ، والله أعلم لمن
هي منهما .
ومن شعره أيضاً :
أقَبِّله على جَزَعٍ كشرب الطائر الفزِعِ
وخاف عواقب الطمَعِ
رأى ماءً فأطمعه
وصادَفَ خُلسة فدَنا ولم يلتذَّ بِالجُرَعِ
ويحكى أن ابن عمه أبا فِراس - المقدم ذكره في حرف الحاء١ - كان يوماً
بين يديه في نفر من ندمائه ، فقال لهم سيف الدولة : أيكم يجيز قولي ، وليس
له إلا سيدي ، يعني أبا فراس :
لك جسمي تُعِلّهِ فدمي لِمْ تُحِكُه ؟
فارتجل أبو فراس وقال :
قال إن كنت مالكاً فليَ الأمر كُلّه
فاستحسنه وأعطاه ضيعة بأعمال مَنْبِجَ المدينة المعروف تُغِلُّ ألفي دينار
في كل سنة .
ومن شعر سيف الدولة أيضاً قوله :
وعاتبني ظلماً وفي شِقِّهِ العَنْبُ
تجنَّ عليَّ الذنبَ والذنبُ ذنبه
تجنّ له ذنباً وإن لم يكن ذنب
إذا بَرِيمَ المولى بخدمة عَبْدِهِ
فهلاً جفاني حين كان ليَ القلب
وأعرض لما صار قلي بكفه
وأنشدني الفقير أيدمر الصوفي المسمى إبراهيم لنفسه دوبيت في معنى البيت
الثالث :
١ انظر المجلد الثاني : ٥٨ ٠
٤٠٣

قوم نقضوا عهودنا بالشّعبِ من غير جناية ولا من ذنبٍ
صدوا وتعتبوا وقد هِمتُ بهم هلا هجروا وكان قلبي قلبي
ويحكى أن سيف الدولة كان يوماً بمجلسه والشعراء ينشدونه، فتقدم أعرابي
رث الهيئة وأنشد وهو بمدينة حلب :
أنتَ عليّ وهذه حَلَبُ قد نفد الزّادُ وانتهى الطلبُ
بهذهِ تفخرُ البلادُ وبال أمير تُزْهى على الورى العرب
وعَبْدُكَ الدهرُ قد أضرّ بنا إِليك من جَوْر عبدك الهرب
فقال سيف الدولة : أحسنت والله ، وأمر له بمائتي دينار .
وقال أبو القاسم عثمان بن محمد العراقي قاضي عين زَرْبَة١ : حضرت مجلس
الأمير سيف الدولة بحلب، وقد وافاه القاضي أبو نصر محمد بن محمد النيسابوري،
فطرح من كمه كيساً فارغاً ودرجاً فيه شعر استأذن في إنشاده ، فأذن له ،
فأنشد قصيدة أولها :
حِباؤك معتادٌ وأمرك نافذ وعبْدُكَ محتاج إلى ألف درهم
فلما فرغ من إنشاده ضحك سيف الدولة ضحكاً شديداً ، وأمر له بألف
درهم ، فجعلت في الكيس الفارغ الذي كان معه٢ .
وكان أبو بكر محمد وأبو عثمان سعيد ابنا هاشم المعروفان بالخالديين الشاعرين
المشهورين٣، وأبو بكر أكبرهما، قد وصلا إلى حضرة سيف الدولة ومَدَحاه،
فأنزلهما وقام بواجب حقهما، وبعث لهما مرة وصيفاً ووصيفة ومع كل واحد منهما
١ في معجم ياقوت : عين زربى .
٢ وقال أبو القاسم ... كان معه: سقط من س ل ن لي وثبت في م ر وهامش المسودة ؛ وقد
وردت في هذه الترجمة تحشيات كثيرة في هامش المسودة سقطت من النسخ المذكورة .
٣ انظر مقدمة الدكتور السيد محمد يوسف محقق كتاب الأشباه والنظائر للخالديين وفيها إشارة إلى
المصادر التي ترجمت لهما ، وكذلك مقدمة الدكتور سامي الدهان على كتاب الهدايا والتحف
لهذين المؤلفين .
٤٠٤

بدرة وتخت ثياب من عمل مصر ، فقال أحدهما من قصيدة طويلة :
لم يَقدُ شكرك في الخلائق مطلقاً إلا ومالُكَ في النوال حبيسُ
خَوَّلْتَنَا شمساً وبدراً أشرقت بها لدينا الظلمة الحِنْديس
وغزالَةٌ هي بهجةٌ بلقيس
رشا أنانا وهو حُسْناً يوسفٌ
هذا ولم تَقنع بذاك وهذه
حتى بعثت المال وهْوَ نفيس
وأتى على ظهر الوصيف الكيس
أتت الوصيفة وهي تحمل بدرة
مصرٌ وزادت حسنه تنيس
وحَبَوتَنا مما أجادت حوكه
فغدا لنا من جودك المأكول والـ مشروب والمنكوح والملبوس
فقال له سيف الدولة: أحسنت إلا في لفظة ((المنكوح)) فليست مما يخاطب
الملوك بها .
۔
وأخبار سيف الدولة كثيرة مع الشعراء، خصوصاً مع المتنبي والسري الرفاء
والنامي والببغاء والوأواء وتلك الطبقة ، وفي تعدادهم طول .
وكانت ولادته يوم الأحد سابع عشر ذي الحجة سنة ثلاث وثلثمائة ، وقيل
سنة إحدى وثلثمائة . وتوفي يوم الجمعة ثالث ساعة ، وقيل رابع ساعة ، خمس
بقين من صفر سنة ست وخمسين وثلثمائة بحلب ، ونقل إلى مَيَّافارِقِينَ ، ودفن
في تربة أمه ، وهي داخل البلد ، وكان مرضه عسر البول .
وكان قد جمع من نفض الغبار الذي يجتمع عليه في غزواته شيئاً وعمله لَبينة
بقدر الكف، وأوصى أن يوضع خده عليها في لحده ، فنفذت وصيته في ذلك.
وملك حلب في سنة ثلاث وثلاثين وثلثمائة ، انتزعها من يد أحمد بن سعيد
الكلابي صاحب الإخشيد .
(127) ورأيت في ((تاريخ حلب)» أن أول من ولي حلب من بني حمدان
الحسين بن سعيد١ ، وهو أخو أبي فراس ابن حمدان، وأنه تسلمها في رجب سنة
اثنتين وثلاثين وثلثمائة ، وكان شجاعاً موصوفاً ، وفيه يقول ابن المنجم :
١ انظر زبدة الحلب ١ : ١٠٤ .
٤٠٥

وإذا رأوهُ مقبلً قالوا ألا إن المنايا تحتَ رايةٍ ذاكا
وتوفي يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين
وثلثمائة بالموصل ، ودفن بالمسجد الذي بناه في الدير الأعلى، وكنت أظن أن دير
سعيد الذي بظاهر الموصل منسوب إلى أبيه حتى رأيته في كتاب الديرة منسوباً
إلى سعيد بن عبد الملك بن مروان الأموي .
وكان سيف الدولة قبل ذلك مالك واسط وتلك النواحي، وتقلبت به الأحوال
وانتقل إلى الشام وملك دمشق أيضاً وكثيراً من بلاد الشام وبلاد الجزيرة ،
وغزواته مع الروم مشهورة ، وللمتنبي في أكثر الوقائع قصائد ، رحمه الله تعالى١.
(128) وملك بعده ولده سعد الدولة أبو المعالي شريف بن سيف الدولة ٢ ،
وطالت مدته أيضاً في المملكة ، ثم عرض له قولنج وأشفى منه على التلف ، وفي
اليوم الثالث من عافيته واقع جاريته ، فلما فرغ منها سقط عنها وقد جف شقه
الأيمن ، فدخل عليه طبيبه ، فأمر أن يسجر عنده الند والعنبر ، فأفاق قليلاً ،
فقال له الطبيب : أرني مجسك ، فناوله يده اليسرى ، فقال : أريد اليمين ،
فقال : ما تركت لي اليمين يميناً ، وكان قد حلف وغدر . وتوفي ليلة الأحد
خمس بقين من شهر رمضان من سنة إحدى وثمانين وثلثمائة وعمره أربعون سنة
وستة أشهر وعشرة أيام.
(129) وتولى بعده ولده أبو الفضائل سعد ، ولم أقف على تاريخ وفاته ،
وبمَوْته انقرض ملك بني سيف الدولة .
(130) وتوفي أبو علي ابن الأخوة٣ المذكور يوم الجمعة رابع عشر جمادى
الآخرة سنة ست وأربعين وخمسمائة ، وكان شاعراً مجيداً .
١ إلى هنا انتهت الترجمة في ن .
٢ زبدة الحلب ١: ١٥٥ وعبر الذهبي ٣: ١٦ والشذرات ٣: ١٠٠.
٣ أبو علي الفرج بن محمد بن الأخوة مؤدب بغدادي من الشعراء المشهورين (انظر ترجمته وأشعاره
في الخريدة - قسم العراق - ٢: ١٨٦).
٤٠٦

٤٨٢
الظاهر العبيدي
أبو هاشم علي ، الملقب الظاهر لإعزاز دين الله ، ابن الحاكم بن العزيز بن المعز
ابن المنصور بن القائم بن المهدي عُبَيد الله صاحب مصر ، وقد تقدم ذكر جماعة
من أهل بيته ؛ كانت ولايته بعد فقد أبيه بمدة ، لأن أباه فُقد في السابع
والعشرين من شوال سنة إحدى عشرة وأربعمائة - كما سيأتي في ترجمته إن شاء
الله تعالى - وكان الناس يَرجُونَ ظهوره ويتتبعون آثاره إلى أن تحققوا عدمه ،
فأقاموا ولده المذكور في يوم النحر من السنة المذكورة ، وكانت مملكته الديار
المصرية وإفريقية وبلاد الشام ، فقصد صالح بن مرداس الكلابي - المذكور في
حرف الصاد١ - مدينة حلب وحاصرها، وفيها مرتضى الدولة بن لؤلؤ الجرّاحي
غلام أبي الفضائل ابن شريف بن سيف الدولة الحمداني نيابة عن الظاهر المذكور ،
فانتزعها منه واستولى على ما يليها ، وتغلّب حسان بن مُفَرّج بن دَغْفَل
البدوي صاحب الرملة على أكثر بلاد الشام ، وتضعضعت دولة الظاهر وجرت
أمور وأسباب يطول شرحها .
واستوزر نجيب الدولة أبا القاسم علي بن أحمد الجَرْجَرائي٢، وكان أقطع
اليدين من المرفقين ، قطعهما الحاكم والد الظاهر في شهر ربيع الآخر سنة أربع
وأربعمائة على باب القصر البحري بالقاهرة المحروسة ، وحمل إلى داره ، وكان
يتولى بعض الدواوين فظهرت عليه خيانة قُطع بسببها ، ثم بعد ذلك ولي ديوان
٤٨٢ - ترجمته في اتعاظ الحنفا: ٢٧١ - ٢٧٧ والدرة المضية: ٣١٦ - ٣٤٠ والخطط ٢٥٤:١
والمنتظم ٨: ٩٠ وعبر الذهبي ٣: ١٦٢ والشذرات ٣: ٢٣١؛ وهذه الترجمة مستوفاة
في المسودة .
١ انظر الترجمة رقم : ٣٠٠ .
٢ انظر الاشارة الى من نال الوزارة : ٣٥.
٤٠٧

النفقات سنة تسع وأربعمائة ، ثم وزَرَ للظاهر سنة ثماني عشرة وأربعمائة ، وهذا
كله بعد أن تنقل في الخدم بالأرياف والصعيد . ولما استوزر كان يكتب عنه
العلامة القاضي أبو عبد الله القضاعي صاحب كتاب ((الشهاب)) - وسيأتي ذكره
إن شاء الله تعالى - وكانت علامته ((الحمد لله شكراً لنعمته)) واستعمل العفاف
والأمانة الزائدة والاحتراز والتحفظ ، وفي ذلك يقول جاسوس الفلك :
يا أحمقاً اسمعْ وقُلْ ودعِ الرقاعةَ والتحامق
أأقمتَ نفسك في الثقا تٍ وِهَبْكَ فيما قلت صادق
فمن الأمانة والتقى قُطِعَتْ يداك من المرافق
وهو منسوب إِلى جَرْجَرايا - بفتح الجيمين بينهما راء ساكنة ثم راء مفتوحة
وبين الألفين ياء مثناة من تحتها - وهي قرية من أرض العراق .
وكانت ولادة الظاهر يوم الأربعاء عاشر شهر رمضان سنة خمس وتسعين
وثلثمائة بالقاهرة . وتوفي آخر ليلة الأحد منتصف شعبان سنة سبع وعشرين
وأربعمائة ، رحمه الله .
وسمعت أنه توفي ببستان الدكة ، وكان بالمقس في الموضع المعروف بالدكة ،
والله أعلم .
(131) وتوفي وزیرہ الجر جرائي سنة ست وثلاثين وأربعمائة، رحمه الله تعالى،
في سابع شهر رمضان، وكانت مدة وزارته للظاهر ولولده المستنصر سبع عشرة
سنة وثمانية أشهر وثمانية عشر يوماً .
٤٠٨

٤٨٣
علي بن منقذ
أبو الحسن علي بن مقلد١ بن نصر بن منقذ الكناني ، الملقب سديد الملك ،
صاحب قلعة شَيَزَر ؛ كان شجاعاً مقدّماً قوي النفس كريماً ، وهو أول من
ملك قلعة شَيزَر من بني منقذ ، لأنه كان نازلاً مجاور٢ القلعة بقرب الجسر٣
المعروف اليوم يجسر بني منقذ ، وكانت القلعة بيد الروم فحدثته نفسه بأخذها،
فنازلها وتسلمها بالأمان في رجب سنة أربع وسبعين وأربعمائة ، ولم تزل في يده
ويد أولاده إلى أن جاءت الزلزلة في سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة فهدمتها وقتلت
كلّ من فيها من بني منقذ وغيرهم تحت الهدم، وشَفَرت٤ ، فجاءها نور الدين
محمود بن زنكي صاحب الشام في بقية السنة وأخذها .
وذكر بهاء الدين بن شداد في كتاب (( سيرة صلاح الدين))° أنه جاءت زلزلة
بحلب ، وأخربت كثيراً من البلاد ، وذلك في ثاني عشر شوال سنة خمس وستين
وخمسمائة ، وهذه غير تلك ، فلا يظن الواقف عليه أن هذا غلط ، بل هما
زلزلتان، والأول ذكره ابن الجوزي في ((شذور العقود)) وغيره أيضاً.
وكان سديد الملك المذكور مقصوداً، وخرج من بيته جماعة نجباء أمراء فضلاء
كرماء ، ومدحه جماعة من الشعراء كابن الخياط والخفاجي وغيرهما٦ ، وكان له
شعر جيد أيضاً ، فمنه قوله وقد غضب على مملوك له وضربه :
أسطو عليه وقَلبي لو تمكّن من كَفَّيَّ غلّهما غيظاً إلى عُنقي
٤٨٣ - ترجمته في الخريدة (قسم الشام) ١: ٥٥٢ والنجوم الزاهرة ٥ : ١٢٤.
١ لي س : منقذ .
٢ ر : بجوار .
٣ فوقها في المسودة « معاً » أي بفتح الجيم وكسرها .
٤ ر : ودثرت .
٥ سيرة صلاح الدين : ٤٣ .
٦ ن س : كابن الخياط وغيره .
٤٠٩

وأستعير إذا عاقبته حنَقاً وأين ذُلُّ الهوى من عزة الحنقِ
وكان موصوفاً بقوة الفطنة ، وتنقل عنه حكاية عجيبة ، وهي أنه كان يتردد
إلى حلب قبل تملكه شيزر، وصاحبُ حلب يومئذ تاج الملوك محمود بن صالح بن
مرداس ، فجرى أمر خاف سديد الملك المذكور على نفسه منه ، فخرج من
حلب إلى طرابلس الشام وصاحبها يومئذ جلال الملك بن عمار ، فأقام عنده ،
فتقدم محمود بن صالح إلى كاتبه أبي نصر محمد بن الحسين بن علي بن النحاس الحلبي
أن يكتب إلى سديد الملك كتاباً يتشوقه ويستعطفه ويستدعيه إليه ، ففهم
الكاتب أنه يقصد له شرّاً، وكان صديقاً لسديد الملك، فكتب الكتاب كما أمر
إلى أن بلغ إلى ((إن شاء الله تعالى)) فشدد النون وفتحها ، فلما وصل الكتاب
إلى سديد الملك عرضه على ابن عمار صاحب طرابلس ومن بمجلسه من خواصه ،
فاستحسنوا عبارة الكتاب واستعظموا ما فيه من رغبة محمود فيه وإيثاره لقربه،
فقال سديد الملك : إني أرى في الكتاب ما لا ترون ، ثم أجابه عن الكتاب بما
اقتضاه الحال، وكتب في جملة الكتاب (( أنا الخادم المقر بالانعام)) وكسر الهمزة
من أنا وشدد النون ، فلما وصل الكتاب إلى محمود ووقف عليه الكاتب سر بما
فيه وقال لأصدقائه : قد علمت أن الذي كتبته لا يخفى على سديد الملك ، وقد
أجاب بما طيب نفسي ؛ وكان الكاتب قد قصد قول الله تعالى ﴿إن الملأ يأتمرون
- بك ليقتلوك﴾ (القصص: ٢٠) فأجاب سديد الملك بقوله تعالى ﴿ إنّا لن
ندخلها أبداً ما داموا فيها﴾ ( المائدة: ٢٤) فكانت هذه معدودة من تيقظه
وفهمه ؛ هكذا ساق هذه الحكاية أسامة في مجموعه إلى الرشيد بن الزبير في ترجمة
ابن النحاس١.
وكانت وفاته في سنة خمس وسبعين وأربعمائة ، رحمه الله تعالى .
وقد تقدم ذكر حفيده أسامة بن مرشد بن علي المذكور في حرف الهمزة
- وسيأتي ذكر والده في حرف الميم ، إن شاء الله تعالى .
وذكرهم العماد الأصبهاني في ((الخريدة)) وبالغ في الثناء عليهم [وذكر أيضاً
١ وكان موصوفاً ... ابن النحاس: سقط النص من س ن، ومع أنه بهامش المسودة فقد ورد في ل لي.
٤١٠

في كتاب ((السيل والذيل)) أنه توفي تحت الهدم لما هدمت الزلزلة حصن شيزر
يوم الاثنين ثالث رجب سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، والله أعلم]١ .
٤٨٤
الصليحي
أبو الحسن علي بن محمد بن علي الصُّلَيحي القائم باليمن ؛ كان أبوه محمد قاضياً
باليمن سُني المذهب ، وكان أهله وجماعته يطيعونه ، وكان الداعي عامر بن عبد
الله الزَّواحي يلاطفه ويركب إليه ، لرياسته وسؤدده وصلاحه وعلمه ، فلم يزل
عامر المذكور حتى استمال قلب ولده عليّ المذكور وهو يومئذ دون البلوغ ولاحت
له فيه مخايل النجابة، وقيل كانت عنده حلية عليّ الصليحي في كتاب ((الصُّوَر))
وهو من الذخائر القديمة ، فأوقفه منه على تنقل حاله وشرف مآله ، وأطلعه
على ذلك سرّاً من أبيه وأهله .
ثم مات عامر عن قرب وأوصى له بكتبه وعلومه ، ورسخ في ذهن علي من
كلامه ما رسخ ، فعكف على الدرس، وكان ذكياً، فلم يبلغ الحلم حتى تضلع من
معارفه التي بلغ بها وبالجَدِّ السعيد غايةَ الأمل البعيد ، فكان فقيهاً في مذهب
الدولة٢ الإمامية مستبصراً في علم التأويل، ثم إنه صار يحج بالناس دليلاً على
طريق السراة والطائف خمس عشرة سنة ، وكان الناس يقولون له : بلغنا أنك
ستملك اليمن بأسره ويكون لك شأن ، فيكره ذلك وينكره على قائله ، مع
كونه أمراً قد شاع وكثر في أفواه الناس ، الخاصة والعامة ؛ ولما كان في سنة
١ انفردت ربما بين معقفين .
٤٨٤ - ترجمته وأخباره في تاريخ اليمن لعمارة: ٤٧ وبهجة الزمن: ٤٦ ودمية القصر: ١٤ وبلوغ
المرام : ١٥ وكشف أسرار الباطنية للحمادي: ٤٢ والذهب المسبوك: ٣٥ وانظر كتاب
« الصليحيون والحركة الفاطمية في اليمن)» الهمداني ومحمود: ٦٢ - ١١٢.
٢ لي : فقيها في الدولة .
٤١١

تسع وعشرين وأربعمائة ثار في رأس مسار١، وهو أعلى ذروة في جبال [اليمن]٢،
وكان معه ستون رجلً قد حالفهم بمكة في موسم سنة ثمان وعشرين وأربعمائة
على الموت والقيام بالدعوة ، وما منهم إلا مَنْ هو من قومه وعشائره في منَعَة
وعدد كثير، ولم يكن برأس الجبل المذكور بناء ، بل كان قُلّةً منيعة عالية،
فلما ملكها لم ينتصف نهار ذلك اليوم الذي ملكها في ليلته إلا وقد أحاط به
عشرون ألف ضارب سيف وحصروه وشتموه وسفهوا رأيه وقالوا له: إن نزلت
وإلا قتلناك أنت ومن معك بالجوع ، فقال لهم : لم أفعل هذا إلا خوفاً علينا
وعليكم أن يملكه غيرنا، فإن تركتموني أحرسه وإلا نزلت إليكم، فانصرفوا عنه؛
ولم تمض عليه أشهر حتى بناه وحصّنه وأتقنه .
واستفحل أمر الصليحي شيئاً فشيئاً ، وكان يدعو للمستنصر صاحب مصر
في الخفية، ويخاف من نجاح صاحب تهامة ويلاطفه ويستكين لأمره، وفي الباطن
يعمل الحيلة في قتله، ولم يزل حتى قتله بالسم مع جارية جميلة أهداها إليه، وذلك
في سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة بالكدراء . وفي سنة ثلاث وخمسين كتب
الصليحي إلى المستنصر يستأذنه في إظهار الدعوة٣ ، فأذن له ، فطوى البلاد
طيّاً وفتح الحصون والتهائم، ولم تخرج سنة خمس وخمسين إلا وقد ملك اليمن كله
سهله ووَعْره وبره وبحره ، وهذا أمر لم يعهد مثله في جاهلية ولا إسلام ، حتى
قال يوماً وهو يخطب الناس في جامع الجَنّد: وفي مثل هذا اليوم نخطب على منبر
عدن ، ولم يكن ملكها بعد، فقال بعض من حضر مستهزئاً : سُّوح قُدُّوس ،
فأمر بالحوطة عليه ، وخطب الصليحي في مثل ذلك اليوم على منبر عدن ، فقام
ذلك الإنسان وتغالى في القول وأخذ البيعة ودخل في المذهب .
ومن سنة خمس وخمسين استقر حاله في صنعاء ، وأخذ معه ملوك اليمن الذين
أزال ملكهم ، وأسكنهم معه وولًّى في الحصون غيرهم ، واختط بمدينة صنعاء
١ س: مسمار؛ ر: ساد؛ وفي ياقوت: ((مشار)) وقال: قلة في أعلى موضع من جبال حراز منه
كان مخرج الصليحي، وكتب في متن (( صفة جزيرة العرب)» بالشين حيثما ورد ثم جاء في فهرس
الكتاب بالسين مصوّباً .
٢ المسودة: في جبال ؛ لي ن : الجبال .
٣ ر : الدولة .
٤١٢

عدة قصور١ ، وحلف أن لا يولي تهامة إلا لمن وزن مائة ألف دينار، فوزنت له
زوجته٢ أسماء عن أخيها أسعد بن شهاب ، فولاه ، وقال لها: يا مولاتنا أنى
لك هذا ؟ فقالت: ﴿هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾
( آل عمران: ٣٧) فتبسم وعلم أنه من خزانته، فقبضه وقال: ﴿هذه بضاعتنا
ردت إلينا، وغير أهلنا ونحفظ أخانا﴾٣ (يوسف: ٦٥).
ولما كان في سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة عزم الصليحي على الحج، فأخذ معه
الملوك الذين كان يخاف منهم أن يثوروا عليه ، واستصحب زوجته أسماء ابنة
شهاب ، واستخلف مكانه ولده الملك المكرم أحمد ، وهو ولدها أيضاً ، وتوجه
في ألفي فارس فيهم من آل الصليحي مائة وستون شخصاً ، حتى إذا كان
بالمَهْجَم ، ونزل في ظاهرها بضيعة يقال لها أم الدهيم وبئر أم معبد ، وخيمت
عساكره والملوك التي معه من حوله، لم يشعر الناس حتى قيل : قد قتل الصليحي،
فانذعر الناس وكشفوا عن الخبر ، فكان سعيد الأحول ابن نجاح المذكور الذي
قتلته الجارية بالسم قد استقر في زبيد ، وكان أخوه جيّاش في دَهْلك ، فسير
إليه وأعلمه أن الصليحي متوجه إلى مكة ، فتحضر حتى نقطع عليه الطريق؛
ونقتله ، فحضر جياش إلى زبيد ، وخرج هو وأخوه سعيد ومعهما سبعون رجلاً
بلا مركوب ولا سلاح ، بل مع كل واحد جريدة في رأسها مسمار حديد ،
وتركوا جادة الطريق وسلكوا طريق الساحل ، وكان بينهم وبين المهجم مسيرة
ثلاثة أيام للمُجِدّ.
وكان الصليحي قد سمع بخروجهم ، فسير خمسة آلاف حربة من الحبشة
الذين في ركابه لقتالهم ، فاختلفوا في الطريق، فوصل سعيد ومن معه إلى طرف
المخيم ، وقد أخذ منهم التعب والحفاءُ وقلة المادة ، فظن الناس أنهم من جملة عبيد
العسكر ، ولم يشعر بهم إلا عبد الله أخو علي الصليحي ، فقال لأخيه : يا مولانا
١ ن : حصون .
٢ ل س : أخته .
٣ وحلف ... أخانا : سقط من ن .
٤ ل : حتى نقع عليه في الطريق .
٤١٣

اركب، فهذا والله الأحول سعيد بن نجاح ، وركب عبد الله ، فقال الصليحي
لأخيه : إني لا أموت إلا بالدهيم وبئر أم معبد، معتقداً أنها أم معبد التي نزل
بها رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، لما هاجر إلى المدينة١ ، فقال له رجل من
أصحابه : قاتِلْ عن نفسك ، فهذه والله الدهيم وهذه بئر أم معبد ، فلما سمع
الصليحي ذلك لحقه زمع اليأس من الحياة ، وبال ، ولم يبرح من مكانه حتى
قطع رأسه بسيفه وقتل أخوه معه وسائر الصليحيين ، وذلك في الثاني عشر من
ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة .
ثم إنّ سعيداً أرسل إلى خمسة الآلاف التي أرسلها الصليحي لقتالهم، وقال
لهم : إن الصليحي قد قتل ، وأنا رجل منكم، وقد أخذت ثأراً أبي ، فقدموا
عليه وأطاعوه ، واستعان بهم على قتال عسكر الصليحي ، فاستظهر عليهم قتلاً
وأسراً ونهباً، ثم رفع رأس الصليحي على عود المظلة ، وقرأ القارىء :
﴿قل اللهم مالك الملك﴾٣ ... الآية (آل عمران: ٢٦). ورجع
إلى زبيد ، وقد حاز الغنائم ملكاً عقيماً، ودخلها في السادس عشر من
ذي القعدة من السنة وملكها، وملك بلاد تهامة . ولم يزل على ذلك حتى
قتل في سنة إحدى وثمانين وأربعمائة بتدبير الحرة ، وهي امرأة من الصليحيين،
وخبر ذلك يطول .
ولما قتل الصليحي ورفع رأسه على عود المظلة - كما تقدم ذكره - عمل في
ذلك القاضي العثماني * :
بكرت مظلته عليه فلم ترُحْ إلا على الملك الأجلّ سعيدها
ما كان أحسن رأسه في عودها
ما كان أقبح وجهه في ظلها
وارحمتا لأسودها من سودها
سودُ الأراقم قابلت أُسد الشرى
١ قال ابن هشام : أم معبد بنت كعب امرأة من بني كعب من خزاعة (السيرة ١: ٤٨٧) واسمها
عاتكة بنت خالد .
٢ لي : بنار .
٣ وردت الآية بكاملها في س لي .
٤ انظر الخريدة ٣ : ٢٣١، ٢٣٣ (قسم الشام) .
٤١٤

ولعلي الصليحي شعر جيد ، فمن ذلك قوله :
أنكحتَ بيض الهند سمر رماحهم فرؤوسهم عوض النثار نُثارُ
وكذا١ العلا لا يستباحُ نكاحها إلا بحيث تطَلّق الأعمارُ
وذكره العماد في ((الخريدة))٢ فقال: ومن شعره، وقيل لغيره على لسانه:
وألذ منْ قرْع المثاني عندهُ في الحرب ألجمْ يا غلامُ وأُسرچِ
خيل بأقصى حضرموت أشدّها وصهيلها بين العراق ومنبج٣ٍ
والصُّلَيحي : بضم الصاد المهملة وفتح اللام وسكون الياء المثناة من تحتها
وبعدها حاء مهملة ، لا أعرف هذه النسبة إلى أي شيء هي ، والظاهر أنها إلى
رجل، فقد جاءً في الأسماء الأعلام صُلَيح ، ونسبوا إليه أيضاً .
وأما الأماكن المذكورة فكلها من بلاد اليمن ، ولم أتحقق ضبطها فكتبتها
على الصورة التي وجدتها .
وأكثر هذه الترجمة نقلته من ((أخبار اليمن)) للفقيه عمارة اليمني الشاعر
- وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى .
١ لي: إنّ.
٢ الخريدة ٣ : ٢٢٥ (قسم الشام) .
٣ أشدها: ضبب فوقها في المسودة، ولعل الصواب ((شدّها)» أي ركضها، وفي الخريدة:
أسدها ؛ لي : زئيرها بين العراق وبين بلدة منبج ؛ ر: أسرجت وزئيرها ... الخ .
٤١٥

٤٨٥
العادل ابن السلار
أبو الحسن علي بن السلاَّر ، المنعوت بالملك العادل سيف الدين ، ورأيت في
مكان آخر أنه أبو منصور علي بن إسحاق ، عرف بابن السلار ، وزير الظافر
العبيدي صاحب مصر ؛ رأيت في بعض تواريخ١ المصريين: أنه كان كردياً
زرزارياً ، وكان تربية القصر بالقاهرة، وتقلبت به الأحوال في الولايات بالصعيد
وغيره إلى أن تولى الوزارة للظافر المذكور في رجب سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة.
ثم وجدت في مكان آخر أن الظافر المذكور استوزر نجم الدين أبا الفتح
سليم بن محمد بن مصال في أول ولايته. وكان ابن مصال من أكابر أمراء الدولة،
ثم تغلب عليه العادل بن السلار وعدَّى ابن مصال إلى الجيزة ليلة الثلاثاء رابع
عشر شعبان سنة أربع وأربعين وخمسمائة عندما سمع بوصول ابن السلار من
ولاية الإسكندرية طالباً للوزارة ، ودخل ابن السلار القاهرة في الخامس عشرً
من الشهر المذكور وتولى تدبير الأمور ونعت بالعادل أمير الجيوش ، وحشد ابن
مصال جماعة من المغاربة وغيرهم ، وجرد العادل العساكر للقائه ، فكسره
بدلاص من الوجه القبلي، وأخذ رأسه ودخل به إلى القاهرة على رمح يوم الخميس
الثالث والعشرين من ذي القعدة من السنة المذكورة واستمر العادل إلى أن قتل،
وهذا القول أصح من الأول ، والله أعلم .
(132) وكان ابن مصال من أهل لُكَ - بضم اللام وتشديد الكاف - وهي
٤٨٥ - أخباره في اتعاظ الحنفا: ٣٢٤ والدرة المضية: ٥٥٢ ومرآة الزمان: ٢١٤ والاعتبار
لأسامة: ٧، ١٨ والنجوم الزاهرة ٥: ٢٩٩ وعبر الذهبي ٤: ١٣١ والشذرات ٤: ١٤٩؛
وقد سقطت هذه الترجمة من النسخة م ، وجاءت كاملة في المسودة .
١ ر : بعض النسخ من تاريخ .
٢ ر: الحادي عشر، وعند الدواداري: ودخل ابن السلار (أي القاهرة) خامس الشهر المذكور
(وعلى هذا يكون خروج ابن مصال في الرابع من شعبان) .
٤١٦

بُليدة عند برقة من أعمالها، وكان هو وأبوه يتعاطيان البيزرة والبيطرة، وبذلك
تقدما ، وكانت وزارة ابن مصال نحواً من خمسين يوماً .
وكان [ابن السلار] شهماً مقداماً مائلاً إلى أرباب الفضل والصلاح، عمر بالقاهرة
مساجد، ورأيت بظاهر مدينة بلبيس مسجداً منسوباً إليه ، وكان ظاهر التسنن
شافعي المذهب ، ولما وصل الحافظ أبو طاهر السلفي ، رحمه الله تعالى، إلى ثغر
الإسكندرية المحروس وأقام به - كما ذكرته في ترجمته ١ - ثم صار العادل المذكور
والياً به احتفل به وزاد في إكرامه وعمّر له هناك مدرسة فوّض تدريسها إليه،
وهي معروفة به إلى الآن ، ولم أر بالإسكندرية مدرسة الشافعية سواها .
وكان مع هذه الأوصاف ذا سيرة جائرة وسطوة قاطعة يؤاخذ الناس بالصغائر
والمحقرات . ومما يحكى عنه أنه قبل وزارته بزمان ، وهو يومئذ من آحاد
الأجناد ، دخل يوماً على الموفق أبي الكرم ابن معصوم التنيسي ، وكان يتولى٢
الديوان ، فشكا إليه حاله من غرامة لزمته بسبب تفريطه في شيء من لوازم
الولاية بالغربية ، فلما أطال عليه الكلام قال له أبو الكرم : والله إن كلامك ما
يدخل في أذني ، فحقد عليه ذلك . فلما ترقى إلى درجة الوزارة طلبه ، فخاف.
منه واستقر مدة ، فنادى عليه في البلد ، وأهدر دم من يخفيه ، فأخرجه الذي
خبأه عنده ، فخرج في زي امرأة بإزار وخف، فعرف فأخذ وحمل إلى العادل،
فأمر بإحضار لوح خشب ومسمار طويل وأمر به فألقي على جنبه وطرح اللوح
تحت أذنه ، ثم ضرب المسمار في الأذن الأخرى ، وصار كلما صرخ يقول له :
دخل كلامي في أذنك بعدُ أم لا ؟ ولم يزل كذلك حتى نفذ المسمار من الأذن
التي على اللوح ، ثم عطف المسمار على اللوح ، ويقال : إنه شنقه بعد ذلك .
وكان قد وصل من إفريقية إلى الديار المصرية أبو الفضل عباس بن أبي الفتوح
ابن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي٣ وهو صبي ومعه أمه واسمها بُلاَّرة،
فتزوجها العادل المذكور وأقامت عنده زماناً ، ورزق عباس ولداً سماه نصراً
١ انظر المجلد الأول : ١٠٥.
٣ كذا في ر والمسودة؛ وظاهر من كتابتها في المسودة أنها مغيّرة ؛ وفي سائر النسخ : مستوفي .
٣ الصنهاجي: فوقها (( معاً)) في المسودة ، أي بكسر الصاد وضمها .
٢٧ - ٣
٤١٧

فكان عند جدته في دار العادل والعادل يحنو عليه ويُعزه١، ثم إن العادل جهز
عباساً إلى جهة الشام بسبب الجهاد ، وكان معه أسامة بن منقذ - المذكور في
حرف الهمزة٢ - فلما وصل إلى بلبيس وهو مقدم الجيش الذي سار في صحبته
تذاكرا طيب الديار المصرية وحسنها وما هي عليه، وكونه يفارقها ويتوجه للقاء
العدو ويقاسي البيكار٣ ، فأشار عليه أسامة على ما قيل بقتل العادل ، ويستقل
هو بالوزارة ويستريح من البيكار ، وتقرر بينهما أن ولده نصراً يباشر ذلك إِذا
وقد العادل ، فإنه معه في الدار ولا ينكر عليه ذلك . وحاصل الأمر أن نصراً
قتله على فراشه يوم الخميس سادس المحرم سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، بدار الوزارة
بالقاهرة المحروسة ، رحمه الله تعالى ، وتفصيل الواقعة يطول٤ . وقيل إنه قتل
يوم السبت حادي عشر المحرم من السنة المذكورة .
وكان والده في صحبة سقمان بن أرتق صاحب القدس، فلما أخذ الأفضل
أمير الجيوش القدس من سقمان - كما هو مذكور في ترجمة أبيه أرتق® - وجد
فيه طائفة من عسكر سقمان ، فضمهم الأفضل إليه ؛ وكان في جملتهم السلار
والد العادل المذكور ، فأخذه الأفضل إليه ، وتقدم عنده ، وسماه ((ضيف
الدولة )) وأكرم ولده هذا، وجُعِلَ في صبيان الحُجَر ، ومعنى صبيان الحُجَر
عندهم : أن يكون لكل واحد منهم فرس وعدة ، فإذا قيل له عن شغلٍ ، ما
يحتاج أن يتوقف فيه ، وذلك على مثال الداوية والاسبتار٦ ، فإذا تميز صبي من
هؤلاء بعقل وشجاعة قدم للإمرة ، فترجح العادل بهذه الصفات وزاد عليها
بالحزم والهيبة وترك المخالطة، فأمَّرَهُ الحافظ ، وولاه الإسكندرية ، وكان
١ ر : ويبره .
٢ المجلد الأول : ١٩٥ .
٣ أشكلت هذه اللفظة على بعض النساخ فكتبت في ر: النكال؛ وهي كما أثبتناها في لي ن والمسودة؛
والبيكار هو ميدان الحرب .
٤ هنا تنتهي الترجمة في س ل لي ن .
• المجلد الأول : ١٩١ .
٦ الداوية أو الديوية (Templars) والاستتار (Hospitalers) منظمتان للافرنج في الحروب
الصليبية ، كان لهما دور هام في تلك الحروب وفيما بعدها كذلك .
٤١٨

يعرف برأس البغل ، ثم تقدم .
وهذا نصر بن عباس هو الذي قتل الظافر إسماعيل بن الحافظ ، صاحب
مصر ، وقد ذكرته في ترجمته في أوائل هذا الكتاب١ .
٤٨٦
الملك الأفضل ابن صلاح الدين
أبو الحسن علي ، الملقب الملك الأفضل نور الدين ، ابن السلطان صلاح الدين
يوسف بن أيوب ؛ سمع بالإسكندرية من الإمام أبي الطاهر إسماعيل بن مكي بن
عوف الزهري ، وبمصر من العلامة أبي محمد عبد الله بن بري النحوي ، وأجاز له
أبو الحسين أحمد بن حمزة بن علي السلمي ، وأبو عبد الله محمد بن علي بن صدقة
الحراني ، وغيرهما من الشاميين ، وأجاز له أبو القاسم هبة الله بن علي بن مسعود
وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن حامد وغيرهما من المصريين . وكان يكتب خطّاً
حسناً ، واجتمعت فيه فضائل٢ .
وكان أكبر أولاد أبيه وإليه كانت ولاية عهده ، فلما توفي بدمشق رحمه الله
تعالى - كما سيأتي في ترجمته - وكان الملك الأفضل في صحبته ، استقل بمملكة
دمشق واستقل أخوه الملك العزيز عماد الدين عثمان بالديار المصرية - كما سبق في
ترجمته٣ - وبقي الملك الظاهر أخوهما بحلب ، ثم إن الملك الأفضل جرت له مع
أخيه وقائع في أسباب يطول شرحها. وآخر الأمر أن العزيز والملك العادل عمه
١ المجلد الأول : ٢٣٧.
٤٨٦ - أخباره في ذيل الروضتين: ١٤٥ ومرآة الزمان: ٦٣٧ وتاريخ ابن الاثير ١٢: ٤٢٨
والسلوك ١/١: ٢١٦ وعبر الذهبي ٩١:٥ والشذرات ١٠١:٥ والزركشي، الورقة: ٢٣٤.
٢ سمع ... فضائل: انفردت به ر، وكتب المؤلف في موضعه في المسودة إحالة على تخريجة ؛ وقد
سقط من سائر النسخ وكذلك سقط منها كل ما هو في هوامش المسودة أو بين سطورها .
٣ انظر الترجمة رقم : ٤١٤ .
٤١٩

حاصرا دمشق وأخذاها من الأفضل وأعطياه١ صَرْخَدَ ، فمضى إليها وأقام
بها قليلاً، فمات العزيز بمصر وتولى ولده الملك المنصور محمد وكان صغيراً،
فطُلِبَ الملك الأفضل من صرخد ليكون أتابكه ، وكان طلبه ليلة الأربعاء
التاسع والعشرين من صفر سنة خمس وتسعين وخمسمائة، عقيب موت أخيه العزيز
عثمان ، ومشى في ركاب المنصور محمد ابن العزيز .
ثم إن الملك العادل قصد الديار المصرية وأخذها ، ودفع للأفضل عدة بلاد
بالشرق٢ ، فمضى إليها ، فلم يحصل له سوى سُمَيساط فأقام بها ، ولم يزل بها
إلى أن مات .
وما أحسن كلام القاضي الفاضل ، من جملة كتاب كتبه في أثناء هذه
الوقائع: ((أما هذا البيت فإن الآباء منه اتفقوا فملكوا، والأبناء اختلفوا
فهلكوا ، وإذا غرب نجم فما في الحيلة تشريقه ، وإذا بدا خرقُ ثوبٍ فما يليه
إلا تمزيقه، وهيهات أن يُسَدَّ على قدر طريقه، وقد قُدّر طروقه، وإِذا كان
الله مع خصم على خصم ، فمن كان الله معه فمن يطيقه ؟)) .
وكان الأفضل فيه فضيلة٣ ومعرفة وكتابة ونباهة ، وكان يحب العلماء ويعظم
حرمتهم ، وله شعر . فمن المنسوب إليه أنه كتبه إلى الإمام الناصر يشكو من
عمه العادل وأخيه العزيز لما أخذا منه دمشق؛ :
مولاي إن أبا بكر وصاحِبَهُ عثمان قد غصبا بالسيف حق علي
وهو الذي كان قد ولاه والده عليهما فاستقام الأمر حين ولي
والأمر بينهما والنص فيه جَلي
فخالفاهُ وحَلاً عَقدَ بيعته
فانظر إلى حَظّ هذا الاسم كيف لقي من الأواخِرِ ما لاقى منَ الْأوَلِ
فجاءه جواب الإمام الناصر وفي أوله :
١ في المسودة : وأعطاه .
٢ ر : بالمشرق .
٣ ن : وكان ذا فضيلة .
٤ ورد هذا الشعر في عدة مصادر ، انظر مثلاً تمام المتزن: ٢٤٩ وفيه جواب الناصر أيضاً .
٤٢٠