Indexed OCR Text

Pages 261-280

٤١٩
عطاء بن أبي رباح
أبو محمد عطاء بن أبي رباح أسلم - وقيل سالم - بن صفوان مولى بني فِهْر
أو جُمَحَ المكي، وقيل إنه مولى أبي مَيْسَرة الفهري ، من مولدي الجَنّدِ ؛
كان من أجلاء الفقهاء وتابعي مكة وزهادها ، سمع جابر بن عبد الله الأنصاري
وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وخلقاً كثيراً من الصحابة ، رضوان الله
عليهم ، وروى عنه عمرو بن دينار والزهري وقتادة ومالك بن دينار والأعمش
والأوزاعي وخلق كثير ، رحمهم الله تعالى ، وإليه وإلى مجاهد انتهت فتوى
مكة في زمانهما . قال قتادة : أعلم الناس بالمناسك عطاء . وقال إبراهيم بن عمر
ابن كيسان : أذكرهم في زمان بني أمية يأمرون في الحج صائحاً يصيح: لا يُفْتِي
الناسَ إلا عطاء بن أبي رباح ، وإياه عنى الشاعر بقوله :
سَلِ المفتيَ المكيَّ هل في تَزاوُرٍ وضمةٍ مشتاقِ الفؤادِ جُناحُ
فقالَ معاذ الله أن يُذهِبَ التقى تلاصُقُ أكبادٍ بهنَّ جِراحُ
فلما بلغه البيتان قال : والله ما قلت شيئاً من هذا١ .
[وحكي عن وكيع قال: قال لي أبو حنيفة النعمان بن ثابت: أخطأتُ في
خمسة أبواب من المناسك بمكة فعلّمنيها حَجَّام ، وذلك أني أردت أن أحلق
٤١٩ - ترجمته في طبقات ابن سعد ٢: ٣٨٦ وطبقات الشيرازي، الورقة: ١٧ والمعارف :
٤٤٤ وحلية الأولياء ٣: ٣١٠ وصفة الصفوة ٢: ١١٩ ونكت الهميان : ١٩٩ وميزان
الاعتدال ٣ : ٧٠ وتذكرة الحفاظ: ٩٨ وعبر الذهبي ١: ١٤١ وتهذيب التهذيب ١٩٩:٧
والشذرات ١ : ١٤٧.
١ وقع بعد هذا في ر زيادة نقطع أنها من عمل أحد النساخ لأنها نقل عن التاج السبكي صاحب
طبقات الشافعية ، وهو متأخر عن المؤلف ، ولهذا لم ندرجها هنا، وهي تتعلق بفتوى الشافعي
في هذين البيتين (انظر طبقات السبكي ١ : ١٦١).
٢٦١

رأسي ، فقال لي : أعربي أنت ؟ قلت : نعم ، وكنت قد قلت له : بكم
تحلق رأسي ؟ فقال: النسك لا يُشارَطُ فيه، اجلس، فجلست منحرفاً عن
القبلة ، فأومأ لي باستقبال القبلة ، وأردت أن أحلق رأسي من الجانب الأيسر ،
فقال: أدر شِقِّكَ الأيمن من رأسك ، فأدرته ، وجعل يحلق رأسي وأنا
ساكت ، فقال لي : كبِّر ، فجعلت أكبر حتى قمت لأذهب فقال : أين تريد ؟
قلت : رحلي ، فقال : صَلِّ ركعتين ثم امض ، فقلت : ما ينبغي أن يكون
هذا من مثل هذا الحجام إلا ومعه علم ، فقلت : من أين لك ما رأيتك أمرتني
به ؟ فقال : رأيت عطاء بن أبي رباح يفعل هذا .
وحكي عن خليفة بن سلام عن يونس قال : سمعت الحسن البصري ذات يوم
في مجلسه يقول : اعتبروا من المنافق بثلاث، إن حَدَّث كذب، وإن اؤتمن
خان ، وإن وعد أخلف ، فبلغ ذلك عطاء ، فقال : قد كانت هذه الخلال
الثلاث في ولد يعقوب ، حدثوه فكذبوه ، وائتمنهم فخانوه ، ووعدوه فأخلفوه ،
فأعقبهم الله النبوة، فبلغ الحسن فقال ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾
( يوسف : ٧٦) ]١ .
ونقل أصحابنا عن مذهبه أنه كان يرى إباحة وطء الجواري بإذن أربابهن ؛
وحكى أبو الفتوح المجلي - المقدم ذكره في حرف الهمزة٢ - في كتاب ((شرح
مشكلات الوسيط والوجيز)) في الباب الثالث من كتاب الرهن ما مثاله :
وحكي عن عطاء أنه كان يبعث بجواريه إلى ضيفانه ، والذي أعتقد أنا أن هذا
بعيد ، فإنه ولو رأى الحل لكن المروءة والغيرة تأبى ذلك ، فكيف يظن هذا
بمثل ذلك السيد الإمام ؟ ولم أذكره إلا لغرابته .
وكان أسود أعور أفطس أشل أعرج ، ثم عمي ، مفلفل الشعر . قال سليمان
ابن رفيع : دخلت المسجد الحرام والناس مجتمعون على رجل فاطلعت فإذا عطاء
ابن أبي رباح جالس كأنه غراب أسود .
توفي سنة خمس عشرة ومائة ، وقيل أربع عشرة ومائة ، وعمره ثمان وثمانون
١ ما بين معقفين انفردت به ر .
٢ انظر المجلد الأول ص: ٢٠٨.
٢٦٢

سنة ، رضي الله عنه ، وقال ابن أبي ليلى : حج عطاء سبعين حجة وعاش مائة
سنة ، والله أعلم .
ورَباح : بفتح الراء والباء الموحدة .
وأسْلَم : بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وفتح اللام .
وفيهر : بكسر الفاء وسكون الهاء وبعدها راء .
وجُمَح : بضم الجيم وفتح الميم وبعدها حاء مهملة .
والباقي معلوم .
والجَنَد : بفتح الجيم والنون وبعدها دال مهملة ، وهي بلدة مشهورة باليمن
خرج منها جماعة من العلماء ، رحمهم الله تعالى .
٤٢٠
المقنع الخراساني
المقَنَّع الخراساني ، اسمه عطاء ، ولا أعرف اسم أبيه وقيل اسمه حكيم ،
والأول أشهر ؛ وكان في مبدإ أمره قصّاراً من أهل مرو ، وكان يعرف شيئاً
من السحر والنيرجات١ فادعى الربوبية من طريق المناسخة، وقال لأشياعه والذين
اتبعوه : إن الله سبحانه وتعالى تحَوَّلَ إلى صورة آدم ، ولذلك قال للملائكة :
اسجدوا له فسجدوا إلا إبليس فاستحق بذلك السخط ، ثم تحول
من آدم إلى صورة نوح عليه السلام ، ثم إلى صورة واحد فواحد من
الأنبياء عليهم السلام والحكماء حتى حصل في صورة أبي مسلم الخراساني - المقدم
٤٢٠ - أخباره في الطبري ٩: ٣٣٨ وابن الأثير ٦: ٥١،٣٨ والملل والنحل ١ : ٢٤٨ وعبر
الذهبي ١: ٢٣٥، ٢٤٠ والشذرات ١: ٢٤٨ والآثار الباقية: ٢١١ وقال أن اسمه هاشم
ابن حكيم، وشروح السقط: ١٥٤٥؛ وقد جاءت الترجمة هنا مطابقة لما في المسودة .
١ لي: والنيرنجيات؛ ر: والنيرنجات ، وأثبتنا ما في المسودة ول س .
٢٦٣

ذكره - ثم زعم أنه انتقل إليه منه ، فقبل قوم١ دعواه وعبدوه وقاتلوا دونه،
مع ما عاينوا من عظيم ادعائه وقبح صورته ، لأنه كان مُشَوَّه الخلق أعور
ألكن قصيراً، وكان لا يُسْفِر عن وجهه بل اتخذ وجهاً من ذهب فتقنع به ،
فلذلك قيل له ((المقنَّع))، وإنما غلب على عقولهم بالتمويهات التي أظهرها لهم
بالسحر والنيرجات . وكان في جملة ما أظهر لهم صورة قمر يطلع ويراه الناس
من مسافة شهرين من موضعه ، ثم يغيب ، فعظم اعتقادهم فيه ، وقد ذكر أبو
العلاء المعري هذا القمر في قوله ٢ :
أفِقِ إِنما البدر المقنَّعُ رأسُهُ ضَلالٌ وغَيِّ مثلُ بَدْرِ المقنَّعِ
وهذا البيت من جملة قصيدة طويلة ، وإليه أشار أبو القاسم هبة الله بن سناء
الملك الشاعر - الآتي ذكره - في جملة قصيدة طويلة بقوله٣:
إليك فيما بَدْرُ المقنع طالعاً بأسحر من ألحاظ بدر المعمم
ولما اشتهر أمر المقنع وانتشر ذكره ثار عليه الناس ، وقصدوه في قلعته التي
كان اعتصم بها وحصروه، فلما أيقن بالهلاك جَمَع نساءه وسقاهنَ سماً فمتن منه
ثم تناول شربة من ذلك السم فمات ، ودخل المسلمون قلعته فقتلوا من فيها من
أشياءه وأتباعه ، وذلك في سنة ثلاث وستين ومائة ، لعنه الله تعالى ، ونعوذ
بالله من الخذلان .
قلت : ولم أر أحداً ذكر هذه القلعة وأين هي حتى أذكرها ، ثم رأيت في
كتاب الشهاب ياقوت الحموي - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - الذي وضعه
في معرفة المواضع المشتركة ، فقال في باب سَنام بفتح السين٤: إنها أربعة
مواضع والموضع الرابع منها سَنام قلعة عَمَّرها المقنَّع الخارجي بما وراء النهر ،
١ ر : قومه .
٢ شروح السقط : ١٥٤٤.
٣ ديوانه : ٦٩٨ .
؛ انظر المشترك : ٢٥٤.
٢٦٤

والله أعلم، والظاهر أنها هذه القلعة ، ثم وجدت في أخبار خراسان أنها هي ،
وأنها من رستاق كش ، والله أعلم .
٤٢١
عكرمة
أبو عبد الله عكرمة بن عبد الله مولى عبد الله بن عباس ، رضي الله عنهما ؛
أصله من البربر من أهل المغرب ، كان لحصين بن الحرّ العنبري، فوهبه لابن
عباس ، رضي الله عنهما ، حين ولي البصرة لعلي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ،
واجتهد ابن عباس في تعليمه القرآن والسنن وسماه بأسماء العرب .
حدث عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص
وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري والحسن بن علي وعائشة، رضي الله عنهم ؛ وهو
أحد فقهاء مكة وتابعيها ، وكان ينتقل من بلد إلى بلد ؛ روي أن ابن عباس
قال له : انطلق فأفْتِ الناس . وقيل لسعيد بن جبير : هل تعلم أحداً أعلم
منك ؟ قال : عكرمة . وقد تكلم الناس فيه لأنه كان يرى رأي الخوارج .
وروى عن جماعة من الصحابة ، رضي الله عنهم، وروى عنه الزهري وعمرو
ابن دينار والشعبي وأبو إسحاق السبيعي وغيرهم . ومات مولاه ابن عباس وعكرمة
على الرق ولم يعتقه ، فباعه ولده علي بن عبد الله بن عباس من خالد بن يزيد بن
معاوية بأربعة آلاف دينار، فأتى عكرمة مولاه عليّاً، فقال له : ما خير لك،
بعت علم أبيك بأربعة آلاف دينار ، فاستقاله فأقاله وأعتقه . وقال عبد الله بن
الحارث : دخلت على عليّ بن عبد الله بن عباس وعكرمة مُوثَق على باب
..........
٤٢١ - ترجمته في طبقات ابن سعد ٢: ٣٨٥ والمعارف: ٤٥٥ وحلية الأولياء ٣٢٦:٣ وتذكرة
الحفاظ: ٩٥ وميزان الاعتدال ٣: ٩٣ وتهذيب التهذيب ٧: ٢٦٣ والشذرات ١: ١٣٠،
وقد استوفت المسودة هذه الترجمة بتمامها .
٢٦٥

كنيف ، فقلت : أتفعلون هذا بمولاكم ؟ فقال : إن هذا يكذب على أبي .
وتوفي عكرمة في سنة سبع ومائة ، وقيل سنة ست ، وقيل أربع ، وقيل
سنة خمس ، وقيل سنة خمس عشرة ، والله أعلم ، وعمره ثمانون ، وقيل أربع
وثمانون سنة . وروى محمد بن سعد عن الواقدي عن خالد بن القاسم البياضي
قال : مات عكرمة وكُثَير عزة الشاعر في يوم واحد ، سنة خمس ومائة ،
فرأيتهما جميعاً صلي عليهما في موضع الجنائز بعد الظهر ، فقال الناس : مات أفقه
الناس وأشعر الناس ، رحمهما الله تعالى، وكان موتهما بالمدينة ، وقيل إن عكرمة
مات بالقيروان ، والأول أصح .
وكان عكرمة كثير التطواف والجولان في البلاد : دخل خراسان وأصبهان
ومصر وغيرها من البلاد .
وعِكرمة : بكسر العين المهملة وسكون الكاف وكسر الراء وفتح الميم
وبعدها هاء ساكنة ، وهو في الأصل اسم الحمامة الأنثى ، فسمي به الإنسان .
وعمارة بن حمزة مولى المنصور الموصوف بالتيه من أولاده ، وقال الخطيب
البغدادي : هو ابن ابنة عكرمة المذكور ، والله أعلم .
٤٢٢
زین العابدین
أبو الحسن١ علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنهم أجمعين،
المعروف بزين العابدين ، ويقال له علي الأصغر ، وليس للحسين ، رضي الله عنه،
٤٢٢ - ترجمته في « الأئمة الأثنا عشر)»: ٧٥، ومقابل الصفحة ثبت بمصادر أخرى، يضاف إليها
صفة الصفوة ٢ : ٥٢ وحلية الأولياء ٣: ١٣٣ وعبر الذهبي ١: ١١١، وهذه الترجمة
مطابقة لما في المسودة .
١ ر: الإمام أبو الحسن.
٢٦٦
:

عَقِبٌ إلا من ولد زين العابدين هذا؛ وهو أحد الأئمة الاثني عشر ومن سادات
التابعين ، قال الزهري : ما رأيت قرشياً أفضل منه .
وأمه سلافة بنت يَزْدَجِرد آخر ملوك فارس، وهي عمة أم يزيد بن الوليد
الأموي المعروف بالناقص . وكان قتيبة بن مسلم الباهلي أمير خراسان لما تتبع
دولة الفرس وقُتِلَ فيروز بن يزدجرد المذكور بعث بابنتيه إلى الحجاج بن يوسف
الثقفي - المقدم ذكره - وكان يومئذ أمير العراق وخراسان وقتيبة نائبه
بخراسان ، فأمسك الحجاج إحدى البنتين لنفسه وأرسل الأخرى إلى الوليد بن
عبد الملك ، فأولدها يزيد الناقص ، واسمها شاه فَريذ ، وسمي بالناقص لأنه
نقص أعطية الجند . وكان يقال لزين العابدين ابن الخيرتين ، لقوله صلى الله عليه
وسلم (( لله تعالى من عباده خيرتان ، فخيرته من العرب قريش ومن العجم
فارس)) .
وذكر أبو القاسم الزمخشري في كتاب ((ربيع الأبرار)) أن الصحابة ، رضي
الله عنهم ، لما أتوا المدينة بسَبْي فارس في خلافة عمر بن الخطاب ، رضي الله
عنه ، كان فيهم ثلاث بنات ليزدجرد ، فباعوا السبايا ، وأمر عمر ببيع بنات
يزدجرد أيضاً ، فقال له علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه: إن بنات الملوك لا
يُعامَلن معاملة غيرهن من بنات السُّوقَة، فقال: كيف الطريق إلى العمل
معهن؟ قال: يُقَوَّمْنَ ومهما بلغ ثمنهن قام به من يختارهن، فقُوِّمْنَ وأخذهن
علي، رضي الله عنه، فدفع واحدة لعبد الله بن عمر وأخرى لولده الحسين وأخرى
لمحمد بن أبي بكر الصديق، وكان ربيبه، رضي الله عنهم أجمعين ، فأولد عبد الله
أمته ولده سالماً ، وأولد الحسين زين العابدين، وأولد محمد ولده القاسم ، فهؤلاء
الثلاثة بنو خالة١ ، وأمهاتهم بنات يزدجرد .
وحكى المبرد في كتاب ((الكامل))٢ ما مثاله: يروى عن رجل من قريش
لم يسمَّ لنا قال: كنت أجالس سعيد بن المسيب، فقال لي يوماً: مَنْ أخوالك؟
١ لي : خالات .
٢ الكامل ٢ : ١٢٠.
٢٦٧

فقلت له : أمي فتاة ، فكأني نقصت من عينه ، فأمهلت حتى دخل سالم بن
عبد الله بن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنهم ، فلما خرج من عنده قلت : يا عم
مَن هذا ؟ فقال : سبحان الله ، أتجهل مثل هذا من قومك ؟ هذا سالم بن عبد
الله بن عمر بن الخطاب ، قلت : فمن أمه ؟ قال : فتاة ، قال : ثم أناه القاسم
ابن محمد بن أبي بكر الصديق ، رضي الله عنه ، فجلس عنده ثم نهض ، قلت :
يا عم ، مَنْ هذا؟ فقال: أتجهل من أهلك مثله ؟ ما أعجب هذا، هذا القاسم
ابن محمد بن أبي بكر الصديق ، قلت : فمن أمه ؟ قال : فتاة ، قال : فأمهلت
شيئاً حتى جاءه علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، فسلم عليه
ثم نهض ، فقلت: يا عم ، منْ هذا ؟ قال: هذا الذي لا يسعُ مسلماً أن
يجهله ، هذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه، فقلت : مَن
أمه ؟ قال : فتاة، فقلت: يا عم، رأيتُني نقصتُ في عينك لما علمت أن أمي
فتاة١، أفما لي في هؤلاء أسوة ؟ قال : فجللت في عينه جداً .
وكان أهل المدينة يكرهون اتخاذ أمهات الأولاد حتى نشأ فيهم علي بن
الحسن والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله ، ففاقوا أهل المدينة فِقِهاً ووَرَعاً ،
فرغب الناس في السراري٢ .
وكان زين العابدين كثير البر بأمه ، حتى قيل له : إنك أبرّ الناس بأمك ،
ولسنا نراك تأكل معها في صَحْفَة، فقال : أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت
إليه عينها فأكون قد عقَقْتُها ، وهذا ضد قصة أبي المخشّ مع ابنه ، فإنه
قال٣ : كانت لي ابنة تجلس معي على المائدة فتُبْرِزُ كفّاً كأنها طَلعة في ذراع
كأنه جُمَّارة فما تقع عينها على لقمة نفيسة إلا خَصَّتني بها ، فزوجتها ، فصار
يجلس معي على المائدة ابن لي فيبرز كفّاً كأنها كرنافة؛ في ذراع كأنه كرَبَة ،
٠٠.
١ لي: ما علمت أني لأم ولد .
٢ زاد هنا في هامش المسودة : وذكر ابن قتيبة في كتاب المعارف أن زين العابدين يقال ان أمه
سندية يقال لها سلافة ويقال غزالة والله أعلم بالصواب ، وهذا مكرر ، وسيأتي بعد سطور .
٣ انظر هذه القصة في عيون الأخبار ٣ : ٢١٩.
٤ الكرانيف : أصول الكرب تبقى في جذع النخلة بعد قطع السعف، والكرب أصول السعف.
٢٦٨

فوالله ما تسبق عيني إلى لقمة طيبة إلا سبقت يده إليها .
وحكى ابن قتيبة في كتاب (المعارف))١ أن أم زين العابدين سندية يقال
لها سلافة ويقال غزالة والله أعلم بالصواب ، وأنه زَوَّجها بعد أبيه بزُبَيد مولى
أبيه ، وأعتق جارية له وتزوجها ، فكتب إليه عبد الملك بن مروان يعيره
ذلك، فكتب إليه زين العابدين: ((لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ،
وقد أَعتق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، صفية بنت حُيّي بن أخطَب وتزوجها
وأعتق زيد بن حارثة وزوجه بنت عمته زينب بنت جحش )) .
وفضائل زين العابدين ومناقبه أكثر من أن تحصَر. وكانت ولادته يوم الجمعة
في بعض شهور سنة ثمان وثلاثين للهجرة ، وتوفي سنة أربع وتسعين وقيل تسع
وتسعين وقيل اثنتين وتسعين للهجرة بالمدينة ، ودفن في البقيع في قبر عمه الحسن
ابن علي ، رضي الله تعالى عنه ، في القبة التي فيها قبر العباس ، رضي الله عنه .
٤٢٣
علي الرضا
أبو الحسن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن
علي زين العابدين المذكور قبله؛ وهو أحد الأئمة الاثني عشر على اعتقاد الإمامية،
وكان المأمون قد زوجه ابنته أم حبيب في سنة اثنتين ومائتين وجعله وليْ
عهده ، وضرب اسمه على الدينار والدرهم ، وكان السبب في ذلك أنه استحضر
أولاد العباس الرجالَ منهم والنساء ، وهو بمدينة مَرْوَ من بلاد خراسان، وكان
عددهم ثلاثة وثلاثين ألفاً ما بين الكبار والصغار، واستدعى عليّاً المذكور فأنزله
١ المعارف : ٢١٣ - ٢١٥.
٤٢٣ - ترجمته في («الائمة الاثنا عشر)): ٩٧ وعلى الصفحة المقابلة مصادر أخرى يضاف إليها
تاريخ الطبري (حوادث ٢٠٢) وعبر الذهبي ١: ٣٤٠ (وفيات: ٢٠٣).
٢٦٩

أحسن منزلة، وجمع خواص الأولياء وأخبرهم أنه نظر في أولاد العباس وأولاد
علي بن أبي طالب ، رضي الله عنهما ، فلم يجد في وقته أحداً أفضل ولا أحق
بالأمر من علي الرضا فبايعه ، وأمر بإزالة السواد من اللباس والأعلام ؛ ونمي
الخبر إِلى مَنْ بالعراق من أولاد العباس، فعلموا أن في ذلك خروج الأمر
عنهم ، فخلعوا المأمون وبايعوا إبراهيم بن المهدي - المقدم ذكره١ - وهو عم
المأمون ، وذلك يوم الخميس لخمس خلون من المحرم سنة اثنتين ، وقيل سنة ثلاث
ومائتين ، والشرح في ذلك يطول والقصة مشهورة ، وقد اختصرته في ترجمة
إبراهيم بن المهدي .
وكانت ولادة علي الرضا يوم الجمعة في بعض شهور سنة ثلاث وخمسين ومائة
بالمدينة ، وقيل بل وُلِدَ سابع شوال، وقيل ثامنه ، وقيل سادسه ، سنة
إحدى وخمسين ومائة . وتوفي في آخر يوم من صفر سنة اثنتين ومائتين ، وقيل
بل توفي خامس ذي الحجة ، وقيل ثالث عشر ذي القعدة سنة ثلاث ومائتين ،
بمدينة طوس وصلى عليه المأمون ودَفَنه ملاصق قبر أبيه الرشيد ، وكان سبب
موته أنه أكل عنباً فأكثر منه ، وقيل بل كان مسموماً فاعتلَّ منه ومات ،
رحمه الله تعالى .
وفيه يقول أبو نواس :
قِيلَ لي أنتَ أحسنُ الناس طرّاً في فنونٍ من الكلام النبيهِ
لك من جَيِّد القريض مديحٌ يُثْمِرُ الدرَّ في يديْ مُجْتنيه
والخصالِ التي تجمَّعْنَ فيه
فعَلامَ تركت مدح ابن موسى
قلت لا أستطيعُ مدح إمامٍ كان جبريلُ خادماً لأبيه
وكان سبب قوله هذه الأبيات أن بعض أصحابه قال له : ما رأيت أوقح
منك ، ما تركت خمراً ولا طرداً ولا معنى إلا قلت فيه شيئاً ، وهذا علي بن
موسى الرضا في عصرك لم تقل فيه شيئاً ، فقال : والله ما تركت ذلك إلا
١ تقدمت ترجمة إبراهيم بن المهدي في الجزء الاول : ٣٩.
٢٧٠

إعظاماً له ، وليس قَدْرُ مثلي أن يقول في مثله، ثم أنشد بعد ساعة هذه
الأبيات .
وفيه يقول أيضاً [وله ذكر في ((شذور العقود)) في سنة إحدى أو اثنتين
ومائتين]١ :
مُطَهَّرُونَ نقياتٌ جيُوبِهُمُ تجري الصلاةُ عليهمْ أينما ذُكرُوا
فما له في قديم الدهر مُفْتَخَر
من لم يكن علَويّاً حين تنسبه
صَفّاكُمُ واصطفاكم أيها البشر
الله لمّا بَرا خلقاً فأتقنه
فأنتُمُ الملأ الأعلى وعندكمُ علم الكتاب وما جاءت به السور٢
وقال المأمون يوماً لعلي بن موسى الرضا المذكور : ما يقول بنو أبيك في
جدنا العباس بن عبد المطلب ؟ فقال : ما يقولون في رجل فرَضَ الله طاعة بنيه
على خلقه وفرض طاعته على بنيه ، فأمر له بألف ألف درهم .
وكان قد خرج أخوه زيد بن موسى بالبصرة على المأمون ، وفتَكَ بأهلها ،
فأرسل إليه المأمون أخاه عليّاً المذكور يردُّه عن ذلك، فجاءه وقال له: ويلك
يا زيد ، فعلت بالمسلمين بالبصرة ما فعلت ، وتزعم أنك ابن فاطمة بنت رسول
الله، صلى الله عليه وسلم! والله لأشدُّ الناس عليك رسولُ الله، صلى الله عليه
وسلم ، يا زيد ينبغي لمن أخذ برسول الله، صلى الله عليه وسلم ، أن يعطي به ،
فبلغ كلامه المأمون ، فبكى وقال : هكذا ينبغي أن يكون أهل بيت رسول
الله ، صلى الله عليه وسلم .
قلت : وآخر هذا الكلام مأخوذ من كلام علي زين العابدين - المقدم ذكره -
فقد قيل : إنه كان إذا سافر كتم نفسه ، فقيل له في ذلك فقال : أنا أكره أن
آخذ برسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ما لا أعطي به .
....
١ سقط من س ر لي، وكان مثبتاً في المسودة ثم رمّج، وفي رأس الصفحة كتب أيضاً «له ذكر
في زهر الآداب في التعليم الحادي عشر من السفر الاول» ثم وضع خطأً فوق هذه الجملة .
٢ نهاية الترجمة في س ل .
٢٧١

٤٢٤
أبو الحسن العسكري
أبو الحسن١ علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا - المقدم ذكره - وهو
حفيد الذي قبله ، فلا حاجة إلى رفع نسبه ، ويعرف بالعسكري ؛ وهو أحد
الأئمة الاثني عشر عند الإمامية ، كان قد سُعي به إلى المتوكل وقيل إن في منزله
سلاحاً وكتباً وغيرها من شيعته، وأوهموه أنه يطلب الأمر لنفسه ، فوجه إليه
بعدة من الأتراك ليلاً فهجموا عليه في منزله على غفلة ، فوجدوه وحده في بيت
مغلق وعليه مِدْرعة من شَعْر، وعلى رأسه ملحفة من صوف ، وهو مستقبل
القبلة يترنم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد ، ليس بينه وبين الأرض بساط
إلا الرمل والحصى ، فأخذ على الصورة التي وُجِد عليها وحُمِل إلى المتوكل في
جوف الليل ، فمثل بين يديه والمتوكل يستعمل الشراب وفي يده كأس ، فلما
رآه أعظمه وأجلسه إلى جنبه ، ولم يكن في منزله شيء مما قيل عنه ولا حالة
يُتَعلّق عليه بها، فناوله المتوكل الكأس الذي كان بيده ، فقال: يا أمير
المؤمنين ، ما خامر لي ودمي قط فأعْفِني منه ، فأعفاه وقال : أنشدني شعراً
أستحسنه ، فقال: إني لقليل الرواية للشعر، قال : لا بد أن تنشدني فأنشده٢ :
غُلْبُ الرجال فما أغنتهم القُلَلُ
باتوا على قُلَلِ الأجبال تحرسهم
فأودِعُوا حُفَراً يا بئس ما نزلوا
واستنزِلوا بعد عزّ من مَعاقلهم
أين الأسرَّةُ والتيجانُ والحُلَل
ناداهمُ صارخٌ من بعد ما قُبروا
٤٢٤ - ترجمته في («الأئمة الاثنا عشر)»: ١٠٧ وعلى الصفحة المقابلة ثبت بمصادر أخرى، وانظر
اللباب : (العسكري) ؛ والترجمة هنا طبق لما في المسودة .
١ ر : الإمام أبو الحسن .
٢ انظر البصائر والذخائر ٤ : ٢٢٣.
٢٧٢

أين الوجوه التي كانت منعَّمةً من دونها تُضْرَبُ الأستار والكلَلُ
فأفصحَ القبر عنهم حين ساءَلَهُمْ تلك الوجوه عليها الدود يَقْتَتِلُ
قد طال ما أكلوا دهراً وما شربوا فأصبحوا بعد طول الأكل قد أُكِلوا
قال: فأشفق من حضر على عليّ وظن١ أن بادرة تبدر إليه، فبكى
المتوكل بكاء كثيراً حتى بلت دموعه لحيته وبكى من حضره ، ثم أمر برفع
الشراب ثم قال : يا أبا الحسن ، أعليك دين ؟ قال : نعم أربعة آلاف دينار ،
فأمر بدفعها إليه ورده إلى منزله مكرماً .
وكانت ولادته يوم الأحد ثالث عشر رجب ، وقيل يوم عرفة سنة أربع
عشرة وقيل ثلاث عشرة ومائتين . ولما كثرت السعاية في حقه عند المتوكل
أحضره من المدينة ، وكان مولده بها ، وأقره بسر من رأى وهي تدعى
بالعسكر ، لأن المعتصم لما بناها انتقل إليها بعسكره ، فقيل لها العسكر ،
ولهذا قيل لأبي الحسن المذكور ((العسكري)) لأنه منسوب إليها ، فأقام بها
عشرين سنة وتسعة أشهر . وتوفي بها يوم الاثنين خمس بقين من جمادى الآخرة،
وقيل لأربع بقين منها وقيل في رابعها ، وقيل في ثالث رجب سنة أربع وخمسين
ومائتين ، ودفن في داره ، رحمه الله تعالى .
١ لي : وظنوا .
١٨ - ٣
٢٧٣

٤٢٥
علي بن عبد الله بن العباس
أبو محمد علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي ، وهو
جد السفاح والمنصور الخليفتين ؛ كان سيداً شريفاً بليغاً ، وهو أصغر ولد أبيه ،
وكان أجمل قرشي على وجه الأرض وأوسمه ، وأكثره صلاة ، وكان يدعى
السَّجَّادَ لذلك . وكان له خمسمائة أصل زيتون يصلي في كل يوم إلى كل أصل
ركعتين، وكان يُدْعى ((ذا الثَّفِنات)) هكذا قاله المبرد في ((الكامل))١،
وقال أبو الفرج ابن الجوزي الحافظ : ذو الثفنات هو علي بن الحسين ، يعني زين
العابدين ، وإنما قيل له ذلك لأنه كان يصلي في كل يوم ألف ركعة ، فصار في
ركبتيه مثل ثفن البعير، ذكر ذلك في كتاب ((الألقاب)).
وروي أن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، افتقد عبد الله بن العباس، رضي
الله عنه، في وقت صلاة الظهر، فقال لأصحابه : ما بال أبي العباس لم يحضر
الظهر؟ فقالوا : ولد له مولود ، فلما صلى عليّ، رضي الله عنه، قال : امضوا بنا
إليه ، فأتاه فَهَنَّاه فقال : شكرت الواهب، وبورك لك في الموهوب، ما
سميته ؟ فقال : أوَ يجوز لي أن أسميه حتى تسميه ؟ فأمر به فأخرج إليه فأخذه
فحنكه ودعا له ثم رده إليه وقال : خذ إليك أبا الأملاك، قد سميته عليّاً
وكنيته أبا الحسن ، فلما قام معاوية خليفة قال لابن عباس : ليس لكم اسمه
وكنيته، وقد كنيته أبا محمد، فجرت عليه، هكذا قاله المبرد في ((الكامل))٢.
٤٢٥ - ترجمته في طبقات ابن سعد ٥ : ٣١٢ وحلية الأولياء ٣: ٢٠٧ وصفة الصفوة ٢ : ٥٩
ومعجم المرزباني: ١٣٣ وعبر الذهبي ١: ١٤٨ والشذرات ١: ١٤٨؛ وقد استوفت المسودة
جميع هذه الترجمة .
١ الكامل ٢: ٢١٧.
٢ المصدر السابق .
٢٧٤

٦٠
وقال الحافظ أبو نعيم في كتاب ((حلية الأولياء))١: إنه لما قدم على عبد
الملك بن مروان قال له : غير اسمك وكنيتك فلا صبر لي على اسمك وكنيتك ،
قال : أما الاسم فلا ، وأما الكنية فأكتني بأبي محمد ، فغير كنيته ؛ انتهى
كلام أبي نعيم .
قلت أنا : وإنما قال له عبد الملك هذه المقالة لبغضه في علي بن أبي طالب ،
رضي الله عنه ، فكره أن يسمع اسمه وكنيته .
وذكر الطبري في تاريخه٢ أنه دخل على عبد الملك بن مروان فأكرمه ،
وأجلسه على سريره وسأله عن كنيته فأخبره ، فقال : لا يجتمع في عسكري
هذا الاسم وهذه الكنية لأحد ، وسأله : هل له من ولد ؟ وكان قد ولد له
يومئذ محمد بن علي ، فأخبره بذلك ، فكناه أبا محمد .
وقال الواقدي : ولد أبو محمد المذكور في الليلة التي قتل فيها علي بن أبي
طالب ، رضي الله عنه ، والله أعلم بالصواب .
وقال المبرد أيضا٣ً : وضُرِبَ علي بالسياط مرتين كلتاهما ضربه الوليد بن
عبد الملك : إحداهما في تزوجه لُبابة ابنة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ،
وكانت عند عبد الملك فعضً تفاحة ثم رمى بها إليها، وكان أبخر ، فدعت
بسكين ، فقال : ما تصنعين بها ؟ فقالت: أميط عنها الأذى ، فطلقها ،
فتزوجها علي بن عبد الله المذكور فضربه الوليد وقال : إنما تتزوج بأمهات
الخلفاء لتضع منهم ، لأن مروان بن الحكم إنما تزوج بأم خالد بن يزيد بن معاوية
ليضع منه ، فقال علي بن عبد الله : إنما أرادت الخروج من هذا البلد وأنا ابن
عمها فتزوجتها لأكون لها مَحْرَماً؛ .
١ حلية الأولياء ٣ : ٢٠٧ .
٢ تاريخ الطبري: (حوادث ١١٨).
٣ الكامل ٢ : ٢١٧.
؛ ورد في المطبوعة المصرية بعد هذا: « وقد قيل إن عبد الملك كان تزوج لبابة بنت عبد الله بن
جعفر فقالت له يوماً وكان أبخر : لو استكت ، فاستاك وطلقها ، ثم تزوجها علي بن عبد الله
ابن العباس وكان أقرع وكانت لا تفارقه قلنسوته فبعث عبد الملك جارية وهو جالس مع لبابة
فكشفت رأسه على غفلة لترى ما به ، فقالت لبابة للجارية: هاشمي أقرع أحب إلي من أموي =
٢٧٥

وأما ضربه إياه في المرة الثانية فقد حَدَّثَ أبو عبد الله محمد بن شجاع في
إسناد متصل يقول في آخره : رأيت علي بن عبد الله يوماً مضروباً بالسوط١
يُدارُ به على بعير ووجهه مما يَلي ذَنَبَ البعير ، وصائح يصيح عليه : هذا علي
ابن عبد الله الكذاب ، فأتيته وقلت : ما هذا الذي نسبوك فيه إلى الكذب ؟
قال : بلغهم عني أني أقول: إن هذا الأمر سيكون في ولدي ، ووالله ليكونَنَّ
فيهم حتى تملكهم عبيدهم ، الصغار العيون ، العراض الوجوه ، الذين كأن
وجوههم المجانُ المُطْرَقة٢.
قلت: ذكر ابن الكلبي في كتاب ((النسب)) أن الذي تولى ضرب علي بن
عبد الله بن العباس ، رضي الله عنهم ، هو كلثوم بن عياض بن وحوح بن
قشير بن الأعور بن قشير ، كان والي الشرطة للوليد بن مروان ، ثم إنه تولى
إفريقية لهشام بن عبد الملك وقتل بها ، وقال غير ابن الكلبي : كان قتله في ذي
الحجة سنة ثلاث وعشرين ومائة .
وروى٣ أن علي بن عبد الله دخل على سليمان بن عبد الملك ، وهو غلط ،
بل الصحيح أنه هشام بن عبد الملك ، معه ابنا ابنه الخليفتان وهما السفاح
والمنصور ابنا محمد بن علي المذكور ، فأوسع له على سريره وبَرَّه وسأله عن
حاجته ، فقال : ثلاثون ألف درهم عليّ دين ، فأمر بقضائها ، ثم قال له :
وتستوصي بابنيّ هذين خيراً، ففعل، فشكره وقال : وَصَلَتْكَ رحم . فلما
ولّى علي قال هشام لأصحابه: إن هذا الشيخ قد اختلّ وأسنَّ وخَلْط فصار
يقول: إن هذا الأمر سينتقل إلى ولده ، فسمعه على فقال: والله ليكونَنَّ
ذلك وليملكَنَّ هذان .
وكان علي المذكور عظيم المحل عند أهل الحجاز ، حتى قال هشام بن سليمان
= أبخر)) - وهذا النص لم يرد في المخطوطات، وليس هو من المنقول عن المبرد ، كما أنه في موضعه
يفصل سياق نص «الكامل )» في قسمين .
١ ر : بالسياط .
٢ في المسودة: المطارقة؛ وفي الحديث (( المجان المطرقة)) وهي التي طرق بعضها على بعض أي
خصف ، أراد أنهم عراض الوجوه غلاظها ؛ والمطارقة أيضاً : المخصوفة .
٣ انظر الكامل : ٢١٨ - ٢١٩.
٢٧٦

۔
المخزومي : إِن علي بن عبد الله كان إذا قدم مكة حاجّاً أو معتمراً عَطَّلَتْ
قريش مجالسها في المسجد الحرام وهجرت مواضع حلقها ولزمت مجلسه إعظاماً
وإجلالاً وتبجيلاً له ، فإن قعد قعدوا وإِن نهض نهضوا وإِن مشى مَشَوا جميعاً
حوله ، ولا يزالون كذلك حتى يخرج من الحرم .
وكان آدَمَ جسيماً له لحية طويلة ، وكان عظيم القدم جدّاً لا يوجد له نعل
ولا خف حتى يستعمله ، وكان مفرطاً في الطول ، إذا طاف كأنما الناس حوله
مشاة وهو راكب من طوله ، وكان مع هذا الطول يكون إلى منكب أبيه عبد
الله وكان عبد الله إلى منكب أبيه العباس وكان العباس إلى منكب أبيه عبد
المطلب. ونظَرَتْ عجوز إلى علي وهو يطوف وقد فَرَعَ الناسَ - فَرع بالعين
المهملة : أي علا عليهم - فقالت : مَنْ هذا الذي فرع الناس ؟ فقيل : علي
ابن عبد الله بن العباس، فقالت: لا إله إلا الله، إن الناس ليُرْذَ لُونَ ،
عهدي بالعباس يطوف بهذا البيت كأنه فُسْطاط أبيض . ذكر هذا كله المبرد
في ((الكامل))١، وذكر أيضاً أن العباس كان عظيم الصوت، وجاءتهم مرة غارة
وقت الصباح فصاح بأعلى صوته : واصباحاه ، فلم تسمعه حامل في الحي إلا
وضعت .
وذكر أبو بكر الحازمي في كتاب (( ما اتفق لفظه وافترق مسماه )) في أول
حرف الغين في باب عانة وغابة ، قال : كان العباس بن عبد المطلب يقف على
سَلْع ، وهو جبل عند المدينة ، فينادي غلمانه وهم بالغابة فيُسْمِعِهم ، وذلك
من آخر الليل ، وبين الغابة وسَلْع ثمانية أميال .
وكانت وفاة علي بن عبد الله سنة سبع عشرة ومائة بالشَّراة بالحميمة وهو
ابن ثمانين سنة . وقال الواقدي : ولد في الليلة التي قتل فيها علي بن أبي طالب،
رضي الله عنه، وكان قتل علي، رضي الله عنه، في ليلة الجمعة سابع عشر شهر رمضان
من سنة أربعين للهجرة ، وقيل غير ذلك ، وتوفي علي بن عبد الله سنة ثماني
عشرة ومائة، وقال غير الواقدي : إِن وفاته كانت في ذي القعدة، وقال خليفة
١ انظر الكامل ١ : ٩٢.
٢٧٧

ابن خياط: مات في سنة أربع عشرة، وقال في موضع آخر : سنة ثماني عشرة،
وقال غيره : سنة تسع عشرة ، والله أعلم .
وكان يَخْضِب بالسواد، وابنه محمد والد السفاح والمنصور يخضب بالحمرة ،
فيظن من لا يعرفها أن محمداً علي وأن عليّاً محمد، رضي الله عنهما .
والشّرَاة : بفتح الشين المعجمة والراء وبعد الألف هاء مثناة ، صقع بالشام
في طريق المدينة من دمشق بالقرب من الشوبك وهو من إقليم البلقاء وفي بعض
نواحيه القرية المعروفة بالحُمَيْمَةِ - بضم الحاء المهملة وفتح الميم وسكون الياء
المثناة من تحتها وفتح الميم الثانية وبعدها هاء ساكنة - وهذه القرية كانت لعلي
المذكور وأولاده في أيام بني أمية ، وفيها ولد السفاح والمنصور وبها تربَّيا ومنها
انتقلا إلى الكوفة ، وبويع السفاح بالخلافة فيها كما هو مشهور - وسيأتي ذكر
ولده محمد إن شاء الله تعالى .
وذكر الطبري في تاريخه أن الوليد بن عبد الملك بن مروان أخرج علي
ابن عبد الله بن العباس من دمشق وأنزله الحميمة في سنة خمس وتسعين للهجرة، ولم
يزل ولده بها إلى أن زالت دولة بني أمية وولد له بها نَيِّفٌ وعشرون ولداً ذكراً.
٤٢٦
القاضي أبو الحسن الجرجاني
القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني الفقيه الشافعي ؛ كان فقيهاً
أديباً شاعراً، ذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتاب ((طبقات الفقهاء))١
وقال : له ديوان شعر وهو القائل :
يقُولونَ لِي فِيك انقباض وإنما رَأَوْا رَ جُلٌ عَنْ موقف الذلِّ أَحْجَمَا
٤٢٦ - ترجمته في معجم الأدباء ١٤: ١٤ وطبقات السبكي ٢: ٣٠٨ والبداية والنهاية ٣٣١:١١
والشذرات ٣ : ٥٦؛ والترجمة مستوفاة في المسودة .
١ طبقات الشيرازي، الورقة: ٣٥ .
٢٧٨

وهي أبيات طويلة ومشهورة ، فلا حاجة إلى ذكرها . وذكره الثعالبي في
كتاب ((يتيمة الدهر)) فقال١: ((هو فَرْدُ الزمان، ونادرة الفلك، وإنسان
حَدَقَة العلم، وقُبَّة٢ تاج الأدب، وفارس عسكر الشعر ، يجمعُ خطّ ابن
مقلة إلى نثر الجاحظ ونظم البحتري ، وقد كان في صباه خَلَفَ الخَضِر في
قطع الأرض وتدويخ بلاد العراق والشام وغيرها ، واقتبس من أنواع العلوم
والآداب ما صار به في العلوم عَاماً، وفي الكمال عالماً)) وأورد له مقاطيع
كثيرة من الشعر ، فمن ذلك قوله :
قد بَرَّحَ الحبُّ بمشتاقكْ فأوْلِهِ أحسن أخلاقكْ
لا تجفُهُ وارْعَ له حقَّهُ فإنه آخر عشّاقِكْ
وأنشدني صاحبنا الحسام عيسى بن سنجر بن بهرام المعروف بالحاجري -
الآتي ذكره - لنفسه دوبيت في هذا المعنى وهو :
يا عارضه فديتَ بالأحداقِ لم يَبقَ على العهود غيري باقي
ناشَدْتُكَ إِلا ما عسى ترفقُ بي في الحب فإني آخر العشَّاقِ
وله من أبيات :
وقالوا تَوَصَّلْ بالخضُوعِ إلى الغنى وما علموا أن الخضُوعَ هو الفقرُ
وبيني وبين المال شيئان حَرَّما عليّ الغِنى: نفسي الأبيَّةُ والدَّهْر
إذا قيل هذا اليُسرُ أبصرتُ دونه مواقفَ خيرٌ من وقوفي بها العُشْرِ
وله أيضاً :
وقالوا اضطرب في الأرض فالرزق واسع فقلت ولكن موضع الرزق ضَيِّقُ
إذا لم يكن في الأرض حُرّ يُعينُني ولم يك لي كَسْبٌ فمن أين أُرزقُ
١ اليتيمة ٤ : ٣ .
٢ س : ودرة .
٢٧٩
٠٫

وله أيضاً في الصاحب بن عبّاد :
إذا احتشدت لم تنتفع باحتشادها
ولا ذنب للأفكار أنت تر کتها
خواطِرُكَ الألفاظ بعد شِرادِها
سبقت لأفراد المعاني وألفت
حصلنا على مسروقها ومُعادِها
فإن نحن حاولنا اختراع بديعة
وله فيه يهنيه بالعافية من جملة أبيات :
أفي كل يوم للمكارم رَوْعَةٌ لها في قلوب المكرمات وجيبُ
تقسّمت العلياءُ جِسْمَكَ كله فمن أين للأسقام فيه نصيب
لها أنفسٌ تحيا بها وقلوب
إذا ألمت نَفْسُ الوزير تألمت
حياتي٢، وفي وجه الوزير شُحُوب
ووالله لا لاحظت وجهاً أحبه١
ولكنه في المكرمات نُدُوب
وليس شحوباً ما أراه بوجهه
وعما قليل تبتدي فتَصُوب
فلا تجزَ عَنْ تلك السماء تغيمت
وله :
صِرْتُ البيت والكتاب جليسا
ما تطعمتُ لذةَ العيش حتى
م فما أبتغي سواه أنيسا
ليس شيء أعزّ عندي من٣ العا
إنما الذل في مخالطة النا س فدَعهُمْ وعش عزيزاً رئيسا
وله :
ما لي وما لك يا فراق أبداً رحيلٌ وانطلاق
يا نفس موتي بعده فكذا يكون الاشتياق
وشعره كثير وطريقه فيه سهل، وله كتاب ((الوساطة بين المتني وخصومه))
١ ر : وجه أحبة .
٢ م : حياء.
٣ ر : عندي ألذ من .
٢٨٠