Indexed OCR Text
Pages 221-240
فقالت : ألم أُخْبَر بأنك زاهدٌ فقلت بلى ما زلت أزهد في الزهد ومن شعره أيضاً : وللمفاليس دار الضَّنْك والضّيقِ بغداد دارٌ لأهل المال طيبة كأنني مصحفٌ في بیت زنديق ظللت حيرانَ أمشي في أزقتها [وله : أهيمُ بذكر الشرق والغرب دائماً وما ليَ لا شرقُ البلاد ولا غربُ فعدتُ متى أُذكرْ عهودهمُ أصْبُ ولكنَّ أوطاناً نأت وأُحبّة وقد غرد الحادون واشتغل الركب ولم أنسَ من ودعتُ بالشطُ سحرة أَليفان هذا سائرٌ نحو غربةٍ وهذا مقيمٌ سار من صدره القرب وله أيضاً : إلى مصرٍ وعدتُ إلى العراقِ قطعتُ الأرضَ في شهري ربيع. مَشُوقاً للمضمّرة العتاق فقال ليَ الحبيب وقد رآني ركبتَ على البُراق؟ فقلت كلاً ولكني ركبتُ على اشتياقي]١ وكان على خاطري أبيات لا أعرف لمن هي ، ثم وجدتها في عدة مواضع للقاضي عبد الوهاب المذكور وهي : مى يصلُ العِطاشُ إلى ارتواءٍ إذا استقتِ البحارُ من الركايا وقد جلس الأكابر في الزوايا ومن يَثني الأصاغر عن مُرادٍ على الرُّفعاء من إحدى الرزايا وإِنَّ ترفّعَ الوضعاء يوماً فقد طابت مُنادَمةُ المنايا٢ إذا استوتِ الأسافلُ والأعالي ١ انفردت ربما بين معقفين . ٢ بعد هذا جاء في المطبوعة المصرية : وله أيضاً : حمدت إلي إِذ بليت بحبها وبي حول يغني عن النظر الشزر ٢٢١ وذكر صاحب ((الذخيرة)) أنه ولي القضاء بمدينة اسعرد، وقال غيره : كان قاضياً في بادرايا وباكسايا ، وهما بُلَيْدَتان من أعمال العراق . وسئل عن مولده فقال : يوم الخميس السابع من شوال سنة اثنتين وستين وثلثمائة ببغداد . وتوفي ليلة الاثنين الرابعة عشرة من صفر سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة بمصر، وقيل : إنه توفي في شعبان من السنة المذكورة ، رحمه الله تعالى ، ودفن في القرافة الصغرى ، وزرت قبره فيما بين قبة الإمام الشافعي ، رضي الله عنه ، وباب القرافة ، بالقرب من ابن القاسم وأشهب ، رحمهما الله تعالى . وكان أبوه من أعيان الشهود المعدّلين ببغداد . (104) وكان أخوه أبو الحسن محمد بن علي بن نصر أديباً فاضلاً ، صنف كتاب ((المفاوضة)) للملك العزيز جلال الدولة أبي منصور ابن أبي طاهر١ بهاء الدولة بن عضُد الدولة بن بٌوَيْه ، جمع فيه ما شاهده ، وهو من الكتب الممتعة، في ثلاثين كراسة ، وله رسائل ، ومولده ببغداد في إحدى الماديين سنة اثنتين وسبعين وثلثمائة ، وتوفي يوم الأحد لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين وأربعمائة بواسط ، وكان قد صعد إليها من البصرة فمات بها . (105) وتوفي أبوهما أبو الحسن عليّ يوم السبت ثاني شهر رمضان المعظم سنة إحدى وتسعين وثلثمائة ، رحمهم الله تعالى . نظرت إليها والرقيب يخالني نظرت إليه فاسترحت من العذر = وهذان البيتان لأبي حفص الشطرنجي في جارية حولاء ، وسيذكرهما المؤلف في ترجمة محمد بن الحسن بن حمدون الكاتب ، ولا ريب في أن المؤلف مدقق شديد التحري ، فلعل هذه الزيادة هنا ليست من الاصل أو من الإضافات التي ألحقها . ١ زاد في المسودة كلمة ((بن)» بعد («طاهر))، وفي النص اضطراب، فان جلال الدولة يكنى أبا طاهر ، ويكنى أبوه بهاء الدولة : أبا نصر . ٢٢٢ ٤٠١ الحافظ عبد الغني ١ أبو محمد عبد الغني بن سعيد بن علي بن سعيد بن بشر بن مروان بن عبد العزيز الأزدي الحافظ المصري ؛ كان حافظ مصر في عصره ، وله تواليف نافعة، منها ((مشتبه النسبة)) وكتاب ((المؤتلف والمختلف)) وغير ذلك، وانتفع به خلق كثير . وكانت بينه وبين أبي أسامة جُنادة اللغوي وأبي علي١ المقرىء الأنطاكي مودة أكيدة واجتماع في دار الكتب ومذاكرات ، فلما قتلهما الحاكم صاحب مصر استقر بسبب ذلك الحافظ عبد الغني خوفاً أن يلحق بها لاتهامه بمعاشرتهما ، وأقام مستخفياً مدة حتى حصل له الأمن فظهر - وقد تقدم في ترجمة أبي أسامة خبر ذلك٢ . وكانت ولادة الحافظ عبد الغني لليلتين بقيتا من ذي القعدة٣ سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة . وتوفي ليلة الثلاثاء ، ودفن يوم الثلاثاء سابع صفر سنة تسع وأربعمائة بمصر، ودفن بحضرة مُصَلَّى العيد ، رحمه الله تعالى . وذكر أبو القاسم يحيى بن علي الحضرمي المعروف بابن الطحان؛ في تاريخه الذي جعله ذيلاً لتاريخ ابن يونس المصري أن عبد الغني بن سعيد المذكور مولده في سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة ، والله أعلم . .-. ٤٠١ - ترجمته في المنتظم ٧ : ٢٩٠ وتذكرة الحفاظ: ١٠٤٧ وعبر الذهبي ٣ : ١٠٠ والشذرات ٣ : ١٨٨. ١ في ترجمة جنادة في الجزء الاول (١: ٣٧٢) أنه أبو الحسن علي بن سليمان ، وقد اضطرب في المسودة، فهو حيناً يكتبه أبو علي وحيناً أبو الحسن، وقد ترجم له ابن الجزري (١: ٢١٥) باسم الحسن بن سليمان . ٢ انظرج ١ ص ٣٧٢. ٣ هكذا في المسودة ول ، ولم يثبت في م ؛ ر: من ذي الحجة . ٤ توفي ابن الطحان سنة ٤٦١ (انظر الأعلام للزركلي ٩: ١٩٦ وبروكلمان، التكلة ٥٧١:١). ٢٢٣ (106) وتوفي والده سعيد المذكور سنة ثمان وثلاثين وثلثمائة ، وعمره ثلاث وأربعون سنة ، رحمه الله تعالى ، وقال ولده الحافظ عبد الغني : لم أسمع من والدي شيئاً" . وقال أبو الحسن علي بن بقا كاتب الحافظ عبد الغني بن سعيد : سمعت الحافظ عبد الغني بن سعيد يقول : رجلان جليلان لزمهما لقبان قبيحان : معاوية ابن عبد الكريم الضال، وإنما ضلّ في طريق مكة ، وعبد الله بن محمد الضعيف ، وإنما كان ضعيفاً في جسمه ، لا في حديثه . وقال أبو عبد الله محمد بن علي الحافظ الصوري : قيل للدارقطني : هل رأيت في الحديث أحداً يُرْجى علمه ؟ فقال : نعم ، شابّاً بمصر كأنه شعلة نار يقال له : عبد الغني ، فلما خرج الدارقطني من مصر جاءه المودعون وتحزنوا على مفارقته وبكوا ، فقال : لقد تركت عندكم خلفاً ، يعني عبد الغني . وقال أيضاً - أعني الصوري - لما صنف عبد الغني ((المؤتلف والمختلف)) عرضه على الدارقطني فقال له : اقرأه، فقال: كيف أقرأه لك ومُعْظَمُه أخذته عنك ؟ فقال : نعم أخذته عني متفرقاً ، والآن قد جمعته . نهاية الترجمة في س ل م، وعند هذا الموضع كتب في المسودة « تكتب التخريجة هاهنا» ١ فالإضافة التالية حتى نهاية الترجمة - وهي مما انفردت به و- مما كان المؤلف ينوي إثباته ، ولم ترد عند وستنفيلد . ٢٢٤ ٤٠٢ الحافظ عبد الغافر الفارسي أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر ابن أحمد بن محمد بن سعيد الفارسي الحافظ ؛ كان إماماً في الحديث والعربية وقرأ القرآن الكريم ، ولُقِّنَ الاعتقاد بالفارسية وهو ابن خمس سنين ، وتفقه على إمام الحرمين أبي المعالي الجُوَيْني صاحب ((نهاية المطلب)) في المذهب والخلاف ولازمه مدة أربع سنين وهو سبطُ الإمام أبي القاسم عبد الكريم القُشيري - المقدم ذكره - وسمع عليه الحديث الكثير ، وعلى جدته فاطمة بنت أبي علي الدقاق وخالَيْه أبي سعد وأبي سعيد ولَدَيْ أبي القاسم القشيري ووالِدِهِ أبي عبد الله إسماعيل بن عبد الغافر ووالدتِهِ أمَةِ الرحيم ابنة أبي القاسم القشيري وجماعة كبيرة سواهم. ثم خرج من نيسابور إلى خوارزم ولقي بها الأفاضل ، وعقد له المجلس ، ثم خرج إلى غَزْنة ومنها إلى الهند ، وروى الأحاديث ، وقرىء عليه لطائف الإشارات بتلك النواحي ، ثم رجع إلى نيسابور وولي الخطابة بها ، وأملى بها في مسجد عقيل أعصار يوم الاثنين سنين، ثم صنف كتباً عديدة منها ((المفهم لشرح غريب صحيح مسلم)) و((السياق لتاريخ نيسابور )) وفرغ منه في أواخر ذي القعدة سنة ثماني عشرة وخمسمائة ، وكتاب ((مجمع الغرائب)) في غريب الحديث ، وغير ذلك من الكتب المفيدة . وكانت ولادته في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وخمسين وأربعمائة ؛ وتوفي في سنة تسع وعشرين وخمسمائة بنيسابور ، رحمه الله تعالى . ٤٠٢ - ترجمته في طبقات السبكي ٤: ٢٠٠ وتذكرة الحفاظ: ١٢٧٥ وعبر الذهبي ٤ : ٧٩ والشذرات ٤ : ٩٣؛ وهذه الترجمة مطابقة للمسودة . ١٥ - ٣ ٢٢٥ ٤٠٣ أبو الوقت أبو الوقت عبد الأول بن أبي عبد الله عيسى بن شعيب بن إبراهيم بن إسحاق السَّجْزي ؛ كان مكثراً من الحديث عالي الاسناد١، طالت مدته وألحق الأصاغر بالأكابر . سمعتُ صحيح البخاري بمدينة إرْبِلَ في بعض شهور سنة إحدى وعشرين وستمائة على الشيخ الصالح أبي جعفر محمد بن هبة الله بن المكرم بن عبد الله الصوفي البغدادي ، بحقٍّ سماعه في المدرسة النظامية ببغداد من الشيخ أبي الوقت٢ المذكور، في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة ، بحق سماعه من أبي الحسن عبد الرحمن بن محمد بن مظفّر الداودي في ذي القعدة سنة خمس وستين وأربعمائة ، بحق سماعه من أبي محمد عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه السرخسي في صفر سنة إحدى وثمانين وثلثمائة ، بحق سماعه من أبي عبد الله محمد بن يوسف ابن مطر الفِرَ بْرِيِّ سنة ست عشرة وثلثمائة ، بحق سماعه من مؤلفه الحافظ أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري مرتين ، إحداهما سنة ثمان وأربعين ومائتين والثانية سنة اثنتين وخمسين ومائتين ، رحمهم الله أجمعين٣. وكان الشيخ أبو الوقت صالحاً يغلب عليه الخير ، وانتقل أبوه إلى مدينة هَراةَ وسكنها فولد له بها أبو الوقت في ذي القعدة سنة ثمان وخمسين ٤٠٣ - ترجمته في اللباب (السجزي) وتذكرة الحفاظ: ١٣١٥ وعبر الذهي ٤: ١٥١ والشذرات ٤ : ١٦٦؛ قلت: وما ثبت هنا مطابق لما في المسودة . ١ ر : عالي الهمة والاسناد . ٢ هنا تنتهي الترجمة في م . ٣ سمعت صحيح البخاري ... أجمعين: هذا النص محشى في عدة مواضع في المسودة ، وقد ثبت جميعه في ر ، وسقط أكثره من س ل . ٢٢٦ وأربعمائة . وتوفي في ليلة الأحد سادس ذي القعدة سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة ، رحمه الله تعالى . وكان قد وصل إلى بغداد يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من شوال سنة اثنتين وخمسين و خمسمائة ، ونزل في رباط فيروز وبه مات ، وصلي عليه فيه ثم صلوا عليه الصلاة العامة بالجامع ، وكان الإمام في الصلاة الشيخ عبد القادر الجيلي ، وكان الجمع متوفراً ، ودفن بالشُونيزية في الدكة المدفون بها رُوَيْم الزاهد ؛ وكان سماعه الحديث بعد الستين والأربعمائة ، وهو آخر من روى في الدنيا عن الداودي ، رحمه الله تعالى . وتوفي والده سنة بضْعَ عَشْرَةَ وخمسمائة ، رحمه الله تعالى . وقد تقدم الكلام على السجزي ، وهي من شواذ النسب١ . (107) وكانت ولادة شيخنا أبي جعفر محمد بن هبة الله بن المكرم الصوفي المذكور في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة ، وقيل سنة ست ، وقيل سنة سبع وثلاثين . وتوفي ليلة الخميس من المحرم سنة إحدى وعشرين وستمائة ببغداد ، ودفن من الغد بالشونيزية ، رحمهم الله أجمعين . ٤٠٤ ابن كليب الحراني أبو الفرج عبد المنعم بن أبي الفتح عبد الوهاب بن سعد بن صَدَقَةَ بن الخضر ابن كليب ، الملقب شمس الدين ، الحرّاني الأصل البغدادي المولد والدار الحنبلي المذهب ؛ كان تاجراً وله في الحديث السماعات العالية ، وانتهت الرحلة إليه من أقطار الأرض وألحق الصغار بالكبار لا يشاركه في شيوخه ومسموعاته أحد . ١ نهاية الترجمة في س ل . ٤٠٤ - ترجمته في ذيل الروضتين: ١٨ وعبر الذهبي ٤: ٢٩٣ والشذرات ٤: ٣٢٧؛ وقد جاءت هذه الترجمة طبقاً لما في المسودة . ٢٢٧ وكانت ولادته في صفر سنة خمس وخمسمائة . وتوفي ليلة الاثنين السابع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين وخمسمائة ببغداد ، ودفن من الغد بمقبرة الإمام أحمد بن حنبل ، رضي الله عنه ، بباب حرب ، عند أبيه وأهله، وكان صحيح الذهن والحواس إلى أن مات، وتسَرَّى مائة وثمانياً وأربعين جارية ، رحمه الله تعالى . ٤٠٥ عبد الحميد الكاتب عبد الحميد بن يحيى بن سعد مولى بني عامر بن لؤي بن غالب، الكاتب البليغ المشهور ؛ وبه يضرب المثل في البلاغة ، حتى قيل فتحت الرسائل بعبد الحميد ، وختمت بابن العميد . وكان في الكتابة وفي كل فن من العلم والأدب إماماً ، وهو من أهل الشام، وكان أولاً معلم صِبْيَةٍ يتنقل في البلدان ، وعنه أخذ المترسلون، ولطريقته لزموا ولآثاره اقتَفَوْا ، وهو الذي سهَّلَ سبيل البلاغة في الترسل ، ومجموع رسائله مقدار ألف ورقة . وهو أول من أطال الرسائل واستعمل التحميدات في فصول الكتب ، فاستعمل الناس ذلك بعده لوكان كاتب مروان ابن محمد بن مروان بن الحكم الأموي آخر ملوك بني أمية المعروف بالجَعْديِ ، فقال له يوماً وقد أهدى له بعض العمال عبداً أسود فاستقلَّهُ: اكتب إلى هذا العامل كتاباً مختصراً، وذُمَّه على ما فعل، فكتب إليه ((لو وجدت لوناً شرّاً من السواد وعدداً أقل من الواحد لأهديته ، والسلام )) ] [ومن كلامه أيضاً: القلم شجرة ثمرتها الألفاظ، والفكر بجر لؤلؤه الحكمة]. ٤٠٥ - ترجمته في الجهشياري: ٧٢ - ٧٣، ٧٩ - ٨٣ والفهرست: ١١٧ وثمار القلوب : ١٩٦ ومروج الذهب ٣ : ٢٦٣ وسرح العيون: ١٣٠؛ وانظر عيون الأخبار ١: ٢٦ والبيان والتبيين ٣: ٩ والصناعتين: ٦٩ وصبح الأعشى ١٠ : ١٩٥. ٢٢٨ وقال إبراهيم بن العباس الصُّولي١، وقد ذكر عبد الحميد المذكور عنده: كان والله الكلام معاناً له ، ما تمنيت كلام أحد من الكتّاب قط أن يكون لي مثل كلامه. وفي رسالة له (( والناس أخياف مختلفون ، وأطوار متباينون ، منهم عِلْقُ مَضَنَّة لا يباع، وغل مظنَّة لا يبتاع)». وكتب على يد شخص كتاباً بالوصاة عليه إلى بعض الرؤساء فقال: ((حَقُّ موصِّل كتابي إليك عليك كحقه علي إذا رآك موضعاً لأمله ، ورآني أهلاً لحاجته ، وقد أنجزت حاجته ، فصدق أمله)). ومن كلامه ((خير الكلام ما كان لفظه فحلاً ومعناه بكراً)). وكان كثيراً ما ينشد : إذا جرح الكتاب كانت دُوُيُّهُمْ قِسِيّاً وأقلام الدُّوَيِّ لها نَبْلا ر وله رسائل بليغة . وكان حاضراً مع مروان في جميع وقائعه عند آخر أمره ، وقد سبق في أخبار أبي مسلم الخراساني طرف من ذلك . ويحكى أن مروان قال له حين أيقن بزوال ملكه: قد احتجتُ أن تصير مع عدوِّي وتُظْهر الغدر بي ، فإن إعجابهم بأدبك وحاجتهم إلى كتابتك يحوجهم إلى حسن الظن بك ، فإن استطعت أن تنفعني في حياتي ، وإلا لم تعجز عن حفظ حرمي بعد وفاتي . فقال له عبد الحميد : إن الذي أشرت به عليَّ أنفع الأمرين لك وأقبحهما بي ، وما عندي إلا الصبر حتى يفتح الله تعالى أو أُقتل معك؛ وأنشد : أُسِرُّ وفاء ثم أُظهر غَدْرَةً فمن لي بعُدْرِ يوسِعُ الناسَ ظاهر] ذكر ذلك أبو الحسن المسعودي في كتاب ((مروج الذهب))٢. ثم إن عبد الحميد قُتل مع مروان ، وكان قتل مروان يوم الاثنين ثالث عشر ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة ، بقرية يقال لها بُوصير من أعمال الفيوم بالديار المصرية ، رحمهما الله تعالى . ١ ثمار القلوب : ١٩٧ . ٢ مروج الذهب ٣ : ٢٦٣. ٢٢٩ ورأيت بخطي في مسوداتي أنه لما قُتل مروان بن محمد الأموي استخفى عبد الحميد بالجزيرة ، فغمز عليه ، فأخِذ ودفعه أبو العباس ، وأظنه السفاح ، إلى عبد الجبار بن عبد الرحمن صاحب شرطته ، فكان يحمّي له طستاً بالنار ويضعه على رأسه حتى مات . وكان من أهل الأنبار وسكن الرقة ، وشيخه في الكتابة سالم مولى هشام بن عبد الملك . [وروى محمد بن العباس اليزيدي بإسناد ذكره قال: أُتيَّ أبو جعفر المنصور أخو السفاح - وهو ثاني خلفاء بني العباس بعد قتل مروان بن محمد الجعدي - بعبد الحميد الكاتب والبعلبكي المؤذن وسلام الحادي ، فهمّ المنصور بقتلهم جميعاً لكونهم من أصحاب مروان ، فقال سلام : استبقني يا أمير المؤمنين فإني أحسن الناس حداء ، فقال : وما بلغ من حدائك ؟ فقال : تعمد إلى إبل فتظمئها ثلاثاً ثم توردها الماء ، فإذا وردت رفعت صوتي بالحداء فترفع رؤوسها وتدع الشرب ثم لا تشرب حتى أسكت، قال١: فأمر المنصور بإبل فأظمِئْت ثلاثة أيام ، ثم أوردت الماء ، فلما بدأت بالشرب رفع سلام صوته بالحداء فامتنعت من الشرب ثم لم تشرب حتى سكت ، فاستبقى سلاماً وأجازه وأجرى عليه رزقه . وقال له البعلبكي [المؤذن]: استبقني يا أمير المؤمنين، قال : وما عندك ؟ قال : أنا مؤذن، قال : وما بلغ من أذانك ؟ قال : تأمر جارية تقدم إليك طستاً وتأخذ بيدها إبريقاً وتصب عليك ، وأبتدىء الأذان فتدهش ويذهب عقلها إذا سمعت أذاني حتى تلقي الإبريق من يدها وهي لا تعلم ؛ فأمر جارية فأعدت إبريقاً فيه ماء وقدمت إليه طستاً وجعلت تصب عليه ، ورفع البعلبكي صوته بالأذان فبقيت الجارية شاخصة وألقت الإبريق من يدها ، فاستبقاه وأجازه وأجرى عليه الرزق وصيّر أمر الجامع إليه . وقال له عبد الحميد الكاتب : استبقني يا أمير المؤمنين، قال : وما عندك ؟ قال : أنا أبلغُ أهل زماني في الكتابة ، فقال له المنصور : أنت الذي فعلت بنا الأفاعيل وعملت بنا الدواهي . فأمر به فقطعت يداه ورجلاه ثم ضربت عنقه ، والله ١ هنا تبدأ نسخة لاله لي وقد جعلنا رمزها : لي . ٢٣٠ أعلم أي ذلك كان]١ . وكان ولده إسماعيل كاتباً ماهراً نبيلً معدوداً في جملة الكتّاب المشاهير . وكان يعقوب بن داود وزير المهدي - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - كاتباً بين يدي عبد الحميد المذكور ، وممن تخرَّج عليه وتعلم منه . [وساير عبد الحميد٢ يوماً مروان بن محمد على دابة قد طالت مدتها في ملكه، فقال له مروان : قد طالت صحبة هذه الدابة لك ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن من بركة الدابة طول صحبتها وقلة علفها ، فقال له : فكيف سيرها ؟ فقال: همها أمامها وسَوْظُها عنانها وما ضُربت قط إلا ظلماً . وقال أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري في كتاب ((أخبار الوزراء))٣: وجدت بخط أبي علي أحمد بن إسماعيل : حدثني العباس بن جعفر الأصبهاني ، قال : طُلب عبد الحميد بن يحيى الكاتب وكان صديقاً لابن المقفع ، ففاجأهما الطلب وهما في بيت ، فقال الذين دخلوا عليهما : أيكما عبد الحميد ؟ فقال كل واحد منهما : أنا ، خوفاً من أن ينال صاحبه مكروه ، وخاف عبد الحميد أن يسرعوا إلى ابن المقفع فقال: تَرَفَّقُوا بنا، فإن كلاًّ منا له علامات ، فوكلوا بنا بعضكم ويمضي البعض الآخر ويذكر تلك العلامات لمن وجهكم، ففعلوا ، وأُخذ عبد الحميد]٤ . وبوصير : بضم الباء الموحدة وسكون الواو وكسر الصاد المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء . ويقال : إن مروان لما وصل إليها منهزماً والعساكر في طلبه قال : ما اسم هذه القرية ؟ فقيل له : بوصير ، فقال : إِلى الله المصير ، فقُتل بها ، وهي واقعة مشهورة . وقال إبراهيم بن جبلة°: رآني عبد الحميد الكاتب أخط خطّاً رديئاً فقال لي: ١ ما بين معقفين ورد في روببقية منه بدىء الجزء الثاني من لي ، وهو ثابت عند وستنفيلد . وقارن هذا النص بما في ثمار القلوب : ١٩٩ ؛ قلت : ولا وجود له في مسودة المؤلف . ٢ قارن بما في ثمار القلوب : ١٩٨. ٣ أخبار الوزراء : ٧٩ - ٨٠ . ؛ ما بين معقفين لم يرد في المخطوطات ووستنفيلد وإنما هو في المطبوعة المصرية . ٥ ثمار القلوب : ١٩٨ . ٢٣١ أتحب أن تجوّد خطك ؟ فقلت: نعم ، فقال: أطل جلفة قلمك وأسمنها ، وحَرَّف قطتك وأيمنها ، ففعلت فجاد خطي . ٤٠٦ عبد المحسن الصوري أبو محمد عبد المحسن بن محمد بن أحمد بن غالب بن غَلْبُون الصُّوري الشاعر المشهور ؛ أحد المحسنين الفضلاء ، المجيدين الأدباء ، شعره بديع الألفاظ حسن المعاني ، رائق الكلام مليح النظام ، من محاسن أهل الشام ، له ديوان شعر أحسن فيه كل الإحسان ، فمن محاسنه قوله : أترى بثأرٍ أم بدَينِ عَلِقَتْ محاسنُها بعَيني ما في المهنّدِ والرُّدَيْني في لحظها وقَوامها ب خليط نار الوجنتين وبوجهها ماء الشبا بكَرَت١ عليّ وقالت اخْـ إما الصدود أو الفرا ثَرْ خَصلة من خصلتين ق فليس عندي غير ذين تنهلُ مثل المأزمين٢ فأجبتها ومدامعي ◌ِدُّكِ أو فراقُكِ حان حَيني لا تفعلي ، إنْ حان صـ لبيني فمضت مسارعة فكأنما قلت انْهَضي ٤٠٦ - ترجمته في اليتيمة ١: ٣١٢ وتتمة اليقيمة: ٣٥ والنجوم الزاهرة٤: ٢٦٩ وعبر الذهبي ٣ : ١٣١ والشذرات ٣ : ٢١١. ١ رل : نكرت . ٢ كتب في المسودة وم: تنهل فوق الوجنتين. والمأزمان: اسم لموضع، والمأزم : المضيق بين جبلين ، ولعله يعني مسيلاً في مضيق . ٢٣٢ . ثم استقلّتْ أين حَلّ تْ عِيسُها رُمِيَتْ بأيْن ونوائبٍ أظهرن أيًّا مي إليّ بصورتين سَوَّدْنَها وأطلنها فرأيت يوماً ليلتين ومنها : هل بعد ذلك من يُعَ رَّفني النُّضار من اللُّجَينِ فلقد جهلتهما لبه د العهد بينهما وبيني بئس الصناعة في اليدين متكسباً بالشعر يا كانت كذلك قبل أن يأتي عليُّ بن الحسين فاليومَ حالُ الشعر ثالثة لحالٍ الشعريين أغنى وأعفى مدحه الـ عافين عن كذب ومَين وهذه القصيدة عملها عبد المحسن في علي بن الحسين والد الوزير أبي القاسم ابن المغربي ، وهي قصيدة طويلة جيدة ولها حكاية ظريفة ، وهي أنه كان بمدينة عسقلان رئيس يقال له ذو المنقبتين ، فجاءه بعض الشعراء وامتدحه بهذه القصيدة وجاء في مديحها : ولك المناقبُ كلُها فلمَ اقتصرت على اثنتين ؟ فأصغى الرئيس إلى إنشاده واستحسنها وأجزل جائزته ، فلما خرج من عنده قال له بعض الحاضرين : هذه القصيدة لعبد المحسن، فقال : أعلم هذا وأحفظ القصيدة ، ثم أنشدها ، فقال له ذلك الرجل : فكيف حتى عملت معه هذا العمل من الإقبال عليه والجائزة السنية ؟ فقال: لم أفعل ذلك إلا لأجل البيت الذي ضمنها ، وهو قوله : ٦ ولك المناقبُ کلتها فإن هذا البيت ليس لعبد المحسن ، وأنا ذو المنقبتين ، فأعلم قطعاً أن هذا البيت ما عمل إلا فيَّ ، وهو في نهاية الحسن . ٢٣٣ ومن شعره أيضاً، وذكر الثعالبي في كتابه الذي جعله ذيلاً على ((يتيمة الدهر))، هذه الأبيات لأبي الفرج ابن أبي حصين علي بن عبد الملك الرقي أصلاً ، وكان أبوه قاضي حلب، والله أعلم، ولكنها في ديوان عبد المحسن - والثعالبي قد نسب أشياء إلى غير أربابها وغلط فيها ، ولعل هذا من جملة الغلط أيضاً - وذكر في ديوانه أنه عملها في أخيه عبد الصمد ، وهي : وأخِ مَسْه نزولي بقَرْحٍ مثلما مسَّي من الجوع قَرْحُ بتُ ضيفاً له كما حكم الدهـ رُ وفي حُكمهٍ على الحر قُبح رة بالهمِّ طافحٌ ليس يَصْحُو فابتداني يقول وهْوَ من السكـ والقولُ منه نصحٌ ونُجح لمْ تعرَّبْتَ ؟ قلت قال رسول الله ل تَمَامَ الحديث صوموا تصحُّوا سافروا تغنموا ، فقال : وقد قا وذكر له صاحب ((اليتيمة )) هذين البيتين : عندي حدائق شكرٍ غرسُ جودكَمُ قد مَسَّها عطش فلْيَقِ مِن غَرَسا تداركوها وفي أغصانها رَمَقٌ فلن يعودَ اخضرارُ العود إن يَبِسا واجتاز يوماً بقبر صديق له فأنشد : عجباً لي وقد مررتُ على قبـ رك كيف اهتديتُ قَصْدَ الطريقِ أتراني نسيتُ عهدك يوماً ؟ صدقوا ما لميِّت من صديقٍ ولما ماتت أمه ودفنها وجد عليها وجداً كثيراً فأنشد : رهينة أحجار ببيداء دَكْدكِ تولت فحلت عروة المتمسكِ وقد كنت أبكي إن تشكت وإنما أنا اليوم أبكي أنها ليس تشتكي وهذا المعنى مأخوذ من قول المتنبي : وشكيَّتِي فَقدُ السَّقام لأنه قد كان لما كان لي أعضاء وقد استعمل أبو محمد عبد الله بن محمد المعروف بابن سنان الخفاجي الحلبي ٢٣٤ هذا المعنى في بيت من جملة قصيدة طويلة فقال : بكى الناسُ أطلال الديار وليتني وجدت دياراً للدموع السواكبِ ومحاسنه كثيرة ، والاقتصار أولى . وتوفي يوم الأحد تاسع شوال سنة تسع عشرة وأربعمائة ، وعمره ثمانون سنة أو أكثر ، رحمه الله تعالى . وغَلْبُون : بفتح الغين المعجمة وسكون اللام وضم الباء الموحدة وبعد الواو نون . والصوري قد تقدم الكلام عليه . ٤٠٧ الحافظ عبد المجيد العبيدي أبو الميمون عبد المجيد ، الملقب الحافظ ، ابن أبي القاسم محمد بن المستنصر بن الظاهر بن الحاكم بن العزيز بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي عبيد الله - وقد تقدم ذكر المهدي وجماعة من حفَدَته - ؛ بويع الحافظ بالقاهرة يوم مقتل ابن عمه الآمر بولاية العهد وتدبير المملكة حتى يظهر الحمل المخلف عن الآمر - حسبما يأتي شرحه في آخر هذه الترجمة إن شاء الله تعالى - فغلب عليه أبو علي أحمد بن الأفضل شاهان شاه ابن أمير الجيوش بَدْرٍ الجمالي - وقد تقدم ذكر أبيه في حرف الشين - في صبيحة يوم مبايعته ، وكان الآمر لما قتَلَ الأفضلَ اعتقل جميع أولاده وفيهم أبو علي المذكور، فأخرجه الجند من الاعتقال لما قُتل الآمرُ ٤٠٧ - أخباره في اتعاظ الحنفا: ٢٨٤ والخطط ١ : ٣٥٧ وابن الأثير ١١ : ١٤١ والدرة المضية: ٥٠٦ والنجوم الزاهرة ٥: ٢٧٣ وما بعدها؛ وانظر عبر الذهبي ٤ : ١٢٢ والشذرات ٤: ١٣٨، وسقطت الترجمة من م . ٢٣٥ وبايعوه١ فسار إلى القصر وقبض على الحافظ المذكور واستقل بالأمر وقام به أحسن قيام ، وردّ على المصادرين أموالهم ، وأظهر مذهب الإمامية وتمسك بالأئمة الاثني عشر، ورفض الحافظَ وأهل بيته ، ودعا على المنابر للقائم في آخر الزمان المعروف بالإمام المنتظر على زعمهم وكتب اسمه على السكة ، ونهى أن يؤذَّن (( حَيَّ على خير العمل))، وأقام كذلك إلى أن وثَبَ عليه رجل من الخاصة بالبستان الكبير بظاهر القاهرة في النصف من المحرم سنة ست وعشرين وخمسمائة فقتله، وكان ذلك بتدبير الحافظ ، فبادر الأجناد بإخراج الحافظ وبايعوه ولقبوه الحافظ ، ودعي له على المنابر . وكان مولده بعسقلان٢ في المحرم من سنة سبع وستين وأربعمائة ، وقيل سنة ست وستين، وكان قد بويع بالعهد يوم قتل الآمر - وسيأتي تاريخه في ترجمته في حرف الميم إن شاء الله تعالى - ثم بويع بالاستقلال يوم قتل أحمد بن الأفضل في التاريخ المذكور . وتوفي آخر ليلة الأحد لخمس خلون من جمادى الآخرة سنة أربع، وقيل ثلاث وأربعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى. وقيل إنه ولد في الثالث عشر وقيل الخامس عشر من شهر رمضان سنة ثمان وستين وأربعمائة . وكان سبب ولادته بعسقلان أن أباه خرج إليها من مصر في أيام الشدة والغلاء المفرط الذي حصل بمصر في زمان جده المستنصر - حسبما هو مشروح في ترجمته في حرف الميم - فأقام بها ينتظر أيام الرخاء وزوال الشدة ، فولد له الحافظ المذكور هناك، هكذا قاله شيخنا عز الدين بن الأثير في تاريخه الكبير، والله أعلم٣. ولم يتولَّ الأمر من ليس أبوه صاحب الأمر من بيتهم سواه وسوى العاضد عبد الله - وقد تقدم ذكره في العبادلة - وكان سبب توليته أن الآمر لم يخلف ولداً وخلف امرأة حاملاً، فماج أهل مصر وقالوا : هذا البيت لا يموت إمام ١ لي ل س: يوم مبايعته فبايعه الأجناد فسار إلى القصر ... الخ؛ وهذا هو الأصل في المسودة ثم صحح كما أثبتناه منها ومن ر . ٢ بعسقلان : سقط من س ؛ ل لي : بالقاهرة . ٣ وكان سبب ولادته ... والله أعلم: سقط من س لي ل، وفي المسودة عند هذا الموضع: «هاهنا تكتب التخريجة » . ٢٣٦ منهم حتى يخلف ولداً ذكراً وينص عليه بالإمامة ، وكان الآمر قد نص على الحمل ، فوضعت له المرأة بنتاً، فكان ما شرحناه من حديث الحافظ المذكور وأحمد بن الأفضل أمير الجيوش ، ولهذا السبب بويع الحافظ بولاية العهد ولم يبايع بالإمامة مستقلاً، لأنهم كانوا ينتظرون ما يكون من الحمل . وهذا الحافظ كان كثير المرض بعلة القولنج ، فعمل له شيرماه الديلمي - وقيل موسى النصراني - طبل القولنج الذي كان في خزائنهم لما ملك السلطان صلاح الدين ، رحمه الله تعالى ، الديار المصرية ، وكسره السلطان المذكور ، وقصته مشهورة ، وأخبرني حفيد شيرماه المذكور أن جده ركَّبَ هذا الطبل من المعادن السبعة والكواكب السبعة في إشرافها١ كل واحد منها في وقته ، وكان من خاصته أن الإنسان إذا ضربه خرج الريح من مخرجه ، ولهذه الخاصية كان ينفع من القولنج . ٤٠٨ عبد المؤمن صاحب المغرب أبو محمد عبد المؤمن بن علي القيسي الكومي الذي قام بأمره محمد بن تومرت المعروف بالمهدي ؛ كان والده وسَطاً في قومه ، وكان صانعاً في عمل الطين يعمل منه الآنية فيبيعها، وكان عاقلاً من الرجال وقوراً. ويحكى أن عبد المؤمن في صباه كان نائماً تُجاه أبيه، وأبوه مشتغل بعمله في الطين٢ ، فسمع أبوه دَويّاً ١ ل لي : إشراقها . ٤٠٨ - أخباره في المعجب للمراكشي والمن بالإمامة لابن صاحب الصلاة وتاريخ البيذق وروض القرطاس والحلل الموشية وتاريخ ابن القطان والاستقصا والتواريخ العامة - كالعبر لأبن خلدون والكامل لابن الأثير، وانظر العبر للذهبي ٤: ١٦٥ والشذرات ٤ : ١٨٣، وقد جاءت هذه الترجمة مستوفاه في المسودة . ٢ لي : مشتغلاً بعمل الطين . ٢٣٧ من السماء ، فرفع رأسه فرأى سحابة سوداء من النحل قد هوت مطبقة على الدار، فنزلت كلها مجتمعة على عبد المؤمن وهو نائم ، فغطته ولم يظهر من تحتها ولا استيقظ لها، فرأته أمه على تلك الحال فصاحت خوفاً على ولدها، فسكتها أبوه فقالت : أخاف عليه ، فقال : لا بأس عليه، بل إني متعجب مما يدل عليه ذلك ، ثم إنه غسل يديه من الطين ولبس ثيابه ووقف ينتظر ما يكون من أمر النحل ، فطار عنه بأجمعه ، فاستيقظ الصبي وما به من ألم ، فتفقدت أمه جسده فلم تر به أثراً، ولم يَشْكُ إليها ألماً ، وكان بالقرب منهم رجل معروف بالزَّجْر، فمضى أبوه إليه فأخبره ما رآه من النحل مع ولده ، فقال الزاجر : يوشك أن يكون له شأن ، يجتمع على طاعته أهل المغرب ، فكان من أمره ما اشتهر . ورأيت في بعض تواريخ المغرب١ أن ابن تومرت كان قد ظفر بكتاب يقال له ((الجفر)) وفيه ما يكون على يده وقصةُ عبد المؤمن وحِلْيته واسمه ، وأن ابن تومرت أقام مدة يتطلبه حتى وجده وصحبه وهو إذ ذاك غلام، وكان يكرمه ويقدمه على أصحابه ، وأفضى إليه بسره٢ وانتهى به إلى مراكش وصاحبها يومئذ أبو الحسن علي بن يوسف بن تاشفين ملك الملتَّمينَ، وجرى له معه فصول يطول شرحها، وأخرجه منها فتوجه إلى الجبال وحشد واستمال المَصامدة ، وبالجملة فإنه لم يملك شيئاً من البلاد ، بل عبد المؤمن ملك بعد وفاته بالجيوش التي جهزها ابن تومرت والترتيب الذي رتبه ، وكان أبداً يتفرس فيه النجابة وينشد إذا أبصره : تكامَلَتْ فيك أوصافٌ خُصِصِتَ بها فكلنا بك مسرورٌ ومغتبطُ السنُّ ضاحكةُ والكفُ مانحة والنفسُ واسعةٌ والوجهُ منبسطُ وهذان البيتان وجدتهما منسوبين إلى أبي الشيص الخُزاعي الشاعر المشهور٣، ..... ١ لي : تواريخ أهل المغرب . ٢ ر : أمره . ٣ وهذان ... المشهور : سقط من س ل لي م ، وهو في المسودة . ٢٣٨ وكان يقول لأصحابه : صاحبكم هذا غلاب الدول ، ولم يصح عنه أنه استخلفه ، بل راعى أصحابُهُ في تقديمه إشارته فتم له الأمر وكمل . وأول ما أخذ من البلاد وهران ثم تلمسان ثم فاس ثم سلا ثم سبتة ، وانتقل بعد ذلك إلى مراكش وحاصرها أحد عشر شهراً ثم ملكها ، وكان أخذه لها في أوائل سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، واستوسق له الأمر ، وامتد ملكه إلى المغرب الأقصى والأدنى وبلاد إفريقية وكثير من بلاد الأندلس ، وتسمى أمير المؤمنين ، وقصدته الشعراء وامتدحته١ بأحسن المدائح ، وذكر العماد الأصبهاني في كتاب (( الخريدة)) أن الفقيه أبا عبد الله محمد بن أبي العباس التيفاشي لما أنشده : ما هَزْ عِطفَيْهِ بين البِيض والأسَلِ مثل الخليفة عبد المؤمن بن علي أشار عليه بأن يقتصر على هذا البيت وأمر له بألف دينار . ولما تمهدت له القواعد وانتهت أيامه خرج من مراكش إلى مدينة سلا ، فأصابه بها مرض شديد ، وتوفي منه في العشر الأخير من جمادى الآخرة السابع والعشرين منه سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، وقيل إنه حمل إلى تين مل٣ّ المذكورة في ترجمة المهدي محمد بن تومرت ، ودفن هناك ، والله أعلم ، وكانت مدة ولايته ثلاثاً وثلاثين سنة وأشهراً ، وكان عند موته شيخاً نقي البياض . ونقلتُ من تاريخ فيه سيرته وحليته ، فقال مؤلفه : رأيته شيخاً معتدل القامة عظيم الهامة أشهل العينين كَثّ اللحية شَئْنَ الكفين طويل القعدة واضح بياض الأسنان ، بخده الأيمن خال ، رحمه الله تعالى . وقيل إن ولادته كانت سنة خمسمائة، وقيل سنة تسعين وأربعمائة ، والله أعلم. وعهد إلى ولده أبي عبد الله محمد فاضطرب أمره وأجمعوا على خلعه في شعبان من سنة ولايته ، وبويع أخوه يوسف - على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى . ١ ر : وامتدحوه . ٢ هذه العبارة بهامش المسودة ، وقد سقطت من س ل ر م . ٢٣٩ والكومي : بضم الكاف وسكون الواو وبعدها ميم ، هذه النسبة إلى كومية ، وهي قبيلة صغيرة نازلة بساحل البحر من أعمال تلمسان ، ومولده في قرية هناك يقال لها تاجرة ١ . وأما كتاب ((الجفر)) فقد ذكره ابن قتيبة في أوائل كتاب ((اختلاف الحديث))٢ فقال بعد كلام طويل: وأعجب من هذا التفسير تفسير الروافض للقرآن الكريم وما يدَّعونه من علم باطنه بما وقع إليهم من الجفر الذي ذكره سعد بن هارون العجلي وكان رأس الزيدية فقال : فكلسُهُمُ في جعفر قال منكرا ألم ترَ أن الرافضين تفرقوا فطائفة قالوا إمامٌ ومنهمُ طوائف سَمَّته النبيَّ المطهّرا ومن عجب لم أقضه جلد جفرهم برئتُ إلى الرحمن ممن تجَفَّرا والأبيات أكثر من هذا٣ فاقتصرتُ منها على هذا لأنه المقصود بذكر الجفر، ثم قال ابن قتيبة بعد الفراغ من الأبيات: ((وهو جلد جفر ادّعوا أنه كتب لهم فيه الإمام كل ما يحتاجون إليه وكل ما يكون إلى يوم القيامة )). قلت : وقولهم (( الإمام)) يريدون به جعفراً الصادق ، رضي الله عنه ، وقد تقدم ذكره . وإلى هذا الجفر أشار أبو العلاء المعري بقوله من جملة أبيات؛: لقد عجبوا لأهل البيت لما أناهم علمهم في مَسْكِ جَفْرٍ ١ ومرآةُ المنجِّم وهْيَ صُغْرى أَرَتهُ كلَّ عامرةٍ وقَفرِ وقوله ((في مَسْكُ جَفْر)) المسك، بفتح الميم وسكون السين المهملة، الجلد. والجفر ، بفتح الجيم وسكون الفاء وبعدها راء ، من أولاد المعز ما بلغ أربعة ١ لي: ناحرة؛ ر: باحرة، وهنا تنتهي الترجمة في س ل . ٢ انظر تأويل مختلف الحديث: ٨٤ - ٨٥. ٣ أورد ابن قتيبة بعدها خمسة أبيات. ٤ اللزوميات ١ : ٠٠٣ . ٢٤٠