Indexed OCR Text
Pages 101-120
خلق كثير، وانتفعوا به ، واشتهر اسمه في البلاد وهو حيّ وبَعُد صيته . وكانت ولادته سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة . وتوفي ليلة الأحد ثامن شهر ربيع الآخر سنة ست عشرة وستمائة ببغداد ، ودفن بباب حرب ، رحمه الله تعالى. والعُكبري : بضم العين المهملة وسكون الكاف وفتح الباء الموحدة وبعدها راء ، هذه النسبة إلى عُكْبَرا ، وهي بُليدة على دجلة فوق بغداد بعشرة فراسخ خرج منها جماعة من العلماء وغيرهم . وحكى الشيخ أبو البقاء المذكور في كتاب ((شرح المقامات)) عند ذكر العَنْقاء أن أهل الرسّ كان بأرضهم جبل يقال له ((رمخ))١ صاعد في السماء قدر ميل ، وكان به طيور كثيرة ، وكانت العنقاء طائرة عظيمة الخَلْقِ ، طويلة العنق ، لها وجه إنسان وفيها من كل حيوان شَبَه، من أحسن الطير ، وكانت تأتي في السنة مرة هذا الجبل فتلتقط طيره ، فجاعت في بعض السنين وأعوزها الطير فانقضّتْ على صبي فذهبت به، فسميت ((عنقاء مغرِباً)) لإبعادها بما تذهب به ، ثم ذهبت يجارية٢ أخرى ، فشكا أهل الرسِّ إلى نبيهم حَنْظَكة بن صَفْوان فدعا عليها فأصابتها صاعقة فاحترقت ، والله أعلم . قلت : هذا حنظلة بن صفوان نبي أهل الرسّ ، كان في زمن الفترة بين عيسى والنبي عليهما الصلاة والسلام . ثم رأيت في تاريخ أحمد بن عبد الله بن أحمد الفرغاني نزيل مصر أن العزيز نزار بن المعز صاحب مصر اجتمع عنده من غرائب الحيوان ما لم يوجد عند غيره ، فمن ذلك العنقاء ، وهو طائر جاءه من صعيد مصر في طول البلشوم٣ ، وأعظم جسماً منه ، له غَبَب ولحية وعلى = بالليل تقرأ له زوجته في كتب الأدب وغيرها، وله شعر مدح به ابن مهدي الوزير وهو : بك أضحى جيد الزمان محلّى بعد أن كان من حلاه مخلصَّى لا يجاريك في تجاريك خلق أنت أعلى قدراً وأعلى محلا دمت تحيي ما قد أميت من الفض ل وتنفي فقراً وتطرد محلا )» ١ في بعض الأصول: دمخ . ٢ ص : اختطفت جارية . ٣ هكذا في ص ر والمسودة، وفي المطبوعة («البلاشون))، وقال الدميري : البلشون هو مالك الحزين ، فلعله بالميم لغة . ١٠١ رأسه وقاية ، وفيه عدة ألوان ومَشابه من طيور كثيرة ، والله أعلم . ثم وجدت في أواخر كتاب ((ربيع الأبرار)) تأليف العلامة ١ أبي القاسم الزمخشري في باب الطير عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، أن الله تعالى خلق في زمن موسى عليه السلام طائرة اسمها العنقاء لها أربعة أجنحة من كل جانب ، ووجهها كوجه الإنسان ، وأعطاها من كل شيء حسنٍ قسطاً وخلق لها ذكراً مثلها ، وأوحى إليه أني خلقت طائرين عجيبين وجعلت رزقهما في الوحوش التي حَوْل بيت المقدس وآنستك بها وجعلتهما زيادة فيما فَضَّلْتُ به بني إسرائيل ، فتناسلا وكثر نسلهما ، فلما توفي موسى عليه السلام انتقلت فوقعت بنجد والحجاز، فلم تزل تأكل الوحش وتختطف الصبيان إلى أن نُبِّىء خالد بن سنان العبسي بين عيسى ومحمد عليهما السلام ، فشكوها إليه ، فدعا الله فقطع نسلها وانقرضت ، والله أعلم . ٣٥٠ ابن الخشاب أبو محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد المعروف بابن الخَشّابِ البغدادي؛ العالم المشهور في الأدب والنحو والتفسير والحديث والنسب والفرائض والحساب وحفظ الكتاب العزيز بالقراءات الكثيرة ، وكان متضلعاً من العلوم وله فيها اليد الطُّولى، وكان خطه في نهاية الحسن، ذكره العماد الأصبهاني في ((الخريدة)) وعدَّد فضائله ومحاسنه ، ثم قال: وكان قليل الشعر ، ومن شعره في الشمعة٢: ١ العلامة : سقطت من ص . ٣٥٠ - ترجمته في معجم الأدباء ١٢: ٧؛ وانباه الرواة ٢: ٩٩ وذيل طبقات الحنابلة ٣١٦:١ وبغية الوعاة: ٢٧٦ والمنتظم ١٠: ٢٣٨ والنجوم الزاهرة ٦ : ٦٥. ٢ هذه المقطوعة والتي تليها في ياقوت: ٥٢ - ٥٣ وذيل ابن رجب: ٣٢١ والانباه: ١٠١. ١٠٢ صفراء من غير سقام بها كيف وكانت أُمها الشافية عاريةٌ باطِنُها مكتسٍ فاعْجَبْ بها عاريةٌ كاسيه وذكر له لغزاً في كتاب وهو : وذي أوجُهٍ لكنه غير بائح بسرٍّ وذو الوجهين للسر مُظهِرُ تناجيك بالأسرار أسرار وجهه فتسمعها بالعين ما دمت تنظرُ وهذا المعنى مأخوذ من قول المتنبي في ابن العميد : فدعاك حُسَّدُك الرئيسَ وأمسكوا ودعاك خالقُكَ الرئيس الأكبرا خلَفَتْ صفاتُكَ في العيون كلامَهُ كالخط يملأ مسمعيْ مَنْ أبصرا وشرح كتاب ((الجمل)) لعبد القاهر الجرجاني وسماه ((المرتجل في شرح الجمل)) وترك أبواباً من وسط الكتاب ما تكلم عليها، وشرح ((اللمع)) لابن جني ولم يكلها ، وكانت فيه بذاذة وقلة اكتراث بالمأكل والملبس . وذكر العماد أنه كانت بينهما صحبة ومكاتبات ، وقال : لما مات كنت بالشام فرأيته ليلة في المنام فقلت له : ما فعل الله بك ؟ قال : خيراً ، فقلت : فهل يرحم الله الأدباء ؟ فقال : نعم ، قلت : وإن كانوا مقصرين ؟ فقال : يجري عتاب كثير ، ثم يكون النعيم . ومولده سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة . [قلت : هكذا وجدت تاريخ ولادته ، وعندي في ذلك شيء ، لأني وقع لي جزء فيه تعاليق وفوائد عَلَّقها بخطه ، وكتب على ظهره ما صورته مختصراً: سألت أبا الفضل محمد بن ناصر عن مولد شيخنا أبي الكرم المبارك بن فاخر المعروف بابن الدباس النحوي١ ، فقال : سنة ثلاثين وأربعمائة، وأظنه خمن ، لأنه توفي سنة خمس وخمسمائة ، وسنه فيما أرى أعلى من ذلك ، فسألت أبا المحاسن ابن أبي نصر بن الدباس ١ انظر انباه الرواة ٣ : ٢٥٦ ومصادره، قال : سئل عن مولده فقال في سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة ، وذكر أن وفاته كانت سنة خمسمائة . ١٠٣ الناسخ عن مولد عمه أبي الكرم المذكور ، فقال : قال لي قبل وفاته بسنة : أنا في سنتي هذه بين فميْ سَبُعَين، وإنني لأخشى من ذلك، يعني لي سبع وسبعون، وهذا يقتضي أن يكون مولده سنة ست وعشرين . فمضمون هذه الحكاية أن وفاة ابن الدباس محققة في سنة خمس وخمسمائة ، وهو أحد مشايخ ابن الخشاب المذكور ، وممن أكثر الرواية عنه ، ويبعد أن يكون قد حصل له هذا التحصيل واستفاد منه ، وسنه حينئذ لم يبلغ الحلم ، فإنه على ما ذكرناه من تاريخ وفاة المذكور ومولد ابن الخشاب المذكور يكون تقدير عمره عند وفاة شيخه أبي الكرم ثلاث عشرة سنة ، وفي مثل هذا السن يبعد اشتغاله وجمْعُه ، ولا شك أن خط ابن الخشاب يُعتمد عليه ، فعلى هذا التقدير يكون مولده قبل هذا التاريخ الذي ذكرناه، ويحتمل أن يكون التاريخ صحيحاً ، وتكون روايته عن شيخه المذكور بمجرد الرواية دون الاشتغال والاستفادة، ومثل ذلك يكون كثيراً، والله أعلم]١. وكانت وفاته عشية٢ الجمعة ثالث شهر رمضان سنة سبع وستين وخمسمائة ببغداد ، رحمه الله تعالى ، بباب الأزج، بدار أبي القاسم ابن الفراء. ودفن بمقبرة أحمد بباب حَرْبٍ ، وصُلِّي عليه يجامع السلطان يوم السبت . ١ انفردت ربما بين معقفين . ٢ ر : ليلة . ١٠٤ ٣٥١ ابن الفرضي أبو الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف بن نصر الأزدي الأندلسي القرطبي الحافظ المعروف بابن الفَرَضِيِّ ؛ كان فقيهاً عالماً في فنون من العلم : الحديث وعلم الرجال والأدب البارع وغير ذلك. وله من التصانيف ((تاريخ علماء الأندلس)) وهو الذي ذيَّل عليه ابنُ بَشكُوال بكتابه الذي سماه ((الصلة))، وله كتاب حسن في ((المؤتلف والمختلف)) وفي ((مشتبه النسبة)) وكتاب في أخبار شعراء الأندلس وغير ذلك . ورحَل من الأندلس إلى المشرق في سنة اثنتين وثمانين وثلثمائة ، فحج وأخذ عن العلماء وسمع منهم وكتب من أماليهم . ومن شعره : أسيرُ الخطايا عِندَ بابِكَ واقِفُ على وجَلٍ مِمّا بهِ أنتَ عارِفُ ويَرْجُوكَ فيها فهوَ راجٍ وخائف يخافُ ذنوباً لم يغبْ عنكَ غَيِبُها وما لكَ في فصل القضاء مُخالِفٍ ومَن ذا الذي يرجو سِواكَ ويتّقي إذا نُشِيرَت يومَ الحساب الصحائف فيا سَيدي لا تُخزنِ في صحيفتي يَصُدُّ ذوو القُربى ويَحْفو الموالِف وكنْ مُؤنِسي في ظُلمَةِ القبر عندما لئن ضاقَ عني عفوُكَ الواسِعُ الذي أرَجِّي الإسْرافي فإنِّي لتالِف ومن شعره أيضاً : ٣٥١ - ترجمة ابن الفرضي في الصلة: ٢٤٦ وجذوة المقتبس: ٢٣٧ وبغية الملتمس (رقم: ٨٨٨) والمطمح: ٥٧ والذخيرة ٢/١: ١٣٠ والمغرب ١: ١٠٣ والمطرب: ١٣٢ وتذكرة الحفاظ: ١٠٧٦ والديباج المذهب: ١٤٣ والنفح ٢: ١٢٩ والشذرات ٣: ١٦٨؛ والترجمة هنا مطابقة لما في المسودة . ١٠٥ إِنَّ الذي أصبَحْتُ طَوعَ مِينِهِ إِنْ لم يكنْ قَمَراً فليسَ بدونِهِ ذُلّي لهُ في الحبّ مِنْ سُلطانِهِ وسَقَامُ جسمِي مِنْ سَقامِ جُفُونِهِ وله شعر كثير . ومولده في ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثلثمائة. وتولى القضاء بمدينة بَلَنْسيّة . وقتلته البربر يوم فتح قُرْطُبة ، وهو يوم الاثنين لست خلون من شوال سنة ثلاث وأربعمائة ، رحمه الله تعالى، وبقي في داره ثلاثة أيام ودفن متغيراً من غير غسل ولا كفن ولا صلاة ؛ روي عنه أنه قال : تعلقت بأستار الكعبة وسألت الله تعالى الشهادة ، ثم انحرفت وفكرت في هَوْل القتل، فندمت وهَمَمْت أن أرجع فأستقيل الله سبحانه ذلك ، فاستحييت . وأخبر من رآه بين القتلى ودنا منه فسمعه يقول بصوت ضعيف : لا يُكْلَم أحد في سبيل الله، والله أعلم بمن يكلم في سبيله، إلا جاء يوم القيامة وجُرْحُه يَنْعَب دَماً اللونُ لون دم والريحُ ريح المسك ، كأنه يعيد على نفسه الحديث الوارد في ذلك، قال : ثم قضى على أثر ذلك ، وهذا الحديث أخرجه مسلم في حديثه٢ . ٣٥٢ الرشاطي أبو محمد عبدالله بن علي بن عبد الله بن علي بن خلف بن أحمد بن عمر اللَّخْمي المعروف بالرُّشاطيِّ الأندلسي المربي؛ كانت له عناية كثيرة بالحديث والرجال ١ ر : بأذيال . ٢ كذا في المسودة والنسخة س؛ والأوجه أن يقال: في صحيحه، وانظر صحيح مسلم ٩٥:٢. ٣٥٢ - ترجمة الرشاطي في الصلة: ٢٨٥ ومعجم الصدفي (رقم: ٢٠٠) والمطرب : ٦١، ١٢٠ والنفح ٤: ٦٢؛ وتذكرة الحفاظ: ١٣٠٧؛ والترجمة هنا مستوفاة في المسودة . ١٠٦ والرواة والتواريخ، وله كتاب حسن سماه كتاب (( اقتباس الأنوار والتماس الأزهار في أنساب الصحابة ورواة الآثار )) أخذه الناس عنه وأحسن فيه وجمع وما أقصر، وهو على أسلوب كتاب أبي سعد ابن السمعاني الحافظ الذي سماه ((بالأنساب)) - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - . ومولد الرّشاطي صبيحة يوم السبت لثمان خلون من جمادى الآخرة سنة ست وستين وأربعمائة بقرية من أعمال مرسية ، يقال لها أَوْرِيُوالة١: بفتح الهمزة وسكون الواو وكسر الراء وضم الياء المثناة من تحتها وفتح الواو وبعد الألف لام مفتوحة بعدها هاء. وتوفي شهيداً بالمريّة عند تغلُب العدوّ عليها صبيحة يوم الجمعة العشرين من جمادى الأولى سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة ٢، رحمه الله تعالى. والرُّشاطِيُّ : بضم الراء وفتح الشين المعجمة وبعد الألف طاء مهملة مكسورة ثم ياء مثناة من تحتها ، هذه النسبة ليست إلى قبيلة ولا إلى بلد بل ذكر في كتابه المذكور أن أحد أجداده كانت في جسمه شامة كبيرة وكانت له خادمٌ عجمية تحضنه في صغره ، فإذا لاعبته قالت له: رُشْطاله ، وكثر ذلك منها ، فقيل له: الرُّشاطِيّ . ١ أوريوالة (Orihuela) وتكتب في المصادر الأندلسية «أوريولة)» مع تساهل في الضبط الذي أورده ابن خلكان، وهي على نهر الأبيض، نهر مرسية، وتبعد عنها بنحو ١٢٠ ميلاً وبينها وبين البحر عشرون ميلاً . ٢ بعد انهيار حكم المرابطين في الاندلس (٥٣٩) قامت حملة برية بحرية بتجهيز ممالك قشتالة ونبره وأراجون وقطلونية ومعها مدد من جنوة وبيزة وغيرهما وهاجمت المرية واستولت عليها سنة ٥٤٢ وظلت في أيديهم حتى قام الموحدون باسترجاعها بعد حوالي عشر سنوات . ١٠٧ ٣٥٣ ابن بري أبو محمد عبد الله بن أبي الوَحْش بَرِّي بن عبد الجبار بن بري المقدسي الأصل المصري١ الإمام المشهور في علم النحو واللغة والرواية والدراية ؛ كان علامة عصره وحافظ وقته ونادرة دهره . أخذ علم العربية عن أبي بكر محمد ابن عبد الملك الشَّنْتَريني النحوي٢ وأبي طالب عبد الجبار بن محمد بن علي المعافري القرطبي ٣ وغيرهما ، وسمع الحديث على أبي صادق المديني وأبي عبد الله الرازي وغيرهما، واطلع على أكثر كلام العرب، وله على كتاب ((الصحاح)) الجوهري حواشٍ فائقة أتى فيها بالغرائب ، واستدرك عليه فيها مواضع كثيرة ، وهي دالة على سَعَة علمه وغزارة مادته وعظم اطلاعه ، وصحبه خلق كثير اشتغلوا عليه وانتفعوا به ، ومن جملة من أخذ عنه أبو موسى الجُزولي صاحب المقدمة في النحو - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وذكره في مقدمته ونقل عنه في آخرها . وكان عارفاً بكتاب سيبويه وعلله، وكان إليه التصفح في ديوان الإنشاء ، لا يصدر كتاب عن الدولة إلى ملك من ملوك النواحي إلا بعد أن يتصفحه ويصلح ما لعله فيه ٤ من خلل خفي ، وهذه كانت وظيفة ابن بابشاذ - وقد ذكرت ذلك في ترجمته في حرف الطاء - . ٣٥٣ - ترجمة ابن بري في معجم الأدباء ١٢: ٥٦ وانباه الرواة ٢: ١١٠ وبغية الوعاة : ٢٧٨ وحسن المحاضرة ١ : ٢٢٨ والنجوم الزاهرة ٦: ١٠٣ والشذرات ٤ : ٢٧٣ ومصادر أخرى في حاشية الانباه ؛ وما ثبت هنا مطابق لما في المسودة . ١ المصري: سقطت من س ص م وهي ثابتة في المسودة . ٢ كان أحد أئمة العربية صنف «تلقيح الألباب في عوامل الإعراب)» وتوفي سنة ٠٠٠ (بغية الوعاة : ٦٨). ٣ مات أبو طالب سنة ٥٦٦ (بغية الوعاة: ٢٩٥). ٤ ر : ويصلح ما فيه . ١٠٨ ولقيت بمصر جماعة من أصحابه وأخذت عنهم رواية وإجازة ؛ ويحكى أنه كانت فيه غَفْلة، ولا يتكلف في كلامه ، ولا يتقيد بالإعراب بل يسترسل في حديثه كيفما اتفق ، حتى قال يوماً لبعض تلامذته ممن يشتغل عليه بالنحو : اشتر لي قليل هندبا بعُروقو، فقال له التلميذ : هندبا بعروقِهِ ، فعزَّ عليه كلامه وقال له : لا تأخذه إلا بعروقو ، وإن لم يكن بعروقو فما أريده . وكانت له ألفاظ من هذا الجنس لا يكترث بما يقوله ولا يتوقف على إعرابها . ورأيت له حواشي على ((درة الغواص في أوهام الخواص)) للحريري ، وله جزء لطيف في أغاليط الفقهاء ، وله الرد على أبي محمد ابن الخشاب - المذكور في هذا الحرف - في الكتاب الذي بيَّنَ فيه غَلَطَ ابن الحريري في المقامات ، وانتصر لابن الحريري وما أقصر فيما عمله . وكانت ولادته بمصر في الخامس من رجب سنة تسع وتسعين وأربعمائة . وتوفي بمصر ليلة السبت السابعة والعشرين من شوال سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة ، رحمه الله تعالى . وبَرِّي : بفتح الباء الموحدة وتشديد الراء المكسورة وبعدها ياء ، وهو اسمٌ علمٌ يشبه النسبة . ٣٥٤ العاضد أبو محمد عبد الله الملقب العاضد بن يوسف بن الحافظ بن محمد بن المستنصر ابن الظاهر بن الحاكم بن العزيز بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي ، آخر ٣٥٤ - أخباره في اتعاظ الحنفا: ٢٨٧ والدرة المضية: ٣٥٢، ٥١٢ والنجوم الزاهرة ه : ٣٣٤ - ٣٥٧ وابن الأثير ١١: ٣٦٨ وخطط المقريزي ٢: ٢٩٤ وحسن المحاضرة ٢: ١٧ (وفيه نقل عن ابن خلكان) ، وما في المتن هنا مستوفى من المسودة . ١٠٩ : ملوك مصر من العُبَيْدِيين - وقد تقدم ذكر جماعة من أهل بيته وسيأتي ذكر الباقين - ؛ ولي المملكة بعد وفاة ابن عمه الفائز في التاريخ المذكور في ترجمته ، وكان أبوه يوسف أحد الأخوين اللذين قتلهما عباس بعد الظافر - وقد سبق ذلك في ترجمة الظافر في حرف الهمزة - واستقر الأمر للعاضد المذكور اسماً والصالح بن رُزِّيك - المذكور في حرف الطاء - جسماً. وكان العاضد شديد التشيع١ متغالياً في سَب الصحابة، رضوان الله عليهم، وإذا رأى سُنْيّاً استحل دمه، وسار وزيره الصالح بن رُزِّيك في أيامه سيرة مذمومة فإنه احتكر الغلات فارتفع سعرها ، وقتل أمراء الدولة خشية منهم ، وأضعف أحوال الدولة المصرية فقتل مقاتلتها وأفنى ذوي الآراء والحزم منها ، وكان كثير التطلع إلى ما في أيدي الناس من الأموال ، وصادر أقواماً ليس بينه وبينهم تعلتُق . وفي أيام العاضد ورد أبو عبد الله الحسينُ بن نزار بن المستنصر من المغرب ومعه عساكر وحُشود ، فلما قارب بلاد مصر غدر به أصحابه وقبضوه وحملوه إلى العاضد فقتله صبراً ، وذلك في سنة سبع وخمسين وخمسمائة في شهر رمضان، وقيل إن ذلك كان في أيام الحافظ عبد المجيد - هكذا قاله صاحب كتاب ((الدول المنقطعة)) والله أعلم، ثم أعاد ذلك في أيام العاضد كما ذكرته أولاً، والله أعلم بالصواب - وكان قد تلقب بالمنتصر بالله . وقد تقدم في ترجمة شاور وأسد الدين شير كوه في حرف الشين ما يغني عن الإطالة في سبب انقراض دولته ، واستيلاء الغُزِّ عليها، وسيأتي في أخبار السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى، في حرف الياء طَرَف من ذلك أيضاً . وسمعت من جماعة من المصريين يقولون : إن هؤلاء القوم في أوائل دولتهم قالوا لبعض العلماء : تكتب لنا ورقة تذكر فيها ألقاباً تصلح للخلفاء ، حتى إذا تولى واحد لقبوه ببعض تلك الألقاب ، فكتب لهم ألقاباً كثيرة ، وآخر ما كتب في الورقة ((العاضد)) فاتفق أن آخر من ولي منهم تلقّب بالعاضد، وهذا ١ ص : الرفض . ١١٠ من عجيب الاتفاق . وأيضاً فإن العاضد في اللغة القاطع، يقال: عَضَدْتُ الشيء فأنا عاضِدٌ له، إذا قطعته، فكأنه عاضِدٌ لدولَتهم، وكذا كان لأنه قطعها . وأخبرني أحد علماء المصريين١ أيضاً أن العاضد المذكور في أواخر دولته رأى في منامه وهو بمدينة مصر وقد خرجت إليه عقرب من مسجد هو معروف بها، فلدغته ، فلما استيقظ ارتاع لذلك ، فطلب بعض مُعَبّري الرؤيا وقص عليه المنام فقال له : ينالك مكروه من شخص هو مقيم في هذا المسجد ، فطلب والي مصر وقال له : تكشف عمن هو مقيم في المسجد الفلاني ، وكان العاضد يعرف ذلك المسجد ، فإذا رأيت به أحداً تحضره عندي . فمضى الوالي إلى المسجد فرأى فيه رجلاً صوفيّاً فأخذه ودخل به على العاضد ، فلما رآه سأله : من أين هو ؟ ومتى قدم البلاد؟ وفي أي شيء قدم؟ وهو يجاوبه عن كل سؤال ، فلما ظهر له منه ضعف الحال والصدق والعجز عن إيصال المكروه إليه أعطاه شيئاً وقال له : يا شيخ ادْعُ لنا، وأطلق سبيله، فنهض من عنده وعاد إلى مسجده٢ . فلما استولى السلطان صلاح الدين وعزم على القبض على العاضد واستفتى الفقهاء في قتله ، أفتوه يجواز ذلك لما كان عليه العاضد وأشياعه من انحلال العقيدة وفساد الاعتقاد وكثرة الوقوع في الصحابة والاستهتار بذلك . وكان أكثرهم مبالغة في الفتيا الصوفي المقيم في المسجد ، وهو الشيخ نجم الدين الخبوشاني - الآتي ذكره في حرف الميم إن شاء الله تعالى - فإنه عَدَّد مساوىء هؤلاء القوم وسلب عنهم الإيمان وأطال الكلام في ذلك ، فصحَّت بذلك رؤيا العاضد . وكانت ولادة العاضد يوم الثلاثاء لعشر بقين من المحرم سنة ستّ وأربعين٣ وخمسمائة . وتوفي ليلة الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم سنة سبع ١ ص: علماء مصر. ٢ ص : المسجد . ٣ س : ست وخمسين . ١ وستين وخمسمائة ، وقيل إن العاضد حصل له غيظ من شمس الدولة تُورانَ شاه ابن أيوب أخي صلاح الدين فسَمَّ نفسه فمات ، والله أعلم ، رحمه الله تعالى . وقيل إنه مات يوم عاشوراء . ٣٥٥ ابن الرداد المؤذن أبو الرّداد عبد الله بن عبد السلام بن عبد الله بن الرَّدّاد المؤذن البصري١، صاحب المقياس بمصر ؛ كان رجلاً صالحا٢ً وتولى مقياس النيل الجديد يجزيرة مصر ، وجُمع إليه جميع النظر في أمره وما يتعلق به في سنة ست وأربعين ومائتين ، واستمرت الولاية في ولده إلى الآن . وتوفي في سنة تسع وسبعين ومائتين ، وقيل سنة ست وستين ومائتين٣ ، والله أعلم . والرَّدّاد: بفتح الراء وبالدالين المهملتين وتشديد الأولى منهما وبينهما ألف . ذكره القضاعي في ((خطط مصر)) وذكر قضية الجارية التي كانت تُلقى في النيل ، وذلك في فصل المقياس٤ . [وهذا المقياس: وضعه أحمد بن محمد الحاسب القرصاني بأمر المتوكل على الله. - وكان أسامة بن زيد التَّنُوخي في سنة ست وسبعين للهجرة قد أمر ببناء المقياس في الجزيرة قديماً - وحكي عنه أنه قال : لما أردت أن أكتب على ٣٥٥ - انظر حسن المحاضرة ٢: ١٩٨ وخطط المقريزي ٢: ١٨٥ والنجوم الزاهرة ٢: ٣١١ والكندي : ٥٠٧ - ٠٠٨ ورفع الإصر ١ : ١٤٤. ١ ص: المصري، وهو خطأ، إذ أصل أبي الرداد من البصرة . ٢ جاء في المطبوعة بعده: وكان يؤذن في الجامع العتيق ويعلم الصبيان القرآن ؛ ولم يرد في النسخ التي اعتمدناها . ٣ في رفع الإصر : ست وثمانين ومائتين . ٤ هنا ينتهي ما ورد في النسخ الخطية . ١١٢ مواضع من المقياس ناظرت يزيد بن عبد الله وسليمان بن وهب والحسن الخادم فيما ينبغي أن يكتب عليه ، وأعلمتهم أن أحسن ما يكتب عليه آيات من القرآن، واسم أمير المؤمنين المتوكل على الله واسم الأمير المنتصر ، إذ كان العمل له ، فاختلفوا في ذلك، وبادر سليمان بن وهب فكتب من غير أن يعلم ويستطلع الرأي في ذلك، فورد كتاب أمير المؤمنين أن يكتب عليه آيات من القرآن وما يشبه أمر المقياس ، واسم أمير المؤمنين ، فاستخرجت من القرآن آيات لا يمكن أن يكتب على المقياس أحسن ولا أشبه بأمر المقياس منها ، وجعلت جميع ما كتبت في الرخام الذي تقدم في البناية في المواضع التي قدرت الكتابة فيها بخط مقوم غليظ على قدر الإصبع ثابت في بدن الرخام مصبغ الحفر باللازَوَردِ المشمع يقرأ من بعد ، فجعلت أوّل ما كتبت أربع آيات متساوية المقادير في سطور أربعة في تربيع بناء المقياس على وزن سبع عشرة ذراعاً من العمود . فكتبت في الجانب الشرقي، وهو المقابل لمدخل المقياس: ﴿بسم الله الرّحمن الرَّحيم، ونَزَّلنا مِنَ السماء ماءَ مُباركاً فأنبتنا بهِ جنّاتٍ وحَبَّ الحصيد﴾ (ق: ٩) وفي الجانب الشمالي: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً، فإذا أنزلنا عليها الماءَ اهتزّتْ ورَبَتْ وأنبَتَتْ مِنْ كلِّ زَوْجِ بَهيجٍ﴾ (الحج: ٥) وعلى الجانب الغربي: ﴿ألمْ ترَ أنّ اللهَ أَنزَلَ مِنَ السّماءِ ماءَ فَتُصْبِحُ الأرضُ مُخْضَرّةَ إِنّ اللهَ لَطيفٌ خَبِيرٌ﴾ (الحج: ٦٣) وعلى الجانب الجنوبي: ﴿وهُوَ الذي يُنزّلُ الفَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنُرُ رَحِمَتَهُ، وَهُوَ الوَلِيُّ الحميد﴾ ( الشورى: ٢٨) فصارت هذه الآيات سطوراً على وجه الماء إذا بلغ سبع عشرة ذراعاً ، لأن هذا وسط الزيادة ، ثم جعلت في الذراع الثامن عشر في جميع التربيع نطاقاً مثل النطاق الذي جعلته علامة للذراع السادس عشر ، وكتبت بإزاء الذراع الثامن عشر سطراً واحداً يحيط بجميع التربيع ﴿ بسم الله الرّحمن الرّحيم ، اللهُ الذي خَلَقَ السمَواتِ والأرضَ وأنزَلَ مِنَ السّماءِ ماءً فأخْرَجَ بهِ مِنَ الثمراتِ رِزْقاً لِكُمْ، وسَخَرَ لكمُ الفُلكَ لِتَجريَ في البحرِ بِأمْرِهِ، وسَخَرَ لكمُ الأنهارَ، وسَخَرَ لكُمُ الشمسَ والقمرَ دائِبَينٍ، وسخّرَ لكمُ الليلَ والنهارَ، وآتاكمْ مِنْ كلِّ ما سألتموهُ، وإِنْ تَعُدُّوا ٨ - ٣ ١١٣ نِعمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها، إِنَّ الإنسانَ لَظَلُومٌ كَفَار﴾ (إبراهيم: ٣٢-٣٤) بسم الله الرّحمن الرَّحيم ، مقياس يُمْنِ وسعادةٍ ونعمة وسلامة . أمر ببنائه عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين ، أطال الله بقاءهُ وأدام عزه وتأييده ، على يدي أحمد بن محمد الحاسب ، سنة سبع وأربعين ومائتين . وجعلت ما فوق ذلك من الحيطان التي بأعلى البناء منقوشاً كله ، محفوراً مصبوغاً باللازَ وَرْدِ المشمع ، وعمدت إلى ما جاوز من العمود تسع عشرة ذراعاً ، والرأس المنصوب عليه ، والعارضة اللبخ الممسكة له ، فنقشت ذلك كله بالذهب واللازورد ، وكتبت على العارضة آية الكرسي إلى آخرها ، وكتبت على حائط الزقاق المقابل للنيل ، فوق باب مدخل المقياس حيث يقرؤه السابلة سطراً إلى الرخام من أوله إلى آخره، وهو: ((بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد سيد المرسلين ، أمر عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين ببناء هذا المقياس الهاشمي ، لتُعرف به زيادة النيل ونقصانه ، وأطال الله بقاء أمير المؤمنين ، وأدام له العز والتمكين والظفر على الأعداء ، وتتابع الإحسان والنعماء ، وزاده في الخير رغبة ، وبالرعية رأفة ؛ وكتبه أحمد ابن محمد الحاسب في رجب سنة سبع وأربعين ومائتين)). وكتبت سطرين في رخام عن جنبي الباب: أحدهما ((بسم الله ما شاء الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً))، والآخر (( بسم الله، بلغ الماء في السنة التي بني فيها هذا المقياس المتوكلي المبارك سبع عشرة ذراعاً وثمانية عشر إصبعاً)). واتخذت مثال سبع من رخام ركبته في وجه حائط فويقة القناة المطل على النيل ، على المقدار الذي إذا بلغ الماء ست عشرة ذراعاً دخل الماء في فيه ، وكتبت فوق ذلك في أعلى الحائط: ﴿أُوَلم يرَوا أنّا نسوقُ الماء إلى الأرض الجُرُز فتُخرجُ بهِ زَرْعاً تأكل منه أنعامهم وأنفسهم ، أفلا يبصرون﴾ ( السجدة: ٢٧ ) كتبه أحمد بن محمد الحاسب في جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين ومائتين ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم تسليماً . ١١٤ والذراع في المقياس ثمانية وعشرون إصبعاً إلى أن ينتهي إلى اثنتي عشرة ذراعاً، وبعد ذلك يصير اعتباره أربعة وعشرين إصبعاً ]١. ٣٥٦ عبيد الله بن عبد الله أبو عبد الله عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود بن عاقل بن حبيب بن شمخ بن مخزوم بن صبح بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن مُذَيل بن مُدْركة ابن إلياس بن مضر بن نزار بن مَعَدّ بن عدنان الهُذَلي، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة - وقد تقدم ذكر أربعة منهم - وهذا عبيد الله ابن أخي عبد الله بن مسعود الصحابي ، رضي الله عنه ، وهو من أعلام التابعين ، لقي خلقاً كثيراً من الصحابة ، رضوان الله عليهم ، وسمع من ابن عباس وأبي هريرة وأم المؤمنين عائشة ، رضي الله عنهم أجمعين، وروى عنه أبو الزناد والزهري وغيرهما ، وقال الزهري : أدركت أربعة بحور ، فذكر فيهم عبيد الله المذكور ، وقال : سمعت من العلم شيئاً كثيراً فظننت أني قد اكتفيت حتى لقيت عبيد الله فإذا كأني ليس في يدي شيء . وقال عمر بن عبد العزيز : لأن يكون لي مجلس من عبيد الله أحبُ إليَّ من الدنيا؛ [وقال: والله إني لأشتري ليلة من ليالي عبيد الله بألف دينار من بيت المال ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ، تقول هذا مع تَحَرِّيكَ وشدة تحفظك ؟ فقال: أينَ يُذْهب بكم ؟ والله إني لأعود برأيه ١ ما بين معقفين ورد في المطبوعة وحدها. وانظر عن المقياس، حسن المحاضرة ٢ : ١٩٧ والنجوم الزاهرة ٢: ٣٠٩ وخطط المقريزي ١: ٠٨ (ط. بولاق) وابن عبد الحكم: ١٦. ٣٥٦ - ترجمته في طبقات الشيرازي ، الورقة : ١٣ وتذكرة الحفاظ : ٧٨ وتهذيب التهذيب ٧ : ٢٣ والأغاني ٩: ١٣٥ ونكت الهميان: ١٩٧ وحلية الأولياء ٢: ١٨٨ وصفة الصفوة ٢ : ٥٧ وسمط اللآلي: ٧٨١ والشذرات ١ : ١١٤. ٢ في المسودة : محمد، والتصويب عن طبقات الشيرازي . ١١٥ وبنصيحته وبهدايته على بيت مال المسلمين بألوف وألوف ، إن في المحادثة تلقيحاً للعقل، وترويحاً للقلب، وتسريحاً للهمّ، وتنقيحاً للأدب]١. وكان عالما ناسكاً . وكانت وفاته سنة اثنتين ومائة، وقيل سنة تسع وتسعين ، وقيل ثمان وتسعين للهجرة بالمدينة ، رضي الله عنه . وله شعر، فمن ذلك ما أورده له في كتاب ((الحماسة)) وهو قوله٢: هواكِ فَلِيمَ فالتأمِ الفُطورُ شَقَقتِ القلبَ ثم ذَرَرْتٍ فيه فباديه مع الخافي يسير تغَلغَلَ حُبُّ عَنْمة في فؤادي ولا حزن ولم يبلغ سرور تفَلَغَلَ حيث لم يبلغ شرابٌ ولما قال هذا الشعر قيل له : أتقول مثل هذا ؟ فقال: في اللَّدُودِ ، راحةُ المفؤود . وهو القائل : لا بد للمصدور من أن ينفث . والهذلي : بضم الهاء وفتح الذال المعجمة وبعدها لام ، هذه النسبة إلى هُذَيْل بن مدركة كما تقدم في نسبه ، وهي قبيلة كبيرة ، وأكثر أهل وادي نخلة المجاور لمكة ، حرسها الله تعالى ، من هذه القبيلة . وتوفي والده عبد الله سنة ست وثمانين للهجرة، رضي الله عنه، وكانت الرياسة في الجاهلية إلى جده صبح بن كاهل٣ . ١ ما بين معقفين لم يرد في النسخ الخطية . ٢ هي الحماسية رقم: ٥٥٠ في شرح المرزوقي . ٣ بعد هذه الترجمة أورد وستنفيلد ترجمة (برقم ٣٦٤ حسب ترقيمه) لعبد الله بن عياش الهمداني جاء فيها : عبد الله بن عياش الهمداني يعرف بالمنتوف صاحب رواية الأخبار والآداب ، توفي في سنة ١٥٨ للهجرة اهـ. قلت: وليس في النسخ الخطية وجود لهذه الترجمة، ولهذا لم تفردها برقم. (وانظر ترجمة المنتوف في البيان ١: ٢٦٠ ولسان الميزان ٣ : ٣٢٢ ونور القبس: ٢٦٤ - ٢٦٧ قال: وهو من الرواة النسابين وكان عالماً بالمثالب). ١١٦ ٣٥٧ المهدي عبيد الله أبو محمد عبيد الله ، الملقب بالمهدي ؛ وجدت في نسبه اختلافاً كثيرا١ً، قال صاحب ((تاريخ القيروان))٢ هو عبيد الله بن الحسن بن علي بن محمد بن علي ابن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقال غيره: هو عبيد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر المذكور ، وقيل هو علي بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن الحسن بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وقيل هو عبيد الله بن التقي بن الوفي بن الرضي، وهؤلاء الثلاثة يقال لهم المستورون في ذات الله ، والرضي المذكور ابن محمد بن إسماعيل بن جعفر المذكور ، واسم التقي الحسين ، واسم الوفي احمد ، واسم الرضي عبد الله ، وإنما استتروا خوفاً على أنفسهم لأنهم كانوا مطلوبين من جهة الخلفاء من بني العباس ، لأنهم علموا أن فيهم من يروم الخلافة أسوة غيرهم من العلويين، وقضاياهم ووقائعهم في ذلك مشهورة. وإنما تسمى المهدي عبيد الله استتاراً، هذا عند من يصحح نسبه، ففيه اختلاف كثير٣ . وأهل العلم : .... ٣٥٧ - أخباره في اتعاظ الحنفا: ٦٠ - ٧٣ والدرة المضية: ١٠٨ وابن عذاري ١ : ١٥٨ والخطط المقريزية ١: ٣٤٩ ورسالة افتتاح الدعوة؛ وابن خلدون٤: ٣٤ وابن الأثير ه : ٢٨٤ وعبر الذهبي ٢: ١٩٣ والمؤنس: ٥٦ والشذرات ٢: ٢٩٤؛ وقد سقطت هذه الترجمة من م ، وما أثبتناه مطابق تماماً لما أوردته المسودة . ١ قد حفلت كتب التاريخ بصور هذا الخلاف في نسب عبيد الله فلا داعي لإثباتها ، وإنما ننقل جملة أوردها البيروني في الآثار الباقية : ٣٩ حيث قال: فلا يحتاج في تصحيحه ( أي النسب ) إلى بذل الأموال والجعل كما بذلها عبيد الله بن الحسن بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القداح النقباء العلوية لما كذبوا اعتزاءه إليهم أيام خروجه بالمغرب حتى أرضاهم وأسكتهم . ٢ لا أدري من هو المؤلف المقصود هنا، فهناك غير كتاب في تاريخ القيروان ، منها واحد اسمه الجامع والبيان للصنهاجي وثان للرقيق القيرواني وثالث لابن رشيق . ٣ وإنما تسمّى ... كثير : سقط من ر . ١١٧ بالأنساب من المحققين ينكرون دعواه في النسب ، وقد تقدم في ترجمة الشريف عبد الله بن طَبَاطَبا١ ما جرى بينه وبين المعز عند وصوله إلى مصر وما كان من جواب المعز له ، وفيه أيضاً دلالة على ذلك ، فإنه لو عرف نسبه لذكره وما احتاج إلى ذلك المجلس الذي ذكرناه هناك . ويقولون أيضاً: إن اسمه سعيد ولقبه عبيد الله، وزوج أُمه الحسين بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن ميمون القداح، وسمي قداحاً لأنه كان كَحَّالاً يقدح العين إذا نزل فيها الماء . وقيل إن المهدي لما وصل إلى سجلماسة ونما خبره إلى اليسع مالكها ، وهو آخر ملوك بني مدرار ، وقيل له : إن هذا هو الذي يدعو إلى بيعته أبو عبد الله الشيعي بإفريقية - وقد تقدم الكلام على ذلك في ترجمة أبي عبد الله في حرف الحاء٢ - أخذه اليسع واعتقله ، فلما سمع أبو عبد الله الشيعي باعتقاله حشد جمعاً كثيراً من كُتامة وغيرها ، وقصد سجلماسة لاستنقاذه ، فلما بلغ اليسع خبر وصولهم قتل المهدي في السجن ، فلمّا دنت العساكر من البلد هرب اليسع ، فدخل أبو عبد الله إلى السجن فوجد المهدي مقتولاً وعنده رجل من أصحابه كان يخدمه ، فخاف أبو عبد الله أن ينتقض عليه ما دبره من الأمر إن عرفت العساكر بقتل المهدي ، فأخرج الرجل وقال : هذا هو المهدي ؛ وبالجملة فأخباره مشهورة فلا حاجة إلى الإطالة فيها . وهو أوّل من قام بهذا الأمر من بيتهم وادعى الخلافة بالمغرب ، وكان داعيه أبا عبد الله الشيعي - المذكور في حرف الحاء - ولما استتبَّ له الأمر قتله وقتل أخاه - كما ذكرناه في ترجمته - وبنى المهدية بإفريقية وفرغ من بنائها في شوال سنة ثمان وثلثمائة ، وكان شروعه فيها في ذي القعدة سنة ثلاث وثلثمائة ، وبنى سور تونس وأحكم عمارتها وجدد فيها مواضع، فنسبت [المهدية]٣ إليه. وملك بعده ولده القائم ، ثم المنصور ولد القائم - وقد تقدم ذكره - ثم ١ انظر ص ٨١ : من هذا الكتاب . ٢ انظر جـ ٢ : ١٩٢ من هذا الكتاب . ٣ زيادة لا بد منها للتوضيح، إذ كان النص قبل التحشية «وبنى المهدية بإفريقية فنسبت إليه». ١١٨ المعز بن المنصور ، وهو الذي سير القائد جوهراً ومَلَكَ الديار المصرية وبنى القاهرة ، واستمرت دولتهم حتى انقرضت على يد السلطان صلاح الدين ، رحمه الله تعالى. وقد تقدم ذكر جماعة من حَفَدَته وسيأتي ذكر باقيهم ، إن شاء الله تعالى. ولأجل نسبتهم إليه يقال لهم ((العُبَيْدِيون))، هكذا ينسب إلى عُبَيْدِ الله . وكانت ولادته في سنة تسع وخمسين ، وقيل سنة ستين ومائتين ، وقيل ست وستين ومائتين بمدينة سَلَمِيَّةَ، وقيل بالكوفة ، ودعي له بالخلافة على منابر رَقّادة والقيروان يوم الجمعة لتسع بقين من شهر ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين ، بعد رجوعه من سجلماسة ، وقد جرى له بها ما جرى . وكان ظهوره بسجلماسة يوم الأحد لسبع خلون من ذي الحجة سنة ست وتسعين ومائتين ، وخرجت بلاد المغرب عن ولاية بني العباس . وتوفي ليلة الثلاثاء منتصف شهر ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة بالمهدية ، رحمه الله تعالى . وسَلَمِيَّةُ: بفتح السين المهملة واللام وكسر الميم وتشديد الياء المثناة من تحتها وتخفيفها أيضاً مع سكون الميم، وهي بُليدة بالشام من أعمال حمص . ورَقّادة : بفتح الراء وتشديد القاف وبعد الألف دال مهملة ثم هاء ساكنة، بلدة بإفريقية، وقد تقدم ذكرها في ترجمة أبي عبد الله الحسين بن أحمد المعروف بالشيعي ، وكان قد بناها إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب جد زيادة الله بن الأغلب المذكور في ترجمة الشيعي أيضاً ، وكان شروعه أيضاً في بنائها في سنة ثلاث وستين ومائتين وفرغ منها في سنة أربع وستين ومائتين وانتقل إليها لما فرغت . والقيروان وسجلماسة : قد تقدم الكلام عليهما في مواضعهما . ١١٩ ٣٥٨ عبيد الله بن عبد الله بن طاهر أبو أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مُصْعَبٍ بن رُزَيق ابن ماهان الخُزاعي ؛ - تقدم ذكر أبيه وجده وما كانا عليه من التقدم وعلو المنزلة عند المأمون ، وتوليتهما خراسان وغيرها - وكان عبيد الله المذكور أميراً، وليَ الشرطة ببغداد خلافةً عن أخيه محمد بن عبد الله ، ثم استقلَّ بها بعد موت أخيه ، وكان سيداً ، وإليه انتهت رياسة أهله، وهو آخر من مات منهم رئيساً، وله من الكتب المصنفة كتاب ((الإشارة في أخبار الشعراء)) وكتاب (( رسالة في السياسة الملوكية)) وكتاب مراسلاته لعبد الله بن المعتز ، وكتاب ((البراعة والفصاحة))١ وغير ذلك. وحدّث عن الزبير بن بكار وغيره ، وكان مترسلاً شاعراً لطيفاً حسن المقاصد جيد السبك رقيق الحاشية . ومن شعره ، ثم وجدتها لأبي الطريف شاعر المعتمد الخليفة العباسي ، وزعم الصولي أن البحتري أنشده هذه الأبيات لنفسه ، والله أعلم٢ ، وهي : أتهجرون فتى أُغري٣ بكم تيها لحقُّ دعوةِ صبٍ أن تجيبوها أهدى إليكم على نأيٍ تحيتَهُ حَيُّوا بأحسن منها أو فرُدُّوها زَمُّوا المطايا غداةَ البين واحتملوا وخلّفوني على الأطلال أبكيها شَيَّعْتُهُمْ فاسترابوا بي فقلتُ لهم إِني بُعِثْتُ مع الأجمال أحدوها ٣٥٨ - ترجمته في تاريخ بغداد ١٠: ٣٤٠ والديارات: ٧١ - ٧٩ والأغاني ٩ : ٣٩ وصلة عريب: ٢٢ والجزء السابع من ابن الاثير . ١ ر : البراعة في الفصاحة . ٢ ثم وجدتها ... أعلم: هذا هو موضع النص في المسودة، وقد تأخر عن الأبيات التالية في النسخ الأخرى . ٣ س : لكي أغرى . ١٢٠