Indexed OCR Text
Pages 61-80
وذكره عماد الدين في كتاب ((الخريدة))١ وبالغ في الثناء عليه، ثم قال : وسمعت ببغداد أبياتاً يغنَّ بها فنسبها بعض الشاميين إلى الشريف ضياء الدين المذكور ، منها : بلحاظها بل يا فتاة٢ الأجْرَعِ يا بانة الوادي التي سفكَتْ دمي ألم الهوى وعليكِ أن لا تسمعي لي أن أبثَّ إليكِ ما ألقاه من كيف السبيل إلى تناول حاجة قصرت يدي عنها كزَنْدِ الأقطع ٣٣٧ ابن شاس أبو محمد عبد الله بن نجم بن شاس بن نزار بن عشاير بن عبد الله بن محمد بن شاس الجذامي السعدي الفقيه المالكي المنعوت بالجلال ؛ كان فقيهاً فاضلاً في مذهبه عارفاً بقواعده ، رأيت بمصر جمعاً كبيراً من أصحابه يذكرون فضائله ، وصنف في مذهب الإمام مالك رضي الله عنه كتاباً نفيساً أبدع فيه ، وسماه ((الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة)) وضعه على ترتيب ((الوجيز)) تصنيف حجة الإسلام أبي حامد الغزالي ، رحمه الله تعالى ، وفيه دلالة على غزارة فضله، والطائفة المالكية بمصر عاكفة عليه لحسنه وكثرة فوائده . وكان مدرساً بمصر بالمدرسة المجاورة للجامع ، وتوجه إلى ثغر دمياط لما أخذه العدو المخذول بنيَّة الجهاد ، فتوفي هناك في جمادى الآخرة أو في رجب سنة ست عشرة وستمائة ، رحمه الله تعالى . ١ الخريدة (قسم الشام) ٢: ٢٤٩ واسمه عنده زيد بن محمد بن محمد بن عبد الله العلوي. ٢ هكذا هو في المسودة والخريدة . ٣٣٧ - ترجمته في الديباج المذهب: ١٤١ والشذرات ٥ : ٦٩؛ قلت: وهذه الترجمة هنا مطابقة لما في المسودة تماماً . ٦١ وشاس : بالشين المعجمة والسين المهملة بينهما ألف . والجذامي والسعدي : قد تقدم الكلام عليها . ٣٣٨ عبد الله بن العباس بن عبد المطلب أبو العباس عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وله ثلاث عشرة سنة ، وكان صلى الله عليه وسلم دعا له فقال: اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل . وحرق علي رضي الله عنه قوماً من الزنادقة فأنكر عليه ابن عباس فقال : ويح ابن أم الفضل، إنه لغواص على الهنات . وكان عطاء إذا حدث عنه قال : حدثني البحر ، وكان ميمون بن مهران إذا ذكر عنده عبد الله بن عمر وعبد الله ابن العباس قال : كان ابن عباس أفقه . وأخذ الفقه عن ابن عباس جماعة منهم عطاء بن أبي رباح وطاوس ومجاهد وسعيد بن جبير وعبيد الله بن عبد الله بن مسعود وأبو الشعثاء جابر بن زيد وابن أبي مليكة وعكرمة وميمون بن مهران وعمرو بن دينار وغيرهم . ذكر أنه اجتمع من بني هاشم جماعة عند معاوية يوماً فأقبل عليهم فقال : يا بني هاشم والله إن خيري لممنوح وإن بابي لكم لمفتوح فلا يقطع خيري عنكم علة، ولا يوصد بابي دونكم مسألة، وإني نظرت في أمري وأمركم فرأيت أمراً مختلفاً : إنكم ترون انكم أحق بما في يدي مني ، وإذا اعطيتكم عطية فيها قضاء حقوقكم ٣٣٨ - انفردت ص بهذه الترجمة ، وهي غير ملتزمة بخطة المؤلف . وترجمة ابن عباس في كتب الصحابة وطبقات الشيرازي، الورقة: ١٠ وتذكرة الحفاظ: ٤٠ وغاية النهاية ١ : ٤٢٥ والعقد الثمين ٥ : ١٩٠ ونكت الهميان : ١٨٠. ٦٢ ٤ قلتم : اعطانا دون حقنا وقصر بنا عن قدرنا ، فصرت كالمسلوب ، والمسلوب لا حمد له ، هذا مع إنصاف قائلكم وإسعاف سائلكم؛ قال : فأقبل ابن عباس فقال : أما والله ما منحتنا شيئاً حتى سألناه ، ولا فتحت لنا باباً حتى قرعناه ، ولئن قطعت عنا خيرك فالله أوسع خيراً منك، ولئن أغلقت دوننا بابك لنكفَّنَّ أنفسنا عنك ، وأما هذا المال فليس لك منه إلا ما لرجل واحد من المسلمين ، ولنا في كتاب الله حقان : حق في الغنيمة وحق في الفيء . فالغنيمة ما غلبنا عليه والفيء ما احتسبناه ، ولولا حقنا في هذا المال لم يأتك منا زائر يحمله خفّ ولا حافر . كفاك أم أزيدك ؟ قال : كفاني فإنك لا تهرّ ولا تنبح. وحكى المدائني قال : قام عمرو بن العاص في موسم من مواسم العرب فأطرى معاوية بن أبي سفيان وبني أمية وذكر مشاهده بصفين ، واجتمعت قريش فأقبل عبد الله بن عباس على عمرو فقال : يا عمرو انك بعت دينك من معاوية واعطيته ما بيدك ، ومنّاك ما بيد غيره ، فكان الذي أخذ منك أكثر مما أعطاك ، والذي أخذت منه دون الذي أعطيته، وكلّ راضٍ بما أخذ وأُعطي ، فلما صارت مصر في يدك كدرها عليك بالعزل والتنغيص حتى لو كانت نفسك بيدك ألقيتها ؛ وذكرت مشاهدك بصفين فوالله ما ثقلت علينا وطأتك ولقد كشفت فيها عورتك ، وإن كنت لطويل اللسان ، قصير السنان، آخر الخيل إِذا أقبلت، وأولها إذا أدبرت ، لك يدان : يد لا تبسطها إلى خير وأخرى لا تقبضها عن شر ، ووجهان : وجه موحش ووجه مؤيس ، ولعمري ان من باع دينه بدنيا غيره لحريّ أن يطول ندمه . لك لسان وفيك خطل ، ولك رأي وفيك نكد ، ولك قدر وفيك حسد، فأصغر عيب فيك أكبر عيب فيّ . وقال ابن عباس رضي الله عنه : ما رأيت رجلاً لي عنده معروف إِلا أضاء ما بيني وبينه . وقال رضي الله عنه: أربعة لا أقدر على مُكافأتهم : رجل بدأني بالسلام ، ورجل وسع لي في المجلس ، ورجل اغبرت قدماه في المشي في حاجتي ، فأما الرابع فما يكافئه عني إلا الله عز وجل ، قيل : ومن هو ؟ قال: رجل نزل به أمر فبات ليلته يفكر فيمن يقصده ثم رآني أهلاً لحاجته فأنزلها بي . ٦٣ وقال له رجل : زوِّجني من فلانة - وكانت يتيمة في حجره - فقال : لا أرضاها لك لأنها تسرف ، فقال الرجل : قد رضيت ، فقال ابن عباس : الآن لا أرضاك لها . ومات ابن عباس بالطائف في فتنة ابن الزبير وبلغ سبعين سنة ، قال أبو صالح صاحب التفسير : ما رأينا بني أم قط أبعد قبوراً من بني العباس لأم الفضل : مات الفضل بالشام ، ومات عبد الله بالطائف ، ومات عبيد الله بالمدينة ، ومات قثم بسمرقند ، وقتل معبد بإفريقية . قال الواقدي : مات ابن عباس سنة ثمان وسبعين بالطائف وهو ابن اثنتين وسبعين سنة وقد كف بصره، فصلى عليه ابن الحنفية وكبّر أربعاً وضرب على قبره فسطاطاً ، رحمه الله تعالى . ٣٣٩ أبو بكر الصديق أبو بكر عبد الله بن أبي قحافة - واسمه عثمان - بن عامر ، من ولد تيم ابن مرة - تم قريش - يلتقي هو ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند مرة بن كعب وهما في القعدد إليه سواء، بين كل واحد منهما وبينه ستة آباء ، كان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله ، ولقبه عتيق ، لقدِّب به لجمال وجهه رضي الله عنه ، وقيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : أنت عتيق من النار ، وسمي صدّيقًاً لتصديقه خبر المسرى . وأمه سلمى وتكنى أم الخير بنت صخر وهي بنت عم أبيه . ٣٣٩ - انفردت ص أيضاً بهذه الترجمة، وهي غير متسقة مع خطة المؤلف؛ وترجمة أبي بكر في كتب الصحابة وكتب الحديث وكتب التاريخ - وذلك عدد جم وافر - وفي الرياض النضرة وتذكرة الحفاظ وغاية النهاية ، ولا تكاد المصادر عنه تقع تحت حصر . ٦٤ كان طويلاً آدم خفيف العارضين يخضب بالحنّاء والكتم . بويع له يوم الاثنين الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتوفي بالسل ليلة الثلاثاء ، وقيل يوم الجمعة ، لتسع ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة ، وسنتُّه ثلاث وستون سنة، وكانت خلافته سنتين وثلاثة اشهر وتسعة أيام ، وغسلته زوجته أسماء ابنة عميس ، وصلى عليه عمر رضي الله عنهما ، وحمل على سرير رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو سرير عائشة رضي الله عنها ، وكان من خشبتي ساج. منسوجاً بالليف ، وبيع في ميراث عائشة ، رضي الله عنها، بأربعة آلاف درهم، فاشتراه مولى لمعاوية وجعله للمسلمين ، ويقال إنه بالمدينة ، ودفن في حجرة عائشة ورأسه بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكان يأخذ من بيت المال في كل يوم ثلاثة دراهم ، وكان قال لعائشة : انظري يا بنية ما زاد في مال أبي بكر منذ وليت هذا الأمر فرديه على المسلمين، فنظرت فإذا بكر وقطيفة لا تساوي خمسة دراهم ومجشة ، فلما جاء بذلك الرسول إلى عمر قال : رحم الله أبا بكر لقد كلف من بعده تعباً . وروي أن أبا بكر خرج بعد البيعة ومعه ميزان ورزمة ثياب تحت يده وخرج إلى السوق فقيل له : ما هذا ؟ فقال : أكتسب لنفسي وعيالي ، فأجمعوا رأيهم وفرضوا له في كل يوم درهماً وثلثي درهم من بيت مال المسلمين . وأبو بكر رضي الله عنه أول من طلب من النبي صلى الله عليه وسلم الدلالة على نبوته، وسبب ذلك أن أبا بكر رضي الله عنه كان باليمن في تجارة، ونُبِّىء النبي صلى الله عليه وسلم وهو غائب ، فنزل أبو بكر رضي الله عنه في طريقه على دير فيه راهب باليمن هو ورفقته ، فسألهم الراهب : هل فيكم خطيب ؟ قالوا : نعم ، وأشاروا إلى أبي بكر رضي الله عنه ، فدعاه إليه وحده فقال له الراهب : من أين أنت ؟ فقال : من مكة ، فقال : هل ظهر بها أحد يدعي النبوة ؟ فقال : لا ، فقال الراهب : عندي صورة أريكها فإن عرفت أحداً يشبهها فعرفني ، فعرض عليه الصورة فقال : هذه صورة رجل يُعرف بمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب ، فقال الراهب : هذا هو النبي المدعو به وهو خاتم الأنبياء ، يظفر بأعدائه ويعلو دينه الأديان . فقال أبو بكر رضي الله عنه : ٥ - ٣ ٦٥ ما عرفنا هذا منه ولا ادعاه ولا عُرف بالعلم ولا يحسن الكتابة ولا خالط اليهود والنصارى ، فقال الراهب : هذا هو النبي نفسه . وقيل إن الراهب قال لأبي بكر : وأنت الخليفة من بعده على أهل دينه . فرجع أبو بكر من عند الراهب ولم يُشعر أحداً من رفقته بما قال له الراهب ، فلما قدم مكة قالت له أمه سلمى أم الخير : ما بلغك ما حدث من صديقك محمد ؟ زعم أنه نبي نبّأه الله وأرسله إلى قومه وكافة الخلق، فقال لها : وأين هو ؟ قالت : يجبل حراء، فأسرع أبو بكر رضي الله عنه نحو الجبل فرآه في غار فسلم عليه وقال : بلغني أنك ادعيت النبوة والرسالة، فقال له : لست بمدّعٍ ، وقد فعل الله ذلك بي ، قال له : فما الدليل على صدقك ؟ قال : هل خرجت علي كذباً ؟ قال : لا والله، غير أن هذا أمر لا يُقبل بغير دليل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : دليله ما قاله لك الراهب ، قال أبو بكر : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد انك رسول الله ، أنا أول متابع لك على هذا الأمر . وهو أول من أمّ في محراب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته ، وأول من دعي بخليفة ، وأول من رقي منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال الشعبي : لما ولي أبو بكر الخلافة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس اني وليتكم ولست بخيركم ولكن نزل القرآن فأدَّبَنا فتأدَّبْنا ، وسنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلَّمَنا فتعلمنا، وان أكيسَ الكيسِ التقى وأحمقَ الحمق الفجور ، وان أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقه ، وان أضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق . إنما أنا متبع ولست بمبتدع ، فإن أحسنت فأعينوني وان زغت فسددوني. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين . ولما تم الأمر لأبي بكر رضي الله عنه ارتدت العرب إلا قليلاً منهم ، وكان قد تنبأ في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة: الأسود بن كعب العنسي ومسيلمة الكذاب - واسمه ثمامة بن حبيب - وطليحة الأسدي . فأما الأسود فإنه غلب على صنعاء ونجران إلى عمل الطائف واستطار استطارة الحريق فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بقتله فقتله فيروز الديلمي في منزله ، وجاء ٦٦ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر بقتله من السماء فأخبر به أصحابه ، ثم وصل المخبر بقتله إلى المدينة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أول فتح [فتح على] أبي بكر رضي الله عنه . كذا ذكره الطبري في تاريخه، وقال أبو بشر الدولابي إنه قتل في خلافة أبي بكر . وأما مسيلمة وطليحة فإن أمرهما استغلظ ، واجتمع على طليحة عوام طيء وأسد وغطفان ، وارتدت قبائل العرب إلا قيساً وثقيفاً ومنعوا الزكاة ، فأشار الناس على أبي بكر رضي الله عنه بأخذ العرب بالصلاة ومسامحتهم في الزكاة فقال : والله لو منعوني عقالاً أو عَناقاً مما كانوا يؤدون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على ذلك . ثم خرج إلى عبس وذبيان فقاتلهم فانهزموا وعادوا إلى المدينة ، ثم سير الجيوش لقتال أهل الردة ، وعقد أحد عشر لواء على أحد عشر جنداً ، وسيّر خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى طليحة ومن تابعه من غطفان ، فهزمهم وانهزم طليحة حتى لحق بالشام ، وقُتْل من أصحابه جمع كبير ، ثم أسلم طليحة بعد ذلك لما بلغه عن أسد وغطفان ، ولم يزل مقيماً في كلب حتى مات أبو بكر رضي الله عنه ثم أتى عمر رضي الله عنه فبايعه ورجع إلى ديار قومه . وسار خالد لقتال بني حنيفة ومسيلمة. وكانت امرأة تُعرف بسجاح ابنة الحارث قد تنبأت في بني تغلب وسارت إلى مسيلمة الكذاب فتزوجت به وأقامت عنده ثلاثاً ثم انصرفت إلى قومها ، ثم هزم الله بني حنيفة وقتل مُسيلمة الكذاب ، قتله وحشي قاتل حمزة . ولما فرغ خالد ، رضي الله عنه، من أمر اليمامة كتب إليه أبو بكر الصديق ، رضي الله عنه ، يأمره بالمسير إلى العراق ، فسار وصالح أهل الحيرة على جزية حملها إلى المدينة ، وكانت أوّلَ جزية حملت إليها . وقال أبو بكر رضي الله عنه لخالد حين بعثه إلى أهل الردة : احرص على الموت توهب لك الحياة ، ففتح الأنبار وعين التمر وأنفذ السبي إلى المدينة ، وسار إلى دومة الجندل فقتل وسبى ، ثم وجه أبو بكر رضي الله عنه الجيوش إلى الشام، وأمر خالداً بالمسير إليها ، وفتحت بصرى في خلافته ، وهي أول مدينة فتحت بالشام . ٦٧ وحج بالناس سنة اثنتي عشرة ، وهي السنة الثانية من خلافته وولي الأولى عمر رضي الله عنه . ومات أبو قحافة والد أبي بكر بعد موت أبي بكر رضي الله عنه بسنة ، وقيل تسعة اشهر، وذلك في سنة أربع عشرة، وسِنتُّهُ سبع وتسعون سنة ، وكان إسلامه يوم فتح مكة ، وكان يوم مات أبو بكر رضي الله عنه بمكة ، ولم يلِ الخلافة من أبوه حي غير أبي بكر رضي الله عنه . وهو أول من جمع القرآن الكريم بين اللوحين ، وذلك أن المسلمين لما اصيبوا باليمامة خاف أبو بكر ، رضي الله عنه ، أن يفنى قراء القرآن - وإنما كان في صدور الرجال - فجمعه وجعله بين اللوحين وسمّاه مصحفاً، ولم يزل عنده إلى أن مات ، وبقي عند عمر ، رضي الله عنه، إلى أن مات ، وبقي عند حفصة ابنته . ولما احتضر أبو بكر رضي الله عنه استخلف على المسلمين عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه، ووصّاه، فكان من وصيته ان قال : هذا ما وصى به أبو بكر ابن أبي قحافة عند آخر عهده من الدنيا وأول عهده بالآخرة ؛ إني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ، فإن برّ وعدل فذاك ظني به ورجائي فيه ، وان غيّر وبدّل فلا علم لي بالغيب ، والخير أردت ، ولكل امرىء ما اكتسب، ﴿وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون ﴾ . ووصل الخبر بموت أبي بكر رضي الله عنه إلى الشام وخالد بن الوليد على دمشق يحاصرها ، وفي اليوم الثاني من ورود الخبر فتحت دمشق . وكان خالد رضي الله عنه أخفى خبر موته إلى أن فتح دمشق. واختلفوا في سبب مرضه الذي مات فيه، فقيل: سَمَّتْهُ يهودية ، وقيل اغتسل في يوم بارد فحمّ ومرض خمسة عشر يوماً، وكان عمر رضي الله عنه يصلي بالناس حين ثقل . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة يركب وأبو بكر رضي الله عنه رديفه، وهو أسنّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر ، رضي الله عنه، يعرف الطريق لاختلافه إلى الشام ، فكان يمر ٦٨ بالقوم فيقولون : من هذا بين يديك يا أبا بكر ؟ فيقول : هادٍ يهديني . وهذا الحديث يدل على أنه أسنّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورأى أبو بكر رضي الله عنه رجلً بيده ثوب فقال: أهو للبيع ؟ قال : لا أصلحك الله، فقال: هلا قلت: لا، وأصلحك الله لئلا يشتبه الدعاء لي بالدعاء علي ؟ وقال لرجل قال له : لأشتمنّك شتماً يدخل معك قبرك ، قال : معك يدخل والله لا معي . ومدح قوم أبا بكر رضي الله عنه فقال: الله أعلم بي مني بنفسي، وأنا أعلم بنفسي منكم ، فاستغفروا الله مما لا تعلمون ، وأسأله أن لا يؤاخذكم بما تقولون ، وأن يجعلني خيراً مما تظنون . وحكي أن أبا بكر رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بصدقته فأخفاها فقال : يا رسول الله ، هذه صدقتي ولله عندي معاد ، وجاء عمر رضي الله عنه بصدقته فأظهرها وقال: يا رسول الله، هذه صدقتي ولي عند الله المعاد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمر، وترت قوسك بغير وتر، ما بين صدقتيكما كما بين كلمتيكا . أولاده لصلبه وأعقابهم : عبد الله بن أبي بكر وأسماء بنت أبي بكر وأمها قتيلة من بني عامر بن لؤي، وعبد الرحمن وعائشة وأمهما أم رومان بنت الحارث ابن الحويرث من بني فراس بن غنم بن كنانة ، ومحمد بن أبي بكر أمه أسماء بنت عميس ، وأم كلثوم أمها بنت زيد بن خارجة - رجل من الأنصار . (82) فأما عبد الله بن أبي بكر فإِنه شهد الطائف مع النبي صلى الله عليه وسلم فجرح وبقي إلى خلافة أبيه ومات وترك سبعة دنانير فاستكثرها أبوه رضي الله عنه . وولد عبد الله إسماعيل ، وهلك ولا عقب له . (83) وأما أسماء فهي ذات النطاقين وتزوجها الزبير بمكة فولدت له عدة أولاد ، ثم طلقها فكانت مع عبد الله ابنها حتى قتل ، وبقيت مائة سنة حتى عميت وماتت بمكة رضي الله عنها . وأما عائشة رضي الله عنها فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم - وقد تقدم ذكرها في هذا الحرف - . (84) وأما عبد الرحمن بن أبي بكر فشهد يوم بدر مع المشركين ثم أسلم ٦٩ وحسن إسلامه ومات فجأة سنة ثلاث وخمسين بحبل بقرب مكة ، فأدخلته عائشة الحرم ودفنته وأعتقت عنه. وكان شهد الجمل معها، ويكنى أبا عبد الله. (85) وأما أم كلثوم فتزوجها طلحة بن عبيد الله فولدت له محمداً وكان عاملاً على مكة . وولدت له زكريا وعائشة ، ثم قتل عنها فتزوجها عبد الرحمن ابن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي - الآتي ذكره - ولطلحة عقب كثير وهم ينزلون بالقرب من المدينة ، وكانت بنت محمد بن طلحة عند سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس. (86) وأما محمد بن عبد الرحمن فولد عبد الله بن محمد وله عقب يقال لهم آل أبي عتيق من بين ولد أبي بكر وذلك أن عدةً من ولد أبي بكر تفاضلوا فقال أحدهم: أنا ابن الصدّيق، وقال الآخر : أنا ابن ثاني اثنين، وقال آخر : أنا ابن صاحب الغار ، وقال محمد بن عبد الرحمن: أنا ابن عتيق ، فنسب إلى ذلك هو وولده إلى اليوم . وأما محمد بن أبي بكر فسيأتي ذكره في حرف الميم إن شاء الله تعالى١. (87) مواليه : بلال بن أبي رباح وأمه حمامة، وكان من مولدي السراة فيما بين اليمن والطائف ، وكان لرجل من بني جمح فاشتراه أبو بكر رضي الله عنه بخمس أواقي وأعتقه ، وكان من المعذبين في الله عز وجل ، وشهد بلال بدراً والمشاهد كلها، وهو أول من أذَّن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى أبي بكر رضي الله عنه فاستأذنه إلى الشام فأذن له ، فلم يزل مقيماً بها ولم يؤذن بعد النبي صلى الله عليه وسلم لأحد منهم ، فلما قدم عمر رضي الله عنه إلى الشام لقيه فأمره بالأذان فأذّن ، فبكى عمر والمسلمون معه . وكان بلال يكنى أبا عبد الله، وكان شديد الأدمة نحيفاً طوالاً خفيف العارضين به شمط كبير وكان لا يغيّر شيبه . مات بدمشق سنة عشرين وهو ابن بضع وستين سنة ، رحمه الله تعالى . کتابه : عثمان بن عفان رضي الله عنه وزيد بن ثابت . ١ هذا ما تقوله النسخة ص ، وتراجم حرف الميم منها مفقودة، أما سائر النسخ فلم تورد لمحمد بن أبي بكر ترجمة . ٧٠ قاضيه : عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وقيل انه أقام سنة لم يختصم إليه أحد . حاجبه : شديد مولاه . وكان خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده . ٣٤٠ عبد الله بن الزبير أبو خبيب عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي ، وامه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم ذات النطاقين - وقد تقدم ذكرها مع ابيها ؛ وهو أول مولود ولد بالمدينة من المسلمين بعد الهجرة . بويع له بمكة سنة أربع وستين بعد أن أقام الناس بغير خليفة جماديين وأياماً من رجب ، وبايعه أهل العراق، وولى أخاه مصعباً البصرة، وولّى عبد الله بن مطيع الكوفة فوثب المختار بن أبي عبيد على الكوفة فأخذها ، ووجه شميطاً إلى البصرة فقتله مصعب ، وسار مصعب إلى المختار فقتله في سنة سبع وستين . وبنى ابن الزبير الكعبة وادخل فيها الحجر وجعل لها بابين مع الأرض يدخل من احدهما ويخرج من الآخر، وخلَّقَ داخل الكعبة وخارجها فكان أول من خلَّقها وكساها القباطيّ . وولى أخاه عبيدة بن الزبير المدينة ، واخرج مروان بن الحكم وبنيه منها فصار إلى الشام ولم يزل يقيم للناس الحج من سنة أربع وستين إلى سنة اثنتين ......... ٣٤٠ - انفردت ص بهذه الترجمة، ويقال فيها ما قيل في التي تقدمتها، وأخبار عبد الله بن الزبير في كتب الصحابة وكتب التاريخ، وانظر أنساب الأشراف ( الجزءين الرابع والخامس ) والقوات ١ : ٤٤٥ والعقد الثمين ٥: ١٤١ وغاية النهاية ١ : ١٩؛ وورود ترجمته في الفوات وهو استدراك على ابن خلكان ربما يؤكد أن الكتبي لم ير نسخاً من الوفيات تحتوي ترجمته . ٧١ وسبعين ، فلما ولي عبد الملك منع أهل الشام من الحج من أجل ابن الزبير : كان يأخذ الناس بالبيعة له إذا حجوا ، فضج الناس لما منعوا الحج ، فبنى عبد الملك في بيت المقدس الصخرة ، فكان الناس يحضرونها يوم عرفة ويقفون عندها، ويقال إن ذلك سبب التعريف من مسجد بيت المقدس ومساجد الأمصار . وذكر الجاحظ في كتاب ((نظم القرآن)) أن اول من سنّ التعريف في مساجد الأمصار عبد الله بن عباس ؛ وذكر أبو عمر الكندي١ ان عبد العزيز بن مروان أول من سنّ التعريف بمصر في الجامع بعد العصر . ثم بعد ذلك بعث عبد الملك الحجاج إلى عبد الله بن الزبير ، وسبب ذلك أن عبد الملك لما قتل مصعباً وابنه عيسى وأراد الرجوع إلى الشام قام إليه الحجاج فقال : يا أمير المؤمنين اني رأيت في منامي أني أخذت عبد الله بن الزبير فسلخته فابعثني إليه وولني عليه ، فبعثه في جيش من أهل الشام كثيف ، فنزل الطائف ، وكان يبعث البعوث فيقاتلون ابن الزبير ، ففي ذلك كله ترجع خيل الحجاز بالظفر ، ثم كتب الحجاج إلى عبد الملك يستأذنه في دخول الحرم عليه وحصاره ، وأخبره أن شوكته قد كلّت ، فأذن له في ذلك ، فلما دخل ذو القعدة رحل الحجاج من الطائف حتى نزل بئر ميمون وحصر ابن الزبير . وأمدّ عبد الملك الحجاج لهلال ذي الحجة ، ولم يطف بالبيت ولم يصل إليه ، وكان يلبس السلاح ولا يمسّ النساء ولا الطيب إلى أن قتل ابن الزبير . ولم يحج ابن الزبير ولا أصحابه في هذه السنة لأنهم لم يقفوا بعرفة ، وحج الحجاج في هذه السنة ثم حصر ابن الزبير ثمانية اشهر ، فتفرق عامة من كان معه وخرجوا إلى الحجاج في الأمان حتى بلغ عدة المستأمنة عشرة آلاف ، وكان في جملتهم ابنا عبد الله بن الزبير ، أخذا أماناً لنفسيهما . فلما رأى عبد الله بن الزبير ما رأى من ولده وأصحابه دخل على أمه اسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما فقال: يا أمه ، قد خذلني الناس حتى ولدي وأهلي ولم يبقَ إلا اليسير ممن ليس عنده من الدفع إِلا صبر ساعة، ١ انظر ص : ٥٠ من كتاب الكندي. ٧٢ والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا ، فما رأيك؟ فقالت: والله يا بُنيَّ أنت أعلم بنفسك ؛ ان كنت تعلم أنك على حق فامضٍ له فقد قتل عليه أصحابك ، وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت أهلكت نفسك ومن قتل معك ، وان قلتَ إني على حق فلما وهن أصحابي ضعفت فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين . فدنا ابن الزبير فقبّل رأسها وقال: هذا رأيي ولكن أحببت أن اعلم رأيك فزدتني بصيرة ، فانظري يا أماه إني مقتول من يومي هذا فلا يشتدّ حزنك وسلمي لأمر الله فإن ابنك لم يتعمد اتيان منكر ولا عمل بفاحشة ، ولم يَجُرْ في حكم ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد ، اللهم إني لا اقول هذا تزكية لنفسي ولكن تعزية لأمي لتسلو عني . فقالت أمه : إني لأرجو أن يكون عزائي فيك حسناً ؛ اخرج حتى انظر إلى ما يصير إليه أمرك ، ثم قالت : اللهم ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل وذلك التحنث والظمأ في الهواجر بالمدينة ومكة وبره بأبيه وبي ؛ اللهم قد اسامته لأمرك فيه ورضيت بما قضيت فأثبني في عبد الله ثواب الشاكرين الصابرين . ثم دنا فتناول يدها فقبّلها فقالت: هذا وداع فلا تبعد . وكان عليه درع فلما عانقها وجدت مس الدرع فقالت : ما هذا صنيع من يريد ما تريد ، قال: ما لبستها إِلا لأشدّ منك، قالت: فإنها لا تشدّ مني، فنزعها ثم أدرج كميه وأدخل أسفل قميصه وجبة خز كانت عليه من اسفل المنطقة وخرج ، وقد كبّر الناس ، فحمل عليهم فلم يبقَ بين يديه أحد ، وانهزم الناس ووقف بالأبطح لا يدنو منه أحد . وكان الحجاج وطارق ابن عمرو جميعاً في ناحية الأبطح إلى المروة والناس لكل طائفة منهم باب ، فمرة يحمل عبد الله في هذه ومرة في هذه وكأنه أسد في اجمة ، فلما كان يوم الثلاثاء أذّن المؤذّن فتقدم فصلتى بالناس ، فلما فرغ من الصلاة أمر أهله وحضهم على القتال ثم قال لهم في جملة كلامه : ألا من كان سائلاً عني فاني في الرعيل الأول ، احملوا على بركة الله وعونه، ثم حمل حتى بلغ بهم الحجون فرمي بآجرّة فأرعش لها ودمي وجهه ، فلما وجد سخونة الدم على وجهه ولحيته قال : فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على اقدامنا تقطر الدِّما وصاحت مولاة لآل الزبير مجنونة : وا امير المؤمنيناه ! وكانت رأته حيث ٧٣ هوى ، وكان قتله يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين ، وقيل جمادى الآخرة ، وكان سنه اثنتين وسبعين سنة ، رضي الله عنه؛ وجاء الخبر إلى الحجاج فسجد وجاء هو وطارق حتى وقفا عليه فقال طارق : ما ولدت النساء اذكر من هذا ، فقال الحجاج : اتمدح من يخالف طاعة أمير المؤمنين؟ قال: نعم، هو اعذر لنا ولولا هذا ما كان لنا عذر بالمحاصرة وهو في غير خندق ولا حصن ولا منعة منذ سبعة اشهر ينتصف منا بل يفضل علينا في كل ما التقينا ، فبلع كلامهما عبد الملك فصوّب رأي طارق . وحكى الشعبي قال: حضرت عبد الله بن الزبير وهو يخطب بمكة فقال في آخر خطبته: أما والله لو كانت الرجال تصرف لصرفتكم تصريف الذهب بالفضة، أما والله لوددت أن لي بكل رجلين منكم رجلاً من أهل الشام بل بكل خمسة بل بكل عشرة، فما بكم يُدْرَك الثأر ولا بكم يمنع الجار . فقام إليه رجل من أهل البصرة فقال: ما نجد لنا ولك مثلاً إلا قول الأعشى : علقتها عرضاً وعلقت رجلاً غيري وعلق اخرى غيرها الرجل علقناك وعلقت أهل الشام ، وعلق أهل الشام بني مروان فما عسانا أن نصنع ؟ قال الشعبي : فما سمعت يجواب أحضر منه ولا أحسن . ثم دخل الحجاج مكة فبايع من بها من قريش ، وبعث برأس ابن الزبير وجماعة إلى المدينة فنصبوا بها ثم ذهب بها إلى عبد الملك بن مروان فبعث عبد الملك برأس ابن الزبير الى عبد الله بن خازم الأسامي وهو بخراسان والٍ من جهة ابن الزبير ، وكتب إليه عبد الملك يدعوه إلى طاعته ويقول له : بايعني حتى اجعل لك خراسان طعمة سبع سنين ، فقال ابن خازم لرسوله : لولا ان الرسل لا تُقتل لأمرت بضرب عنقك، ولكن كُلْ كتاب صاحبك ، فأكله ، ثم أخذ الرأس فغسله وطيّبه وكفنه ودفنه، وقيل: إنه بعث به الى آل الزبير الى المدينة فدفنوه مع جثته ، ثم قال : أعيش زبيري الحياة فإن أمت فإنّيَ موصٍ هامتي بالتزبَرِ ثم ان عبد الملك بن مروان ولّى الحجاج مكة واليمن واليمامة فنقض الحجاج ٧٤ بنيان الكعبة الذي بناه ابن الزبير لأنه كان تخلخل من حجارة المنجنيق ، فأعاده إلى بناء قريش الأول . ولما توفي بشر بن مروان كتب عبد الملك إلى الحجاج بن يوسف وهو بالمدينة بوفاته فأقبل في اثني عشر راكباً على النجائب حتى دخل الكوفة فجأة فبدأ بالمسجد فدخله ثم صعد المنبر ، وستأتي تتمة الكلام١ . وقيل إن عبد الله بن الزبير قال لأمه اسماء : اني لا آمن إِن قُتلت أن يُمثّل بي وأُصلب، قالت: يا بني ان الشاة إذا ذمحت لم تألم السلخ . وماتت أمه بعده بخمسة أيام ولها مائة سنة رضي الله عنها ، وكان سلطانه بالحجاز والعراق تسع سنين واثنين وعشرين يوماً رضي الله عنه٢ . ١ قلت : قد جاء طرف من ذلك في ترجمة الحجاج . ٢ بعد هذه الترجمة (وهي رقم ٣٣٩ عند وستنفيلد ولم يثبت منها إلا العنوان) أثبت وستنفيلد عناوين التراجم الآتية : ٣٤٠ - أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عباس توفي سنة ١٥٨، قال الدولابي : وله ثلاث وستون سنة . ٣٤١ - أبو جعفر عبد الله بن أحمد القادر بالله . ٣٤٢ - أبو العباس عبد الله بن هارون الرشيد توفي سنة ٢١٨ وعمره ثمان وقيل تسع وأربعون سنة . ٣٤٣ - أبو عمرو عبد الله بن قيس الملائي توفي سنة ١٤٦. ٣٤٤ - أبو هفان عبد الله بن أحمد بن حرب المهزمي الشاعر . ٥ ٣٤ - أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب توفي سنة ١٣٦ عن اثنتين وثلاثين سنة . ٣٤٦ - أبو عبد الرحمن عبد الله بن عبد العزيز العمري توفي سنة ١٨٤ وهو ابن ست وستين سنة . ٣٤٧ - أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب توفي بمكة سنة ٧٣ وقيل سنة ٧٤ وعمره أربع وثمانون سنة . والترجمة الأخيرة قد وردت رقم ٣٢١ من هذا الجزء وقلنا انها لم ترد في المخطوطات التي اعتمدناها؛ أما التراجم الأخرى فليس لها وجود في النسخ الخطية المعتمدة ورقم ٣٤٠ ترجمة أبي جعفر المنصور وهذه الترجمة واردة دون ريب في الجزء الثاني من مخطوطة آيا صوفيا (ص) ولكن هذا الجزء مفقود فيما يبدو وقد جاء في آخر الجزء الأول («يتلوه في الجزء الثاني (ترجمة) = ٧٥ ٣٤١ عبد الله بن المعتز أبو العباس عبد الله بن المعتز بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي؛ أخذ الأدب عن أبي العباس المبرد وأبي العباس ثعلب وغيرهما ، كان أديباً بليغاً شاعراً مطبوعاً مقتدراً على الشعر قريب المأخذ سهل اللفظ جيد القريحة حسن الإبداع للمعاني مخالطاً للعلماء والأدباء معدوداً من جملتهم ، إلى أن جرت له الكائنة في خلافة المقتدر، واتفق معه جماعة من رؤساء الأجناد ووجوه الكتّاب فخلعوا المقتدر يوم السبت لعشر بقين ، وقيل لسبعٍ بقين من شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين ومائتين ، وبايعوا عبد الله المذكور ولقبوه المرتضي بالله، وقيل المنصف١ بالله ، وقيل الغالب بالله ، وقيل الراضي بالله ، وأقام يوماً وليلة، ثم إن أصحاب المقتدر تحزبوا وتراجعوا وحاربوا أعوان ابن المعتز وشتتوهم٢، وأعادوا المقتدر إلى دَسْتِهِ، واستخفى ابن المعتز في دار أبي عبد = أبي جعفر المنصور» وهي من مستدركات الكتب في الفوات (١: ٤٨٧) وكذلك الترجمة رقم ٣٤٢ (الفوات ١: ٥٠١) وكذلك الترجمة رقم ٣٤٥ (الفوات ١: ٤٨٦)؛ وربما كانت هذه التراجم جميعاً في الجزء الثاني من مخطوطة (ص) . ٣٤١ - وقعت هذه الترجمة في ص بعد ترجمة ابن الفرضي متأخرة عن هذا الموضع ، وهي في المسودة وسائر النسخ بعد ترجمة ابن شاس المتقدم الذكر (رقم: ٣٣٧). قلت: وانظر ترجمة ابن المعتز في تاريخ بغداد ١٠: ٩٥ والأغاني ١٠: ٢٨٦ والمنتظم ٦ : ٨٤ وأشعار أولاد الخلفاء: ١٠٧ -٢٩٦ وعبر الذهبي ٢: ١٠٤ والشذرات ٢٢١:٢ ومعاهد التنصيص ٢: ٣٨ وكتب التاريخ في حوادث سنة ٢٩٦ وفوات الوفيات ١: ٥٠٠)، وورودها في الفوات مما يستوقف النظر ، مع أنها مستوفاة بتمامها في المسودة . ١ ص : المنتصف . ٢ بعد هذا في س : وقتلوا ابن المعتز خنقاً وأعادوا المقتدر إلى دسته ، وهو مشطوب في المسودة، وقد كتب بدله النص المثبت هنا بتفصيل في الحادثة، ونسخة س لا يثبت فيها ما زيد في حواشي المسودة ، كما تقدم القول . ٧٦ الله الحسين بن عبد الله بن الحسين المعروف بابن الجصاص التاجر الجوهري ، فأخذه المقتدر وسلمه إلى مُؤْنس الخادم الخازن فقتله وسلمه إلى أهله ملفوفاً في كساء ، وقيل إنه مات حتف أنفه وليس بصحيح بل خنقه مؤنس ، وذلك يوم الخميس ثاني شهر ربيع الآخر سنة ست وتسعين ومائتين ، ودفن في خرابة بإزاء داره ، رحمه الله تعالى . ومولده لسبع بقين من شعبان سنة سبع وأربعين ، وقال سنان بن ثابت : في سنة ست وأربعين ومائتين ، والقضية مشهورة وفيها طول ، وهذا خلاصتها . (88) ثم قبض المقتدر على ابن الجصاص المذكور وأخذ منه مقدار ألفي ألف دينار ، وسلم له بعد ذلك مقدار سبعمائة ألف دينار ، وكان فيه غفلة وبَلَه ، وتوفي يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة خمس عشرة وثلثمائة . ولابن المعتز من التصانيف كتاب ((الزهر والرياض)) وكتاب ((البديع)) وكتاب ((مكاتبات الإخوان بالشعر)) وكتاب ((الجوارح والصيد)) وكتاب ((السرقات)) وكتاب ((أشعار الملوك)) وكتاب ((الآداب)) وكتاب ((حلى الأخبار))( وكتاب (طبقات الشعراء)) وكتاب ((الجامع في الغناء)) وكتاب فيه أرجوزة في ذم الصَّبُوح . ومن كلامه : البلاغة البلوغ إلى المعنى ، ولم يطل سَفَر الكلام ، وكان يقول : لو قيل لي: ما أحسن شعر تعرفه ؟ لقلت: قول العباس بن الأحنف٢ : قد سَحَبَ الناسُ أذيال الظنون بنا وفرَّق الناس فينا قولهم فِرَقا. فكاذبٌ قَدْ رَمَى بالظنِّ غيركَمُ وصادقٌ ليس يدري أنه صدقا ورفاه علي بن محمد بن بسام الشاعر - الآتي ذكره - بقوله : لله درُّك من مَيْت بِمَضْيَعَة ناهيك في العلم والآداب والحسبِ ما فيه لَوَّ ولا لولا فتنقصه وإِنما أدركته حرْفَةُ الأدبِ ... ١ سقط اسم هذا الكتاب من ص . ٢ مر هذا في ترجمة العباس ص : ٢٤ . ٧٧ ولعبد الله المذكور أشعار رائقة وتشبيهات بديعة ، فمن ذلك قوله : سقى المطيرَةَ ذاتَ الظلّ والشجرِ ودَيْرَ عبدونَ هَطّالٌ من المطرِ في غُرَّة الفجرِ والعصفورُ لم يَطِر فطالما نبهتني للصَّبُوح بها أصواتُ رهبانٍ ديرٍ في صلاتهمُ مزنْرينَ على الأوساطِ قد جعلوا کم فیہمُ من ملیح الوجه مکتحل لاحَظْته بالهوى حتى استقاد له وجاءني في قميص الليل مستقراً فقمت أفرشُ خَدِّي في الطريق له سودِ المدارع نَعّارين في السَّحَر على الرؤوس أكاليلاً من الشَّعَر بالسِّحر يُطْبق جَفنَيه على حَوَرَ طوعاً وأسلفني الميعادَ بالنظر يستعجل الخطوَ من خوف ومن حذّر ذلاً وأسْحبُ أذيالي على الأثر مثل القُلامة قد قُدَّتْ من الظُّفر ولاح ضوءُ هلال کاد یفضحُنا فظُن خيراً ولا تسأل عن الخبر وكان ما كان مما لست أذكره ومن ظريف شعره قوله ، ولم أجدها في ديوانه ، ولكن الرواة أطبقوا على أنها له ، والله أعلم : ومُقَرَطَقٍ يَسْعى إلى النُّدَماءِ بعَقِيقَةٍ فِي دُرّةٍ بَيضاء مُلقَىّ على ياقوتةٍ زَرقاء والبَدْرُ فِي أُفُقِ السّماءِ كدرْهَم عندي بلا خَوْفٍ مِن الرُّقَباء كمْ لَيْلَةٍ قَدْ سَرّني بمَبَيتِهِ ومُهَفَهَفٍ عَقَدَ الشَّرابُ لِسانَهُ حَّكَتُهُ بِيَدِي وقُلْتُلُهُ أَنتَبِهِ فأجابني والسُّكْرُ يَخفضُ صَوَتَهُ فحديثُهُ بالرّمْزِ والإيماء يا فَرحَةَ الْخُلَطاءِ والنَّدَماء بتَلَجلُجِ كتَلَجلُجِ الفأفاء إني لأفهَمُ ما تقُولُ وإِنما. غلَبَتْ عَلِيّ سُلافَةُ الصَّهْباء دعني أفِيقُ مِنَ الخُمَارِ إِلى غَدٍ واحكم بما تختار يا مَوْلائي! ١ سقط البيت من جميع النسخ ما عدام . ٧٨ وله في الخمرة المطبوخة ، وهو معنى بديع وفيه دلالة على أنه كان حنفي المذهب : خَلَيْليَّ قَدْ طابَ الشّرابُ المُوَرَّدُ وقد عُدتُ بَعدَ النُّسكِ والعَودُ أحمَدُ كَيَاقُوتَةٍ فِي دُرَّةٍ تَتَوقّد فهاتا عُقاراً في قميصٍ زُجَاجَةٍ لهُ حَلَقٌ بِيضٌ تُحَلُ وتُعْقَد يَصُوغُ عَلَيْها الماءُ شُبّاكَ فِضَّةٍ وقَتنيَ من نار الجحيم بنفسها وذلك من إحسانها ليس يُحْحَد وكان ابن المعتز شديد السمرة مسنون الوجه يخضب بالسواد . ورأيت في بعض المجاميع أن عبد الله بن المعتز المذكور كان يقول١: أربعة من الشعراء سارت أسماؤهم بخلاف أفعالهم ، فأبو العتاهية سار شعره بالزهد وكان على الإلحاد ، وأبو نواس سار شعره باللواط وكان أزنى من قرد ، وأبو حكيمة الكاتب سار شعره بالعُنَّة وكان أهَبَّ من تيس ، ومحمد بن حازم سار شعره بالقناعة وكان أحرص من كلب . وقد رويتُ لابن حازم خبراً يخالف حكاية ابن المعتز ويوافق شعره٢، وذلك أنه كان جار سعيد بن حميد الكاتب الطوسي، فهجاه لأمر كان بينهما ، فبلغ سعيداً هجوه ، فأغضى عنه مع القدرة . ثم إن محمداً ساءت حاله فتحول عن جواره ، فبلغ ابن حميد ذلك ، فبعث إليه عشرة آلاف درهم وتُحُوتَ ثياب وفرساً بآلته ومملوكاً وجارية، وكتب إليه «ذو الأدب يحمله ظَرْفه على نعت الشيء بغير هيئته ، وتبعثه قدرته على وصفه بخلاف٣ حليته ، ولم يكن ما شاع من هجائك فيَ جارياً إلا هذا المجرى، وقد بلغني من سوء حالك وشدة خَلَّتك ما لا غضاضة به عليك مع كبر همتك وعظم نفسك ، ونحن شركاء فيما ملكنا ومتساوون فيما تحت أيدينا، وقد بعثتُ إليك بما جعلته وإن قلَّ: استفتاحاً لما ١ انظر طبقات الشعراء : ٣٠٨ - ٣٠٩. ٢ وردت هذه الحكاية أيضاً في طبقات الشعراء: ٣٠٩ وصدّرها المؤلف بقوله: وذكر على خلاف ما وصفنا من حرصه وكلبه فعل عجيب ... الخ . ٣ ر : بغير . ٧٩ بعده وإن جلَّ )). فردّ ابن حازم جميعه ولم يقبل منه شيئاً وكتب إليه : وفَعَلَتَ بِي فِعِلَ المهلّبِ إِذْ غَمَرَ الفرزْدَقَ بالندى الدّثْرِ كلاّ ورَبِّ الشفعِ والوتْر فبَعَثْتَ بالأموالِ تُرْغبني ألبستُهُ عاراً على الدّهْر لا ألبس النعماءَ مِنْ رَجُلٍ وهذا دليل على قناعته وحسن صبره واحتماله الإضاقة . (89) وهذا سعيد بن حميد يكنى أبا عثمان ، وكان كاتباً شاعراً مترسلاً عذب الألفاظ مقدماً في صناعته جيد السرقة ، حتى قال بعض الفضلاء : لو قيل لكلام سعيد وشعره : ارجع إلى أهلك ، لما بقي معه منه شيء. وكان يدعي أنه من أولاد ملوك الفرس، وله من الكتب: كتاب (( انتصاف العجم من العرب))، ويعرف بالتسوية١، وله ديوان رسائل، وديوان شعر صغير٢ . والمطيرة : بفتح الميم وكسر الطاء المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعد الراء المفتوحة هاء ، وهي قرية من نواحي سُرّ من رأى. وعبدون الذي يضاف الدير إليه، فيقال (( دير عبدون)»، هو ابن مخلد وهو أخو الوزير صاعد بن مخلد، وإنما أضيف إليه لأنه كان كثير التردد إليه ، والمقام فيه ، والعناية بعمارته ، وهو إلى جنب المطيرة ، ودير عبدون أيضاً : قرب جزيرة ابن عمر ، بينهما دجلة ، وقد خرب الآن ، وكان متنزّهاً لأهلها . وقوله (( ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا )) ، مأخوذ من قول عمرو بن قميئة في صفة الهلال٣ : كأنَّ ابنَ مُزْنتها جانحاً فسيط لدى الأفقِ من خِنصرٍ والفسيط : قُلامة الظفر . ١ ويعرف بالتسوية : سقط من ر . ٢ هنا تنتهي الترجمة في المسودة وص س؛ وانظر ترجمة سعيد بن حميد في الأغاني ٩٠:١٨-١٠٢. ٣ التاج واللسان (فسط)، وروى ابن دريد كأن ابن ليلتها وقال: يعني بذلك هلالا بدا في الجدب والسماء مغبرة، ومن رواه ابن مزنتها قال: أراد هلالاً أهلّ بين السحاب في الأفق الغربي . ٨٠