Indexed OCR Text
Pages 481-500
وماكسين من بلد الخابور . (60) وخلف جماعة من الاولاد، فقام مقامه في الملك ولده الملك المنصور ناصر الدين إبراهيم . ولم يزل حتى توفي يوم الجمعة عاشر صفر سنة أربع وأربعين وسمائة بالنيرب من غوطة دمشق، ونُقل إلى حمص ، ودفن ظاهر البلد في مسجد الخضر عليه السلام من جهتها القبلية . (61) وترتب مكانه ولده الملك الأشرف مظفر الدولة أبو الفتح موسى . وأخبرني الأشرف المذكور بدمشق في أواخر سنة إحدى وستين وستمائة أن مولده في السنة التي كسر فيها الخوارزمية بالروم، وأن والده بُثْرَ به وهم راجعون من هناك . وكانت الوقعة في شهر رمضان سنة سبع وعشرين وستمائة حَسما هو مشروح في ترجمة الأشرف بن العادل، وقال لي: إن والده لمَّا بُشْر به قال الملك الأشرف بن العادل : يا خوند قد زاد في مماليكك واحد ، فقال : سمّه باسمي ، فسماه الأشرف مظفر الدين أبا الفتح موسى . وكانت وفاة الأشرف بن المنصور المذكور بحمص يوم الجمعة عاشر صفر سنة اثنتين وستين وستمائة ، ودفن عند قبر أسد الدين شير كوه جده داخل حمص ، فيكون تقدير ولادته في شَؤال أو ذي القعدة سنة سبع وعشرين . وشير كوه : لفظ عجمي تفسيره بالعربي أسد الجبل، فشير: أسد ، وكُوه: جبل . وحَجَّ شير كوه في سنة خمس وخمسين وخمسمائة من دمشق على طريق تيماء وخيبر ، وفي تلك السنة حج زين الدين عليّ بن بكتكين على طريق العراق ، واجتمع بالخليفة . ٣١ - ٢ ٤٨١ حَرْفُ الصَّادِ م ٢٩٩ أبو عمر الجرمي أبو عمر١ صالح بن إسحاق الجَرْمِيُّ النَّحويُ؛ كان فقيهاً عالماً بالنحو واللغة ، وهو من البصرة وقدم بغداد ، وأخذ النحو عن الأخفش وغيره ، ولقي يونس بن حبيب ولم يلقَ سيبويه ، وأخذ اللغة عن أبي عُبَيْدة وأبي زيد الأنصاري والأصمعي وطبقتهم٢. وكان ديّناً ورعاً حسن المذهب صحيح الاعتقاد، روى الحديث ، وله في النحو كتاب جيد يُعرف بـ ((الفرخ))، معناه٣ فرخ كتاب سيبويه ، وناظَرَ ببغداد الفراء . وحَدَّثَ أبو العباس المبرد عنه قال: قال لي أبو عمر: قرأت ديوان الهُذَليين على الأصمعي ، وكان أحفظ له من أبي عبيدة ، فلما فرغت منه قال لي : يا أبا عمر، إذا فات الهذلي أن يكون شاعراً أو رامياً أو ساعياً فلا خير فيه . وكان يقول في قوله تعالى: ﴿ولا تَقْفُ ما ليس لك به علم ﴾ قال : لا تقل سمعت ولم تسمع، ولا رأيت ولم تَرَ، ولا علمت ولم تعلم ﴿إِنَّ السمع والبصر والفؤاد كلُّ أولئك كان عنه مسؤولاً﴾ ( الاسراء : ٣٦). وقال المبرد ايضاً : كان الجَرْمي أثبتَ القوم في كتاب سيبويه ، وعليه قرأت الجماعة . ٢٩٩ - ترجمة صالح الجرمي في معجم الأدباء ١٢: ٥ وبغية الوعاة: ٢٦٨ وانباه الرواة ٨٠:٢ وتاريخ بغداد ٩ : ٣١٣ وشذرات الذهب ٢: ٥٧ وغاية النهاية ١: ٣٣٢ والفهرست : ٥٦ ونزهة الألباء : ٩٨ وقد جاءت هذه الترجمة في المسودة دون نقص . ١ ج ھـ : أبو عمرو (حيثما وقع). ٢ وطبقتهم : سقطت من ص . ٣ ج د : يعني . ٤٨٥ وكان عالماً باللغة حافظاً لها، وله كتب انفرد بها ، وكان جليلاً في الحديث والأخبار، وله كتاب في السير عجيب وكتاب ((الأبنية)) وكتاب ((العَروض)) ومختصر في النحو١ وكتاب ((غريب سيبويه)). وذكره الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في ((تاريخ أصبهان))٢. وكانت وفاته سنة خمس وعشرين ومائتين ، رحمه الله تعالى . والجَرْمي - بفتح الجيم وسكون الراء وبعدها ميم - هذه النسبة إلى عدة قبائل كل واحدة يقال لها جَرْم ، ولا أعلم إلى أيها ينسب أبو عمر المذكور ، ولم يكن منهم وإنما نزل فيهم فنسب إليهم، ثم وجدت في كتاب (( الفهرست ))٣ تأليف أبي الفرج محمد بن إسحاق المعروف بابن أبي يعقوب الوراق النديم البغدادي أن أبا عمر المذكور مولى جَرْم بن رَبَّان ، وفي كتاب السمعاني أن ربان بالراء والباء الموحدة المشددة ، وهو ربان بن عمران بن الحاف بن قضاعة القبيلة المشهورة، وقيل إنه مولى بجيلة أيضاً . وفي بجيلة جَرْم بن علقمة بن أمار ، والله أعلم بالصواب؛ . وما أحسن قول زياد الأعجم في هجو جَرْمْ : تكلفني سويقَ الكرم جَرْمٌ وما جَرْمٌ وما ذاك السويقُ وما شَرَبَتْهُ جَرْمٌ وَهْوَ حِلّ ولا غالَتْ بِهِ مُذْ كانَ سُوق فلمَّا أُنْزِلَ التحريمُ فيها إذا الجرميُّ منها لا يُفِيق وكَنَّى بالسويق عن الخمر ، وفي ذلك كلام يطول شرحه فأضربت عنه ، ١ ومختصر في النحو : سقط من ص . ٢ انظر تاريخ أصبهان ١ : ٣٤٦. ٣٠ الفهرست : ٥٧ . ٤ ثم وجدت ... بالصواب : سقطت من س . • زياد الأعجم: من شعراء العصر الأموي كانت به لكنة ولذلك سمي الأعجم، وقيل سمي الأعجم لكثرة لحنه بسبب سكناه بفارس إذا كان ينزل إصطخر . وأبياته في الشعر والشعراء: ٣٤٥ وانظر الأغاني ١٤: ٩٨ ومعجم الأدباء ٤ : ٢٢١ والمؤتلف: ١٣١ والخزانة ٤ : ١٩٢ والشعر والشعراء: ٣٤٣. ٤٨٦ وحاصل ما قالوه أن الشاعر كنى عن الخمر بالسويق لانسياقها في الحلق ، فسماها سويقاً لذلك . ٣٠٠ صالح بن مرداس أسد الدولة أبو علي صالح بن مِرْداس بن إدريس بن نصر بن حميد بن مدرك ابن شداد بن عبد قيس بن ربيعة بن كعب بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب ابن ربيعة بن عامر بن صَعْصَعَة بن مُعَاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عِكْرِمِة بن خَصَفة بن قيس عَيْلان بن مُضَر بن نزار بن مَعَدّ بن عدنان ، الكلابي ؛ كان من عرب البادية ، وقصد مدينة حلب وبها مُرْتَضَى الدولة ابن لؤلؤ الجراحي غلام أبي الفضائل ابن سعد الدولة نصر بن سيف الدولة بن حَمْدان نيابة عن الظاهر بن الحاكم العُبَيْدي صاحب مصر ، فاستولى عليها وانتزعها منه، وكان ذا بأس وعزيمة وأهل وعشيرة وشَوْكة، وكان تملكه لها في ثالث عشر ذي الحجة سنة سبع عشرة وأربعمائة ، واستقر بها ورتب أمورها ، فجهز إليه الظاهر المذكور أمير الجيوش أنوشتكين الدّزْبِرِي في عسكر كثيف- والدزبري بكسر الدال المهملة والباء الموحدة وبينهما زاي وفي الآخر راء ، هذه النسبة إلى دزبر بن أويتم الديلمي وهو بالدال وبالتاء ، أيضاً ، وكان بدمشق نائباً عن الظاهر ، وكان ذا شهامة وتقدمة ومعرفة بأسباب الحرب - فخرج متوجهاً إليه ، فلما سمع صالح الخبر خرج إليه ، وتقدم حتى تلاقيا على الأقحوانة فتصافًا وجرت بينهما مقتلة انجلت عن قتل أسد الدولة صالح المذكور ، وذلك في جمادى الأولى سنة عشرين ، وقيل تسع عشرة وأربعمائة ، رحمه الله تعالى . ٣٠٠ - أخبار صالح بن مرداس في ابن الأثير (جـ: ٩) وابن خلدون ٤: ٢٧١ وزبدة الحلب (١: ٢٧٧) ؛ وقد استوفت المسودة جميع هذه الترجمة . ٤٨٧ وهو أول ملوك بني مرداس المتملكين لحلب . وسيأتي ذكر حفيده نصر إن شاء الله تعالى في ترجمة ابن حَيُّوس الشاعر . ومرداس : بكسر الميم وسكون الراء وفتح الدال المهملة وبعد الألف سين مهملة . والأقحوانة : بضم الهمزة وسكون القاف وضم الحاء المهملة وفتح الواو وبعد الالف نون مفتوحة ثم هاء ساكنة ، وهي بُليدة بالشام من أعمال فلسطين بالقرب من طبرية . وبالحجاز أيضاً بُليدة يقال لها الأقحوانة كان يسكنها الحارث بن خالد بن العاصي بن هشام بن المغيرة المخزومي ، وفيها يقول من جملة أبيات١: مَنْ كان يسأل عنًا أين منْزِلُنا فالأقحوانة منَّا منزل قَمنُ إذ نلبسُ العيش صفواً لا يكدّره طعنُ الوشاة ولا يَنْبُوبنا الزَّمِنُ ٣٠١ صاعد البغدادي اللغوي أبو العلاء صاعد بن الحسن بن عيسى الرَّبَعِيُّ البغدادي اللغوي صاحب كتاب ((الفصوص))؛ روى بالمشرق عن أبي سعيد السيرافي وأبي علي الفارسي وأبي سليمان الخطابي، ورحل إلى الأندلس في أيام هشام بن الحكم وولاية المنصور ابن أبي عامر في حدود الثمانين والثلثمائة ، وأصله من بلاد الموصل، ودخل بغداد، وكان عالماً باللغة والأدب والأخبار سريع الجواب حسن الشعر طيب المعاشرة مُنْتِعاً، فأكرمه المنصور وزاد في الإحسان إليه والإفضال عليه ، وكان مع ذلك ١ انظر الاغاني ٣ : ٣٢٠ . ٢٠١ - ترجمة صاعد البغدادي في الذخيرة ١/٤: ٢ وانباه الرواة ٢: ٨٥ والجذوة : ٢٢٣ وبغية الوعاة: ٢٦٧ ونفح الطيب ٣ : ٧٥ (رقم : ٥٩). ٤٨٨ محسناً للسؤال حاذقاً في استخراج الأموال، وجمع له كتاب ((الفصوص )» نحا فيه منحى القالي في أماليه ، وأثابه عليه خمسة آلاف دينار ، وكان يُتَّهم بالكذب في نقله ، فلهذا رَفَضَ الناس كتابه . ولما دخل مدينة دانِيَةَ وحضر مجلس الموفق مجاهد بن عبد الله العامري أمير البلد كان في المجلس أديب يقال له بشار ، فقال للموفق مجاهد : دعني أعبث بصاعد ، فقال له مجاهد : لا تتعرض إليه فإنه سريع الجواب ، فأبى إلا مشاكلته١، فقال له بشار، وكان أعمى: يا أبا العلاء ، فقال: لبّيك، فقال: ما الْجَرَ نْفُلُ في كلام العرب ؟ فعرف أبو العلاء أنه قد وضع هذه الكلمة وليس لها أصل في اللغة ، فقال له بعد أن أطرق ساعة : هو الذي يفعل بنساء العميان ولا يفعل بغيرهن ، ولا يكون الجرنقل جرنفلاً حتى لا يتعداهن إلى غيرهن ، وهو في ذلك كله يصرح ولا يكني ، قال : فخجل بشار وانكسر ، وضحك مَنْ كان حاضراً ، فقال له الموفق: قلتُ لك لا تفعل فلم تقبل . وتوفي صاعد المذكور سنة سبع عشرة وأربعمائة بصقلية ، رحمه الله . ولما ظهر٣ّ للمنصور كذبه في النقل٣ وعدم تثبته، رمى كتاب ((الفصوص)) في النهر ، لأنه قيل له : جميع ما فيه لا صحة له ، فعمل فيه بعض شعراء عصره : قدْ غاص في البحر كتاب الفُصُوص" وهكذا كلّ ثقيل يغوصْ" فلما سمع صاعد هذا البيت أنشد : عاد إلى عُنْصُره إِنما يخرج من قعر البحور الفُصوصْ وله أخبار كثيرة في الامتحان٤، ولولا التطويلُ لذكرتها . والجرنفل : بفتح الجيم والراء وسكون النون وضم الفاء وبعدها لام . ١ هـ : مساءلته . ٢ ص : حكي . ٣ أ : القول . ؛ انفردت النسخة ج في هذا الموضع برواية أخبار صاعد وكلها منقول عن الذخيرة لابن بسام = ٤٨٩ ٣٠٢ صدقة بن دبیس أبو الحسن صدقة الملقب سيف الدولة فخر الدين بن بهاء الدولة أبي كامل منصور بن دُبَيْس بن علي بن مَزْيَد الأسدي الناشري صاحب الحِلَّة السيفية؛ كان يقال له ملك العرب وكان ذا بأس وسطوة وهيبة ، ونافَرَ السلطان محمد ابن ملكشاه بن ألبَ أرْسِلانَ السلجوقي وأفضت الحال إلى الحرب ، فتلاقيا عند النعمانية، وقتل الأمير صدقة المذكور في المعركة يوم الجمعة سلخ جمادى الآخرة، وقيل العشرين من رجب سنة إحدى وخمسمائة ، وحُمِل رأسه إلى بغداد ، رحمه الله تعالى . وذكر عز الدين أبو الحسن علي بن الأثير في استدراكاته على السمعاني في كتاب ((الأنساب))١ أنه توفي سنة خمسمائة، والله أعلم. وله نظَمَ الشريف أبو يعلى محمد بن الْهَبَّارية كتاب ((الصادح والباغم» - وسيأتي ذكر ذلك في ترجمة ابن الهبّارية، إن شاء الله تعالى٢ -. ........... = ١/٤: ٧ - ١٦، فأغنانا ذلك عن إثباتها هنا، وقول المؤلف (ولولا التطويل لذكرتها)) يشير إلى أنه بنى الترجمة على الايجاز؛ وما ورد هنا هو ما جاء بتمامه في المسودة أيضاً . ٣٠٢ - أخبار صدقة بن دبيس في ابن الأثير (جـ: ١٠) وابن خلدون ٥: ٣٨ وأخبار الدولة السلجوقية: ٨٠ - ٨١، قلت: وقد استكملت المسودة هذه الترجمة بتمامها . ١ انظر مادة «الناشري» في كتاب اللباب . ٢ انفردت نسخة ج في هذا الموضع بالزيادة التالية: ورأيت في بعض التواريخ أن صدقة المذكور كان قد بنى داراً فوقعت فيها نار يوم الفراغ منها ، فعمل الحكيم أبو الفرج ابن التلميذ : لتزيدها شرفاً على كيوان يا بانياً دار العلا مليتها للمجد والافضال والإحسان علمت بأنك إنما شيّدتها تستقبل الأضياف بالنيران فقفت عوائدك الكرام وأقبلت (قلت : انظر طبقات ابن أبي أصيبعة ٢: ٢٩٥ ط. بيروت). ٤٩٠ (62) وكانت وفاة والده أبي كامل منصور في أواخر شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين وأربعمائة ، رحمه الله تعالى . (63) وتوفي جده دُبَيْسٌ المذكور ولقبه نور الدولة أبو الأغرّ في ليلة الأحد عاشر شوال سنة ثلاث ، وقيل أربع وسبعين وأربعمائة ، وكانت إمارته سبعاً وستين سنة، ولي الإمارة سنة ثمان وأربعمائة وعمره يوم ذاك أربع عشرة سنة ، وكان أبو الحسن علي بن أفلح الشاعر المشهور كاتباً بين يديه في شيبته١ . (64) وتوفي جد أبيه علي بن مَزيد سنة ثمان وأربعمائة، وقد تقدم ذكر ولده دبيس بن صدقة في حرف الدال . ودبيس : بضم الدال المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها سين مهملة . ومزيد : بفتح الميم وسكون الزاي وفتح الياء المثناة من تحتها وبعدها دال مهملة . والأسدي والناشري : تقدم الكلام عليهما في حرف الدال في ترجمة دبيس . والحِلَّة: بكسر الحاء المهملة وتشديد اللام وبعدها هاء ساكنة ، وهي بلدة بالعراق بين بغداد والكوفة على الفرات في بر الكوفة ، اختطَّها سيف الدولة صدقة المذكور في سنة خمس وتسعين وأربعمائة ، فنسبت إليه . والنعمانية ، بضم النون ، بلدة بين الحِلَّة وواسط . ............. ... ... ١ وكان أبو الحسن ... شبيبته: سقط من ص ر ، وثبت في س وفي هامش المسودة . ٤٩١ ٣٠٣ صالح بن عبد القدوس أبو الفضل صالح بن عبد القدوس البصري مولى الأزد ؛ أحد الشعراء ، اتهمه المهدي بالزندقة فأمر بحمله ، فأحضر ، فلما خاطبه أعجب بغزارة أدبه وعلمه وبراعته وحسن بيانه وكثرة حكمته فأمر بتخلية سبيله، فلما ولَّ ردَّه وقال: ألستَ القائل : والشيخ لا يترك أخلاقه حتى يوارى في ثرى رمسه كذي الضنى عاد إلى نكسه إذا ارعوى عاد الى جهله قال: بلى يا أمير المؤمنين . قال : فأنت لا تترك أخلاقك ، ونحن نحكم فيك بحكك في نفسك، ثم أمر به فقتل وصلب على الجسر؛ ويقال إن المهدي أبلغ عنه أبياتاً عرّض فيها بذكر النبي صلى الله عليه وسلم، فأحضره المهدي وقال له: أنت القائل هذه الأبيات ؟ قال : لا والله يا أمير المؤمنين ، ما أشركت بالله طرفة عين ، فاتَّقِ الله ولا تسفك دمي على الشبهة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ادرأوا الحدود بالشبهات ، وجعل يتلو عليه القرآن حتى رقَّ له وأمر بتخليته . فلما ولى قال : أنشدني قصيدتك السينيَّة ، فأنشده حتى بلغ إلى قوله فيها : والشيخ لا يترك أخلاقه ... فأمر به حينئذ فقتل . ومن مستحسنات قصائد صالح المذكور القصيدة التي أولها : المرة يجمعُ والزمان يفرّقُ ويظلُّ يرقعُ والخطوبُ تمزقُ ٣٠٣ - كان شاعراً حكيماً يجلس في مسجد البصرة ويقص على الناس ، وله مع أبي الهذيل العلاف مناظرات، وهو يكثر في شعره من الأمثال والحكم (انظر تاريخ بغداد ٩ : ٣٠٣ ومعجم الأدباء ١٢: ٦ ونكت الهميان: ١٧١ وتهذيب ابن عساكر ٦: ٣٧١ والقوات ١ : ٣٩١ وميزان الاعتدال ٢: ٢٩٧) وهذه الترجمة انفردت بها النسخة ص . ٤٩٢ وَزِنِ الكلامَ إِذا نطقت فإنما ومن الرجال إذا استوتْ أحلامُهم حتى يجيلَ بكلِّ وادٍ قلبه ما الناسُ إِلا عاملان فعاملٌ والناسُ في طلب المعاش فإنما لو يرزقون الناس حسب عقولهم لكنه فضلُ المليك عليهمُ وإذا الجنازةُ والعروسُ تلاقيا يبدي عيوبَ ذوي العقولِ المنطق من يستشار إذا استشير فيُطرق فيرى ويعرفُ ما يقولُ فينطق قد مات من عطشٍ وآخرُ يغرق بالجدّ يرزق منهمُ من يرزق ألفيتَ أكثر من ترى يتصدق هذا عليه مُوسَعٌ ومضيق ورأيتَ دمحَ نوائح, يترقرق سكت الذي تبع العروسَ مُبَهَّناً ورأيتَ من تبع الجنازة ينطق ومن مختار شعره : ان الغنيَّ الذي يرضى بعيشته لا من يظلُّ على ما فات مكتئبا لا تحقرنً من الأيام محتقراً كلّ امرىءٍ سوف يُجْزى بالذي اكتسبا قد يحفزُ المرء ما يهوى فيركبه حتى يكونَ إلى توريطه سببا قال أحمد بن عبد الرحمن المعبر : رأيت صالح بن عبد القدوس في المنام ضاحكاً مستبشراً فقلتُ له : ما فعل بك ربك ، وكيف نجوت مما كنت ترمى به ؟ قال : إني وردت على ربٍّ لا تخفى عليه خافية، فاستقبلني برحمته وقال : لقد علمتُ براءتك مما كنتَ تُقْذَفُ به . وكان قتله سنة سبع وستين ومائة . ٤٩٣ ٣٠٤ صالح المري أبو بشير صالح بن بشير القارىء المعروف بالمري ؛ من أهل البصرة ، حدَّث عن الحسن ومحمد بن سيرين وبكر بن عبد الله وغيرهم ؛ روى عنه شجاع بن أبي نصر البلخي وسريج بن النعمان الجوهري وعفان بن مسلم وغيرهم . كان عبداً صالحاً ، وكان المهدي قد بعث إليه فأقدمه عليه ؛ قال صالح المري : دخلت على المهديّ بالرصافة، فلما مثلت بين يديه قلت : يا أمير المؤمنين، احمل لله ما أكلمك به اليوم، فإنَّ أولى الناس بالله أحملهم لغلظة النصيحة فيه ، وجديرٌ بمن له قرابة برسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرث أخلاقه، ويأتمَّ بهديه، وقد وَرَتك الله من فهم العلم وإنارة الحجة ميراثاً قطع به عذرك، فمهما ادعيتَ من حجة أو ركبتَ من شبهة لم يصحّ لك فيها برهان من الله ، حل بك من سخط الله بقدر ما تجاهلته من العلم أو أقدمت عليه من شبهة الباطل؛ واعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خصم من خالف في أمته [يبتزها] أحكامها . ومن كان محمد صلى الله عليه وسلم خصمه ، كان الله خصمه ، فأعدَّ لمخاصمة الله ومخاصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حججاً تضمن لك النجاة أو استسلم للهلكة. واعلم [أن أبطأ الصرعى نهضة] صريع هوى ، وأن أثبت الناس قدماً يوم القيامة آخذهم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، فمثلك لا يكابر بتجديد المعصية ، ولكن تمثل له الاساءة إحساناً ، ويشهد له ٠ ٣٠٤ - صالح بن بشير زاهد واعظ بصري ؛ ضعفه ابن معين والدارقطني، وقال البخاري: منكر الحديث ؛ انظر تاريخ بغداد ٩ : ٣٠٥ وميزان الاعتدال ٢ : ٢٨٩ وذكر أن وفاته سنة ١٧٣، وقال في العبر (جـ ١ ص ٢٦٢) فيها أو في ١٧٦؛ وهذه الترجمة انفردت بها النسخة ص وهي متابعة لما في تاريخ بغداد . ٤٩٤ عليها خونة العلماء ، وبهذه الحبالة تصيدت الدنيا نظراؤك ، فأحسنِ الحمل فقد أحسنتُ إليك الأداء ؛ قال: فبكى المهدي ثم أمر له بشيء فلم يقبله ؛ وحكى بعض الكتاب أنه رأى هذا الكلام مكتوباً في دواوين المهدي . وقال عفان بن مسلم: كنًّا نأتي مجلس صالح المري نحضره وهو يقصّ، وكان إذا أخذ في قصصه كأنه رجل مذعور يفزعك أمره من حزنه وكثرة بكائه كأنه ثكلى. وكان مملوكاً لامرأة من بني مرة بن الحارث بن عبد القيس . ومات سنة ست وسبعين١ ومائة ، رحمه الله تعالى . ٣ ....... ١ في ص : ست وتسعين ، وهو تصحيف . ٤٩٥ جَرفُ الصَّادِ ٣٠٥ الأحنف بن قيس أبو بحر الضحاك بن قَيْس بن مُعَاوية بن حُصَين بن عبادة بن النزال بن مرة ابن عبيد بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد منّاة بن تميم التميمي المعروف بالأحنف ، وقيل اسمه صخر، وهو الذي يضرب به المثل في الحِلْمِ - والحارث المذكور لقبه مُقَاعس - . كان من سادات التابعين رضي الله عنهم ؛ أدرك عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصحبه وشهد بعض الفتوحات منها قاسان والتيمرة ، وذكره الحافظ أبو نعيم في ((تاريخ أصبهان))(١ وقال ابن قتيبة في كتاب ((المعارف)) ما صورته ٢: ولما أتى النبيُّ صلى الله عليه وسلم بني تميم يدعوهم إلى الإسلام كان الأحنف فيهم، ولم يجيبوا إلى اتباعه ، فقال لهم الأحنف : إنه ليدعوكم إلى مكارم الأخلاق وينهاكم عن ملائمها ، فأسلموا وأسلم الأحنف ولم يفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما كان زمن عمر رضي الله عنه وفَدَ عليه . وكان من جلّة التابعين وأكابرهم ، وكان سيد قومه ، موصوفاً بالعقل والدهاء والعلم والحلم، روى عن عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ، وروى عنه الحسن البصري وأهل البصرة ، وشهد مع علي رضي الله عنه وقعة صِفِينَ ، ولم يشهد وقعة الجمل مع أحد الفريقين ، وشهد بعض فتوحات خراسان في زمن عمر وعثمان ، رضي الله عنهما. ........ ... ٣٠٥ - ترجمة الأحنف بن قيس في طبقات ابن سعد ٧ : ٩٣ وتهذيب ابن عساكر ٧: ١٠ وتهذيب التهذيب ١٩١:١ وسرح العيون: ٥٤؛ وأخبار حلمه والحكايات عنه منثورة في كتب الأدب. ١ تاريخ أصبهان ١ : ٢٢٤. ٢ المعارف : ٤٢٣ . ٤٩٩ ولما استقر الأمر لمعاوية دخل عليه يوماً فقال له معاوية: والله يا أحنف ما أذكر يوم صفين إلا كانت حزازة في قلبي إلى يوم القيامة ، فقال له الأحنف : والله يا معاوية إن القلوب التي أبغضناك بها لفي صدورنا ، وإن السيوف التي قاتلناك بها لفي أغمادها ، وإن تَدْنُ من الحرب فتراً نَدْنُ منها شبراً ، وإن تمش إليها نهرول إليها ، ثم قام وخرج . وكانت أخت معاوية من وراء حجاب تسمع كلامه فقالت : يا أمير المؤمنين ، مَنْ هذا الذي يتهدد ويتوعد ؟ قال : هذا الذي إذا غضب غضب لغضبه مائة ألف من بني تميم لا يدرون فيم غضب . وروي أن معاوية أيضاً لما نصب ولده يزيد لولاية العهد أقعده في قبة حمراء، فجعل الناس يسلمون على معاوية ثم يميلون إلى يزيد، حتى جاء رجل ففعل ذلك ثم رجع إلى معاوية فقال: يا أمير المؤمنين ، اعلم أنك لو لم تولّ هذا أمور المسلمين لأضعتها ، والأحنف بن قيس جالس١، فقال له معاوية: ما بالك لا تقول يا أبا بحر ؟ فقال : أخاف الله إن كذبت وأخافكم إن صدقت ، فقال له معاوية : جزاك الله عن الطاعة خيراً ، وأمر له بألوف ؛ فلما خرج لقيه ذلك الرجل بالباب فقال له : يا أبا بحر، إني لأعلم أنَّ شر من خلق الله سبحانه وتعالى هذا وابنُه ، ولكنهم قد استوثقوا من هذه الأموال بالأبواب والأقفال فليس نطمع في استخراجها إلا بما سمعت ، فقال له الأحنف : أمْسِكْ عليك فإن ذا الوجهين خَليقٌ أن لا يكون عند الله تعالى وجيها٢ً . ومن كلام الأحنف: في ثلاثُ خصالٍ ما أقولهن إلا ليعتبر معتبر: ما دخلت بين اثنين قط حتى يُدخلاني بينهما ، ولا أتيت باب أحد من هؤلاء ما لم ١ ج : ساكت . ٢ انفردت نسخة ج في هذا الموضع بهذه الزيادة: وقال معاوية بن هشام لخالد بن صفوان : بمّ بلغ فيكم الأحنف بن قيس ما بلغ ؟ قال : إن شئت حدثتك ألفاً ، وإن شئت حذفت الحديث لك حذفاً ، قال : احذفه لي حذفاً ، قال : وان شئت فثلاثاً وان شئت فاثنتين وان شئت فواحدة ، قال: ما الثلاث؟ قال : كان لا يشره ولا يحسد ولا يمنع حقاً، قال : فما الثنتان! قال : كان موفقاً للخير معصوماً عن الشر، قال: فما الواحدة! قال : كان أشد الناس على نفسه سلطاناً . ٥٠٠