Indexed OCR Text

Pages 461-480

وكان أعلم الناس بالقضاء ، ذا فطنة وذكاء ومعرفة وعقل ورصانة ، قال ابن
عبد البر : وكان شاعراً محسناً ، وهو أحد السادات الطُّلْس ، وهم أربعة :
عبد الله بن الزبير، وقيس بن سعد بن عبادة ، والأحنف بن قيس الذي يُضرب
به المثل في الحلم، والقاضي شُرَيْح المذكور . والأطلس: الذي لا شَعْر
في وجهه .
وكان مَزَّاحاً، دخل عليه عَدِيّ بن أرْطَاة فقال له١: أين أنت أصلحك
الله ؟ فقال : بينك وبين الحائط ، قال : استمع مني ، قال : قل أسمع ، قال :
إني رجل من أهل الشام ، قال : مكان سَحيق ، قال : تزوجت عندكم ، قال :
بالرفاء والبنين ، قال : وأردت أن أرحلها٢، قال : الرجل أحق بأهله ، قال:
وشرطت لها دارها، قال : الشرط أملك، قال : فاحكم الآن بيننا ، قال :
قد فعلت ، قال : فعلى من حكمت ؟ قال : على ابن أمك ، قال : بشهادة من؟
قال : بشهادة ابن أخت خالتك٣ .
١ العقد ١ : ٩٠ .
٢ ص : ادخل بها .
٣ زاد هنا في أ ما نصه :
حدث أبو جعفر المدني عن شيخ من قريش قال : عرض شريح ناقة ليبيعها فقال له المشتري:
يا أبا أمية كيف لبنها ؟ قال: احلب في أي اناء شئت ، قال : كيف الوطا ! قال : افرش ونم،
قال: كيف نجاؤها ! قال : إذا رأيتها في الإبل عرفت مكانها ، علّق سوطك ونم ، قال :
كيف قوتها؟ قال: احمل على الحائط ما شئت ، فاشتراها فلم ير شيئاً مما وصفها به ، قال : ما
كذبتك ، قال : اقلني ، قال : نعم .
وقيل تقدم رجلان الى شريح فاعترف أحدهما بما ادعي عليه وهو لا يعلم بذلك فقضى عليه،
فقال الرجل : تقضي علي من غير بينة ! فقال : قد شهد عندي الثقة ، قال : ومن هو ؟ قال :
ابن أخي عمك ؛ وقد ألم بهذا المعنى أبو عبد الله الحسين بن الحجاج المقدم ذكره في قوله :
خرجت فقدمت لي ركبتي
وان قدموا خیلهم للر کوب
وليس سوى أنا في جملتي
وفي جمل الناس غلمانهم
سوى من أبوه أخو عمتي
ولا لي غلام فأدعى به
وقال الأشعث بن قيس لشريح : ما أشد ما ارتفعت ! قال : فهل ضرك ذلك ؟ قال: لا ،
قال : فأراك تعرف نعمة الله عليك وتجهلها في نفسك .
وحدث محمد بن سعد عن عامر الشعبي أن ابناً لشريح قال لأبيه: ان بيني وبين قوم خصومة =
٤٦١

وروي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه دخل مع خصم له ذمي إلى
القاضي شريح فقام له ، فقال : هذا أول جورك ، ثم أسند ظهره إلى الجدار
وقال : أما إن خصمي لو كان مسلماً لجلست يجنبه .
وروي أن عليّاً رضي الله عنه قال : اجمعوا لي القراء، فاجتمعوا في رحبة
المسجد ، فقال : إني أوشك أن أفارقكم ، فجعل يسائلهم : ما تقولون في كذا؟
ما تقولون في كذا ؟ وشريح ساكت، ثم سأله ، فلما فرغ منهم قال : اذهب
فأنت من أفضل الناس ، أو من أفضل العرب .
وتزوج شريح امرأة من بني تميم تسمى زينب ، فنَقم عليها شيئاً فضربها ،
ثم ندم وقال :
فشلَّتْ يميني يوم أضرب زَينبا
رأيتُ رجالاً يضربون نساءهم
فما العدل مني ضَرْبُ من ليس مذنبا
أأضربُها من غير ذنب أتت به
إذا طلعت لم تُبْقِ منهن كوكبا
فزينبُ شمسٌ والنساء كواكب
هكذا ذكر هذه الحكاية صاحب ((العقد))١ .
ويروى أن زياد بن أبيه كتب إلى معاوية٢: (( يا أمير المؤمنين، قد ضبطت
لك العراق بشمالي، وفرَّغت يميني لطاعتك ، فولني الحجاز ))، فبلغ ذلك عبد الله
ابن عمر رضي الله عنهما ، وكان مقيماً بمكة ، فقال : اللهم اشغل عنا يمين زياد ،
فأصابه الطاعون في يمينه ، فجمع الأطباء واستشارهم ، فأشاروا عليه بقطعها ،
فاستدعى القاضي شريحاً وعرض عليه ما أشار به الأطباء ، فقال له : لك رزق
معلوم وأجل مقسوم وإني أكره إن كانت لك مدة أن تعيش في الدنيا بلا يمين ،
= فانظر فإن كان الحق لي خاصمت وإن لم يكن لي الحق لم أخاصمهم ، فقص قصته عليه فقال :
انطلق فخاصمهم ، فانطلق اليهم فتخاصموا اليه ، فقضى على ابنه ، فقال له لما رجع إلى أهله :
والله لو لم أتقدم اليك لم ألمك، فقال: والله يا بني لأنت أحب إلي من ملء الأرض مثلهم ولكن
الله أعز على منك ، خشيت أن أخبرك أن القضاء عليك فتصالحهم ببعض حقهم .
١ العقده : ٢٩٠، ٦ : ٠٩٤
٢ . انظر طرفاً منها في العقد ه : ١٢.
٤٦٢

وإن كان قد دنا أجلك أن تلقى ربك مقطوع اليد فإذا سألك: لم قطعتها؟ قلت:
بغضاً في لقائك وفراراً من قضائك . فمات زياد من يومه ، فلام الناس شريحاً
على منعه من القطع ، لبغضهم له، فقال : إنه استشارني والمستشار مؤتمن ، ولولا
الأمانة في المشورة لوددت أنه قطع يده يوماً ورجله يوماً وسائر جسده يوماً يوماً .
[وكتب شريح إلى أخ له هرب من الطاعون : أما بعد فإنك أنت الذي
بعين من لا يُعْجزه من طلب ولا يفوته من هرب، والمكان الذي خلفته لم يعجل
امرءاً حيمامه ولم يظلمه أيامه، وانك وإياهم لعلى بساط واحد ؛ إن المنتجع من
غير ذي قدرة لقريب والسلام .
وعن الشعبي قال : شهدت شريحاً وجاءته امرأة تخاصم رجلاً فأرسلت عينيها
فبكت ، فقلت أنا : ما اظن هذه البائسة إلا مظلومة ، فقال : يا شعبي ان
إخوة يوسف عليه السلام جاءوا اباهم عِشاء يبكون .
وسئل شريح عن الحجاج : أكان مؤمناً ؟ قال : نعم ، بالطاغوت ، كافراً
بالله تعالى]١ .
وكانت وفاة القاضي شُرَيح سنة سبع وثمانين للهجرة وهو ابن مائة سنة ،
وقيل سنة اثنتين وثمانين ، وقيل سنة ثمان وسبعين ، وقيل سنة ثمانين ، وقيل
سنة تسع وسبعين ، وقيل سنة ست وسبعين ، وهو ابن مائة وعشرين سنة ،
وقيل مائة وثماني سنين ، رضي الله عنه .
والكندي : بكسر الكاف وسكون النون وبعدها دال مهلة ، هذه النسبة
إلی کِنْدَة ، وهو ثور بن مُر ◌َتْع بن مالك بن زيد بن کهلان ، وقیل ثور بن
عُفَير بن الحارث بن مرة بن أدد ، وسمي كِندة لأنه كَنَّدَ أباه نعمته : أي
كفرها .
.......
١ زيادة من ص وحدها .
٤٦٣

٢٩١
القاضي شريك النخعي
أبو عبدالله شريك بن عبد الله بن أبي شريك وهو الحارث بن أوس بن
الحارث بن الأذهل بن وهبيل بن سعد بن مالك بن النخع النخعي ، وبقية
النسب في ترجمة إبراهيم النخعي في أول هذا الكتاب ؛ تولى القضاء بالكوفة أيام
المهدي ، ثم عزله موسى الهادي . [أدرك عمر بن عبد العزيز وسمع أبا اسحاق
السبيعي ومنصور بن المعتمر وعبد الملك بن عمير وسماك بن حرب وغيرهم ،
وروى عنه عبد الله بن المبارك وعباد بن العوام ووكيع بن الجراح وغيرهم ؛
وكان شريك ولد ببخارى من أرض خراسان، وكان جده قد شهد القادسية]١.
٧ وكان عالماً فهماً ذكيّاً فطناً، حكم يوماً على وكيل عبد الله بن مصعب٢ بحكم
لم يوافق هوى عبد الله ، فالتقى شريك بن عبد الله وعبد الله بن مصعب بحضرة
المهدي فقال عبد الله بن مصعب لشريك : ما حكمت على وكيلي بالحق ، قال :
ومن أنت ؟ قال : من لا ينكر . قال : قد نكرتك أشد النكير ، قال : أنا
عبد الله بن مصعب، قال : لا كبير ولا طيب ، قال: وكيف لا تقول ذلك وأنت
تتنقّص الشيخين ؟! قال: ومن الشيخان ؟ قال : أبو بكر وعمر رضي الله
٢٩١ - ترجمة القاضي شريك في تاريخ بغداد ٩: ٢٧٩ وطبقات الشيرازي، الورقة: ٢٣ وتذكرة
الحفاظ : ٢٣٢ وميزان الاعتدال ٢: ٢٧٠ والبداية والنهاية ١٠: ١٧١ والمعارف : ٥٠٨
ورجال ابن حبان: ١٧٠، وله أخبار في العقد (جـ ٤،٢).
١ زيادة من ص وحدها .
٢ هو عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير والد مؤلف ((نسب قريش» ، صحب
المهدي ومن بعده الهادي والرشيد وتوفي سنة ١٨٤ بالرقة ، وكان المهدي استعمله على اليمامة
واستعمله الرشيد على المدينة ثم على اليمن (نسب قريش: ٢٤٢ وجمهرة الزبير بن بكار : ١٢٤
- ١٥٦) .
٤٦٤

عنهما ، قال : والله ما أتنقص جدك وهو دونهما فكيف أتنقصهما ؟١ .
وذُكِر معاوية بن أبي سفيان عنده ووُصِفَ بالحلم ، فقال شريك : ليس
بحليم من سفَّه الحق وقاتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
وخرج شريك يوماً إلى أصحاب الحديث ليسمعوا عليه ، فشموا منه رائحة
النبيذ ، فقالوا له: لو كانت هذه الرائحة منا لاستحيينا، فقال: لأنكم أهلُ
رِيبَةٍ.
ودخل يوماً على المهدي فقال له : لا بد أن تجيبني إلى خصلة من ثلاث خصال،
قال : وما هن يا أمير المؤمنين ؟ قال : إما أن تلي القضاء أو تحدث ولدي
وتعلمهم أو تأكل عندي أكلة ، وذلك قبل أن يلي القضاء ، فأفكر ساعة ثم
قال : الأكلة أخفها على نفسي ، فأجلسه وتقدم إلى الطباخ أن يصلح له ألواناً من
المخ المعقود بالسكر الطبرزذ والعسل وغير ذلك، فعمل ذلك وقدمه إليه فأكل ،
فلما فرغ من الأكل قال له الطباخ : والله يا أمير المؤمنين ليس يُفْلح الشيخ بعد
هذه الأكلة أبداً ؛ قال الفضل بن الربيع : فحدَّثهم والله شريك بعد ذلك ،
وعلَّم أولادهم وولي القضاء لهم .
ولقد كتب له برزقه على الصيرفي فضايقه في النقد ، فقال له الصيرفي : إنك
لم تبع به بزًّا، فقال له شريك : بل والله بعت أكثر من البز ، بعت به
ديني .
[وقال يحيى بن اليمان٢: لما ولي شريك القضاء أُكره على ذلك وأُقعد معه
جماعة من الشرط يحفظونه ، ثم طاب للشيخ فقعد من نفسه ، فبلغ سفيان
الثوري انه قعد من نفسه فجاء فتراءى له ، فلما رأى الثوري قام إليه فعظمه
وأكرمه ثم قال : يا أبا عبد الله ، هل من حاجة ؟ قال : نعم ، مسألة ، قال :
أوَليس عندك من العلم ما يجزئك ؟ قال : أحببت أن أذكرك بها ، قال : قل،
١ وردت هذه الفقرة موجزة كثيراً في روالمسودة، وهي موافقة لما في تاريخ بغداد: ٢٨٧ ،
وفي المسودة : « جرى بينه وبين مصعب بن عبد الله الزبيري كلام بحضرة المهدي فقال له
مصعب : أنت تتنقص أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ، فقال القاضي شريك ... دونهما )».
٢ قارن بما في تاريخ بغداد: ٢٨٦.
٣٠ - ٢
٤٦٥

قال : ما تقول في امرأة جاءت فجلست على باب رجل فاحتملها ففجر بها ،
لمن تحدُّ منهما ؟ فقال: الرجل دونها لأنها مغصوبة ، قال : فإنه لما كان من الغد
جاءت فتزينت وتبخرت وجلست على ذلك الباب ففتح الرجل فرآها فاحتملها
ففجر بها، لمن تحد ؟ قال : أحدّهما جميعاً لأنها جاءت من نفسها وقد علمتٍ
الخبر بالأمس، قال: أنت كان عذرك حين كان الشرط يحفظونك؛ اليوم أيّ عذر
لك ؟ قال : يا أبا عبد الله، أكلمك ، قال: ما كان الله ليراني أكلمك أو
تتوبَ ؟ قال : ووثب فلم يكلمه حتى مات ؛ وكان إذا ذكره قال : أي رجل
كان لو لم يفسدوه !
واجتمع شريك ويحيى بن عبد الله بن الحسن البصري في دار الرشيد ، فقال
يحيى لشريك : ما تقول في النبيذ ؟ قال : حلال ، قال : شربه خير أم تركه ؟
قال: بل شربه، قال : قليله خير أم كثيره ؟ قال : بل قليله ؛ قال يحيى:
ما رأيت خيراً قط إلا والازدياد منه خير إلا خيرك هذا ، فإن قليله خير
من كثيره .
وروى صالح بن علي قال : كنت مع المهدي فدخل عليه شريك بن عبد الله
فأراد أن يبخره ، فقال لخادم على رأسه : هات عوداً للقاضي ، فجاء الخادم
بالعود الذي يلهى به فوضعه في حجر شريك ، فقال شريك : ما هذا يا أمير
المؤمنين ؟ قال : هذا أخذه صاحب العسس البارحة فأحببت أن يكون كسره
على يد القاضي ، فقال: جزاك الله يا أمير المؤمنين [خيراً]، فكسره . ثم
أفاضوا في حديث حتى نسي الأمر ثم قال المهدي لشريك : ما تقول في رجل
أمر وكيلاً له أن يأتي بشيء بعينه فأتى بغيره فتلف ذلك الشيء ؟ فقال: يضمن
يا أمير المؤمنين ، فقال للخادم : اضمن ما تلف بقيمته .
وكان شريك يشاحن الربيع صاحب شرطة المهدي ، فكان يحمل المهدي
عليه ، فدخل شريك يوماً على المهدي فقال له المهدي : بلغني أنك ولدت في
قوصرة، قال : يا أمير المؤمنين ، ولدت بخراسان والقواصر هناك عزيزة ،
قال : إني لأراك فاطمياً خبيثاً ، قال: والله إني لأحب فاطمة ، وأبا فاطمة
صلى الله عليه وسلم ، قال : وأنا والله أحبهما، ولكني رأيتك في منامي مصروفاً
٤٦٦

وجهك عني ، وما ذاك إلا لبغضك لنا ، وما أراني إلا قاتلك لأنك زنديق ،
قال: يا أمير المؤمنين إن الدماء لا تُسفك بالأحلام، وليست رؤياك رؤيا يوسف
عليه السلام ؛ وأما قولك إني زنديق فإن الزنادقة علامة يُعرفون بها ، قال :
وما هي ؟ قال : شرب الخمور والضرب بالطنبور، قال: صدقتَ أبا عبد الله ،
وأنت خيرٌ من الذي حملني عليك .
قال مصعب بن عبد الله الزبيري : حدثني أبي قال١: دخل شريك على
المهدي فقال له: ما ينبغي أن تقلد الحكم بين المسلمين، قال: ولمَّ ؟ قال :
لخلافك على الجماعة وقولك بالإمامة ، فقال : أما قولك : لخلافك على الجماعة ،
فعن الجماعة أخذت ديني ، فكيف أخالفهم وهم أصل ديني ؟ وأما قولك :
وقولك بالإمامة ، فما أعرف إلا كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه
وسلم ؛ وأما قولك : مثلك لا يقلد الحكم بين المسلمين ، فهذا شيء أنتم فعلتموه،
فإن كان خطأ فلتستغفروا الله منه، وإن كان صواباً فامسكوا عليه. قال: ما تقول
في علي بن أبي طالب رضي الله عنه ؟ قال : ما قال فيه جدك العباس وعبد الله،
قال : وما قالا فيه ؟ قال : أما العباس فمات وعلي عنده أفضل الصحابة ، وقد
كان يرى كبراء المهاجرين يسألونه عما ينزل من النوازل وما احتاج إلى أحد حتى
لحق بالله . وأما عبد الله فإنه كان يضرب بين يديه بسيفين ، وكان في حروبه
رأساً متبعاً وقائداً مطاعاً ، فلو كانت إمامة على جوراً لكان أول من يقعد
عنها أبوك لعلمه بدين الله وفقهه في احكام الله . فسكت المهدي وأطرق ، ولم
يمض بعد هذا المجلس إلا قليل حتى عُزل شريك .
وقال عبد الله العجلي٢: قدم هارون الكوفة فعزل شريكاً عن القضاء ،
وكان موسى بن عيسى والياً على الكوفة ، فقال موسى لشريك : ما صنع أمير
المؤمنين بأحد ما صنع بك : عزلك عن القضاء ، قال له شريك : هم
أمراء المؤمنين يعزلون الولاة ويخلعون ولاة العهود فلا يعاب ذلك عليهم ، فقال
موسى : ما ظننت أنه مجنون هكذا لا يبالي ما تكلم به ، وكان أبوه عيسى بن
١ تاريخ بغداد : ٢٩٢ .
٢ المصدر نفسه .
٤٦٧

موسى ولي العهد بعد أبي جعفر فخلعه أبو جعفر]١.
وحكى الحريري في كتاب ((درة الغواص))٢ أنه كان لشريك المذكور
جليس من بني أمية ، فذكر شريك في بعض الأيام فضائل عليّ بن أبي طالب
رضي الله عنه ، فقال ذلك الأموي : نعم الرجل علي ، فأغضبه ذلك وقال :
ألعليّ يقال نعم الرجل٣ ؟ فأمسك حتى سكن غضبه ثم قال : يا أبا عبد الله ألم
يقل الله تعالى في الإخبار عن نفسه ﴿فَقَدَرْنَا فنعم القادرون﴾ (المرسلات:
٢٣) وقال في أيوب ﴿إنا وجدناه صابراً نعم العبدُ إِنه أوّاب﴾ ( ص : ٤٤)
وقال في سليمان ﴿ووهبنا لداود سليمان نعم العبد﴾ (ص: ٣٠) أفلا ترضى لعليّ
بما رضي الله به لنفسه ولأنبيائه ؟ فتنبه شريك عند ذلك لوهمه ، وزادت مكانة
ذلك الأموي من قلبه .
وكان عادلاً في قضائه كثير الصواب حاضر الجواب ، قال له رجل يوماً :
ما تقول فيمن أراد أن يقنت في الصبح قبل الركوع فقنت بعده ؟ فقال : هذا
أراد أن يخطىء فأصاب .
وكان مولده ببخارى سنة خمس وتسعين للهجرة ، وتولى القضاء بالكوفة ثم
بالأهواز، وتوفي يوم السبت مستهل ذي القعدة سنة سبع وسبعين ومائة بالكوفة،
وقال خليفة بن خياط : مات سنة سبع أو ثمان وسبعين ومائة ، رحمه الله
تعالى . وكان هارون الرشيد بالحيرة ، فقصده ليصلي عليه فوجدهم قد صلوا
عليه ، فرجع .
والنَّخعي : بفتح النون والخاء المعجمة وبعدها عين مهملة ، هذه النسبة إلى
النخع ، وهي قبيلة كبيرة من مَذْحِجَ .
قلت: هكذا وجدت نسبه في (( جمهرة النسب)) لابن الكلبي ، ثم وجدت
في نسخة أخرى (( ابن أبي شريك أوس بن الحارث بن ذهل بن وهبيل))، والله
أعلم بالصواب .
١ كل ما بين معقفين زيادة من ص .
٢ انظر ص : ١٤٥.
٣ زاد في أ: ولا يزاد على ذلك ، ولم ترد العبارة في درة الغواص .
٤٦٨

٢٩٢
شعبة بن الحجاج
أبو بسطام شعبة بن الحجاج بن الورد مولى الأشاقر؛ واسطيّ الأصل بصريّ
الدار ، رأى الحسن ومحمد بن سيرين وسمع قتادة ويونس بن عبيد وأيوب وخالداً
الحذَّاء وعبد الملك بن عمير وأبا اسحاق السبيعي وطلحة بن مصرف وخلقاً غيرهم
من طبقتهم ؛ روى عنه أيوب السختياني والأعمش ومحمد بن اسحاق وإبراهيم بن
سعد وسفيان الثوري وشريك بن عبد الله وسفيان بن عيينة وغيرهم .
قدم شعبة بغداد مرتين وكان قدومه إحدى المرتين بسبب أخ له كان قد
حُبس في دين كان عليه ، فجاء الى المهدي في شأن أخيه . فقال سفيان الثوري:
هوذا شعبة قد جاء إليهم ، فبلغ شعبة فقال: هو لم يُحْبَسْ أخوه. وكان
أخوه اشترى طعاماً من طعام السلطان ، فخسر هو وشركاؤه ، فحبس بستة
آلاف دينار بحصّته ، فلما دخل شعبة على المهدي قال له : يا أمير المؤمنين ،
أنشدني قتادة لأمية بن أبي الصلت بقول لعبد الله بن جدعان :
أأذكر حاجتي أم قد كفاني حياؤك ان شيمتك الحياء
عن الخلق الكريم ولا مساء
كريم لا يعطله صباح
فأرضٌ أرضُ مكرمةٍ بنوها بنو تيم وأنت لهم سماء
فقال المهدي : لا يا أبا بسطام ، لا تذكرها ، قد عرفناها وقضيناها لك ؛
ادفعوا إليه أخاه ولا تلزموه شيئاً ، ووهب له ثلاثين ألف درهم فقسمها ،
وأقطعه ألف جريب بالبصرة ، فقدم فلم يجد شيئاً يطيب له فتركها .
٢٩٢ - انظر ترجمته في تاريخ بغداد ٩: ٢٥٥ وتذكرة الحفاظ : ١٩٣ وتهذيب التهذيب ٤ :
٣٣٨ وابن سعد ٧ : ٢٨٠ وعبر الذهبي ١: ٢٣٤ ورجال ابن حبان : ١٧٧، وانظر ما
ورد عنه في ترجمة أبي زيد الانصاري من هذا الكتاب ؛ وقد انفردت بهذه الترجمة النسخة ص .
٤٦٩

وقال النضر بن شميل : ما رأيت أرحم بمسكين من شعبة ؛ كان إذا رأى
المسكين لا يزال ينظر إليه حتى يعطى. وكان يقول: والله لأنا في الشعر اسلم
مني في الحديث ، ولو أردت الله لما خرجت اليكم، ولو أردتم الله ما حييتموني،
ولكنا نحب المدح ونكره الذم .
ركب شعبة يوماً حماره فلقيه سليمان بن المغيرة فشكا إليه الفقر والحاجة ،
فقال: والله ما أملك غير هذا الحمار ، ثم نزل عنه ودفعه إليه فابتيع بستة
عشر درهماً .
توفي بالبصرة سنة ستين ومائة وهو ابن خمس وسبعين سنة١، رحمه الله تعالى.
٢٩٣
شعیب بن حرب
أبو صالح شعيب بن حرب المدائني ؛ وهو من أبناء خراسان ، سمع شعبة
وسفيان الثوري وزهير بن معاوية وغيرهم ، روى عنه موسى بن داود الضبي
ويحيى بن أيوب المقابري وأحمد بن حنبل وغيرهم . وكان أحد المذكورين بالعبادة
والصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
قال شعيب بن حرب : بينا أنا في طريق مكة إذ رأيت هارون الرشيد ،
فقلت لنفسي : قد وجب عليك الأمر والنهي ، فقالت لي : لا تفعل فإن هذا
رجل جبار ومتى أمرته ضرب عنقك ، فقلت لنفسي : لا بد من ذلك . فلما
دنا مني صحت : يا هارون قد أتعبتَ الأمة وأتعبت البهائم ، فقال : خذوه ،
ثم أُدخلت عليه وهو على كرسي وبيده عمود يلعب به فقال : ممن الرجل ؟
١
١ تاريخ بغداد : وهو ابن سبع وسبعين .
٢٩٣ - انظر ترجمته في تهذيب التهذيب ٤: ٣٥٠ وتاريخ بغداد ٩: ٢٣٩ وعبر الذهبي ١: ٣٢٣
والعقد الثمين ٥ : ١١، وقد انفردت بهذه الترجمة النسخة ص، والنص متابع لما عند الخطيب.
٤٧٠

قلت : من أفناء الناس ، فقال: ممَّن ثكلتك أمك ! قلت : من الأبناء . قال :
ما حملك على أن تدعوني باسمي ؟ قال شعيب : فورد على قلبي كلمة ما خطرت
لي قط على بال ، فقلت له : أنا أدعو الله باسمه فأقول يا الله يا رحمن ، لا أدعوك
باسمك ؟ وما ينكر من دعائي باسمك وقد رأيت الله تعالى سمَّى في كتابه أحب
الخلق إليه محمداً وكنّى أبغض الخلق إليه أبا لهب، فقال ﴿تبَّت يدا أبي لهب﴾
( المسد : ١) فقال : أخرجوه ، فأخرجت .
وكان يقول : من أراد الدنيا فليتهيأ للذل . وأراد أن يتزوج امرأة ، فقال
لها : أنا سيء الخلق ، قالت: أسوأ منك خلقاً من أحوجك ان تكون سيء
الخلق ، فقال لها : أنت إذاً امرأتي .
قال سري السقطي رحمه الله تعالى : أربعة كانوا في الدنيا أعملوا انفسهم في
طلب الحلال ، فلم يدخلوا اجوافهم إلا الحلال ، فقيل له : من هم ؟ قال :
وهيب بن الورد وشعيب بن حرب ويوسف بن اسباط وسليمان الخواص .
قال شعيب : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم ومعه أبو بكر وعمر
رضي الله عنهما ، فجئت ، فقال: أوسعوا له فإنه حافظ لكتاب الله عزَّ وجل.
وقال شعيب : أكلت في عشرة أيام أكلة وشربت شربة . وكان ثقة مأموناً ،
مات بمكة سنة تسع وتسعين ومائة ، رحمه الله تعالى .
٢٩٤
أشعب الطامع
واسمه شعيب واسم أبيه جبير ؛ قال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي في
((المنتظم)): ولد أشعب سنة تسع من الهجرة، وكان أشعب خال الأصمعي،
٢٩٤ - ترجمة أشعب في تهذيب ابن عساكر ٣: ٧٥ وميزان الاعتدال ١: ٢٥٨ وتاريخ بغداد
٣٧:٧ والفوات ٣٧:١ والمحاسن والمساوىء : ٥٩٧ والأغاني ١٩: ٦٩ وأخبار الظرفاء : =
٤٧١

وفي اسم أمه ثلاثة أقوال : أحدها جعدة مولاة أسماء بنت أبي بكر الصديق ،
رضي الله عنهما ، والثاني أم حميدة - بضم الحاء - والثالث أم حَميدة - بفتح
الحاء - .
اتفقوا أنه مولى واختلفوا في ولائه على أربعة أقوال : أحدها لعثمان رضي
الله عنه والثاني عبد الله بن الزبير والثالث سعيد بن العاص والرابع فاطمة بنت
الحسين .
عمّر دهراً طويلاً ، وكان قد أدرك زمن عثمان رضي الله عنه، وقرأ القرآن
وتنسك . روى عن عبد الله بن جعفر والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله
وعكرمة ، وله أخبار طريفة : من ذلك ما حكى العباس بن نسيم الكاتب
قال١ :
قيل لأشعب : طلبت العلم وجالست الناس فلو جلست لنا لسمعنا منك، فقال:
نعم ، فجلس لهم فقالوا : حدثنا ، فقال: سمعت عكرمة يقول سمعت بن عباس
يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خلتان لا تجتمعان في مؤمن، ثم
سكت فقالوا : ما الخلتان ؟ فقال : نسي عكرمة واحدة ونسيت أنا الأخرى .
وحدثنا الزبير بن بكار قال : قال الواقدي٢: لقيت أشعب يوماً فقال لي :
يا ابن واقد وجدت ديناراً فكيف اصنع به ؟ قلت : تعرفه ، قال : سبحان
الله، قلت : فما الرأي ؟ قال : أشتري به قميصاً وأعرفه ، قلت : إذن
لا يعرفه أحد ، قال : فذاك أريد .
وقال الهيثم بن عدي: أسلمته فاطمة بنت الحسين في البزازين فقيل له : أين
بلغت من معرفة البز ؟ فقال : أُحسن النشر ولا أُحسن أطوي وأرجو أن أتعلم
الطي . ومر برجل يتخذ طبقاً فقال : اجعله واسعاً لعلهم يهدون إلينا فيه
فيكون كبيراً خيراً من أن يكون صغيراً .
= ٣١ وثمار القلوب: ١٥٠، وهذه الترجمة انفردت بها ص ، ووردت في طبعة وستنفيلد
مع اختلاف في الترتيب وعدد النوادر .
١ تاريخ بغداد : ٣٩ وابن عساكر: ٧٦ وميزان الاعتدال : ٢٥٩.
٢ ميزان الاعتدال: ٢٦٠ وأخبار الظرفاء : ٣١ .
٤٧٢

وخرج سالم بن عبد الله١ إلى ناحية من نواحي المدينة متنزهاً ومعه حرمه ،
فبلغ اشعب خبره فوافى الموضع الذي هم فيه فصادف الباب مغلقاً فتسوّر الحائط
فقال له سالم: ويحك بناتي وحرمي، فقال: ﴿لقد علمت ما لنا في بناتك من
حق وإنك لتعلم ما نريد﴾ ( هود: ٧٩) فوجّه إليه بطعام أكل منه وحمل إلى
منزله .
وقال سليمان الشاذكوني : كان لي بُنيّ في المكتب فانصرف إليَّ يوماً فقال:
يا أبه ألا أحدثك بطريف ؟ فقال : هات ، فقال : كنت أقرأ على المعلم أن أبي
يدعوك وأشعب الطامع عنده جالسٌ ، فلبس نعله وقال : امش بين يديّ ،
فقلت : إنما أقرأ عشري ، فقال : عجبت أن تفلح أو يفلح أبوك .
وحكى الحسن بن علي الخلال عن أبي عاصم النبيل قال : سمعت أشعب
يقول : ما زُقَّت بالمدينة امرأة قط إلى زوجها إلا كنست بيتي ورفعت ستري
طمعاً في أن تهدَى إِليَّ.
وقيل لأشعب : هل رأيت أطمعَ منك ؟ قال : نعم ، شاة كانت لي على
سطح فنظرت إلى قوس قزح فظنته حبل قَتّ فأهوت إليه واثبةً من السطح
فاندق" عنقها .
وقدم على يزيد بن حاتم مصر فجلس في مجلسه من الناس ، فدعا يزيد بعض
غلمانه وأسرّ له بشيء، فقام أشعب فقبّل يده، فقال له: ولمّ فعلت هذا ؟
قال : رأيتك أسررتَ إلى غلامك بشيء فعلمت أنك قد أمرت لي بصلة ،
فضحك منه وقال : ما فعلت ولكني أفعل ، وأمر له بصلة .
وحكى المدائني قال : تغدى أشعب مع زياد بن عبيد الله الحارثي فجاءوه
بمضيرة فقال أشعب الخباز : ضعها بين يديَ ، فوضعها بين يديه ، فقال زياد :
من يصلي بأهل السجن؟ قالوا : ليس لهم إمام ، فقال : أدخلوا أشعب يصلي
بهم، قال: أو غير ذلك أصلح الله الأمير ؟ أحلف لا آكل مضيرة أبداً .
وحكى المدائني قال : أُتي أشعب بفالوذجة عند بعض الولاة فأكل منها فلم
١ ابن عساكر : ٧٧ .
٤٧٣
ے

توافقه، فقيل له : كيف تراها يا أشعب؟ قال: امرأته طالق إن لم تكن عملت
من قبل أن يوحي الله إلى النحل .
وحكى المدائني عن جهم بن خلف قال: حدثني رجل قال: قلت لأشعب :
لو تحدثت عندي العشية، قال : أكره أن يجيء ثقيل، قلت : ليس غيرك وغيري،
قال : فإذا صليت الظهر فأنا عندك، فصلى وجاء، فلما وضعت الجارية الطعام إذا
صديق لي يدق الباب، قال: ألا ترى؟ قد صرت إلى ما أكره ، قلت : ان لك
عندي فيه عشر خصال ، قال: فما هي ؟ قلت : أولها أنه لا يأكل مع ضيف ،
قال: التسع خصال لك، أدخن" .
ووجدت في بعض الكتب عن المدائني قال : توضأ أشعب فغسل رجله
اليسرى وترك اليمنى، فقيل له: تركت غسل اليمنى، فقال: لأن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: أمتي غرّ محجَّلون من آثار الوضوء، وأنا أحب أن أكون أغرّ
محجَّلاً من الثلاث مطلقَ اليمين .
وحكى الهيثم بن عدي قال : لقيت أشعب فقلت له : كيف ترى أهل
زمانك هذا ؟ قال : يسألون عن أحاديث الملوك ويعطون عطاء العبيد. وحكى
المدائني قال : بعث الوليد بن يزيد إلى أشعب بعدما طلق امرأته سعدى ، فقال
له : يا أشعب ان لك عندي عشرة آلاف درهم على أن تبلغ رسالتي سعدى، فقال
له : أحضر المال حق أنظر إليه ، فأحضر الوليد بدرة فوضعها أشعب على
عنقه وقال: هات رسالتك يا أمير المؤمنين ، قال : قل لها : يقول لك :
وهل حتى القيامة من تلاقٍ
أسعدى هل إليكِ لنا سبيل
بموت من حليلك أو طلاق
بلى ولعلَّ دهراً أن يُواتي
ويجمع شملنا بعد افتراق
فأصبح شامتاً وتقر عيني
قال : فأتى أشعب الباب فأخبرت بمكانه فأمرت ففُرش لها فرش وجلست
فأذنت له فدخل فأنشدها ما أمره ، فقالت لخدمها : خذوا الفاسق ، فقال :
يا سيدتي إنها بعشرة آلاف درهم، قالت: والله لأقتلنك أو تبلغه كما تبلغني ،
قال : هاتي رسالتك جعلت فداك ، قالت : قل له :
٤٧٤

أتبكي على لبنى وأنت تركتها وقد ذهبت لبنى فما أنت صانعُ
فأقبل أشعب فدخل على الوليد فأنشده البيت فقال: اوه! قتلتني والله، ما تراني
صانعاً بك يا ابن الزانية ؟ اختر إما أن أدليك في البئر منكساً أو أرمي بك
من فوق القصر منكساً أو أضرب رأسك بعمودي هذا ضربة ، فقال : ما
كنت فاعلًا بي شيئاً من ذلك، قال : ولمّ ؟ قال: لأنك لم تكن لتعذب عينين
قد نظرنا إلى سعدى ، قال : صدقتَ يا ابن الزانية ، اخرج عني .
قال الزبير : حدثني مصعب قال ، قال لي ابن كليب : حدثت أشعبَ مرة
فبكى فقلت : ما يبكيك؟ قال: أنا بمنزلة شجرة الموز إذا نشأت ابنتها قُطعت
هي ، وقد نشأت أنت في موالي وأنا الآن أموت وأنا أبكي على نفسي .
وكان أشعب يغني وله أصوات قد حكيت عنه وكان ابنه عبيدة يغنيها ،
فمن أصواته هذه :
أروني من يقوم لكم مقامي إذا ما الأمرُ جلَّ عن الخطابِ
إلى من تفزعون إذا حثوتم بأيديكم عليّ من الترابِ
٢٩٥
شقيق البلخي
أبو علي شقيق بن إبراهيم البَلْخي؛ من مشايخ خراسان ، له لسان في التوكل
حسن الكلام فيه ، صاحَبَ إبراهيم بن أدهم وأخذ عنه الطريق ، وهو أستاذ
٢٩٥ - ترجمة شقيق البلخي في حلية الأولياء ٨: ٥٨ وتهذيب ابن عساكر ٦: ٣٢٧ وميزان
الاعتدال ٢: ٢٧٩ وطبقات السلمي: ٦١؛ وقد سقطت الترجمة من س ص ر م ووردت في
المطبوعة فقط ؛ وعلى هامش المسودة إشارة تدل على أن المؤلف كان ينوي اثباتها إذ جاء هنالك:
« يذكر بعد شريك : شقيق البلخي وكانت وفاته سنة ثلاث وخمسين ومائة ، ذكره ابن الجوزي
في الشذور» .
٤٧٥
.

حاتم الأصم ، وكان قد خرج إلى بلاد الترك للتجارة وهو حَدَث ، فدخل إلى
بيت أصنامهم ، فقال لعالمهم : إن هذا الذي أنت فيه باطل ، ولهذا الخلق
خالق ليس كمثله شيء رازق كل شيء ، فقال له : ليس يوافق قولك فعلك ،
فقال له شقيق : كيف ؟ قال : زعمت أن لك خالقاً قادراً على كل شيء وقد
تعنّيت إلى هاهنا لطلب الرزق ، قال شقيق : فكان سبب زهدي كلام التركي ،
فرجع وتصدق يجميع ما يملك ، وطلب العلم .
وكانت وفاته سنة ثلاث وخمسين ومائة، رحمه الله تعالى. ذكره ابن الجوزي
في ((الشذور )) .
٢٩٦
شقيق بن سلمة
ابو وائل شقيق بن سلمة الأسدي ؛ أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم
يلقَه ، وسمع عمر بن الخطاب وعثمان وعليّاً وعماراً وعبد الله بن مسعود وخباب
ابن الأرت وأبا موسى الأشعري وأسامة بن زيد وحذيفة بن اليمان وابن عمر وابن
عباس وجرير بن عبد الله وأبا مسعود الأنصاري والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهم
اجمعين، وروى عنه منصور بن المعتمر والحكم بن عتبة وحبيب بن أبي ثابت وغيرهم .
وكان ممن سكن الكوفة وورد المدائن مع علي رضي الله عنه حين قاتل
الخوارج بالنهروان ؛ قيل له: من أدركت ؟ قال: بينا أنا أرعى غنماً لأهلي إذ
مرّ ركب أو فوارس ففرقوا غنمي ، فوقف رجل فقال: اجمعوا للغلام غنمه كما
فرقتموها عليه ، فتبعت رجلً منهم فقلت : من هذا ؟ قال : النبي صلى الله عليه
وسلم. وقال الأعمش: قال لي شقيق بن سلمة: لو رأيتني ونحن هُرّاب من خالد بن
٢٩٦ - شقيق بن سلمة أبو وائل الأسدي الكوفي شيخ الكوفة وعالمها مخضرم جليل، توفي سنة ٨٢ هـ.
انظر ابن سعد ٦ : ١٨٠ وتذكرة الحفاظ: ٦٠؛ وقد انفردت النسخة ص بهذه الترجمة .
-
٤٧٦

الوليد يوم بزاخة فوقعت عن البعير فكادت تندق عنقي ، فلو مِتُّ يومئذ كانت
النار ؛ وقال : كنت يومئذ ابن إحدى عشرة سنة .
وكان لأبي وائل خصّ من قصب هو فيه وفرسه . وكان إذا غزا نقضه وإذا
قدم بناه . وكان يقول الأعمش : يا سليمان ، نعم الربُّ ربُنا لو أطعناه ما
عصيناه . وقال أيضاً : أسمع الناس يقولون الدانق والقيراط ، الدانق اكبر أو
القيراط ؟ وقال سعيد بن صالح : كان أبو وائل يؤم جنائزنا وهو ابن خمسين
ومائة سنة ...
٢٩٧
شهدة بنت الإبري
فخر النساء شهدة بنت أبي نصر أحمد بن الفرج بن عمر الإبري
الكاتبة الدِّينوريَّة الأصل البغدادية المولد والوفاة ؛ كانت من العلماء ، وكتبت
الخط الجيد وسمع عليها خلق كثير ، وكان لها السماع العالي ألحقت فيه الأصاغر
بالأكابر ؛ سمعت من أبي الخطاب نصر بن أحمد بن البطر وأبي عبد الله الحسين
ابن أحمد بن طلحة النعالي وطرّاد بن محمد الزيني وغيرهم مثل أبي الحسن علي
ابن الحسين بن أيوب وأبي الحسين أحمد بن عبد القادر بن يوسف وفخر الإسلام
أبي بكر محمد بن أحمد الشاشي١ واشتهر ذكرها وبعد صيتها . وكانت وفاتها
يوم الأحد بعد العصر ثالث عشر المحرم سنة أربع وسبعين وخمسمائة ، ودفنت
بباب أبرز وقد نَيَّفَتْ على تسعين سنة من عمرها ، رحمها الله تعالى .
والإبري : بكسر الهمزة وفتح الباء الموحدة وبعد الراء ياء مثناة من تحتها ،
٢٩٧ - ترجمة شهدة الكاتبة في مرآة الزمان: ٣٥٣ وعبر الذهبي ٤: ٢٢٠ والشذرات ٤: ٢٤٨
ونزهة الجلساء : ٦١؛ قلت : وقد وردت هذه الترجمة مطابقة لما في المسودة .
١ سمعت ... الشاشي: سقط من س ، وبعضه سقط من ص .
٤٧٧

هذه النسبة إلى الإبر التي هي جمع إبْرَة التي يخاط بها ، وكان المنسوب إليها
يعملها أو يبيعها .
والدينورية : بكسر الدال المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح النون
والواو وفي آخرها راء ، هذه النسبة إلى الدِّينَوَر ، وهي بلدة من بلاد الجبل
ينسب إليها جماعة من العلماء ، وقال أبو سعد ابن السمعاني: إِن الدال من الدينور.
مفتوحة ، والأصح الكسر كما ذكرناه .
(56) ومات والدها أبو نصر أحمد في يوم السبت الثالث والعشرين من
جمادى الأولى سنة ست وخمسمائة رحمه الله تعالى ، وكانت وفاته ببغداد ودفن
بباب أبرز .
(57) وذكر ابن النجار في ((تاريخ بغداد)) عليّ بن محمد بن يحيى أبا الحسن
الدّرَيني المعروف بثقة الدولة ابن الأنباري فقال : كان من الأماثل والأعيان ،
واختص بالإمام المقتفي لأمر الله ، وكان فيه أدب ويقول الشعر ، وبنى مدرسة
لأصحاب الشافعي على شاطىء دجلة بباب الأزج وإلى جانبها رباطاً للصوفية
ووقف عليها وقوفاً حسنة ، وسمع الحديث ؛ قال السمعاني : كان يخدم أبا
نصر أحمد بن الفرج الإبري وزَوَّجه بنته شهدة الكاتبة ، ثم علت درجته إلى
أن صار خصيصاً بالمقتفي . مولده سنة خمس وسبعين وأربعمائة ، وتوفي يوم
الثلاثاء سادس عشر شعبان سنة تسع وأربعين وخمسمائة ، ودفن في داره برحبة
الجامع ، ثم نُقل بعد موت زوجته شهدة فدفنا بباب أبرز قريباً من المدرسة
التاجية في محرم سنة أربع وسبعين وخمسمائة١ .
..........
١ وذكر ... وخمسمائة : سقط من س .
٤٧٨
.......

٢٩٨
أسد الدين شير كوه
أبو الحارث شيركوه بن شاذي بن مروان الملقب الملك المنصور أسد الدين
عم السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى ؛ قد تقدم من حديثه نبذة في أخبار
شاور ، وكان شاور قد وصل إلى الشام يستنجد بنور الدين في سنة تسع وخمسين
وخمسمائة . وذكر بهاء الدين بن شداد أن ذلك كان في سنة ثمان وخمسين ، وأنهم
وصلوا إلى مصر في الثاني من جمادى الآخرة من السنة المذكورة ، حكاه في
((سيرة صلاح الدين))١ رحمه الله تعالى، فسيَّر معه جماعة من عسكره، وجعل
مقدمهم أسد الدين شيركوه ، وقدموا مصر ، وغدَر بهم شاور ولم يَفِ بما
وعدهم به ، فعادوا إلى دمشق٢ ، وكان رحيلهم عن مصر في السابع من ذي
الحجة من السنة المذكورة . ثم إنه عاد إلى مصر ، وكان توجهه إليها في شهر
ربيع الأول من سنة اثنتين وستين ، لأنه طمع في ملكها في الدفعة الأولى ،
وسلك طريق وادي الغزلان ، وخرج عند إطفيح ، وكانت في تلك الدفعة
وقعة البابين عند الأشمونين ، وتوجه السلطان صلاح الدين إلى الاسكندرية
واحتمى بها ، وحاصره شاور وعسكر مصر .
ثم رجع أسدُ الدين من الصعيد إلى بلبيس ، وجرى الصلح بينه وبين
المصريين ، وسيروا له صلاح الدين ، وعاد إلى الشام ، ولما وصل الفرنج إلى
بلبيس وملكوها وقتلوا أهلها في سنة أربع وستين ، سيروا إلى أسد الدين
.....
٢٩٨ - ترجمة شيركوه وأخباره في ابن عساكر ٦: ٣٥٨ وتاريخ ابن خلدون ٢٨٢:٥ وصفحات
متفرقة من ابن الأثير والنجوم الزاهرة (جـ: ٥) ومفرج الكروب (جـ: ١) وسيرة ابن شداد،
وهذه الترجمة متابعة للنسخة ر .
١ انظر ابن شداد : ٢٩ .
٢ س : طريق دمشق .
٤٧٩

وطلبوه ومَنَّوْه ودخلوا في مرضاته لأن ينجدهم ، فمضى إليهم وطرد الفرنج
عنهم . وكان وصوله إلى مصر في شهر ربيع الأول من السنة المذكورة ، وعزم
شاور على قتله وقتل الأمراء الكبار الذين معه ، فبادروه وقتلوه كما تقدم في
ترجمته .
وتولى أسد الدين الوزارة يوم الاربعاء سابع عشر شهر ربيع الآخر سنة
أربع وستين وخمسمائة ، وأقام بها شهرين وخمسة أيام ، ثم توفي فجأة يوم السبت
الثاني والعشرين، وقال الرَّوْحي: يوم الاحد الثالث والعشرين من جمادى
الآخرة سنة أربع وستين وخمسمائة بالقاهرة ، ودفن بها ، ثم نقل إلى مدينة
الرسول صلى الله عليه وسلم بعد مدة بوصية منه ، رحمه الله تعالى ، وتولى مكانه
صلاحُ الدين .
وقال ابن شداد في ((سيرة صلاح الدين))١: إن أسد الدين كان كثير الاكل ،
شديد المواظبة على تناول اللحوم الغليظة ، تتواتر عليه التخم والخوانيق وينجو
منها بعد مقاساة شدة عظيمة ، فأخذه مرض شديد ، واعتراه خانوق عظيم
فقتله في التاريخ المذكور٢ ، ولم يخلف ولداً سوى ناصر الدين محمد بن شير كوه
الملقب الملك القاهر .
(58) ولما مات أسدُ الدين أخذ نور الدين حمصَ منهم في رجب سنة أربع
وستين وخمسمائة . فلما ملك صلاحُ الدين الشام أعطى حمصَ لناصر الدين
المذكور ، ولم يزل ملكها حتى توفي يوم عرفة سنة إحدى وثمانين وخمسمائة ونقلته
زوجته بنت عمه ستُّ الشام بنتُ أيوب إلى تربتها بمدرستها بدمشق ظاهر
البلد ، ودفنته عند أخيها شمس الدولة توران شاه بن أيوب المقدم ذكره .
(59) ومَلك حمص بعده ولده أسد الدين شيركوه ، ومولده في سنة تسع
وستين وخمسمائة ، وتوفي يوم الثلاثاء تاسع عشر شهر رجب سنة سبع وثلاثين
وستمائة بحمص ، ودفن في تربته داخل البلد٣ . وكانت له أيضاً الرحبة وتَدْمُر
١ سيرة ابن شداد : ٣٢ .
٢ إلى هنا تنتهي ترجمة شيركوه في النسخة س .
٣ إلى هنا تنتهي ترجمة شيركوه في النسخة ص والمسودة .
٤٨٠