Indexed OCR Text

Pages 361-380

وذكر له الثعالبي في كتاب ((المنتخل )) ١ :
ألبَسْتني نعماً رأيتُ بها الدجى صبحاً وكنت أرى الصباح بَهيا
فَغَدَوت يحسُدُفي الصديقُ وقَبلها قد كان يلقاني العدوّ وحيا
ومن غرر شعره في النسيب قوله٢ :
ويَبَخَلُ بالتحية والسلامِ
بنفسي مَنْ أجود له بنفسي
كُمُونَ الموت في حَدِّ الحسامِ
وحَتفي كامِنٌ فِي مُقْلَتَيه
[وله من قصيدة يمدح بها سيف الدولة بن حمدان٣ :
من الدماء ومخضوبٍ ذوائبُهُ
تر کٹہم بین مصبوغ ترائبها
وهاربٌ وذبابُالسيف طالبُه
فحائدٌ وشهابُ الرمح لاحِقُهُ
وينتحيهِ بمثل البرق غالبه
بهوي إليه بمثل النجم طاعِنُهُ
ثيابه فهْوَ كاسيه وسالبه
یکسُوهُ من دمِه ثوباً ويسلبه
وله من قصيدة أخرى :
وبت الغزلان الصريم مغازلا
وكم ليلة شمرت للراح رائحاً
فما عطلت حتى بدا الأفق عاطلا
وحليت كأسي والسنا محليها
ومن شعره٤ :
وفتيةٍ زَهَرُ الآداب بينهمُ أبهى وأنضر من زهر الرياحين
راحوا إلى الراح مَشي الرُّخِّ وانصرفوا والراح تمشي بهم مَشْيَ الفرازين
۔
١ انظر ديوانه : ٢٥١ .
٢ ديوانه : ٢٦٠ واليقيمة : ١٣٧ .
٣ هي في ذكر وقعة له مع الدمستق (ديوانه: ١٨ واليقيمة: ١٢٦).
٤ ديوانه: ٢٧٤ ومسالك الابصار ١ : ٣٠٣.
٣٦١

ومن شعره :
ما كان ذاك العيش إلا سكرة رحلت لذاذتها وحلَّ خمارها
ومن شعره :
راية صبح مبيضة العذبِ
انظر إلى الليل كيف تصرعه
فشق جلبابه من الطربِ ]
كراهب جن الهوى طرباً
والسري المذكور ديوان شعر كله جيد، وله كتاب « الحب والمحبوب
والمشموم والمشروب)) وكتاب (( الديرة)).
وكانت وفاته في سنة نيف وستين وثلثمائة ببغداد ، رحمه الله تعالى ، هكذا
قال الخطيب البغدادي في تاريخه ، وقال غيره : توفي سنة اثنتين وستين وثلثمائة
وقيل سنة أربع وأربعين وثلثائة ، والله أعلم . وذكر شيخنا ابن الأثير في
تاريخه٢ أنه توفي سنة ستين وثلثمائة، رحمه الله تعالى.
٢٥٨
حيص بيص
أبو الفوارس سعد بن محمد بن سعد بن الصيفي التميمي الملقب شهاب الدين
المعروف بحَيَصَ بَيصَ الشاعر المشهور ؛ كان فقيهاً شافعي المذهب ، تفقه بالري
على القاضي محمد بن عبد الكريم الوزان ، وتكلم في مسائل الخلاف ، إلا أنه
١ ما بين معقفين زيادة من ر د وبعضها من ص.
٢ تاريخ ابن الاثير ٨ : ٦١٧.
٢٥٨ - له ترجمة مسهبة في الخريدة (قسم العراق) ١: ٢٠٢ ومعجم الأدباء ١١: ١٩٩ وابن أبي
أصيبعة ١ : ٢٨٣ والمنتظم ١٠: ٢٨٨ ولسان الميزان ٣: ١٩ وطبقات السبكي : : ٢٢١
والبداية والنهاية ١٢ : ٣٠١ .
٣٦٢

غلب عليه الأدب ونظم الشعر ، وأجاد فيه مع جزالة لفظه ، وله رسائل
فصيحة بليغة . ذكره الحافظ أبو سعد ابن السمعاني في كتاب ((الذيل )) وأثنى
عليه . وحدَّث بشيء من مسموعاته ، وقرىء عليه ديوانه ورسائله، وأخذ
الناسُ عنه أدباً وفضلاً كثيراً؛ وكان من أخبر الناس بأشعار العرب واختلاف
لغاتهم . ويقال إنه كان فيه تِيهٌ وتَعاظُم، وكان لا يخاطب أحداً إلا
بالكلام العربي، وكانت له حوالة بمدينة الحِلَّة، فتوجه إليها لاستخلاص مبلغها،
وكانت على ضامن الحلقة١، فسيّر غلامه إليه فلم يعرج عليه وشتم أستاذه ،
فشكاه إلى والي الحلة، وهو يومئذ ضياء الدين مهلهل بن أبي العسكر الجاواني٢،
فسيّر معه بعض غلمان الباب ليساعده ، فلم يقنع أبو الفوارس منه بذلك ،
فكتب إليه يعاقبه، وكانت بينهما مودة متقدمة٣ (( ما كنت أظن أن صحبة السنين
ومودتها يكون مقدارها في النفوس هذا المقدار ، بل كنت أظن أن الخميس
الجحفل لو زنَ لي عِرضاً؛ لقام بنصري من آل أبي العسكر حماة غُلبُ
الرقاب" ، فكيف بعامل سُويقة، وضامن حُلَيلةٍ وحُلَيقة ؟ ويكون جوابي
في شكواي أن ينفذ إليه مستخدم يعاتبه ، ويأخذ ما قبله من الحق ، لا والله:
إِن الأسُود أُسودَ الغاب همتها يوم الكريمة في المسلوب لا السلَبِ
وبالله أقسم، ونبيّه وآل بيته ، لئن لم تقُم لي حرمة ◌ٌ يتحدث بها نساء الحلة في
أعراسهن ومناحاتهن، لا أقام وليّك بحلتك هذه، ولو أمسى بالجسر أو
القناطر، هَبْني خسرت حمر النعم أفأخسر أبيّتي، واذلاه، واذلاه ، والسلام».
وكان يلبس زي العرب ويتقلد سيفاً، فعمل فيه أبو القاسم ابن الفضل - الآتي
١ س ر : الحلة .
٢ هـ : أبي العساكر الحلواني ؛ م : الحلواني .
٣ لم يورد من هذه الرسالة في م إلا بيت أبي تمام الآتي من بعد .
٤ أثبتنا ما في المسودة وهـ، وقد اضطربت في النسخ الاخرى .
• ناظر إلى قول الحماسي :
اذن لقام بنصري معشر خشن عند الحفيظة ان ذو لوثة لانا
٣٦٣

ذكره في حرف الهاء إن شاء الله تعالى - وذكر العماد في ((الخريدة)) أنها للرئيس
علي بن الأعرابي الموصلي ، وذكر أنه توفي سنة سبع وأربعين وخمسمائة :
كم تَبادَى ولم تُطَوِّلُ طرطو رَكَ؟ ما فيكُ شَعَرَةٌ من تميم
فكل الضَّبَّ واقْرطِ ١ الحنظل اليا بس واشرَبْ ما شئت بَول الظليم
ليسَ ذا وجه من يضيف ولا يَقْ ري ولا يدفع الأذى عن حريم
فلما بلغت الأبيات أبا الفوارس المذكور عمل٢ :
لا تَضَعْ من عظيم قَدْر وإن كـ ت مُشاراً إليه بالتعظيم
فالشريف الكريمُ ينقص قَدْراً بالتعدّي٣ على الشريف الكريم
ولَعُ الخمرِ بالعقول رَمى المرَ بتَنجيسِها وبالتحريم
وعمل فيه خطيب الحُوّيزة البُحيري :
لَسْنا وحقك حَيْص بَيْ صَ من الأعارب في الصميم
ولقد كذبتَ على بحيٍ ر كما كذبتَ على تميم
وقال الشيخ نصر الله بن مجلي مشارف الصناعة بالمخزن ، وكان من الثقات
أهل السنّة : رأيت في المنام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقلت له : يا أمير
المؤمنين ، تفتحون مكة فتقولون مَنْ دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ثم يتم على
ولدك الحسين يوم الطَّفِّ ما تم ؟ فقال : أما سمعت أبيات ابن الصيفي في هذا؟
فقلت : لا ، فقال : اسمعها منه ، ثم استيقظت فبادرت إلى دار حيص بيص ،
فخرج إلى ، فذكرت له الرؤيا فشهق وأجهش بالبكاء ، وحلف بالله إن كانت
خرجت من فمي أو خطي إلى أحد ، وإن كنت نظمتها إلا في ليلتي هذه ، ثم
أنشدني :
١ دهـ : واقرض .
٢ الخريدة : ٠٣٢٠
٣ ر : بالتجري .
٣٦٤
ع

ملكنا فكانَ العفوُ مِنَا سجية فلما ملكتمْ سالَ بالدَّمِ أبطَحُ
غدَونا على الأسرى نعفُ ونصفح
وحَلْلْتمُ قتلَ الأسارى ، وطالما
فحسبكمُ هذا التفاوتُ بيننا وكلُّ إناءٍ بالذي فيهِ ينضح
وإنما قيل له حيص بيص لأنه رأى الناس يوماً في حركة مزعجة وأمر
شديد فقال : ما الناس في حيص بيص ، فبقي عليه هذا اللقب ، ومعنى هاتين
الكلمتين الشدة والاختلاط ، تقول العرب: وقع الناس في حيص بيص ، أي في
شدة واختلاط .
وكانت وفاته ليلة الأربعاء سادس شعبان سنة أربع وسبعين وخمسمائة ببغداد،
ودفن من الغد بالجانب الغربي في مقابر قريش ، رحمه الله تعالى .
وكان إذا سئل عن عمره يقول : أنا أعيش في الدنيا مجازفة١ ، لأنه كان
لا يحفظ مولده ، وكان يزعم أنه من ولد أكثم بن صيفي التميمي حكيم العرب.
ولم يترك أبو الفوارس عقباً .
وصَيفي : بفتح الصاد المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وكسر الفاء
وبعدها ياء .
والحويزة : بضم الحاء المهملة وفتح الواو وسكون الياء المثناة من تحتها ،
وبعدها زاي ثم هاء ، وهي بليدة من إقليم خوزستان على اثني عشر فرسخاً
من الأهواز .
٠
١ إلى هنا انتهت الترجمة في م، مع سقوط الفقرة التي أولها: («وكان يلبس ... تميم)» فيما سبق.
٣٦٥
١

٢٥٩
أبو المعالي الحظيري
أبو المعالي سعد بن علي بن القاسم بن علي بن القاسم بن علي بن القاسم الأنصاري
الخزرجي الوراق الحظيري المعروف بدلّال الكتب ؛ كانت لديه معارف ، وله
نظم جيد، وألف مجاميع ما قصر فيها، منها كتاب ((زينة الدهر وعصرة أهل
العصر وذكر ألطاف شعراء١ العصر)) الذي ذيله على ((دمية القصر)) لأبي الحسن
الباخرزي جمع فيه جماعة كبيرة من أهل عصره ومن تقدمهم ، وأورد لكل
واحد طرفاً من أحواله وشيئاً من شعره. وقد ذكره العماد الكاتب في ((الخريدة))
وأنشد له عدة مقاطيع ، وروى عنه لغيره شيئاً كثيراً. وكان مطلعاً على أشعار
الناس وأحوالهم ، وله كتاب سماه ((لمح الملح )) يدل على كثرة اطلاعه.
ومن شعر أبي المعالي المذكور قوله :
ومُعذّر في خدّهِ وَرْدٌ وفي فمه٢ مُدامٌ
ما لان لي حق تغنَّى صُبحَ سالِفِه٣ِ ظلام
كالمهر يجمح تحتَ را كبه ويعطفهُ اللجام
وهذا المعنى يقرب من قول أبي علي الحسن بن رشيق٤ - المقدم ذكره - :
وأسمر اللونِ عسجديّ يستمطِرُ المقلةَ الجَهاما
ضاقَ بحمل العذارِ ذَرْعاً كالمُهر لا يعرفُ اللجاما
٢٥٩ - ترجمة أبي المعالي الحظيري في معجم الأدباء ١١: ١٩٤ والخزانة ٣ : ١١٨.
١ ياقوت : في ذكر لطائف شعراء .
٢ ب : يده .
٣ أ : عارضه ؛ ياقوت : طلعته .
٤ ديوان ابن رشيق : ١٦٨ .
٣٦٦

يزيحُ عن جسميَ السَّقاما
فظنَّ أنّ العذارَ مما
كآبة منه واحتشاما
فنكسَ الرأسَ إذ رآني
أنبَتَ في قلبيَ الغَراما
وما دَرى أنهُ نباتٌ
وهلْ تَرى عارِضِيه إلا حمائِلاً عِلْقَتْ حُساما
وقد سبق في ترجمة أبي عمر أحمد بن عبد ربه صاحب كتاب ((العقد)) معنى
هذا البيت الأخير١ .
وله أيضاً :
أحدَقَتْ ظلمة العذار بجدَّي ، فزادَتْ في حبه حسَراتي
قلتُ ماء الحياة في فمه العذْ بِ دَعُوني٢ أخُوضُ في الظلماتِ
[ومن شعره الرائق :
لئن قيل أبدع في شبهه ولم يكسُ معناه لفظاً سليا
فمن عنب الكرم يجنى السلاف وإن لم يكن غصنها مستقيما
وله أيضاً :
دونَ فِيهِ دَعِ الملامة فيهِ
قُلْ لَمَنْ عابَ شامَةٌ لحبيبي
قصُ فيروزَج بخاتمِ فيهِ]٣
إنما الشامةُ التي قلتَ عنها
[ومن شعره أيضاً :
لما حتى الشيب ظهري صحت واحربا دنا أوان فراق الروح والجسد
أما ترى القوس أحنى ظهرها فدنا ترحل السهم عنها وهي في الكبد
وله في كتاب جمعه وسماه (( زينة الدهر )) :
١ انظر ١: ١١٠ من الوفيات.
١
٢ د : فدعني .
٣ زيادة من ر د وبعضه من ص.
٣٦٧

هذا كتاب قد غدا روضة ونزهة للقلب والعينِ
جعلت من شعري له عوذة خوفاً وإشفاقاً من العينِ ]١
وله أيضاً :
مُدّ على ماء الشبابِ الذي في خدّه جسرٌ من الشَّعْرِ
صارَ طريقاً لي إلى سلوَتي وكنتُ فيه موثَقَ الْأسْرِ
ومن شعره أيضاً :
شكوتُ هوى مَنْ شفٌ قلبيَ بُعدُهُ توقِدَ نار ليس يطفى سعيرُها
فقالَ بِعادي عنكَ أكثر راحةٌ ولولا بِعادُ الشمس أحرَق نورُها
[وله أيضاً :
ومهفهف شبهته شمس الضحى في حسن بهجتها وبعد مكانها
قد زاده نقش العذار محبة نقش الفصوص يزيد في أثمانها
ومن شعره :
ومستحسن أصبحت أهذي بذكره وأمسيت في شغل من الوصل شاغل
وعارضني من سحر عينيه جنة فقيدني من صدغه بسلاسل]٢
وله كل معنى مليح مع جودة السبك .
وتوفي يوم الاثنين الخامس والعشرين ، وقيل الخامس عشر ، من صفر
سنة ثمان وستين وخمسمائة ببغداد ، ودفن بمقبرة باب حرب ، رحمه الله تعالى .
والحظيري : بفتح الحاء المهملة وكسر الظاء المعجمة وسكون الياء المثناة من
تحتها وبعدها راء، هذه النسبة إلى موضع فوق بغداد يقال له ((الحظيرة))،
ينسب إليه كثير من العلماء ، والثياب الحظيرية منسوبة إليه أيضاً».
١ زيادة من ر د .
٢ زيادة من ص .
٣ م : ينسب إليه علماء وثياب .
٣٦٨

٢٦٠
سعيد الحيري
أبو عثمان سعيد بن إسماعيل بن سعيد بن منصور الواعظ الحيري١؛ ولد بالريّ
ونشأ بها ثم انتقل إلى نيسابور فسكنها إلى أن توفي بها، وكان قد سمع بالريّ
من محمد بن مقاتل وغيره، وبالعراق من محمد بن إسماعيل الأحمسي وحميد بن الربيع
اللخمي وغيرهما ، ودخل بغداد .
ويقال : إنه كان مستجاب الدعوة [وقام في مجلسه رجل فقال : يا أبا عثمان،
متى يكون الرجل صادقاً في حب مولاه ؟ قال : إذا خلا من خلافه كان صادقاً
في حبه ، قال : فوضع الرجل التراب على وجهه وصاح ، وقال : كيف أدعي
حبه ولم أخلُ طرفَةَ عينٍ من خلافه ؟ فبكى أبو عثمان وأهل المجلس ، وجعل
أبو عثمان يقول : صادق في حبه ، مقصر في حقه .
قال أبو عمرو٢ : وكنت اختلف إلى أبي عثمان مدة في وقت شبابي، وحظيت
عنده ، ثم اشتغلت مدة بشيء مما يشتغل به الفتيان فانقطعت عنه ، وكنت إذا
رأيته من بعيد أو في طريق اختفيت حتى لا يراني، فخرج علي يوماً من سكة في
عطفة فلم أجد عنه محيصاً فتقدمت إليه وأنا دهش ، فلما رأى ذلك قال : يا أبا
عمرو، لا تثقن بمودة من لا يحبك إلا معصوماً]٣.
وكان يقول : طول العتاب فرقة ، وترك العتاب حشمة ، وكان يقول :
لا يستوي الرجل حتى يستوي في قلبه أربعة أشياء: المنع والعطاء، والعز والذل.
٢٦٠ - انظر النجوم الزاهرة ٣: ١٧٧ وطبقات السلمي: ١٧٠ وعبر الذهبي ١١١:٢ وشذرات
الذهب ٢: ٢٣٠ وحلية الأولياء ١٠: ٢٤٤ وتاريخ بغداد ٩ : ٩٩؛ والحيري: نسبة إلى
قرية يقال لها الحيرة من قرى نيسابور ، ولم ترد هذه الترجمة في م والمسودة .
١ ر : الحميري .
٢ أبو عمرو ابن حمدان كما في الحلية .
٣ زيادة من ر وحدها .
٢٤ - ٢
٣٦٩

وكان يقال : ثلاثة أشياء لا رابع لها: أبو عثمان بنيسابور، والجنيد ببغداد ،
وأبو عبد الله ابن الجلاء بالشام .
وقال أبو عثمان : منذ أربعين سنة ما أقامني الله تعالى في شيء فكرهته ،
ولا نقلني إلى حال فسخطته .
وقالت مريم امرأة أبي عثمان : كنا نؤخر اللعب والضحك والحديث إلى أن
يدخل أبو عثمان في ورده من الصلاة ، فإنه إذا دخل ستر الخلوة لم يحس بشيء
من الحديث وغيره . وقالت : صادفت من أبي عثمان خلوة فاغتنمتها ، وقلت :
يا أبا عثمان ، أي عملك أرجى عندك ؟ فقال: يا مريم ، لما ترعرعت وأنا بالري
وكانوا يراودونني على التزوج فأمتنع جاءتني امرأة فقالت : يا أبا عثمان ، قد
أحببتك حبّاً ذهب بنومي وقراري ، وأنا أسألك بمقلب القلوب أن تتزوج بي ،
فقلت : ألكِ والد ؟ قالت : نعم ، فلان الخياط في موضع كذا ، فراسلته ،
فأجاب ، فتزوجت بها، فلما دخلت وجدتها عوراء عرجاء سيئة الخلق، فقلت :
اللهم لك الحمد على ما قدّرته لي ، وكان أهل بيتي يلومونني على ذلك ، فأزيدها
برّاً وإكراماً، إلى أن صارت لا تدعني أخرج من عندها ، فتركت حضور
المجلس إيثاراً لرضاها وحفظاً لقلبها ، وبقيت معها على هذه الحالة خمس عشرة
سنة، وكنت معها في بعض أوقاتي كأني قابض على الجمر ولا أبدي لها شيئاً من
ذلك ، إلى أن ماتت ، فما شيء عندي أرجى من حفظي عليها ما كان في قلبها
من جهتي .
[ولما تغير على أبي عثمان الحال عند الموت مزق ابنه أبو بكر قميصاً على
نفسه . ففتح أبو عثمان عينه وقال : خلاف السنّة يا بني في الظاهر ، وعلامة
رياء في الباطن]١.
توفي لثلاث عشرة بقين من ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين ومائتين ، رحمه
الله تعالى .
وكان كثيراً ما ينشد في حال وعظه :
وغير تقي يأمر الناس بالتقى طبيب يداوي والطبيب مريض
١ زيادة من ص .
٣٧٠

٢٦١
سعید بن جبير
أبو عبد الله - وقيل أبو محمد - سعيد بن جُبير بن هشام الأسدي بالولاء
مولى بني والبة بن الحارث بطنٍ من بني أسد بن خُزيمة ؛ كوفي أحد أعلام
التابعين، وكان أسْوَد ، أخذ العلم عن عبد الله بن العباس وعبد الله بن عمر ،
رضي الله عنهم. قال له ابن عباس: حَدِّثْ، فقال: أُحدِّث وأنت هاهنا١ ؟
فقال : أليس من نعمة الله عليك أن تحدّث وأنا شاهد ، فإن أصبت فذاك ،
وإن أخطأت علمتك .
وكان لا يستطيع أن يكتب مع ابن عباس في الفتيا ، فلما عَمِيَ ابنُ عباس
كتب ، فبلغه ذلك فغضب. [٢ وعن ابن عباس رضي الله عنه أخذ القراءة أيضاً
عَرْضاً ، وسمع منه التفسير وأكثر روايته عنه .
وروى عن سعيد القراءة عَرْضاً المنهالُ بن عمرو وأبو عمرو بن العلاء ؛ قال
وفاء بن إياس٣ : قال لي سعيد في رمضان: أمسك عليَّ القرآن ، فما قام من
مجلسه حتى ختمه ، قال سعيد : قرأت القرآن في ركعة في البيت الحرام ؛ وقال
إسماعيل بن عبد الملك : كان سعيد بن جُبَير يؤمُّنا في شهر رمضان فيقرأ ليلة
بقراءة عبد الله بن مسعود وليلة بقراءة زيد بن ثابت وليلة بقراءة غيره ، هكذا
أبداً ، وسأله رجل أن يكتب له تفسير القرآن ، فغضب وقال : لأن يسقط
٢٦١ - ترجمة سعيد بن جبير في طبقات ابن سعد ٦: ٢٥٦ وطبقات الشيرازي، الورقة : ٢٢
وحلية الأولياء ٤ : ٢٧٢ وتهذيب التهذيب ٤: ١١ وأخبار خروجه على الحجاج ومقتله في
كتب التاريخ كالطبري وابن الأثير وابن كثير وغيرها ؛ وانظر أيضاً رجال ابن حبان: ٨٢
وتذكرة الحفاظ : ٧٦ والعقد الثمين ٤ : ٥٤٩؛ وقد اتبعنا في هذه الترجمة رواية ص وقد
اختلفت عما هي عليه في ر في التقديم والتأخير وحسب .
١ م : فقال وأنت موجود ؟
٢ ما بين معقفين لم يرد في المسودة .
٣ أ: وفاء بن عياش .
٣٧١

شِقِّي أُحبُّ إلي من ذلك ؛ وقال خصيف : كان من أعلم التابعين بالطلاق
سعيد بن المسيّب ، وبالحج عطاء ، وبالحلال والحرام طاوس ، وبالتفسير أبو
الحجاج مجاهد بن جبر ، وأجمعهم لذلك كله سعيد بن جبير .
وكان سعيد في أول أمره كاتباً لعبد الله بن عتبة بن مسعود ، ثم كتب لأبي
بردة بن أبي موسى الأشعري .
وذكره أبو نعيم الأصبهاني في ((تاريخ أصبهان)) فقال١: دخل أصبهان وأقام
بها مدة ، ثم ارتحل منها إلى العراق وسكن قرية سنبلان .
وروى محمد بن حبيب أن سعيد بن جبير كان بأصبهان يسألونه عن الحديث
فلا يحدّث ، فلما رجع إلى الكوفة حدّث، فقيل له : يا أبا محمد، كنت بأصبهان
لا تحدّث وأنت بالكوفة تحدّث، فقال: انشر بَزَّكَ حيث يُعرَفُ].
وكان مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس لما خرج على
عبد الملك بن مروان ، فلما قُتل عبد الرحمن وانهزم أصحابه من دير الجماجم
هرب فلحق بمكة ، وكان واليها يومئذ خالد بن عبد الله القَسْري ، فأخذه
وبعث به إلى الحجاج بن يوسف الثقفي مع إسماعيل بن أوسط البجلي ، فقال
له الحجاج٢ :
١ انظر تاريخ أصبهان ١ : ٣٢٤.
٢ ورد في المطبوعة النص التالي عند هذا الموضع ولم يرد في المخطوطات التي اعتمدناها : فقال
له الحجاج :
ما اسمك ؟ قال : سعيد بن جبير ، قال : بل أنت شقي بن كسير ، قال : بل كانت أمي أعلم
باسمي منك ، قال: شقيت أمك وشقيت أنت ، قال : الغيب يعلمه غيرك ، قال: لأبدلنك.
بالدنيا ناراً تلظى، قال : لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إِلها ، قال : فما قولك في محمد ؟ قال:
نبي الرحمة وإمام الهدى ، قال : فما قولك في علي أهو في الجنة أم هو في النار؟ قال: لو دخلتها
وعرفت مَن فيها عرفت أهلها ، قال : فما قولك في الخلفاء! قال : لست عليهم بوكيل ، قال :
فأيهم أعجب إليك! قال: أرضاهم لخالقي ، قال : فأيهم أرضى للخالق ؟ قال : علم ذلك عند
الذي يعلم سرهم ونجواهم ، قال: أحب أن تصدقني ، قال : إن لم أحبك لن أكذبك ، قال :
فما بالك لم تضحك؟ قال: وكيف يضحك مخلوق خلق من طين والطين تأكله النار؟ قال : فما
بالنا نضحك ! قال : لم تستو القلوب .
ثم أمر الحجاج باللؤلؤ والزبرجد والياقوت فجمعه بين يديه، فقال سعيد: إن كنت جمعت =
٣٧٢

يا شَقي بن كُسير، أما قدمت الكوفة وليس يؤم بها إلا عربي١ فجعلتك
إماماً ؟ فقال : بلى ، قال : أما وليتك القضاء فضج أهل الكوفة وقالوا : لا
يصلح للقضاء إلا عربي فاستقضيت أبا بردة بن أبي موسى الأشعري وأمرته أن
لا يقطع أمراً دونك؟ قال : بلى، قال : أما جعلتك في سُمّاري وكلهم رؤوس
العرب ؟ قال : بلى ، قال : أما أعطيتك مائة ألف درهم تفرقها على أهل الحاجة
في أول ما رأيتك ثم لم أسألك عن شيء منها ؟ قال: بلى، قال : فما أخرجك
علي ؟ قال : بيعة كانت في عنقي لابن الأشعث ، فغضب الحجاج ثم قال : أفما
كانت بيعة أمير المؤمنين عبد الملك في عنقك من قبل؟ والله لأقتلنك، يا حَرَسِيُّ
اضرب عنقه ، فضرب عنقه ، وذلك في شعبان سنة خمس وتسعين ، وقيل سنة
أربع وتسعين للهجرة ، بواسط ، ودفن في ظاهرها وقبره يزار بها ، رضي الله
عنه ، وله تسع وأربعون سنة .
وكان يومٍ أُخذ يقول: وشى بي واشٍ في بلد الله الحرام، أكِلُه إلى الله
تعالى ، يعني خالد بن عبد الله القسري .
= هذا لتتقي به فزع يوم القيامة فصالح ، وإلا ففزعة واحدة تُذهِل كل مرضعة عما أرضعت ،
ولا خير في شيء جُمع للدنيا إلا ما طاب وزكا، ثم دعا الحجاج بالعود والناي ، فلما ضرب
بالعود ونفخ في الناي بكى سعيد ، فقال : ما يبكيك ؟ هو اللعب ، قال سعيد : هو الحزن ،
أما النفخ فذكرني يوماً عظيماً يوم النفخ في الصور ، وأما العود فشجرة قطعت في غير حق ،
وأما الأوتار فمن الشاء تبعث معها يوم القيامة ، قال الحجاج : ويلك يا سعيد ! قال : لا ويل
لمن زُحزحَ عن النار وأُدخل الجنة، قال الحجاج : اختر يا سعيد أي قتلة أقتلك ، قال : اختر
لنفسك يا حجاج، فوالله لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها في الآخرة ، قال : أفتريد أن أعفو
عنك ؟ قال : إن كان العفو فمن الله، وأما أنت فلا براءة لك ولا عذر، قال الحجاج :
اذهبوا به فاقتلوه ، فلما خرج ضحك ، فأخبر الحجاج بذلك ، فرده وقال : ما أضحكك !
قال : عجبت من جراءتك على الله وحلم الله عليك، فأمر بالنطع فبُسِط وقال : اقتلوه ، فقال
سعيد: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، قال: وجِّهوا
به لغير القبلة، قال سعيد: فأينما تولوا فثمَّ وجه الله، قال : كثُّوه لوجهه ، قال سعيد: منها
خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ، قال الحجاج : اذبحوه ، قال سعيد : أما إني
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله ، خذها مني حتى تلقاني
بها يوم القيامة ، ثم دعا سعيد فقال : اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي .
١ في المسودة : أعرابي .
٣٧٣

وقال أحمد بن حنبل : قتل الحجاج سعيد بن جُبَير وما على وجه الأرض
أحد إلا وهو مفتقر إلى علمه. ثم مات الحجاج بعده في شهر رمضان من السنة ،
وقيل بل مات بعده بستة أشهر ، ولم يسلطه الله تعالى بعده على قتل أحد حتى
مات. ولما قتله سال منه دم كثير، فاستدعى الحجاج الأطباء وسألهم عنه وعمن
كان قتله قبله ، فإنه كان يسيل منهم دم قليل ، فقالوا له : هذا قتلته ونفسُه
معه والدم تبع للنفس ، ومَن كنتَ تقتله قبله كانت نفسه تذهب من الخوف ،
فلذلك قلّ دمهم .
وقيل للحسن البصري : إن الحجاج قد قتل سعيد بن جبير ، فقال : اللهم
ايت على فاسق ثقيف، والله لو أن مَنْ بين المشرق والمغرب اشتركوا في قتله
لكَبَّهم الله عز وجل في النار .
ويقال إن الحجاج لما حضرته الوفاة كان يغوص ثم يُفيق ويقول : مالي
ولسعيد بن جبير ؟ وقيل إنه في مدة مرضه كان إذا نام رأى سعيد بن جبير
آخذاً بمجامع ثوبه يقول له: يا عدوّ الله، فيم قتلتني؟ فيستيقظ مذعوراً ويقول:
ما لي ولسعيد بن جبير ؟! ويقال: إنه رأي الحجاج في النوم بعد موته ، فقيل
له : ما فعل الله بك ؟ فقال: قتلني بكل قتيل قتلتُه قَتلةً، وقتلني بسعيد
ابن جبير سبعين قتلةً .
وحكى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتاب ((المهذب)) أن سعيد بن
جبير كان يلعب بالشطرنج استدباراً ، ذكره في كتاب الشهادات في فصل
اللعب بالشطرنج .
٣٧٤

٢٦٢
سعيد بن المسيب
أبو محمد سعيد بن المسيّب بن حَزْن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران
ابن مخزوم القرشي المدني ؛ أحد الفقهاء السبعة بالمدينة ، وقد تقدم ذكر اثنين
منهم : أبو بكر في حرف الباء وخارجة في حرف الخاء .
كان سعيد المذكور سيد التابعين من الطراز الأول ، جمع بين الحديث والفقه
والزهد والعبادة والورع ، سمع سعد بن أبي وقاص الزهري وأبا هريرة رضي
الله عنهما .
قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لرجل سأله عن مسألة : ايت ذاك فسله،
يعني سعيداً ، ثم ارجع إلي فأخبرني ، ففعل ذلك وأخبره ، فقال : ألم أخبركم
أنه أحد العلماء ؟ وقال أيضاً في حقه لأصحابه : لو رأى هذا رسول الله صلى
الله عليه وسلم لسَرَّهُ . وكان قد لقي جماعة من الصحابة رضي الله عنهم وسمع
منهم ، ودخل على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ عنهن، وأكثر
روايته المسند عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وكان زوج ابنته . وسئل الزهري
ومكحول: مَنْ أفقه من أدركتما ؟ فقالا : سعيد بن المسيب ؛ وروي عنه أنه
قال : حججت أربعين حجة ؛ وعنه أنه قال : ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ
خمسين١ سنة، وما نظرت إلى قفا رجل في الصلاة منذ خمسين سنة ، لمحافظته
على الصف الأول ، وقيل إنه صلى الصبح بوضوء العشاء خمسين١ سنة [وكان
يقول٢: ما أعزّت العباد نفسها بمثل طاعة الله، ولا أهانت نفسها بمثل معصية
٢٦٢ - ترجمة سعيد بن المسيب في طبقات ابن سعد ٥ : ١١٩ وطبقات الشيرازي، الورقة : ١٢
وحلية الأولياء ٢: ١٦١ وصفة الصفوة ٢ : ٤٤ ورجال ابن حبان : ٦٣ وتذكرة الحفاظ :
٥٤ وتهذيب التهذيب ٤ : ٨٤.
١ د : أربعين .
٢ وكان يقول ... لصلبه: سقط هذا كله من م وسقط من المسودة الى قوله: حتى على من أفتحها.
٣٧٥
.....

الله ، ودعي إلى نيف وثلاثين ألفاً ليأخذها فقال: لا حاجة لي فيها ولا في بني
مروان ، حتى ألقى الله فيحكم بيني وبينهم .
وقال أبو وداعة : كنت أجالس سعيد بن المسيب ففقدني أياماً ، فلما جئته
قال : أين كنت ؟ قلت : توفيت أهلي فاشتغلت بها، فقال: هلا أخبرتنا
فشهدناها ؟ قال : ثم أردت أن أقوم فقال : هلا أحدثت امرأة غيرها ؟ فقلت:
يرحمك الله ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة ؟ فقال : إن أنا فعلت
تفعل ؟ قلت : نعم ، ثم حمد الله تعالى وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم
وزوجني على درهمين أو قال على ثلاثة ، قال : فقمت وما أدري ما أصنع من
الفرح ، فصرت إلى منزلي ، وجعلت أتفكر ممن آخذ وأستدين ، وصليت
المغرب ، وكنت صائماً ، فقدمت عشاي لأفطر ، وكان خبزاً وزيتاً ، وإذا
بالباب يقرع ، فقلت : من هذا ؟ قال : سعيد ، ففكرت في كل إنسان اسمه
سعيد إلا سعيد بن المسيب، فإنه لم ير منذ أربعين سنة إلا ما بين بيته والمسجد،
فقمت وخرجت ، وإذا بسعيد بن المسيب ، فظننت أنه قد بدا له ، فقلت :
يا أبا محمد ، هلا أرسلت إلي فآتيك ؟ قال: لا ، أنت أحق أن تؤتى ، قلت :
فما تأمرني ؟ قال: رأيتك رجلً عَزَباً قد تزوّجت فكرهتُ أن تبيت الليلة
وحدك ، وهذه امرأتك ، فإذا هي قائمة خلفه في طوله ثم دفعها في الباب وردًّ
الباب، فسقطت المرأة من الحياء ، فاستوثقت من الباب ، ثم صعدت إلى السطح ،
فناديت الجيران ، فجاءوني وقالوا : ما شأنك ؟ فقلت : زوّجني سعيد بن
المسيب اليوم ابنته وقد جاء بها على غفلة ، وها هي في الدار ، فنزلوا إليها ،
وبلغ أُمي فجاءت وقالت : وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن
أصلحها ثلاثة أيام ، فأقمت ثلاثاً ثم دخلت بها ، فإذا هي من أجمل الناس
وأحفظهم لكتاب الله تعالى وأعلمهم بسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعرفهم
بحق الزوج ؛ قال : فمكث شهراً لا يأتيني ولا آتيه ، ثم أتيته بعد شهر وهو
في حلقته، فسلمت عليه ، فرد عليَّ ولم يكلمني حتى انفضّ مَنْ في المسجد ،
فلما لم يبق غيري ، قال : ما حال ذلك الإنسان ؟ قلت : هو على ما يحبُ
الصديق ويكره العدوّ، قال: إن رابك شيء فالعصا، فانصرفت إلى منزلي.
٣٧٦
۔

وكانت بنت سعيد المذكورة خطبها عبد الملك بن مروان لابنه الوليد حين ولاً.
العهد ، فأبى سعيد أن يزوّجه، فلم يزل عبد الملك يحتال على سعيد حتى ضربه
في يوم بارد وصبّ عليه الماء ؛ قال يحيى بن سعيد: كتب هشام بن إسماعيل
والي المدينة إلى عبد الملك بن مروان : إن أهل المدينة قد أطبقوا على البيعة
للوليد وسليمان إلا سعيد بن المسيب ، فكَتب أن اعرضه على السيف ، فإن
مضى فاجلده خمسين جلدة وطُفْ به أسواق المدينة ، فلما قدم الكتاب على
الوالي دخل سليمان بن يسار وعروة بن الزبير وسالم بن عبد الله على سعيد بن
المسيب ، وقالوا : جئناك في أمر ، قد قدم كتاب عبد الملك إن لم تبايع
ضربت عنقك ، ونحن نعرض عليك خصالاً ثلاثاً ، فأعطنا إحداهن ، فإن
الوالي قد قبل منك أن يقرأ عليك الكتاب ، فلا تقل لا ولا نعم ، قال : يقول
الناس: بايع سعيد بن المسيب ، ما أنا بفاعل ، وكان إذا قال لا لم يستطيعوا
أن يقولوا نعم ، قالوا : فتجلس في بيتك ولا تخرج إلى الصلاة أياماً ، فإنه يقبل
منك إذا طلبك من مجلسك فلم يجدكِ ، قال : فأنا أسمع الأذان فوق أُذني حيّ
على الصلاة حيّ على الصلاة، ما أنا بفاعل، قالوا: فانتقل من مجلسك إلى غيره
فإنه يرسل إلى مجلسك ، فإن لم يجدك أمسك عنك ، قال : أَفَرَقاً من مخلوق ؟
ما أنا بمتقدم شبراً ولا متأخر ، فخرجوا وخرج إلى صلاة الظهر ، فجلس في
مجلسه الذي كان يجلس فيه ، فلما صلى الوالي بعث إليه ، فأتِي به ، فقال : إن
أمير المؤمنين كتب يأمرنا إن لم تبايع ضربنا عنقك ، قال : نهى رسول الله
صلى الله عليه وسلم عن بيعتين، فلما رآه لم يجب أُخرج إلى السدة ، فمدَّت عنقه
وسلّت السيوف ، فلما رآه قد مضى أمر به فجرد ، فإذا عليه ثياب شعر ،
فقال : لو علمت ذلك ما اشتهرت بهذا الشأن ، فضربه خمسين سوطاً ، ثم طاف
به أسواق المدينة ، فلما ردوه والناس منصرفون من صلاة العصر قال : إن هذه
لوُجُوه ما نظرت إليها منذ أربعين سنة، ومنعوا الناس أن يجالسوه، فكان من
ورعه إذا جاء إليه أحد يقول له : قم من عندي ، كراهية أن يضرب بسببه .
قال مالك رضي الله عنه : بلغني أن سعيد بن المسيب كان يلزم مكاناً من
المسجد لا يصلي من المسجد في غيره ، وأنه ليالي صنع به عبد الملك ما صنع
٣٧٧

قيل له أن يترك الصلاة فيه فأبى إلا أن يصلي فيه .
وكان يقول: لا تملأوا أعينكم من أعوان الظَّلَمَة إلا بإنكار من قلوبكم لكي لا تحبط
أعمالكم؛ وقيل له وقد نزل الماء في عينه: ألا تقدح عينك؟ قال: حتى على من أفتحها].
ورأى عبد الملك بن مروان في منامه كأنه قد بال في المحراب أربع مرات فوجه
إلى سعيد بن المسيب من يسأله ، فقال: يملك من ولده لصلبه أربعة ، فكان كما
قال ، فإنه ولي الوليد وسليمان ويزيد وهشام ، وهم أولاد عبد الملك لصلبه .
وكانت ولادته لسنتين مَضَتًا من خلافة عمر رضي الله عنه ، وكان في خلافة
عثمان رضي الله عنه رجلاً .
وتوفي بالمدينة سنة إحدى - وقیل اثنتين ، وقیل ثلاث، وقبل أربع، وقيل
خمس - وتسعين للهجرة، وقيل إنه توفي سنة خمس ومائة، والله أعلم، رضي الله عنه.
والمسيَّب : بفتح الياء المشددة المثناة من تحتها ، وروي عنه أنه كان يقول
بكسر الياء ، ويقول : سَيَّبَ الله من يسيِّب أبي.
وحَزْن : بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي وبعدها نون .
وعائذ : بذال معجمة .
٢٦٣
أبو زيد الأنصاري
أبو زيد سعيد بن أوس بن ثابت بن زيد بن قيس بن زيد بن النعمان بن مالك
ابن ثعلبة بن كعب بن الخَزرَج، وقال محمد بن سعد في ((الطبقات))١: هو
٢٦٣ - ترجمة أبي زيد الأنصاري في نور القبس: ١٠٤ وتاريخ بغداد ٧٧:٩ ومعجم الأدباء : ١١
٢١٢ وانباه الرواة ٢: ٣٠ وبغية الوعاة: ٢٥٤ وتهذيب التهذيب ٤: ٣ وغاية النهاية ١:
٣٠٥ ومصادر أخرى سردها محقق انباه الرواة في الحاشية فلتراجع . وهذه الترجمة مستوفاة
في مسودة المؤلف .
١ ورد نسبه على هذا النحو في الطبقات (١/٧: ١٧ من الطبعة الاوروبية) وانظر القفطي: ٣١.
٣٧٨

أبو زيد سعيد بن أوس بن ثابت بن بشير بن أبي زيد ثابت بن زيد بن قيس .
والأول ذكره الخطيب في تاريخه، والله أعلم بالصواب ، الأنصاري اللغوي
البصري ؛ كان من أئمة الأدب ، وغلب عليه اللغات والنوادر والغريب ، وكان
يرى رأي القَدَر ، وكان ثقة في روايته .
حدّث أبو عثمان المازني قال : رأيت الأصمعي وقد جاء إلى حلقة أبي زيد
المذكور ، فقبّل رأسه وجلس بين يديه وقال : أنت رئيسنا وسيدنا منذ خمسين
سنة١ . وكان التوّزيّ يقول: قال لي ابن مناذر: أصف لك أصحابك ؟ أما
الأصمعي فأحفظ الناس ، وأما أبو عبيدة فأجمعهم ، وأما أبو زيد الأنصاري
فأوثقهم . وكان النضر بن شميل يقول : كنا ثلاثة في كُتّاب واحد : أنا وأبو
زيد الأنصاري وأبو محمد اليزيدي . وقال أبو زيد: حدثني خَلَفٌ الأحمر ،
قال : أتيت الكوفة لأكتب عنهم الشعر ، فبخلوا علي به ، فكنت أعطيهم
المنحول وآخذ الصحيح ، ثم مرضت فقلت لهم: ويلكم! أنا نائب إلى الله تعالى،
هذا الشعر لي ، فلم يقبلوا مني ، فبقي منسوباً إلى العرب لهذا السبب .
وأبو زيد المذكور له في الآداب مصنفات مفيدة: منها كتاب ((القوس
والترس)) وكتاب ((الإبل)) وكتاب ((خلق الإنسان)) وكتاب ((المطر)) وكتاب
((المياه)) وكتاب ((اللغات)) وكتاب ((النوادر)) وكتاب ((الجمع والتثنية))
وكتاب ((اللبن)) وكتاب ((بيوثات العرب)) وكتاب ((تخفيف الهمزة)) وكتاب
(((القضيب)) وكتاب ((الوحوش)) وكتاب ((الفرق)) وكتاب ((فعلت وأفعلت))
وكتاب ((غريب الأسماء)) وكتاب ((الهمزة)) وكتاب ((المصادر)) وغير ذلك ،
ولقد رأيت له في النبات كتاباً حسناً جمع فيه أشياء غريبة٢ .
وحكى بعضهم٣ أنه كان في حلقة شعبة بن الحجاج ، فضجر من إملاء
الحديث فرمى بطرفه٤ فرأى أبا زيد الأنصاري في أُخريات الناس فقال :
١ القفطي : منذ عشر سنين ؛ نزهة الالباء : منذ عشرين سنة .
٢ ذكر له ابن النديم والقفطي مؤلفات أخرى كثيرة لم يذكرها المؤلف .
٣ هو روح بن عبادة كما في القفطي: ٣٢.
٤ أ : فرمى بطرفه في الحلقة .
٣٧٩
٠

يا أبا زيد١ :
استعجمت دارُ مَيٍّ ما تكلِّمنا والدار لو كلمتنا ذاتُ إخبارٍ
إليّ يا أبا زيد، فجاءه، فجعلا يتحدَّثان ويتناشدان الأشعار ، فقال له بعض
أصحاب الحديث : يا أبا بسطام ، نقطع إليك ظهور الإبل لنسمع منك حديث
رسول الله صلى الله عليه وسلم فتدَعُنا وتقبل على الأشعار ؟ قال : فغضب شعبة
غضباً شديداً ، ثم قال: يا هؤلاء ، أنا أعلم بالأصلح لي ، أنا والله الذي لا إله
إلا هو في هذا أسلم مني في ذاك .
وكانت وفاته بالبصرة في سنة خمس عشرة - وقيل أربع عشرة ، وقيل
ست عشرة - ومائتين ، وعُمَّر عمراً طويلاً حتى قارب المائة ، وقيل انه عاش
ثلاثاً وتسعين سنة ، وقيل خمساً وتسعين ، وقيل ستاً وتسعين ، رحمه الله تعالى.
٢٦٤
الأخفش الأوسط
أبو الحسن سعيد بن مَسعَدَة المُجاشي بالولاء النحوي البلخي المعروف
بالأخفش الأوسط ؛ أحد نحاة البصرة ، والأخفش الأكبر أبو الخطاب ، وكان
نحوياً أيضاً من أهل هَجَرَ من مَواليهم ، واسمه عبد الحميد بن عبد المجيد ،
وقد أخذ عنه أبو عبيدة وسيبويه وغيرهما .
وكان الأخفش الأوسط المذكور من أئمة العربية ، وأخذ النحو عن سيبويه،
١ البيت النابغة: (شرح ابن السكيت: ٢٣٣) وقد وردت الحكاية في القفطي ونور القبس.
٢٦٤ - ترجمة الأخفش في نور القبس: ٩٧ وانباه الرواة ٢: ٣٦ ومعجم الأدباء ١١ : ٢٢٤
وبغية الوعاة : ٢٥٨ وقد ساق محقق الانباه ثبتاً بمصادر ترجمته الاخرى في الحاشية . قلت :
وهذه الترجمة مستوفاة في مسودة المؤلف .
٣٨٠