Indexed OCR Text

Pages 261-280

كُسيْراتٍ يابسةَ، فعطشت فقمت إلى كَنّ فيه ماء حار ، فقلت : رحمك
الله! لو اتخذت دنّاً غير هذا يكون فيه الماء بارداً، فقال لي: إذا كنت لا أشرب
إلا بارداً ولا آكل إلا طيّباً ولا ألبس إلا ليّناً، فما أبقيت لآخرتي ؟ قال :
قلت له : أوْصِنِي ، قال: صُمْ عن الدنيا، واجعل إفطارك فيها الموت، وفرَّ
من الناس فرارك من السبع ، وصاحِب أهل التقوى إن صحبت فإنهم أخف
مؤونةً وأحسن معونة ، ولا تدعِ الجماعة ، حَسبُك هذا إِن عملت به .
وقال داود الطائي : ما حسدت أحداً على شيء إلا أن يكون رجلاً يقوم
الليل ؛ فإني أحب أن أُرزق وقتاً من الليل . قال أبو خالد : وبلغني أنه كان
لا ينام الليل، [إِذا غلبته عيناه احتبى قاعداً]؛ ومكث عشرين سنة لا يرفع
رأسه إلى السماء .
وقدم هارون الرشيد الكوفة فكتب قوماً من القراء فأمر لكل واحد منهم
بألفي درهم فكان داود الطائي ممن كتب فيهم ودعي باسمه أين داود الطائي ؟
فقالوا : داود يجيبكم ؟ أرسلوا اليه ، قال ابن السماك وحماد بن أبي حنيفة : نحن
نذهب اليه ، قال ابن السماك لماد في الطريق : إذا نحن دخلنا عليه فانثرها بين
يديه فإن للعين حظها ، فقال حماد : رجل ليس عنده شيء يؤمر له بألفي درهم
يردها !! فلما دخلوا عليه فنثروها بين يديه قال: سوءة، إنما يُفعل هذا بالصبيان،
وأبى أن يقبلها .
قال حماد بن أبي حنيفة إن مولاة كانت لداود تخدمه قالت: لو طبخت لك
دسماً تأكله ، فقال : وددت ، فطبخت له دسماً ثم أتته به ، فقال لها : ما فعل
أيتام بني فلان ؟ قالت : على حالهم ، قال : اذهبي بهذا إليهم ، فقالت : أنت
لم تأكل أدماً منذ كذا وكذا ، فقال : إن هذا إذا أكلوه صار إلى العرش ،
وإذا أكلته صار إلى الحُشِّ، فقالت له: يا سيدي أما تشتهي الخبز ؟ قال :
يا داية، بين مَضْغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية .
وقال محارب بن دثار : لو كان داود في الأمم الماضية لقصَّ الله تعالى شيئاً
من خبره .
توفي داود سنة ستين ، وقيل سنة خمس وستين ومائة ، رحمه الله تعالى .
٢٦١

ولما مات جاء ابن السماك ووقف على قبره ثم قال :
أيها الناس إن أهل الزهد في الدنيا تعجلوا الراحة على أبدانهم مع يسير
الحساب غداً عليهم ، وإن أهل الرغبة فيها تعجلوا التعب على أبدانهم مع ثقل
الحساب غداً عليهم ، والزهادة راحة لصاحبها في الدنيا والآخرة ، والرغبة
تعب لصاحبها في الدنيا والآخرة ؛ رحمك الله أبا سليمان ما كان أعجب شأنك ،
ألزمت نفسك الصبر حتى قومتها: أجعتها وإِنما تريد شبعها ، وأظمأتها وإنما تريد
ريها ، أخشنت المطعم وإنما تريد طيبه ، أخشنت الملبس وإنما تريد لينه ؛ أبا
سليمان: أما كنت تشتهي من الطعام طيبه ، ومن الماء بارده ، ومن اللباس لينه ؟
بلى ولكن أخرت ذلك لما بين يديك ، فما أراك إلا قد ظفرت بما طلبت وما
إليه رغبت ، فما أيسر ما ضيعت، وأحقر ما فعلت في جنب ما أمّلت ، فمن
سعى مثلك عزم عزمك وصبر صبرك ، آنس ما يكون إذا كنت بالله خالياً
وأوحش ما يكون آنس ما يكون الناس . سمعت الحديث وتركت الناس
يحدثون وتفهمت في دين الله وتركتهم يفتون . لا تقبل من السلطان عطية ، ولا
من الإخوان هدية ، سجنت نفسك في بيتك فلا محدث لك، ولا ستر على بابك ،
فلو رأيت جنازتك وكثرة تابعك علمت أنه قد شرفك وأكرمك وألبسك رداء
عملك ، فلو لم يرغب عبد في الزهد في الدنيا إلا محبة هذا الستر الجميل والتابع
الكثير لكان حقيقاً بالاجتهاد ، فسبحان من لا يضيع مطيعاً ولا ينسى لأحد
صنيعاً.
[وقيل إن ابن السماك لما قام على قبر داود قال : رحمك الله يا داود ! كنت
تسهر ليلك والناس نائمون ، وكنت تربح إِذ الناس يخسرون ، فقال الناس جميعاً:
صدقت؛ وكنت تسلم إِذ الناس يخوضون، فقال الناس جميعاً: صدقت؛ حتى عدَّد
فضائله كلها . ولما فرغ قام أبو بكر النهشلي فحمد الله ثم قال : يا رب إن الناس
قد قالوا ما عندهم مبلغ ما علموا ، اللهم فاغفر له برحمتك ولا تكله إلى عمله ،
وفرغ من دفنه وقام الناس .
قال جعفر بن نفيل الرهبي : رأيت داود الطائي بعد موته فقلت له : كيف
رأيت خير الآخرة ؟ قال: رأيت خيرها كثيراً، قلت: فماذا صرت إليه ؟ قال:
٢٦٢

صرت إلى خير الحمد لله ، قال فقلت له: هل لك من علم بسفيان بن سعيد؟ فقال :
كان يحب الخير وأهله فرقاه الخير إلى درجة أهل الخير]١ .
٢٢٦
دبیس بن صدقة
أبو الأغر٢ دبيس بن سيف الدولة أبي الحسن صَدَقة بن منصور بن دبيس بن
علي بن مَزْيَد الأسدي الناشري الملقب نور الدولة ملك العرب صاحب الحلة
المزيدية ؛ كان جواداً كريماً عنده معرفة بالأدب والشعر ، وتمكن في خلافة
الإمام المسترشد واستولى على كثير من بلاد العراق ، وهو من بيت كبير -
وسيأتي ذكر أبيه وأجداده في حرف الصاد إن شاء الله تعالى - .
ودبيس المذكور هو الذي عناه ابن الحريري صاحب ((المقامات)) في المقامة
التاسعة والثلاثين٣ بقوله ((أو الأسدي دبيس)» لأنه كان معاصره - كما نذكره في
حرف القاف إن شاء الله تعالى - فرام التقرب إليه بذكره في مقاماته ، ولجلالة
قدره أيضاً .
وله نظم حسن، ورأيت العماد الكاتب في ((الخريدة)) وابن المستوفي في ((تاريخ
إِربل)) وغيرهما قد نسبوا إليه الأبيات اللامية التي من جملتها :
١ زيادة من ر د .
٢٢٦ - ترجمة دبيس بن صدقة في كتب التاريخ كابن الأثير وابن خلدون، وانظر النجوم الزاهرة ه:
٢٥٦ وشرح المقامات ٢ : ٢١٨.
٣ الأغر: كذا هو في ص ر والمسودة بالغين المعجمة والراء المهملة، وورد في بعض النسخ («الأعز».
٣ هي المقامة العمانية، وفيها يصف كيف أحاطت الجماعة بأبي زيد تثني عليه وتقبل يديه («حتى
خيل إلي أنه القرني أويس، أو الأسدي دبيس)) (المقامات : ٤١٥).
٢٦٣

أسلمَهُ حبُّ سليمانِكُمْ إِلى هَوَّى أَيْسَرُهُ القَتْلُ
ورأيت ابن بسام صاحبَ كتاب ((الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة)» قد
ذكرها لابن رشيق القيرواني - وقد ذكرتها في ترجمته في حرف الحاء - والظاهر
أنها لابن رشيق، لأن ابن بسام ذكر في ((الذخيرة)) أنه ألفها في سنة اثنتين
وخمسمائة١ وفي هذا التاريخ كان دبيس شابّاً ويبعد أن يصل شعره في ذلك السن
إلى الأندلس وينسب إلى مثل ابن رشيق ، مع معرفة ابن بسام بأشعار أهل
المغرب .
وذكر ابن المستوفي في تاريخه أن بدران أخا دبيس كتب إلى أخيه المذكور
وهو نازح عنه :
ألا قُلْ لِمَنصورٍ وقل المسيّب وقل لدبيسٍ إِنني الغريبُ
هنيئاً لكم ماء الفرات وطيبُهُ إِذا لم يكن لي في الفرات نَصيبُ
فكتب إليه دبيس :
ألا قل لبَدْران الذي حَنَّ نازعاً إلى أرضِهِ والحرّ ليس يخيب
تمتّع بأيام الشُّرور فإنما عِذارُ الأماني بالهمومِ يَشيب
ولله في تلك الحوادث حِكْمَةٌ ((وللأرض من كأس الكرام نَصيب))
(39) وذكر غير ابن المستوفي أن بدران بن صدقة المذكور لقبه تاج الملوك،
ولما قُتل أبوه تغرب عن بغداد ودخل الشام فأقام بها مدة ثم توجه إلى مصر ومات
بها في سنة ثلاثين وخمسمائة ؛ وكان يقول الشعر ، وذكره العماد الكاتب الأصفهاني
في كتاب (( الخريدة )).
وكان دبيس في خدمة السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه السلجوقي وهم
نازلون على باب المراغَةِ من بلاد أذربيجان ومعهم الإمام المسترشد بالله - لسبب
١ يريد أن تأليف الذخيرة كان في ذلك العام (٥٠٢) وابن بسام توفي سنة ٥٤٢ ؛ ولعل تأليفه
استغرق فترة تجاوزت العام المذكور .
٢٦٤

سنذكره في ترجمة مسعود المذكور إن شاء الله تعالى - ، فيقال إن السلطان
دس عليه جماعة من الباطنية فهجموا خيمته - أعني المسترشد بالله - وقتلوه يوم
الخميس الثامن والعشرين ، وقال ابن المستوفي : الرابع عشر من ذي القعدة سنة
تسع وعشرين وخمسمائة ، وخاف أن تنسب القضية إليه ، وأراد أن تنسب إلى
دبيس المذكور، فتركه إلى أن جاء إلى الخدمة وجلس على باب خيمة السلطان ،
فسَيَّر بعض مماليكه، فجاءه من ورائه وضرَبَ رأسه بالسيف فأبانَه، وأظهر
السلطانُ بعد ذلك أنه إنما فعل هذا انتقاماً منه بما فعل في حق الإمام ، وكان
ذلك بعد قتل الإمام بشهر ، رحمه الله تعالى .
وذكر المأموني في تاريخه أنه قُتل في رابع عشر ذي الحجة من السنة
المذكورة على باب خُوَيّ . وكان قد أحسَّ بتغيّر رأي السلطان فيه منذ
قتل المسترشد ، وعزم على الهرب مراراً ، وكانت المنية تُنَبِّطُه .
وذكر ابن الأزرق في تاريخه١ أن قتله كان على باب تبريز ، وأنه لما قتل
حُمِل إلى ماردين إلى زوجته كهارخاتون، فدفن بالمشهد عند نجم الدين إِيلغازي٢
صاحب ماردين ، والد كهارخاتون المذكورة ، ثم تزوج السلطان المذكور ابنة
دبيس المذكور ، وأمها شرف خاتون ابنة عميد الدولة بن فخر الدولة محمد بن
جهير ، وأم شرف خاتون المذكورة زبيدة بنت الوزير نظام الملك - وسيأتي
ذكر ذلك في ترجمة فخر الدولة بن جهير إن شاء الله تعالى - .
والناشري - بفتح النون وبعد الألف شين معجمة مكسورة وبعدها راء ثم
ياء - هذه النسبة إلى ناشِرَة بن نصر بطنٍ من أسد بن خُزَيمة .
١ هو عبد الله بن محمد بن عبد الوارث أبو الفضل ابن الأزرق، له كتاب في تاريخ بلده ميافارقين .
٢ في المسودة : الغازي .
٢٦٥

٢٢٧
دعبل
أبو علي دِغْبِل بن علي بن رَزين بن سليمان الخزاعي الشاعر المشهور، وذكر
صاحب الأغاني : أنه دعبل بن علي بن رزين بن سليمان بن تميم بن نهشل - وقيل
بهنس - بن خراش بن خالد بن دعبل بن أنس بن خزيمة بن سلامان بن أسلم
ابن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر مزيقيا ويكنى: أبا عليّ . وقال
الخطيب البغدادي في تاريخه : هو دعبل بن علي بن رزين بن عثمان بن عبد الله
ابن بُدَيل بن ورقاء الخزاعي .
أصله من الكوفة ، ويقال : من قرقيسيا وأقام ببغداد ، وقيل إن دِعبلاً
لقب واسمه الحسن ، وقيل عبد الرحمن ، وقيل محمد ، وكنيته أبو جعفر والله
أعلم . ويقال : إنه كان أطروشاً وفي قفاه سلعة ١.
كان شاعراً مجيداً، إلا أنه كان بَذِيَّ اللسان مُولعاً بالهَجْو والحطّ من
أقدار الناس، وهجا الخلفاء فمَنْ دونهم، وطال عمره فكان يقول : لي خمسون
سنة أحمل خشبتي على كتفي٢ ، أدور على مَنْ يصلبني عليها فما أجد مَن يفعل
ذلك ، ولما عمل في إبراهيم بن المهدي - المقدّم ذكره - الأبياتَ التي أثبتتُها
في ترجمته وأولها :
نَعَرَ ابنِ شَكلةَ بالعراق وأهله فهَفا إليه كلُّ أطلَسَ مائق
٢٢٧ - ترجمة دعبل الخزاعي في الاغاني ٢٠: ٦٨ والشعر والشعراء : ٧٢٧ وتاريخ بغداد ٨ :
٣٨٢ ولسان الميزان ٢: ٤٣٠ ومعاهد التنصيص ٢: ١٩٠ والفهرست: ٢٢٩ والموشح:
٢٩٩ وطبقات ابن المعتز: ٢٦٤ ومعجم الأدباء ١١: ٩٩ وتهذيب ابن عساكره : ٢٢٧
ورجال الكشي: ٣١٣ والشذرات ٢: ١١، وقد جمع زولنديك ديوانه وقطعاً من كتابه في
الشعراء (١٩٦١) كما قام الدكتور محمد نجم بجمع ديوانه (بيروت: ١٩٦٢).
١ وذكر ... سلعة : سقط من س .
٢ ر : ظهري .
٢٦٦

دخل إبراهيم على المأمون فشكا إليه حاله، وقال : يا أمير المؤمنين ، إِن الله
سبحانه وتعالى فَضَّلك في نفسك عليَّ وألهمك الرأفة والعفو عني ، والنسبُ
واحد، وقد هجاني دِعْبل فانتقم لي منه ، فقال المأمون : ما قال؟ لعل قوله :
نعر ابن شكلة بالعراق ...
وأنشد الأبيات ، فقال : هذا من بعض هجائه ، وقد هجاني بما هو أقبح
من هذا ، فقال المأمون : لك أسوة بي فقد هجاني واحتملته ، وقال في١ًّ :
أيَسومُني المأمونُ خُطّةَ جاهلٍ أَوَما رأى بالأمس رأسَ محمدٍ
قتَلَتْ أخاك وشَرَّفتك بمقعد
إِنِّي من القومِ الذين سُوفَهُم
واسْتنقَذُوك من الحضيض الأوهَد
شادُوا بذكرك بَعدَ طول خُموله
فقال إبراهيم : زادك الله حلماً يا أمير المؤمنين وعلماً فما ينطق أحدنا إلا عن
فَضْل علمك ولا يحلم إلا اتباعاً لحلمك .
وأشار دعبل في هذه الأبيات إلى قضية طاهر بن الحسين الخزاعي - الآتي
ذكره إن شاء الله تعالى - وحصاره بغداد، وقتله الأمينَ محمدَ بن الرشيد ،
وبذلك ولي المأمون الخلافة . والقصة مشهورة ، ودعبل خزاعي ، فهو منهم ،
وكان المأمون إذا أنشد هذه الأبيات يقول: قبح الله دعبلاً فما أوقَحَه٢،
كيف يقول عني هذا وقد ولدت في حجر الخلافة ورَضعت ثديها وربيت في
مهدها ؟
[ومثل هذا الحلم بل أعظم ما حكي عن الواثق أنه كان يحب الباذنجان ويكثر
من أكله ومعظم الرَّمد بالعراق من أكل الباذنجان لحرّ الإقليم والسوداء المتولدة
من أكله ، فبعث إليه أبوه المعتصم وقال له : دع أكل الباذنجان واحفظ بصرك
فمتى رأيت خليفة أعمى ؟ فقال للرسول : قل لأمير المؤمنين إني تصدقت بعيني
على الباذنجان، ثم رمد رمدة صعبة ما تخلص منها إلا وعلى إحدى عينيه بياض كاد
١ ديوانه : ٦٩ .
٢ أ : أقبحه .
-
٢٦٧

يسدها ، وكان المسدود الشاعر قد هجا الواثق وهو ولي عهد أبيه ، وسمي
المسدود لجسم سدّ منخريه فعمل :
من المسدود في الأنف إلى المسدود في العين
فيا طبلاً له رأس ويا طبلاً برأسين
فلما كان يوم تفرقة العطاء كتب المسدود مستحقَّه في ورقة وجعلها في عمامته
مع ورقة الهجو ثم دخل على الخليفة فناوله ورقة الهجو فقرأها وضحك وقال :
خذ هذه وهات ورقة المستحق ولا تعد في مثل هذا، وقضى حاجته]١ .
وكان بين دعبل ومسلم بن الوليد الأنصاري اتحاد كثير ، وعليه تخرَّج دعبل
في الشعر٢، فاتفق أن وليَ مسلم جهةٌ في بعض بلاد خُراسان أو فارس ثم إني
ظفرت بالجهة التي تولاها مسلم وهي جرجان من ناحية خراسان ولاًّه إياها
الفضلُ بن سَهل - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - فقصده دعبل لما يعلمه من
الصحبة التي بينهما ، فلم يلتفت مسلم إليه ، ففارقه وعمل٣ :
بنا وابْتَذَلْتَ الوصْلَ حتى تَقَطّعًا
غششْتَ الهوى حتى تدَاعَتْ أصوله
ذخيرةَ وُدّ طالما قد تمتّعَا
وأنزّلْت من٤ بين الجوانح والحَشَا
تَخَرَّقْتَ حتى لم أجد لك مرقَعَا
فَلاَ تَعْذَلَنِّي ليس لي فيكَ مَطَمَعٌ
وصَبَّرْتُ قلبي بعدها فتشجعا
وهبك يميني استأكلَتْ فَقَطعْتُها
ومن شعره في الغزل :
لا تَعْجبي يا سلمَ من رجل ضحك المشيبُ برأسه فَبَكى
يا ليْتَ شعري كَيْفَ نومُكما يا صاحبيّ إذا دمي سُفِكا
١ زيادة من د .
٢ س : الفقه .
٣ ديوانه : ١٠٢ .
٤ س : ما .
٥ ديوانه : ١١٧ .
٢٦٨

لا تأخذا بظُلامَتي أحداً قلبي وطَرْفي في دمي اشتركا
ومن شعره في مدح المطَّب بن عبد الله بن مالك الخزاعي أمير مصر١:
زمني بمطّلب سُقِيتَ زَمانا ما كنْتَ إِلا رَوْضةٌ وجِنَانا
كلُّ الندى إِلا نَداكَ تكلُّفٌ لم أرض غيرَك كائناً من كانا
أصلحتني بالبرِّ بل أفْدتني وتركتني أتسخط الإحسانا
١
ومن كلامه : من فَضْل الشعر أنه لم يكذب أحد قط إلا اجْتَواه٢ الناس،
إلا الشاعر فإنه كلما زاد كذبه زاد المدح له ، ثم لا يقنع له بذلك حتى يقال
له : أحسنت والله ، فلا يشهد له شهادة زور إلا ومعها يمين بالله تعالى .
وقال دعبل٣ : كنا يوماً عند سَهْل بن هارون الكاتب البليغ، وكان شديد
البخل ، فأطلنا الحديث ، واضطره الجوع إلى أن دعاء بغَدَائه ، فأتيَ بقصعة
فيها ديك عاسٍ هرم لا تخرقه سكين ولا يؤثر فيه ضرس ، فأخذ كسرة خبز
فخاض بها مرقته ، وقَلَّبَ جميع ما في القصعة ، ففقد الرأس ، فبقي مُطرقاً
ساعة ، ثم رفع رأسه وقال للطباخ: أين الرأس؟ فقال: رميتُ به ، قال : ولم؟
قال : ظننت أنك لا تأكله ، فقال : لبئس ما ظننت ، ويحك والله إني لأمقت
مَنْ يرمي برجليه فكيف من يرمي رأسه ، والرأس رئيس ، وفيه الحواس
الأربع، ومنه يَصِيحُ، ولولا صوته لما فضل، وفيه فرقه٥ الذي يُتبرك به ،
وفيه عيناه اللتان يضرب بها المثل فيقال : شراب كعين٦ الديك، ودماغه
عجب٢ لوجع الكليتين ، ولم ير عظم قط أهش من عظم رأسه، أو ما علمت أنه
١ ديوانه : ١٩٠، وتنسب أيضاً لطريح الثقفي في حماسة الخالديين ١ : ١٤.
٢ د : اجتنبه .
٣ لم ترد هذه القصة في س .
٤ هـ : أتي .
٥ فرقه : رواية ص والمسودة ؛ وفي بعض النسخ : عرفه .
٦ هـ : مثل عين.
٧ ر : عجيب .
٢٦٩

خير من طرف الجناح ومن الساق ومن العنق ؟ فإن كان قد بلغ من نُبْلك١
أنك لا تأكله فانظر أين هو، قال: والله لا أدري أين هو ، رميت به ، قال:
لكني أدري أين هو ، رميت به في بطنك فالله حسبك .
ودعبل ابن عم أبي جعفر محمد بن عبد الله بن رزين الملقب أبا الشّيّص
الخزاعي الشاعر المشهور ، وكان أبو الشيص من مُدّاح الرشيد ، ولما مات رئاه
ومدح ولده الأمين .
وكانت ولادة دعبل في سنة ثمان وأربعين ومائة ، وتوفي سنة ست وأربعين
ومائتين بالطيب ، وهي بلدة بين واسط العراق وكور الأهواز، رحمه الله تعالى.
وجده رزين مولى عبد الله بن خلف الخزاعي ، والد طلحة الطلحات، وكان
عبد الله المذكور كاتب عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، على ديوان الكوفة ،
وولي طلحة سجستان فمات بها ، رحمه الله تعالى .
ولما مات دعبل - وكان صديق البحتري ، وكان أبو تمام الطائي قد مات
قبله كما تقدم - رفاهما البحتري بأبيات منها٢ :
قد زاد في كلَقي وأوقَدَ لوْعتي مَثْوَى حبيب يَومَ مات ودعبلِ
تَغْشَاكَا بسماء مُزْنٍ مُسْبِل
أخَوَيّ لا تزل السماء مخيلة
مَسْرَى النعيِّ ورِمَِّةٌ بالموصل
جَدَثٌ على الأهواز يَبْعُدُ دونه
ودعبل - بكسر الدال وسكون العين المهملتين وكسر الباء الموحدة وبعدها
لام - وهو اسم الناقة الشارف، وكان يقول : مررت يوماً برجل قد أصابه
الصَّرْعِ ، فَدَنَوْت منه وصحت في أذنه بأعلى صوتي : دعبل ، فقام يمشي
كأنه لم يصبه شيء .
١ أج : من مثلك .
٢ ديوان البحتري : ١٧٩٠.
٢٧٠

٢٢٨
دعلج بن أحمد
دعلج بن أحمد بن دعلج بن عبد الرحمن السجستاني المعدَّل ؛ سمع الحديث
ببلاد خراسان والري وحلوان وبغداد والبصرة والكوفة ومكة ، وكان من
ذوي اليسار وله صدقات جارية وأوقاف محبسة على أهل الحديث ببغداد ومكة
وسجستان ؛ وجاور بمكة زماناً طويلاً ثم سكن بغداد واستوطنها وحدث بها
عن محمد بن عمر الحرسي ومحمد بن النضر الجارودي وغيرهما ، وروى عنه
الدار قطني أبو الحسن وغيره من شيوخ الخطيب. وكان ثقة، وجمع له ((المسند))
وغير ذلك .
قال الخطيب: بلغني أنه بعث بكتابه ((المسند)) إلى أبي العباس ابن عقدة
لينظر فيه وجعل في الأجزاء بين كل ورقتين ديناراً؛ وكان يقول : ليس في
الدنيا مثل داري ، وذلك أنه ليس في الدنيا مثل بغداد ، ولا في بغداد مثل
القطيعة ، ولا في القطيعة مثل درب أبي خلف ، ولا في درب أبي خلف مثل
داري .
قال الخطيب : حدثني أبو بكر محمد بن علي بن عبد الله الحداد - وكان من
أهل الدين والقرآن والصلاح - عن شيخ سماه وذهب عني حفظ اسمه قال :
حضرت يوم جمعة المسجدَ الجامعَ بمدينة المنصور، فرأيت رجلاً بين يديّ في
الصف حسنَ الوقار ظاهر الخشوع دائم الصلاة، لم يزل يتنفّلُ مذ دخل المسجد
إلى أن قرب قيامُ الصلاة ، ثم جلس ، قال : فغلبتني هيبته ودخل قلبي محبته ،
ثم أقيمت الصلاة فلم يُصَلّ مع الناس الجمعة ، فكبر علي ذلك من أمره ،
وتعجبت من حاله ، وغاظني فعله ، فلما قضيت الصلاة تقدمت إليه وقلت :
٢٢٨ - ترجمة دعلج في طبقات السبكي ٢: ٢٢٢ وتاريخ بغداد ٨: ٣٨٧ وعبر الذهي ٢: ٢٩١
والرسالة المستطرفة : ٧٣ ؛ وانفردت بهذه الترجمة النسختان : ص ر .
٢٧١
:

أيها الرجل ، ما رأيت أعجب من أمرك ، أطلت النافلة وأحسنتها وتركت
الفريضة وضيعتها ، فقال : يا هذا إن لي عذراً وبي علة منعتني من الصلاة ،
قلت : وما هي ؟ قال : أنا رجل عليَّ دين اختفيت في منزلي مدة بسببه ثم
حضرت اليوم الجامع للصلاة فقبل أن تُقام التفتُّ فرأيت صاحب الدين ، فمن
خوفه أحدثت في ثيابي، فهذا خبري، فأسألك بالله إلا سترت علي وكتمت أمري،
فقلت : ومن الذي له عليك الدين ؟ قال : دعلج بن أحمد ، وكان إلى جانبه
صاحب لدعلج قد صلى وهو لا يعرفه ، فسمع هذا القول ، ومضى في الوقت إلى
دعلج فذكر له القصة ، فقال له دعلج : امض إلى الرجل واحمله إلى الحمام
واطرح عليه خلعة من ثيابي وأجلسه في منزلي حتى أنصرف من الجامع ، ففعل
الرجل ذلك، فلما انصرف دعلج إلى منزله أمر بالطعام فأحضر وأكل هو والرجل
ثم أخرج حسابه فنظر فيه فإذا له عليه خمسة آلاف درهم فقال له : انظر لا
يكون عليك في الحساب غلط أو نسي لك نقد ، فقال الرجل : لا ، فضرب
دعلج على حسابه وكتب تحته علامة الوفاء ، ثم أحضر الميزان ووزن خمسة
آلاف درهم وقال له : أما الحساب الأول فقد حاللناك مما بيننا وبينك فيه
وأسألك أن تقبل هذه الخمسة آلاف درهم وتجعلنا في حل من الروعة التي دخلت
قلبك برؤيتك إيانا في مسجد الجامع ، أو كما قال .
وكانت وفاة دعلج المذكور يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى
الآخرة سنة إحدى وخمسين وثلثمائة ، وقيل لعشر بقين منها ، رحمه الله تعالى .
٢٧٢

٢٢٩
أبو بكر الشبلي
أبو بكر دُلَف بن جَحْدَر - وقيل جعفر، وقيل جعفر بن يونس ،
وهكذا هو مكتوب على قبره - المعروف بالشّبْلي الصالح المشهور الخراساني
الأصل البغدادي المولد والمنشأ ؛ كان جليل القدر مالكي المذهب ، وصحب
الشيخ أبا القاسم الجنيد ومن في عصره من الصلحاء رضي الله عنهم ، وكان في
مبدإ أمره وإلياً في دُنْبَاوَنْدَ ، فلما تاب في مجلس خيرٍ النساج مضى إليها
وقال لأهلها : كنت والي بلدكم فاجعلوني في حل . ومجاهداته في أول أمره فوق
الحد ، ويقال : إنه اكتحل بكذا وكذا من الملح ليعتاد السهر ولا يأخذه نوم؟
وكان يبالغ في تعظيم الشرع المطهر ؛ وكان إذا دخل شهرُ رمضان المبارك جَدْ
في الطاعات ويقول : هذا شهر عَظَّمه ربي فأنا أولى بتعظيمه ، وكان في آخر
عمره ينشد كثيراً :
وكم مِن مَوضعٍ لو مُتُّ فيهِ لكنتُ به نَكالاً في العشيره
ودخل يوماً على شيخه الجنيد ، فوقف بين يديه وصَفْق بيديه ، وأنشد :
وَرَمَوْني بالصدِّ والصَّدُّ صَعْبُ
عَوَّدُوني الوصالَ والوصْلُ عَذْبُ
فَرْطُ حبّي لهمْ، وما ذاكَ ذَنبُ
زَعموا حين أزْمعوا١ أن ذنبي
ما جَزَا مَنْ يُحِبُ إِلا يُحَبُ
لاَ وَحَقِّ الخضوعِ عِندَ التلاقي
قال : فأجابه الجنيد :
...
٢٢٩ - ترجمة الشبلي في تاريخ بغداد ١٤: ٣٨٩ والمنتظم ٦: ٣٤٧ وصفة الصفوة ٢: ٢٥٨
وحلية الأولياء ١٠: ٣٦٦ والنجوم الزاهرة ٣ : ٢٨٩.
١ م هـ : أعرضوا .
١٨ - ٢
٢٧٣

وتَمَنَّيت أنْ أرَا كَ فلمَّا رَأيتكا
عَلَبَتْ دَهشة السرو ر١ فلم أملِكِ البكا
[حدث أحمد بن منصور بن نصر قال: جاء الشبلي يوماً إلى أبي بكر ابن
مجاهد فلم يجده في مسجده فسأل عنه فقيل : هو عند علي بن المجوسي ، فلما دخل
وقعدنا قال له أبو بكر ابن مجاهد : يا أبا بكر ، أُخبرت أنك تحرق الثياب
والخبز والأطعمة وما ينتفع الناس فيه ، أين هذا من العلم والشرع؟ فقال له :
يقول الله ﴿فطفق مسحاً بالسوق والأعناق﴾ (ص: ٣٣) أين هذا من العلم ؟
فسكت أبو بكر ابن مجاهد ، فقال : كأني ما قرأتها قط . وقيل إنهم عابثوه
في مثله فقرأ ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾ ( الأنبياء: ٩٨)
هذه الأطعمة والشهوات حقيقة الخلق ومعبودهم أبرأ منه وأحرقه؛ ومن أناشيده:
ودادكم هجر وحبكم قلى ووصلكم سلم وسلمكم حرب
وحكي عن بعض المعترفين٢ أنه أنس إلى طريقة التصوف واستشرف [وشاور
أبا بكر فرده عما أراده] ٣وحذره التعرض له، وعطفته الخواطر عليه فمال إلى
قرين من هذه الطائفة فعلق بهم واتصل بجملتهم ، ثم صحب جماعة منهم متوجهاً
إلى الحج ، فعجز في بعض الطريق من مسايرتهم وقصر عن اللحاق فمضوا وتخلف
عنهم ، فاستند إلى بعض الرمال إرادة الاستراحة من الإعياء ، فمر به الشيخ
المذكور فقال مخاطباً له :
إن الذين بخير كنتُ أذكرهم قضوا عليك وعنهم كنت أنها كا
فقال له الفتى : ما أصنع الآن ؟ فقال له :
لا تطلبن حياة غير حبهمُ فليس يحييك إلا من توفّاكا
١ هـ : اللقاء .
٢ د : المسرفين.
٣ زيادة من د وموضعها بیاض في ر .
٢٧٤

قال محمد بن إبراهيم : حضرت وفاة الشبلي فأمسك لسانه وعرق جبينه
فأشار إلى وضوء الصلاة فوضأته ، وبقي تخليل لحيته ، فقبض على يدي وأدخل
إصبعي في لحيته يخللها ، فبكيت وقلت : رجل لم يذهب عليه تخليل لحيته في
الوضوء عند نزع روحه وإمساك لسانه .
ودخل عليه أبو الفتح ابن شفيع عائداً في مرضه ، فسمعه يقول :
صحَّ عند الناس أني عاشق غير أن لم يعلموا عشقي لمن
قال أبو بكر الشبلي : جئت يوماً إلى باب الطاق فرأيت والدة تضرب
ولدها ، فقلت لها : لهذا حرمة ، فقال الصبي : معارضتك بيني وبين والدتي أشد
علي من ضربها، أرأيت أحداً يضرب ولده إلا من محبته إياه؟ إنما ضرب الوالدين
تأديب وشفقة وفرط محبة ، قال الشبلي : فكأني كنت المقصود بهذه المخاطبة ،
فانصرفت عنهما وأنا أقول :
لبيك تصديقاً أيا سيدي مَنِ الذي يألم من عثرتك]١
وحكى٢ الخطيب في تاريخه، قال أبو الحسن التميمي: دخلت على أبي بكر
في داره يوماً وهو ہہیج ، ويقول :
على بُعْدِكَ ما يصب رُمَنْ عَادَتهُ القربُ
ولا يقوى على هجرٍ كَ مَن تَيَّمَهُ الحبُ
فقَدْ يُبصِرُكَ القلب٣
فإنْ لم تَرَكَ العينُ
وذكر الخطيب أيضاً في ترجمة أبي سعد إسماعيل بن علي الواعظ٤ ما مثاله :
وأنشدنا أبو سعد قال : أنشدنا طاهر الخثعمي قال : أنشدني الشبلي لنفسه :
١ ما بين معقفين زيادة من ر وبعضه في دولا وجود له في المسودة وسائر النسخ .
.......
٢ س : وذكر .
٣ إلى هنا انتهت الترجمة في م .
٤ ترجمته في تاريخ بغداد ٦ : ٣١٥ .
٢٧٥

مَضَتِ الشبيبَةُ والحبيبةُ فانبرى دَمْعانٍ في الأجفان يزْدَ حمانِ
ما أنصفتني الحادثاتُ، رَمينني بُوَدَّعَينِ وليسَ لي قلبانِ
وقال الشبلي أيضا١ً: رأيت يوم الجمعة معتوهاً عند جامع الرصافة قائماً
عُريانَ ، وهو يقول : أنا مجنون الله، أنا مجنون الله، فقلت له: لمَ لا تدخل
الجامع وتتوارى وتصلي ؟ فأنشد :
يَقولُونَ زُرْنا واقْضٍ واجِبَ حَقِّنا وقدْ أسْقَطَتْ حالي حُقُوقَهُمُ عني
إذا أبصرُوا حالي ولم يأنفُوا لها ولمْ يأنفُوا مِنها أنِفتُ لهمْ مِنِّي
وكانت وفاته يوم الجمعة٢ لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين٣
وثلثمائة ببغداد ، ودفن في مقبرة الخيزران ، وعمره سبع وثمانون سنة ، رحمه
الله تعالى، ويقال إنه مات سنة خمس وثلاثين، والأول أصح ، ويقال إن
مولده بسُرّ من رأى .
والشّبْلي: بكسر الشين وسكون الباء الموحدة وبعدها لام - وهذه النسبة
إلى شِيلةَ ، وهي قرية من قرى أُسرُ وشنَة، واسروشنة بضم الهمزة وسكون
السين المهملة وضم الراء وسكون الواو وفتح الشين المعجمة وفتح النون وبعدها
هاء ساكنة - وهي بلدة عظيمة وراء سَمَرْقَندَ من بلاد ما وراء النهر .
ودُنْبَاوَنْدُ : بضم الدال المهملة وسكون النون وفتح الباء الموحدة وبعد
الألف واو مفتوحة ثم نون ساكنة وبعدها دال مهملة - وهي ناحية من رُستاق
الرّي في الجبال ، وبعضهم يقول: دماوند، والأول أصح .
-
١ سقطت هذه القصة من س .
١
٢ أ: الخميس.
٣ أج: ٣٨٤ (وهو خطأ) .
٢٧٦

حَرفُ الَّذال

٢٣٠
ذو القرنين ابن حمدان
أبو المطاع ذو القرنين ابن أبي المظفر حَمْدان بن ناصر الدولة أبي محمد الحسن
ابن عبد الله بن حمدان التغلبي الملقب وجيه الدولة - وقد تقدم ذكر جده ناصر
الدولة في حرف الحاء ، ورفَعْتُ هناك في نسبه فأغنى عن إعادته - ؛ كان أبو
المطاع المذكور شاعراً ظريفاً حسَنَ السَّبْك جميل المقاصد ، ومن شعره قوله :
إني لأحسُدُ ((لا)) في أسطرِ الصُّحُفِ إذا رأيتُ اعتناقَ اللامِ لِلْألفِ»
وما أظُنْتُهُما طالَ اعْتناقُهُما إلا لما لَقيا مِنْ شِدّةِ الشَّغَفِ
وله أيضاً :
أفْدي الذي زُرْتُهُ بالسيف مُشتَملاً ولحظُ عينيه أمْضى منْ مَضاربِهِ
فَمَا خَلَعْتُ نِجادِي في العناقِ لَهُ حَتّى لَبِستُ نِجاداً مِنْ ذَوَائبهِ
فكانَ أسعَدَنا في نَيلِ بُفْيَتِهِ مَنْ كانَ في الحبِّ أشقانا بصاحِبه١
وأورد له الثعالبي في ((اليقيمة))٢ الأبياتَ التي تقدم ذكرها في ترجمة الشريف
أبي القاسم أحمد بن طَباطَبا العلوي التي أولها :
قالت لطيفٍ خيالٍ زارَني ومَضى باللّهِ صِفِهُ ولا تنقصْ ولا تزدٍ
٢٣٠ - ترجمة ذي القرنين ان حمدان في معجم الأدباء ٤: ٢٠١ وتهذيب ابن عساكره : ٢٥٩
والشذرات ٣: ٢٣٨ والنجوم الزاهرة ٥ : ٢٧.
١ سقط البيت من س .
٢ انظر اليقيمة ١ : ١٠٦ - ١٠٧.
٢٧٩

وذكر في ترجمة أبي المطاع أنها له وفي ترجمة الشريف أنها له ، والله أعلم لمن
هي منهما .
وله أيضاً :
٢٠٬٠٠
& t = "kBite
من جنحه أظُلَمٌ فِي طيِّها نِعَمُ
لمَّا التقينا معاً والليلُ يسترنا
ولا مراقب إلا الطَّرْقُ والكرم
بِتنا أعفَ مبيتٍ باتهُ بشر
ولا سعَتْ بالذي يسعى بنا قدَم١
فلا مشى مَن وشى عند العدوّ بنا
[وله أيضاً :
لو كنتَ ساعة بيننا ما بيننا فشهدتَ حين نكرر التوديعا
أيقنتَ أن من الدموع محدثاً وعلمتَ أن من الحديث دموعا
وقوله :
ترى الثياب من الكتان يلمحها نور من البدر أحياناً فيبليها
والبدر في كل وقت طالعٌ فيها
فكيف تنكر أن تبلى معاجرها
والشريف الرضي في المعنى :
كيف لا تبلى غلالته وهو بدر وهي كتّان]٢
ومن المنسوب إليه٣ :
نِضواً كمثل الخلالِ
تقولُ لمَّا رأتني
وأنتَ طيفُ خيالٍ
هذا اللقاء منامٌ
أساء بينكِ حالي
فقلت كلا ولكن
فليسَ تعرفُ مني حقيقيٍ من محالي
١ ب : القدم .
٢ ما بين معقفين زيادة من ر وبعضه في د ولم يرد في ص أو المسودة.
٣ سقطت الأبيات من س .
٢٨٠