Indexed OCR Text
Pages 241-260
عباس ، بمقربة من قبر يحيى بن يحيى ، رحمهما الله تعالى . وداحَة : بفتح الدال المهملة وبعد الألف حاء مهملة أيضاً مفتوحة ثم هاء ساكنة . وداكة : مثلها إلا أن عوض الحاء كاف . وبَشكُوال : بفتح الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة وضم الكاف وبعد الواو ألف ولام . (34) وتوفي والده أبو مروان عبد الملك بن مسعود١ صبيحة يوم الأحد ، ودفن عشيّ يوم الاثنين لأربع بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة ، وعمره نحو ثمانين سنة ، رحمه الله تعالى . ٢١٨ خلف بن هشام أبو محمد خلف بن هشام بن ثعلب ، ويقال : هشام بن طالب ، بن غراب البزار المقرىء ؛ سمع مالك بن أنس وحماد بن زيد وأبا عوانة وغيرهم ؛ روى عنه عباس الدوري ومحمد بن الجهم وأحمد بن أبي خيثمة وغيرهم ؛ قال أبو العباس أحمد بن إبراهيم ورّق خلف: سمعت خلفاً يقول: قدمت الكوفة فصرت إلى سليم بن عيسى فقال : ما أقدمك ؟ قلت : أقرأ القرآن على أبي بكر ابن عياش بحرف عاصم ، فقال لي : ألا تزيد ؟ قلت : بلى ، قال : فدعا ابنه وكتب معه رقعة إلى ابن عياش ، فاستأذن لي عليه سليم بن عيسى ، فدخل عليه فأعطاه ١ ترجمته في الصلة: ٣٤٨ ويقول فيه ابنه: «وكان حافظاً للفقه على مذهب مالك وأصحابه عارفاً بالشروط وعللها حسن العقد لها مقدماً في معرفتها وإتقانها، وكان كثير التلاوة القرآن العظيم ليلاً ونهاراً ويختمه كل جمعة ». ٢١٨ - ترجمة خلف بن هشام في تاريخ بغداد ٨: ٣٢٢ وغاية النهاية ١: ٢٧٣، والترجمة موافقة لما في تاريخ بغداد، وما هنا انفردت به النسختان: ص ر ولم يرد في المسودة وسائر النسخ . ١٦ - ٢ ٢٤١ الرقعة، وكان لخلف سبع عشرة سنة ؛ قال : فلما قرأها قال : أدخلِ الرجل، فدخلت فسلمت فصعّد فيّ النظر ، ثم قال لي : أنت خلف ؟ قلت : نعم ، قال لي : أنت لم تخلف ببغداد أحداً أقرأ منك ؟ فسكتُّ، فقال لي : اقعد هات اقرأ، قلت : عليك ؟ قال : نعم ، قلت : لا إله إلا الله ، لا أقرأ على رجل يستصغر رجلاً من حمَلة القرآن، وتركته وخرجت ، فوجه إلى سليم فسأله أن يردني إليه فلم أرجع؛ قال : فندمت واحتجت ، فكتبت قراءة عاصم عن يحيى ابن آدم عن أبي بكر ابن عياش . وقال خلف : أتيت سليم بن عيسى لأقرأ عليه ، وكان بين يديه قوم وأظنهم سبقوني ، فلما جلست قال : بلغني أنك تريد الترفع في القراءة فلست آخذ عليك شيئاً ، قال : فكنت أحضر المجلس أسمع ولا يأخذ علي شيئاً، فبكرت يوماً في الغلس ، وخرج فقال : من هاهنا يتقدم ويقرأ ، فتقدمت واستفتحت بسورة يوسف وهي من أشد القرآن إعراباً ، فقال لي: من أنت فما سمعت أقرأ منك ؟ فقلت : خلف، فقال لي : فعلتها ما يحل لي أن أمنعك، فكنت أقرأ عليه حتى بلغت يوماً حم المؤمن، فلما بلغت إلى قوله تعالى: ﴿ ويستغفرون للذين آمنوا ﴾ ( غافر : ٧) بكى بكاءً شديداً ثم قال لي : يا خلف ألا ترى ما أعظم حق المؤمن تراه نائماً على فراشه والملائكة يستغفرون له . وروى خلف بسنده إلى أبي هريرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل خلق مائة رحمة فأنزل منها رحمة على عباده يتراحمون بها وخبأ تسعاً وتسعين عنده فإذا كان يوم القيامة جمع تيك الرحمة إلى التسع والتسعين وفضّها على عباده ، فمن رحمة واحدة جعلني مسلماً وعلمني القرآن وعرفني نبيه صلى الله عليه وسلم وفعل بي وفعل بي وأنا أرجو من تسع وتسعين الجنة . وذكر لأبي جعفر النفيلي خلف بن هشام البزار فقال : كان من أصحاب السنّة لولا بلية كانت فيه ، يشرب النبيذ ؛ قال عبد الكريم بن الحداد : وكان خلف يشرب من الشراب على التأويل ، فكان ابن أخته يوماً يقرأ عليه سورة الأنفال حتى بلغ قوله تعالى: ﴿ليميز الله الخبيث من الطيب﴾ (الأنفال: ٣٧) فقال : يا خال إذا ميز الله الخبيث من الطيب أين يكون الشراب ؟ قال : ٢٤٢ فنكس رأسه طويلاً ثم قال: مع الخبيث، قال: فترضى أن تكون مع أصحاب الخبيث ؟ قال : يا بني امضٍ إلى المنزل فاصبب كل شيء فيه ، فتركه فأعقبه الله تعالى الصوم ، فصام الدهر إلى أن مات ، وقيل انه أعاد صلاة الأربعين سنة التي كان يتناول فيها الشراب على مذهب الكوفيين . وكانت وفاته يوم السبت السابع عشر من جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين ومائتين ، رحمه الله تعالى ؛ ورثاه بعض الشعراء بقوله : هجان إمام في القراءة مبصرٌ مضى شيخنا البزار بالفضل يُذكرُ بوابل غيث صفوه يتفجر سقى الله قبراً حله من غمامة فما قدروا حتى عموا وتحيروا وقد طلب الحساد في الناس كيده ٢١٩ خليفة بن خياط أبو عمرو خليفة بن خياط بن أبي هبيرة خليفة بن خياط الشيباني العُصْفُري البصري المعروف بشباب صاحب ((الطبقات))؛ كان حافظاً عارفاً بالتواريخ وأيام الناس غزير الفضل ، روى عنه محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه وتاريخه وعبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل وأبو يعلى الموصلي والحسن بن سفيان النَّسوي١، في آخرين ، وروى هو عن ابن عيينة ويزيد بن زريع وأبي داود الطيالسي ودرست بن حمزة وتلك الطبقة . ٢١٩ - ترجمة خليفة بن خياط في تذكرة الحفاظ: ٤٣٦ وتهذيب التهذيب ٣: ١٦٠ وأنساب السمعاني واللباب (( العصفري)) وتاريخ البخاري ١/٢: ١٧٥ والفهرست: ٢٣٢ والرسالة المستطرفة: ١٣٩ ومواطن من الاعلان بالتوبيخ للسخاوي . وقد طبع كتاباه في التاريخ والطبقات . ١ انظر اللباب في مادة (« النسوي ». ٢٤٣ ٠ توفي في شهر رمضان سنة ثلاثين ومائتين ، وقال الحافظ ابن عساكر في (( معجم مشايخ الأئمة السنة)) إنه توفي سنة أربعين، وقيل: ست وأربعين ومائتين، رحمه الله تعالى . والعُصْفُري :- بضم العين وسكون الصاد المهملتين وضم الفاء وبعدها راء - هذه النسبة إلى العُصفُر الذي تصبغ به الثياب حُمْراً . وشَباب - بفتح الشين المثلثة والباء الموحدة وبعد الألف باء ثانية - وقد اختلفوا في تلقيبه بذلك لأيّ معنى هو . (35) وتوفي جده أبو هبيرة خليفة بن خياط في رجب سنة ستين ومائة ، وكان أبو عمرو المذكور يقول: توفي جدي خليفة بن خياط وشعبة بن الحجاج في شهر واحد ، رحمهم الله أجمعين . ٢٢٠ الخليل بن أحمد أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي ويقال : الفرهودي الأزدي اليحمدي ؛ كان إماماً في علم النحو ، وهو الذي استنبط علم العروض وأخرجه إلى الوجود وحصر أقسامه في خمس دوائر يستخرج منها خمسة عشر بحراً، ثم زاد فيه الأخفش بحراً آخر وسماه الخَبَبَ . وقيل إن الخليل دعا بمكة أن يُرْزَق١َ علماً لم يسبقه أحد إليه ولا يؤخذ إلا عنه، فرجع من حَجّه ففتح عليه بعلم العروض ، وله معرفة بالإيقاع والنغم ، وتلك المعرفة أحْدَثَت له علم العروض ، فإنهما متقاربان في المأخذ . .... ... ٢٢٠ - ترجمة الخليل بن أحمد في انباه الرواة ٣٤١:١ وفي الهامش ثبت بمصادر ترجمته والاخبار عنه. ١ د : أن يرزقه الله تعالى. ٢٤٤ وقال حمزة بن الحسن الأصبهاني ١ في حق الخليل بن أحمد في كتابه الذي سماه ((التنبيه على حدوث التصحيف)): ((وبعد، فإن دولة الإسلام لم تخرج أبدع للعلوم التي لم يكن لها عند علماء العرب أصول من الخليل، وليس على ذلك برهان أوضح من علم العروض الذي لا عن حكيم أخَذَه ، ولا على مثال تقدمه احتذاه ، وإنما اخترعه من ممرّ له بالصفارين٢ من وقع مطرقة على طست ليس فيهما حجة ولا بيان يؤديان إلى غير حليتهما أو يفيدان غير جوهرهما ، فلو كانت أيامه قديمة ورسومه بعيدة لشك فيه بعض الأمم لصنعته ما لم يصنعه أحد منذ خلق الله الدنيا من اختراعه العلم الذي قدمت ذكره ، ومن تأسيسه بناء كتاب (((العين)) الذي يحصر لغة أُمة من الأمم قاطبة، ثم من إمداده سيبويه من علم النحو بما صنف منه كتابه الذي هو زينة لدولة الإسلام)) انتهى كلامه . وكان الخليل رجلاً صالحاً عاقلا٣ حليماً وقوراً، ومن كلامه : لا يعلم الإنسان خطأ معلمه حتى يجالس غيره . وقال تلميذه النضر بن شميل : أقام الخليل في خص من أخصاص البصرة لا يقدر على فلسين ، وأصحابه يكسبون؛ بعلمه الأموال ، ولقد سمعته يوماً يقول : إني لأغلق عليّ بابي فما يجاوزه همي . وكان يقول : أكمل ما يكون الإنسان عقلً وذهناً إذا بلغ أربعين سنة ، وهي السن التي بعث الله تعالى فيها محمداً صلى الله عليه وسلم، ثم يتغير وينقص إذا بلغ ثلاثاً وستين سنة ، وهي السن التي قبض فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأصفى ما يكون ذهن الإنسان في وقت السَّحَر . وكان له راتب على سليمان بن حبيب بن المهلب بن أبي صُفْرَة الأزدي وكان والي فارس والأهواز ، فكتب إليه يستدعيه ، فكتب الخليل جوابه : ............. ١ كل المنقول عن حمزة لم يرد في م ومسودة المؤلف ونسختي س ص؛ انظر التنبيه : ١٢٤. ٢ أ: من ممر له عن الصفائري . ٣ م ج : عالماً؛ أ : عاملاً . ٤ د : يكتسبون . ٢٤٥ وفي غِنَّ غِيرَ أني لستُ ذا مالٍ أبلغ سليمان أني عنه في سَعة١ يموت هُزْلاً ولا يبقى على حال شُحّاً بنفسيَ أني لا أرى أحداً الرزق عن٢ قَدَرٍ لا الضعف يَنقُصُهُ ولا يزيدُك فيه حَوْلُ محتال ومثل ذلك الغنى في النفس لا المال والفقر في النفس لا في المال نعرفه فقطع عنه سليمان الراتب فقال الخليل : إِن الذي شَقَّ فمي ضامِنٌ للرزق حتى يَتَوَفّاني حَرَمْتَني خيراً قليلاً فما زادك في مالك حرماني فبلغت سليمان فأقامته وأقعدته ، وكتب إلى الخليل يعتذر إليه ، وأضعف راتبه ، فقال الخليل : وزلَّةٍ يُكثر الشيطانُ إِن ذُكرت منها التعجُّبَ جاءت من سليمانا لا تعجبنَّ لخير زَلَّ عن يدهِ فالكوكب النحس يَسقي الأرض أحيانا واجتمع الخليل وعبد الله بن المقَفَّع ليلة يتحدثان إلى الغَداة ، فلما تفرقا قيل للخليل : كيف رأيت ابن المقفع؟ فقال: رأيت رجلاً علمه أكثر من عقله ، وقيل لابن المقفع : كيف رأيت الخليل؟ قال: رأيت رجلاً عقله أكثر من علمه. وللخليل من التصانيف كتاب ((العين)) في اللغة وهو مشهور ، وكتاب ((العروض)) وكتاب ((الشواهد)) وكتاب ((النقط والشكل)) وكتاب ((النغم)) وكتاب في العوامل٣. وأكثر العلماء العارفين باللغة يقولون : إن كتاب العين في اللغة المنسوب إلى الخليل بن أحمد ليس تصنيفه ، وإنما كان قد شرع فيه ورَتَّب أوائله وسماه : ((العين))، ثم مات فأكمله تلامذته النضر بن شميل ومَنْ في طبقته وهم مؤرج ١ ر : دعة . ٢ د : رزقي على؛ وانظر الأبيات في الانباه وغيره من المصادر. ٣ لم يذكر في م ؛ وقال القفطي: كتاب في العوامل منحول عليه . ٢٤٦ السدوسي ونصر بن علي الجَهْضَمي وغيرهما، فما جاء الذي عملوه مناسباً لما وضعه الخليل في الأول ، فأخرجوا الذي وضعه الخليل منه ، وعملوا أيضاً الأول ، فلهذا وقع فيه خلل كثير يبعد وقوع الخليل في مثله ، وقد صنف ابن دُرُسْتُوَيَهِ في ذلك كتاباً استوفى الكلام فيه ، وهو كتاب مفيد١ . ويقال : إن الخليل كان له ولد متخلف ، فدخل على أبيه يوماً فوجده يُقَطّعُ بيت شعر بأوزان العروض، فخرج إلى الناس وقال: إن أبي قد جُنّ، فدخلوا عليه وأخبروه بما قال ابنه ، فقال مخاطباً له : لو كنتَ تعلم ما أقول عذَرِتني أو كنتَ تعلم ما تَقول عَذَلَتُكا لكنْ جهلتَ مَقالتي فَعَذَلتني وعلمتُ أنكَ جاهل فعَذَرْتُكا وقد روي عنه أنه أنشد ، ولم يذكر لنفسه أم لغيره : يقولونَ لي دارُ الْأحبّةِ قِدْ دَنَتْ وأنت كئيبٌ إِنَّ ذا لعَجِيبُ فقلتُ: وما تُغني الديار وقُربُها إِذا لم يكن بينَ القلوبٍ قَرِيبُ ويحكى عنه أنه قال : كان يتردّد إلى شخص يتعلّم العروض وهو بعيد الفهم ، فأقام مدّة ولم يعلق على خاطره شيء منه، فقلت له يوماً : قطّع هذا البيت : إذا لم تستطع شيئا٢ً فدَعْهُ وجاوزْهُ إِلى ما تستطيعُ ١ قال الازهري في مقدمة التهذيب (١: ٢٨) عند ذكر الليث بن المظفر (او الليث بن نصر او ابن رافع) إنه نحل الخليل بن أحمد كتاب العين جملة لينفقه باسمه ويرغب فيه من حوله ، وأثبت لنا عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي الفقيه أنه قال : كان الليث بن المظفر رجلاً صالحاً ، ومات الخليل ولم يفرغ من كتاب العين ، فأحب الليث أن ينفق الكتاب كله فسمى لسانه الخليل، فإذا رأيت في الكتاب ((سألت الخليل بن أحمد)» او «أخبرني الخليل بن أحمد)) فانه يعني الخليل نفسه، وإذا قال ((قال الخليل)» فإنما يعني لسان نفسه (وانظر بقية الصفحة ٢٩ ففيها تحقيقات هامة عن هذا الكتاب) . ٢ م : أمراً . ٢٤٧ فَشَرَعَ معي في تقطيعه على قدر معرفته ، ثم نهض ولم يعد يجيء إليّ ، فعجبت من فِطنته لما قصدته في البيت مع بُعد فهمه . وأخبار الخليل كثيرة ، وسيبويه عنه أخذ علوم الأدب - وسيأتي ذكره في حرف العين المهملة إن شاء الله تعالى - . ويقال: إن أباه أحمد أولُ من سمي بأحمد بعد رسول الله صلی الله عليه وسلم، كذا ذكره المرزبانيُ في كتاب (( المقتبس)»١ نقلاً عن أحمد بن أبي خيثمة . وكانت ولادته في سنة مائة للهجرة . وتوفي سنة سبعين ، وقيل خمس وسبعين ومائة ، وقيل عاش أربعاً وسبعين سنة ، رحمه الله تعالى . وقال ابن قانع في تاريخه المرتب على السنين : إنه توفي سنة ستين ومائة . وقال ابن الجوزي في كتابه الذي سماه (( شذور العقود)): إِنه مات سنة ثلاثين ومائة ، وهذا غلط قطعاً، لكن نقله الواقدي، ومات بالبصرة - أعني الخليل - وكان سبب موته أنه قال: أريد أن أقرّبَ نوعاً من الحساب تمضي به الجارية إلى البيّاع فلا يمكنه ظلمها، ودخل المسجد وهو يُعْملُ فكرهُ في ذلك ، فصَدَمتهُ سارية وهو غافلٌ عنها بفكره ، فانقلب على ظهره ، فكانت سبب موته ، وقيل : بل كان يُقَطّع بحراً من العروض . والفراهيدي - بفتح الفاء والراء وبعد الألف هاء مكسورة ثم ياء ساكنة مثناة من تحتها وبعدها دال مهملة - هذه النسبة إلى فَراهيد ، وهي بطن من الأزْدِ، والفُرُهُودي واحدها، والفُرهُودُ: ولد الأسد بلغة أزد شنوءة ، وقيل : إن الفراهيد صغار الغنم . واليَحْمَدي - بفتح الياء المثناة من تحتها وسكون الحاء المهملة وفتح الميم وبعدها دال مهملة - نسبة إلى يَحْمَد، وهو أيضاً : بطن من الأزد ، خرج منه خلق كثير . ويحكى أن الخليل كان ينشد كثيراً هذا البيت ، وهو الأخطل٣ : وإِذا افتَقَرْتَ إِلى الذخائر لم تجِدْ فُخْراً يكونُ كصالحِ الأعمالِ ١ انظر نور القبس : ٥٦ . ٢ د: اعمل؛ م: اعمل شيئاً. ٣ ديوانه : ١٥٨. ٢٤٨ ٢٢١ خمارويه بن طولون أبو الجيش خُمارَوَيَه بن أحمد بن طولون - وقد تقدم ذكر أبيه وجده في حرف الهمزة - ولما توفي أبوه اجتمع الجند على توليته مكانه فولي وهو ابن عشرين سنة ، وكانت ولايته في أيام المعتمد على الله ، وفي سنة ست وسبعين ومائتين تحرك الافشين : محمد بن أبي الساج ديوداذ بن دوست١ من أرمينية والجبال في جيش عظيم ، وقصَدَ مصر ، فلقيه خمارويه في بعض أعمال دمشق ، وانهزم الافشين ، واستأمن أكثر عسكره ، وسار خمارويه حتى بلغ الفرات ودخل أصحابه الرقة ، ثم عاد وقد ملك من الفرات إلى بلاد النوبة . ولما مات المعتمد وتولى المعتضد الخلافة، بادر إليه خمارويه بالهدايا والتشحف، فأقره المعتضد على عمله ، وسأل خمارويه أن يزوج ابنته قَطَرَ الندى - واسمها أسماء - للمكتفي بالله بن المعتضد بالله، وكان يوم ذاك وليّ العهد، فقال المعتضد بالله : بل أتزوجها أنا ، فتزوجها في سنة إحدى وثمانين ومائتين ، ودخل بها في آخر هذه السنة ، وقيل في سنة اثنتين وثمانين ، والله أعلم . وكان صداقها ألف ألف درهم ، وكانت موصوفة بفَرط الجمال والعقل . حكي أن المعتضد خلا بها يوماً للأنس في مجلس أفرده لها ما حضره سواها ، فأخذت منه الكأس ، فنام على فخذها ، فلما استثقل وضعت رأسه على وسادة وخرجت وجلست في ساحة القصر ، فاستيقظ فلم يجدها ، فاستشاط غضباً ونادى بها ، فأجابته عن قرب، فقال : ألم أُخْلِكِ إكراماً لك ؟ ألم أدفع إليكِ مهجتي دون سائر ٢٢١ - ترجمة خمارويه في الكتب التاريخية كابن الاثير وخطط المقريزي وابن خلدون وابن اياس والنجوم الزاهرة، وانظر الولاة والقضاة : ٢٣٣ وتهذيب ابن عساكره : ١٧٦ والمغرب (قسم مصر) ١ : ١٣٤. ١ م : دست وفي بعض النسخ الاخرى: يوسف، وأثبتنا ما في المسودة . ٢٤٩ حظاياي ؟ فتضعين رأسي على وسادة وتذهبين ؟! فقالت : يا أمير المؤمنين ، ما جهلت قدر ما أنعمت به عليّ ، ولكن فيما أدّبني به أبي أن قال : لا تنامي مع الجلوس ، ولا تجلسي مع النيام١. ويقال : إِن المعتضد أراد بنكاحها افتقار الطولونية ، وكذا كان ، فإن أباها جهزها يجهاز لم يُعمل مثله ، حتى قيل : كان لها ألف هاون ذهباً. وشرط عليه المعتضد أن يحمل كل سنة بعد القيام بجميع وظائف مصر وأرزاق أجنادها مائتي ألف دينار ، فأقام على ذلك إلى أن قتله غلمانه بدمشق على فراشه ليلة الأحد لثلاث بقين من ذي القعدة سنة اثنتين وثمانين ومائتين ، وعمره اثنتان وثلاثون سنة ، وقُتل قتلته أجمعون ، وحمل تابوته إلى مصر ، ودفن عند أبيه بسفح المقطَّم ، رحمهما الله تعالى . وكان خمارويه من أحسن الناس خطّاً، وكان وزيره أبا بكر محمد بن علي بن أحمد المعروف بالماذرائي - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى٢ - . (36) ولما حُمِلت قطر الندى ابنة خمارويه إلى المعتضد ، خرجت معها عمتها العباسة بنت أحمد بن طولون مشيعة لها إلى آخر عمارة الديار المصرية٣ من جهة الشام ، ونزلت هناك وضربت فساطيطها ، وبنت هناك قرية فسميت باسمها ، وقيل لها العباسة، وهي عامرة إلى الآن ، وبها جامع حسن وسوق قائم ؛ ذكر ذلك جماعة من أهل العلم . وماتت قطر الندى لتسع خلون من رجب سنة سبع وثمانين ومائتين ، ودفنت داخل قصر الرصافة ببغداد . (37) وتوفي الافشين محمد بن أبي الساج في شهر ربيع الأول سنة ثمان وثمانين ومائتين ، ببرذعة ، وهي كرسي أعمال أذربيجان، وقيل إنها من أران. (38) وتوفي أبوه أبو الساج - وهو الذي تنسب إليه الأجناد الساجية ١ وكانت موصوفة ... النيام : سقطت من م س ص ومسودة المؤلف . ٢ كذا وعد بإيراد ترجمته في المسودة ايضاً، ويبدو أنه لم يفعل ؛ وترجمة الماذرائي في المغرب (قسم مصر): ٣٥٠ والخطط ٢: ١٥٥ (ط. بولاق). ٣ هذه رواية ص والمسودة؛ وفي نسخ أخرى: إلى آخر أعمال مصر . ٢٥٠ ! ببغداد - في شهر ربيع الآخر سنة ست وستين ومائتين يجُندَ يسابور، من أعمال خوز ستان . : وخُمارَ وَيه : بضم الخاء الموحدة وفتح الميم وبعدها ألف ثم راء مفتوحة وواو ، ثم ياء ساكنة مثناة من تحتها ، وبعدها هاء ساكنة . ٢٢٢ خير النساج أبو الحسن خير بن عبد الله النساج الصوفي ؛ من أهل سر من رأى ، نزل بغداد وكان له حلقة يتكلم فيها ؛ وكان قد صحب أبا حمزة محمد بن إبراهيم الصوفي وغيره ، وصحب الجنيد بن محمد وأبا العباس ابن عطاء وأبا محمد الحريري وأبا بكر الشبليّ ، وعمّر عمراً طويلاً، وللصوفية عنه حكايات غريبة ، وإنما سمّي النساج لخبر ؛ قال جعفر الخلدي: سألت خيراً النساج١: أكان النسج حرفتك ؟ قال: لا ، قلت: فمن أين سميت به ؟ قال : كنت عاهدت الله أن لا آكل الرُّطَبَ أبداً ، فغلبتني نفسي ، فأخذت نصف رطل، فلما أكلت واحدة إذا رجل نظر إليّ وقال : يا خير، يا آبق هَرَبْتَ مني ، وكان له غلام [هرب منه] اسمه خير ، فوقع عليَّ شبهُه وصورته ، فاجتمع الناس وقالوا : هذا والله غلامك خير، فبقيت متحيراً ، وعلمت بمَ أُخذت ، وعرفت جنايتي ، فأخذني وحملني إلى حانوته الذي كان ينسج فيه غلامه وقال لي: يا عَبْدَ السوء، تهرب من مولاك ! ادخل فاعمل عملك الذي كنت تعمل ، وأمرني بنسج ٢٢٢ - وردت هذه الترجمة في ص ر وحدهما دون سائر النسخ والمسودة. وانظر ترجمة خير النساج في اللباب، مادة («النساج)» وحلية الأولياء ١٠: ٣٠٧ وصفة الصفوة ٢: ٢٥٥ وطبقات السلمي : ٠٣٢٢ ١ انظر حلية الأولياء : ٣٠٧. ٢٥١ الكرباس ، فدليت رجلي على أن أعمل فأخذت بيدي آلته وكأني كنت أعمل من سنين . فبقيت معه أشهراً أنسج له ، فقمت ليلة إلى صلاة الغداة فسجدت وقلت في سجودي : إِلهي لا أعود إلى ما فعلت ، فأصبحت وإذا الشَّبه ذهب عني، وعُدتُ إلى صورتي التي كنت عليها، فأطلقت، وثَبَتَ عليَّ هذا الاسمُ؛ وفي بعض الروايات : كان يقول : يا خير ، فيقول : لبيك ، ثم قال له الرجل بعد ذلك : لا أنت عبدي ، ولا اسمك خير ، فمضى وقال : لا أغير اسماً سماني به رجل مسلم . وكان يقول: لا نسب أشرف من نسب مَنْ خلقه الله بيده فلم يعصمه ، ولا أعلم أرفع ممن علمه الله الأسماء كلها فلم ينفعه في وقت جريان القضاء عليه . وكان خير قد احدَ ودَبَ، وكان إذا سَمِعَ قام ظهره ورجعت قوَّته كالشاب المطلق ، فإذا غاب عن الوجود عاد إلى حاله . وكان قد عُمِّر مائة وعشرين سنة؛ وكان يذكر أن إبراهيم الخواص صحبه. وحكى علي بن هارون الحربي١ عن غير واحد ممن حضر موته من أصحابه أنه غشي عليه عند صلاة المغرب ، ثم أفاق ، ونظر إلى ناحية من باب البيت ، وقال: قف، عافاك الله، فإنما أنت عبد مأمور، وأنا عبدٌ مأمورٌ ما أمرت به لا يفوتك وما أمرت به يفوتني، فدَعني أمضي لما أُمِرتُ به ، ثم امضِ أنت لما أُمِرتَ به، ودعا بماء فتوضأ للصلاة وصلى وتمدّد وأغمض عينيه وتشهد ، ثم مات، رحمه الله تعالى. فرآه بعض أصحابه في النوم ، فقال: ما فعل الله بك ؟ فقال : لا تَسَلني عن هذا، ولكن استرحت من دُنياكم المضرَّة . وكانت وفاته في سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة ، رحمه الله تعالى . .... ... ..... ١ حلية الأولياء : ٣٠٧ . ٢٥٢ حَرفُ الَّلال 1 ٢٢٣ داود الظاهري أبو سليمان داود بن علي بن خلف الأصبهاني الإمام المشهور المعروف بالظاهري؛ كان زاهداً متقللا كثير الورع ، أخذ العلم عن إسحاق بن راهويه وأبي ثورٍ وغيرهما ، وكان من أكثر الناس تعصباً للإمام الشافعي رضي الله عنه ، وصنف في فضائله والثناء عليه كتابين، وكان صاحب مذهب مستقل١ّ، وتبعه جمع كثير يُعرفون بالظاهرية، وكان ولده أبو بكر محمدٌ على مذهبه - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وانتهت إليه رياسة العلم ببغداد . [قال أبو عبد الله المحاملي : صليت صلاة العيد يوم فطر في جامع المدينة ، فلما انصرفت قلت في نفسي : أدخل إلى داود بن علي فأهنيه، وكان ينزل قطيعة الربيع ؛ قال : فجئته ، وإِذا بين يديه طَبَق فيه أوراق هندبا وعصارة فيها نخالة وهو يأكل، فهنأته وتعجبت من حاله، ورأيت أن جميع ما نحن فيه من الدنيا ليس بشيءٍ ، فخرجت من عنده ودخلت على رجل من محبي الصنيعة يقال له الجرجاني، فلما علم بمجيئي خرج إليّ حاسِرَ الرأس حافي القدمين ، وقال لي : ما عنى القاضي أيده الله ؟ قلت: مُهِمّ، قال: وما هو ؟ قلت : في جوارك داود بن علي ، ومكانه من العلم ما تعلمه ، وأنت فكثير البر والرغبة في الخير تَغْفُلُ عنه، وحدثته بما رأيت منه، فقال لي : داود شَرِسُ الخلق، أعلم القاضي أنني وجَّهت إليه البارحة ألف درهم مع غلام ليستعين بها في بعض أموره ٢٢٣ - ترجمة داود الظاهري في تاريخ بغداد ٣٦٩:٨ وطبقات الشيرازي، الورقة ٢٦ والفهرست: ٢١٦ والجواهر المضية ٢: ٤١٩ وطبقات السبكي ٤٢:٢ وتذكرة الحفاظ : ٥٧٢ وميزان الاعتدال ٢ : ١٤ . ١ هـ : مستقل بنفسه. ٢٥٥ فردها مع الغلام وقال للغلام : قل له : بأي عين رأيتني ؟ وما الذي بلغك من حاجتِي وخَلَّتي حتى وجَّهت إلي بهذا ؟ قال : فتعجبت من ذلك وقلت له : هات الدراهم فإني أحملها إليه ، فدفعها إلي ثم قال : يا غلام ، الكيس الآخر ، فجاءه بكيس فوزن ألفاً أخرى، وقال: تلك لنا وهذه لموضع القاضي وعنايته، قال : فخرجت وجئت إليه ، فقرعت الباب فخرج وكلمني من وراء الباب وقال : ما رد القاضي ؟ قلت : حاجة أكلمك فيها ، فدخلت وجلست ساعة ، ثم أخرجت الدراهم وجعلتها بين يديه ، فقال : هذا جزاء من ائتمنك على سره [أنا بأمانة العلم أدخلتك إلى]، ارجع فلا حاجة لي فيما معك ، قال المحاملي : فرجعت وقد صَغُرت الدنيا في عيني ودخلت على الجرجاني فأخبرته بما كان ، فقال : أما أنا فقد أخرجت هذه الدراهم لله تعالى ، لا أرجع في شيء منها ، فليتولَّ القاضي إخراجها في أهل الستر والعفاف على ما يراه القاضي]١. قيل : إنه كان يحضر مجلسه أربعمائة صاحب طيلسان أخضر ، قال داود٢ : حضر مجلسي يوماً أبو يعقوب الشريطي ، وكان من أهل البصرة ، وعليه خرقتان ، فتصدر لنفسه من غير أن يرفعه أحد وجلس إلى جانبي وقال لي : سل يا فق عما بدا لك ، فكأني غضبت منه ، فقلت له مستهزئاً : أسألك عن الحجامة، فبرك أبو يعقوب ثم روى طريق ((أفطر الحاجم والمحجوم)) ومَنْ أرسله ومن أسنده ومن وقفه ومن ذهب إليه من الفقهاء ، وروى اختلاف طريق احتجام رسول الله صلى الله عليه وسلم وإعطاء الحجّام أجرَهُ، ولو كان حراماً لم يعطه ، ثم روى طرق أن النبي صلى الله عليه وسلم (( احتجم بقرن)) وذكر أحاديث صحيحة في الحجامة، ثم ذكر الأحاديث المتوسطة مثل ((ما مررت بملاٍ من الملائكة)) ومثل (( شفاء أمتي في ثلاث)) وما أشبه ذلك، وذكر الأحاديث الضعيفة مثل قوله عليه السلام (( لا تحتجموا يوم كذا ولا ساعة كذا)»، ثم ذكر ما ذهب إليه أهل الطب من الحجامة في كل زمان وما ذكروه فيها ، ١ انفردت ص بهذا النص ، فلم يرد في المسودة وسائر النسخ . ٢ ص : قال أبو العباس الزيادي : دخل أبو يعقوب الشروطي وكان من اهل البصرة مجلس داود الظاهري ... الخ. وابتداء من قوله: قال داود حتى قوله: أحداً أبداً، لا وجود له في المسودة. ٢٥٦ ١ ثم ختم كلامه بأن قال : وأول ما خرجت الحجامة من أصبهان ، فقلت له : والله لا حَقَرْت بعدك أحداً أبداً . وكان داود من عقلاء الناس، قال أبو العباس ثعلب في حقه: كان عقلُ داود أكثر من علمه . وكان مولده بالكوفة سنة اثنتين ومائتين ، وقيل سنة مائتين ، وقيل سنة إحدى ومائتين ، ونشأ ببغداد ، وتوفي بها سنة سبعين ومائتين في ذي القعدة ، وقيل في شهر رمضان ، ودفن بالشونيزية ، وقيل في منزله . وقال ولده أبو بكر محمد : رأيت أبي داود في المنام، فقلت له : ما فعل الله بك ؟ فقال : غفر لي وسامحني ، فقلت : غفر لك ففيمَ سامحك ؟ فقال: يا بني الأمر عظيم، والويل كل الويل لمن لم يُسامَحْ ، رحمه الله تعالى . وأصله من أصبهان ، وقد تقدم الكلام على أصبهان والشونيزية فيا مر من التراجم ، فلا حاجة إلى الإعادة . ٢٢٤ الملك الزاهر أبو سليمان داود الملقب الملك الزاهر مجير الدين ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ، رحمهم الله تعالى ، كان صاحبَ قلعة البيرة التي على شاطىء الفرات ، وكان يحب العلماء وأهل الأدب١، ويقصدونه من البلاد ، ولما ولد ٢٢٤ - نراه في سنة ٥٩٢ يذهب رسولاً عن الملك الظاهر إلى أخيه الملك العزيز بمصر ومعه سابق الدين ابن الداية والقاضي بهاء الدين بن شداد، فلما أدوا الرسالة عادوا إلى دمشق؛ وفي سنة ٦٠١ كان منجداً للملك الاشرف ضد صاحب الموصل؛ وفي سنة ٦١٣ استولى من أملاك أخيه الظاهر على عدة مناطق وأخرج العمال الذين كانوا فيها (انظر صفحات متفرقة من مفرج الكروب ج : ٣) . ١ هذه رواية المسودة والنسختين أج، وفي النسخ الأخرى : أهل الفضل. ١٧ - ٢ ٢٥٧ بمدينة القاهرة كان السلطان صلاح الدين بالشام ، وكان الثاني عشر من أولاده ، فكتب إليه القاضي الفاضل رسالة يبشره بولادته ومن جملتها١: ((وهذا الولد المبارك هو الموفي لاثني عشر ولداً ، بل لاثني عشر نجماً متقداً ، فقد زاد الله تعالى في أنجمه عن أنجم يوسف عليه السلام نجماً ، ورآهم المولى يقظة ورأى [يوسف] تلك الأنجم حلماً، ورآهم يوسف٢ ساجدين له ورأينا الخلق لهم سجوداً، وهو تعالى قادر أن يزيد جدود المولى إلى أن يراهم آباء وجدوداً))، وقد ألمّ القاضي الفاضل في آخر هذا الكلام بقول البحتري في مدح الخليفة المتوكل وقد ولد له المعتز من جملة قصيدة٣ : وبَقيتَ حتى تستضيء برأيه وترى الكُهولَ الشِّيبَ من أولاده وحكى عنه جماعة أنه كان يقول: من أراد أن يبصر صلاح الدين فليبصرني٤ ، فأنا أشبه أولاده به . وكانت ولادته لسبع بقين من ذي الحجة ، وقيل ذي القعدة ، سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة ، وهو شقيق الملك الظاهر - الآتي ذكره في حرف الغين المعجمة إن شاء الله تعالى -. وتوفي في البيرَة في ليلة التاسع من صفر سنة اثنتين وثلاثين وستمائة ، وكنت بحلب وقد وصل نعيه إليها ، فتوجه الملك العزيز ابن الملك الظاهر أخيه إلى القلعة المذكورة وملكها ، رحمه الله تعالى . والبيرة - بكسر الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الراء وبعدها هاء ساكنة - وهي قلعة بقرب سُمَيْساط من ثغور الروم على الفرات من جانب الجزيرة الفراتية ؛ وسميساط في بر الشام بين قلعة الروم ومَلَطية ، والفراتُ يفصل بين الجهتين . ١ أورد القلقشندي هذه الرسالة في صبح الأعشى ٧ : ٩٠ . ٢ في س ص وإ والمسودة: المولى؛ وسقطت اللفظة من م. ٣ ديوان البحتري ٢ : ٧٠٤. ؛ هـ : ينظر ... فلينظرني . ٢٥٨ ٢٢٥ داود الطائي أبو سليمان داود بن نصير الطائي الكوفي ؛ سمع عبد الملك بن عمير وحبيب بن أبي عمرة وسليمان الأعمش ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى؛ روى عنه إسماعيل بن عيينة ومصعب بن المقدام وأبو نعيم الفضل بن دكين وغيرهم ؛ وكان داود ممن شغل نفسه بالعلم ودرس الفقه وغيره من العلوم ثم اختار بعد ذلك العزلة وآثر الانفراد والخلوة فلزم العبادة واجتهد فيها إلى آخر عمره ، وقدم بغداد في أيام المهدي ثم عاد إلى الكوفة وفيها كانت وفاته ؛ قال علي بن المديني : سمعت ابن عيينة يقول : داود الطائي ممن علم وفقه ، قال : وكان يختلف إلى أبي حنيفة رضي الله عنه حتى تقدم في ذلك الكلام ؛ قال : فأخذ يوماً حصاة فحذف بها إنساناً فقال له : يا أبا سليمان طال لسانك وطالت يدك ، قال : فاختلف بعد ذلك سنة لا يُسأل ولا يجيب ، فلما علم أنه تصبر عمد إلى كتبه فغرقها في الفرات ثم أقبل على العبادة وتخلى . وقال عبيد بن جناد سمعت عطاء يقول : كان الداود الطائي ثلثمائة درهم فعاش بها عشرين سنة ينفقها على نفسه ؛ قال : وكُنَّا ندخل على داود الطائي فلم يكن في بيته إلا باريّة ولبنة يضع عليها رأسه واجانة فيها خبز ومطهرة يتوضأ منها ومنها يشرب . وقال أبو سليمان الداراني : ورث داود الطائي من أُمه داراً، فكان يتنقل في بيوت الدار كلما تخرب بيت من الدار انتقل منه إلى آخر ولم يعمره حتى أتى على عامة البيوت التي في الدار؛ قال وورث من أبيه دنانير فكان يتنفق بها حتى كفن بآخرها . ٢٢٥ - ترجمة داود الطائي في تاريخ بغداد ٨: ٣٤٧ وطبقات الشيرازي ، الورقة : ٤٠ وتهذيب التهذيب ٣: ٢٠٣ والجواهر المضية ٢: ٥٣٦ وحلية الأولياء ٧: ٣٣٥؛ ووردت هذه الترجمة في ص ر وحدهما . ٢٥٩ وقال اسماعيل بن حسان: جئت إلى باب داود الطائي فسمعته يخاطب نفسه فظننت أن عنده أحداً ، فأطلت القيام على الباب ثم استأذنت فدخلت ، فقال: ما بدا لك في الاستئذان ؟ قلت : سمعتك تتكلم فظننت أن عندك أحداً ، قال : لا ولكن كنت أُخاصم نفسي ؛ اشتهت البارحة تمراً فخرجت فاشتريت لها ، فلما جئت اشتهت جزراً، فأعطيت الله عهداً ان لا آكل تمراً ولا جزراً حق ألقاه . وقدم محمد بن قَحْطَبَة الكوفة فقال : أحتاج إلى مؤدب يؤدب أولادي حافظ لكتاب الله تعالى عالم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالآثار والفقه والنحو والشعر وأيام الناس ؛ فقيل له : ما يجمع هذه إلا داود الطائي، فَسَيَّر إليه بدرة عشرة آلاف درهم ، وقال : استعن بها على دهرك، فردَّها فوجَّه إليه بدرتين مع غلامين مملوكين وقال لهما : إن قبل البدرتين فأنتما حُرَّان ، فمضيا بها إليه فأبى أن يقبلهما ، فقالا : إن في قبولهما عِتقَ رقابنا من الرق ، فقال لهما : إني أخاف أن يكون في قبولهما وهق رقبتي في النار ، رداهما إليه وقولا له : إن ردهما على من أخذهما منه أولى من أن يعطيني أنا . وكان حائطه قد تَصدَّعَ فقيل له : لو أمرت به ، فقال : كانوا يكرهون فضول النظر . وقيل إنه صام أربعين سنة ما علم به أحد من أهله ، فكان يحمل غَدَاءه معه ويتصدق به في الطريق ويرجع إلى أهله يفطر عشاء، ولا يعلمون أنه صائم. وقال له رجل : ألا تسرح لحيتك ؟ قال : إني عنها مشغول . وقيل احتجم داود فدفع الى الحجّام عشرة دراهم فقيل له : هذا سرف، فقال : لا عبادة لمن لا مروءة عنده . وقالت أخته : لو تنحيت عن الشمس، فقال : هذه خطي لا أدري كيف تكتب١ . قال أبو الربيع الأعرج : دخلت على داود الطائي بيته بعد المغرب فقرَّب لي ١ كذا في تاريخ بغداد أيضاً . ٢٦٠