Indexed OCR Text
Pages 201-220
قال عبيد الله بن صالح العجلي : حدثني أبي قال : حفص بن غياث ثقة مأمون فقيه وكان على قضاء الكوفة ، وكان وكيع ربما يُسأل عن الشيء فيقول: اذهبوا إلى قاضينا فاسألوه ، وكان شيخاً عفيفاً مسلماً . ولد حفص بن غياث سنة سبع عشرة ومائة ومات سنة أربع وتسعين ومائة في العشر من ذي الحجة ، وقيل مات سنة ست وتسعين ومائة ، رحمه الله تعالى . ٢٠٣ الحكم بن عبدل الحكم بن عبدل بن جبلة بن عمرو بن ثعلبة بن عقال بن بلال بن سعد بن حبال الأسدي ؛ شاعر مجيد مقدم في طبقته هجّاء خبيث اللسان من شعراء الدولة الأموية ، وكان أعرج أحدب ، ومنزله ومنشؤه الكوفة . حدث العتبيّ قال : كان الحكم بن عبدل الشاعر الأسدي أعرج لا تفارقه العصا فترك الوقوف بأبواب الملوك، وكان يكتب على عصاه حاجته ويبعث بها مع رسوله فلا يحبس له رسول ولا تؤخر له حاجة ، فقال في ذلك يحيى بن نوفل : عصا حكم في الدار أول داخلٍ ونحن على الأبواب نُقصى ونحجبُ وهذي لعمر الله أدهى وأعجب و كانت عصا موسى لفرعون آية' ويرغب في المرضاة منها ويرهب تطاع فلا تعصى ويحذر سخطها ٢٠٣ - ترجمته في الأغاني ٢: ٣٦٠ وتهذيب ابن عساكر ٤: ٣٩٦ والمختلف والمؤتلف: ٢٤٣ والفوات ١ : ٢٨٦ وورود ترجمته في الفوات يعد استدراكاً على ابن خلكان ومعنى ذلك أن ابن شاكر لم يجد هذه الترجمة في النسخة التي اطلع عليها من وفيات الأعيان ؛ وذكر ابن شاكر أن وفاة ابن عبدل كانت في حدود المائة ، وسياق الترجمة متابع لما في الأغاني ؛ وقد وردت في نسختي ص ر ومطبوعة وستنفيلد ولم ترد في مسودة المؤلف . ٢٠١ قال : فشاعت هذه الأبيات وضحك الناس منها ، فكان ابن عبدل بعد ذلك يقول ليحيى : يا ابن الزانية ما أردت من عصاي حتى صيرتها ضحكة ، واجتنب أن يكتب عليها كما كان يفعل وكاتب الناس بحوائجه في الرقاع . وكان للحكم بن عبدل صديق أعمى يقال له أبو عُليّة ، وكان ابن عبدل قد أقعد ، فخرجا ليلة من منزلهما إلى منزل بعض اخوانهما والحكم يحمل وأبو عُليّة يقاد ، فلقيهما صاحب العسس بالكوفة فأخذهما فحبسهما، فلما استقرا في الحبس نظر الحكم إلى عصا أبي عُليّة موضوعة إلى جانب عصاه فضحك وأنشأ يقول : حبسي وحبس أبي علي من أعاجيب الزمان أعمى يقاد ومقعد لا الرّجل منه ولا اليدان هذا بلا بصر هناك وبي يخب الحاملان يا من رأى ضب الفلاة قرين حوت في مكان طرفي وطرف أبي علي دهرنا متوافقان من يقتحم بجواده فجوادنا عكازتان يشرى ولا يتصاولان طِرِفان لا علفاهما هبني وإياه الحريق أكان يسطع بالدخان وكان اسم أبي علية يحيى ، فقال الحكم فيه أيضاً : أقول ليحيى ليلة السجن سادراً ونومي به نومُ الأسيرِ المقيّدِ أعني على رعي النجوم ولحظها أعِنْكَ على تحبير شعر مقصّد وأعجبُ منها حبس أعمى ومقعد ففي حالتينا عبرة وتفكّر يخرّ صريعاً بل على الوجه يسجد كلانا إذا العكاز فارق کفه وأخرى مقام الرّجل قامت مع اليد فعكازه يهدي إلى السبل اكمها قال: وولي الشرطة بالكوفة رجل أعرج ثم ولي الإمارة آخر أعرج وخرج ابن عبدل ـ وكان أعرج - فلقي سائلاً أعرج قد تعرض للأمير يسأله فقال ابن عبدل السائل : ٢٠٢ ألقِ العصا ودع التحامل١ والتمس عملاً فهذي دولةُ العرجانِ لأميرنا وأمير شرطتنا معاً يا قومنا لكليهما رجلان فإذا يكونُ أميرنا ووزيره وأنا فإن الرابع الشيطان فبلغت أبياته ذلك الأمير فبعث له مائتي درهم وسأله أن يكف عنه . وقيل : قدم الحكم بن عبدل واسطاً على ابن هبيرة وكان بخيلاً، فأقبل حق وقف بين يديه فقال : أتيتك في أمر من آمر عشيرتي وأعلى الأمور المفظعات جسيمها فإن قلت لي في حاجتي أنا فاعلٌ فقد ثلجت نفسي وولت همومها قال : أنا فاعل إن اقتصدت فما حاجتك؟ قال: غرم لزمنا، قال : كم هو؟ قال : أربعة آلاف درهم ، قال : نحن مناصفوها ، قال : أصلح الله الأمير ، أتخاف علي التخمة إن أتممتها ؟ قال : أكره أن أعوّد الناس هذه العادة، قال: فأعطني جميعها سرّاً وامنعني جميعها ظاهراً حتى تعود الناس المنع وإلا فالضرر واقعٌ عليك إِن عودتهم نصف ما يطلبون، فضحك ابن هبيرة وقال : ما عندنا غير ما بذلناه لك ، فجنا بين يديه ، وقال : امرأتي طالق إن أخذت أقل من أربعة آلاف درهم أو انصرفت وأنا غضبان، فقال : اعطوه إياها قبحه الله فإنه ما علمت حلاّف مهين ، فأخذها وانصرف . وقيل لما وقع الطاعون بالكوفة ومات منهم بنو زر بن حبيش العامري صاحب علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكانوا ظرفاء وبنو عم لهم ، فقال الحكم بن عبدل الغاضري يرئيهم : أبعد بني زرّ وبعد ابن جندل وعمرو أرجي لذة العيش في خفضٍ مضوا وبقينا تأمل العيشَ بعدهم ألا إن من يبقى على إثر من يمضي حدث الأصمعي قال : كانت امرأةٌ موسرة بالكوفة وكانت لها على الناس ١ الأغاني : التخامع . ٢٠٣ ديون، فاستغانت بابن عبدل في دينها وقالت : إني امرأة ليس لي زوج"، وجعلت تعرّض بأنها تزوجه نفسها ، فقام ابن عبدل في دينها حتى استوفته فلما طالبها بالوفاء كتبت إليه : سيخطيك الذي حاولت مني فقطِّعْ حبل وصلك من حبالي كما أخطاك معروف ابن بشرٍ وكنت تعدُّ ذلك رأسَ مالٍ وكان ابن عبدل أتى ابن بشر بالكوفة فسأله فقال : أخمسمائة أحب إليك العام أم ألف في قابل ؟ فقال : ألف في قابل ، فلما أتاه قال : ألف أحب إليك أم ألفان في قابل ؟ قال : فلم يزل ذلك دأبه حتى مات ابن بشر وما أعطاه شيئاً . قال : ودخل ابن عبدل على عبد الملك بن مروان بن بشر فقال : ما أحدثت بعدي ؟ قال : خطبتُ امرأةٌ من قومي فردت عليَّ جواب رسالتي بيتي شعر، قال : وما هما ؟ وأنشده البيتين المذكورين ، فضحك عبد الملك وقال : ما أجود ما ذكرت بنفسك ، وأمر له بألفي درهم . ومثل هذا قال عبد الملك بن مروان لرجلٍ: ما مالك ؟ قال: ما أكفّ به وجهي وأعود منه على صديقي ، قال : لقد لطفت في المسألة ، وأمر له بمالٍ . وقريب من هذا قال قيس بن سعد لعجوز: كيف حالك ؟ قالت : ما في بيتي جرة، فقال : ما ألطف ما سألت ! لأملأن بيتك جرذاناً ، وأمر لها بمال . وشخص الحكم بن عبدل مع عمر بن هبيرة إلى واسط فشكا إليه الضيقة فوهب له جارية من جواريه فوائبها ليلةَ صارت إليه فنكحها تسعة أو عشرة طلقاً واحداً ، فلما أصبحت قالت له: جعلت فداك من أي الناس أنت ؟ قال: امرؤ من أهل الشام ، قالت : بهذا العمل غلبتم أهل العراق في حربكم . م ٢٠٤ ٢٠٤ حماد بن أبي حنيفة أبو إسماعيل حماد ابن الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت ؛ كان على مذهب أبيه ، رضي الله تعالى عنه، وكان من الصلاح والخير على قَدم عظيم ، ولما توفي أبوه كانت عنده ودائع كثيرة من ذهب وفضة وغير ذلك وأربابُها غائبون وفيهم أيتام ، فحملها ابنُه حَمّاد المذكور إلى القاضي ليتسلَّمها منه ، فقال له القاضي : ما نقبلها منك ولا تخرجها عن يدك فإنك أهل لها وموضعها ، فقال حماد للقاضي : زنْها واقبضها حتى تبرأ منها ذمة أبي حنيفة ، ثم افعل ما بدا لك، ففعل القاضي ذلك وبقي في وزنها أياماً ، فلما كمل وزنها استقر حماد فلم يظهر حتى دفعها إلى غيره . (30) وكان ابنه إسماعيل١ قاضي البصرة وعزل عنها بالقاضي يحيى بن أكثم، ورأيت في كتاب ((أخبار أبي حنيفة)) أن القاضي يحيى بن أكثم لما وصل إلى البصرة وعزم إسماعيل بن حماد على السفر شَيَّعَه القاضي يحيى بن أكثم فكان الناس يدعون لإسماعيل ويقولون له : عففت عن أموالنا ودمائنا ، فيقول إسماعيل : وعن أبنائكم، وكان يُعَرِّضُ بما يُتَّهم به القاضي يحيى بن أكثم. وقال إسماعيل المذكور : كان لنا جار طحان رافضي ، وكان له بغلان سمى أحدهما أبا بكر والآخر عمر، فرمحه ذات ليلة أحَدُ البغلين فقتله ، فأخبر جَدّي أبو حنيفة به ، فقال: انظروا فإني إخال أن البغل الذي سماه عمر هو الذي رمحه ، فنظروا ، فكان كما قال . وكانت وفاة حماد المذكور في ذي القعدة سنة ست وسبعين ومائة ، رحمه الله تعالى ، وسيأتي ذكر والده إن شاء الله تعالى . ٢٠٤ - انظر طبقات الشيرازي، الورقة : ٤٠. ١ ترجمة القاضي إسماعيل حفيد أبي حنيفة في الجواهر المضية ١: ١٤٨ وتاريخ بغداد ٦: ٢٤٣. ٢٠٥ ٢٠٥ حماد الراوية أبو القاسم حَمّاد بن أبي ليلى سابورَ - وقيل ميسرة - بن المبارك بن عبيد الديلمي الكوفي مولى بني بكر بن وائل المعروف بالراوية ، وقال ابن قتيبة في كتاب ((المعارف)) وفي كتاب ((طبقات الشعراء))١: إنه مولى مكنف بن زيد الخيل الطائي الصحابي رضي الله عنه ؛ كان من أعلم الناس بأيام العرب وأخبارها وأشعارها وأنسابها ولُغاتها، وهو الذي جمع السَّبْعَ الطوال فيما ذكره أبو جعفر النحاس ، وكانت ملوك بني أمية تُقَدّمه وتؤثره وتستزيره ، فيفد عليهم وينال منهم ويسألونه عن أيام العرب وعلومها . وقال له الوليد بن يزيد الأموي يوما٢ً وقد حضر مجلسه : بمَ استحقَقتَ هذا الاسم فقيل لك الراوية ؟ فقال : بأني أروي لكل شاعر تعرفه يا أمير المؤمنين أو سمعت به ، ثم أروي لأكثر منهم ممن تعترف أنك لا تعرفه ولا سمعتَ به ، ثم لا ينشدني أحدٌ شعراً قديماً ومُحدَثاً إلا ميزت القديم من المحدث ، فقال له : فكم مقدار ما تحفظ من الشعر ؟ فقال : كثير ، ولكني أنشدك على كل حرف من حروف المعجم مائة قصيدة كبيرة سوى المقطعات من شعراء الجاهلية دون شعراء الإسلام ، قال : سأمتحنك في هذا ، وأمره بالإنشاد ، فأنشد حتى ضَجِرَ الوليد ، ثم وكَّلَ به من استحلفه أن يصدقه عنه ويستوفي عليه ، فأنشده ألفين وتسعمائة قصيدة الجاهلية ، وأخبر الوليد بذلك ، فأمر له بمائة ألف درهم . ٢٠٥ - ترجمة حماد الراوية في الأغاني ٦: ٦٧ وتهذيب ابن عساكر ٤: ٤٢٧ ولسان الميزان ٢: ٣٥٢ وخزانة البغدادي ٤: ١٢٩ ونزهة الالباء : ٢٣. ١ انظر المعارف: ٣٣٣، ٥٤١ والشعر والشعراء: ٢٠٦. ٢ م : قال له عبد الملك: لأي شيء سميت بالراوية؟ فقال: أروي لكل شاعر قديم أو محدث ... الخ . ٢٠٦ [قال الطِّرمّاح: أنشدت حماداً الراويةَ قصيدةً لي ستّين بيتاً فسكت ساعة ثم قال : أهذه لك ؟ قلت : نعم ، قال : ليس الأمر كذلك ، ثم ردّها عليّ كلها وزيادةٌ عشرين بيتاً زادها في وقته . دخل مطيع بن إياس ويحيى بن زياد على حماد الراوية فإِذا سراجه على ثلاث قصبات قد جمع أعلاهن وأسفلهن بطين ، فقال له يحيى : يا حماد ، إنك المترف متبذل بجرّ المتاع، وقال له مطيع: ألا تبيع هذه المنارة وتشتري بأقلّ ثمناً منها منارة تزيل بها عذرك وتنفق علينا وعلى نفسك الباقي وتتسع ؟ وقال له يحيى : ما أحسن ظنك به ! ومن أين له هذه المنارة ؟ هذه وديعة أو عارية ، وقال مطيع : إنه لعظيم الأمانة عند الناس ، قال يحيى : وعلى عظم أمانته فما أجهل من يخرج هذه من داره ويأمن عليها غيره ، قال مطيع: ما أظنها عارية ولا وديعة ولكني أظنها مرهونة عنده على مال وإلا فمن يخرج هذه من بيته ؟ فقال حماد : يرهنها من يدخلكما على بيته ليلقى عليها من أنواع المداعبة ، وهل عند أحد من المال ما يرهن ؟]١ . وذكر أبو محمد الحريري صاحب كتاب ((المقامات)) في كتابه («دُرّة الغوّاص)) ما مثاله٢: قال حَمّاد الرّاوية: كان انقطاعي٣ إلى يزيد بن عبد الملك بن مروان في خلافته ، وكان أخوه هشام يَجفُوني لذلك ، فلما مات يزيد وتولى هشام خِفْته ومكثت في بيتي سنة لا أخرج إلا إلى مَن أثِق إليه من إخواني سرّاً ، فلما لم أسمع أحداً ذكرني في السنة أمِنتُ ، فخرجت أصلي الجمعة ، وصليت في جامع الرُّصافة الجمعة ، فإذا شرطيان قد وقفا عليّ وقالا: يا حماد، أجِبِ الأمير يوسف بن عمر الثقفي - وكان والياً على العراق - فقلت في نفسي : مِنْ هذا كنت أخاف، ثم قلت لهما : هل لكما أن تَدَعاني حتى آتي أهلي فأودّعَهم وداع مَن لا يرجع إليهم أبداً ثم أصير معكما ؟ فقالا: ١ زيادة من د لم ترد في المسودة . ٢ انظر درة الغواص : ١٧٧ وفي نقل ابن خلكان بعض اختلاف . والقصة أيضاً في تهذيب ابن عساكر . : ٣ الدرة : كنت منقطعاً . ٢٠٧ ما إلى ذلك سبيل ، فاستسلمت في أيديهما ، ثم صرت إلى يوسف بن عمر وهو في الإيوان الأحمر ، فسلمت عليه فرد عليَّ السلام ورمى إلي كتاباً فيه ((بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله هشامٍ أمير المؤمنين إلى يوسف بن عمر ؛ أما بعد ، فإذا قرأت كتابي هذا فابعث إلى حماد الراوية مَن يأتيك به من غير تَرْويع١، وادفع له خمسمائة دينار وجَمَلاً مَهْريّاً يسير عليه اثنتي عشرة ليلة إلى دمشق )) . فأخذت الدنانير ، ونظرت فإذا جمل مرحول ، فركبته وسرتُ حتى وافيت دمشق في اثنتي عشرة ليلة ، فنزلت على باب هشام واستأذنت فأذن لي ، فدخلت عليه في دار قَوراء مفروشة بالرخام وبين كل رخامتين قضيب ذهب وهشام جالس على طِنفِسَةٍ حمراء وعليه ثياب حمر من الخز وقد تَضَمَّخَ بالمسك والعنبر ، فسلمت عليه ، فرد علي السلام واستدناني فدنوت حتى قَبَّلتُ رجله ، فإذا جاريتان لم أر مثلهما قط في أُذن كل جارية حلقتان فيهما لؤلؤتان تَتَّقدان ، فقال: كيف أنت يا حماد ؟ وكيف حالك ؟ فقلت : بخير يا أمير المؤمنين ، فقال: أتدري فيمَ بعثت إِليك ؟ قلت : لا ، قال : بعثت بسبب بيتٍ خطر ببالي لا أعرف قائله ، قلت : وما هو ؟ قال : ودَعَوا بالصَّبُوح يوماً فجاءت قَينةٌ في يمينها إِبريقُ فقلت : يقوله عَديُّ بن زيد العِبادِيُّ في قصيدة ، قال : أنشدنيها ، فأنشدته : بكَرَ العادلون في وضَحِ الصبـ حِ يقولون لي أمَا تستفيقُ ويلومونَ فيكِ يا ابنة عبد الله والقلبُ عِندَكَ مَوْهُوق لسْتُ أدري إذا أَ كثروا العَذلَ فيها أَعَدُوّ يلومني، أم صديق٢ قال حماد : فانتهيت فيها إلى قوله : ودَعَوا بالصَّبُوح يوماً فجاءتْ قَينَةٌ في يمينها إِبريقُ ١ الدرة : بغير تروّع . ٢ وردت القصيدة في ر دون حذف . ٢٠٨ قدّمته على عُقار كعين الـ ديكِ صَفَّ سُلافَها الراووق مُزجتْ لذّ طَعْمَها من يذوق مزّةٍ قَبَلَ مَزْجُها فإذا ما قُوتٍ حُمرٌ يزينها التصفيق وطفا فوقها فقاقيعُ كاليا ثم كان المزاجُ ماء سحابٍ لا صَرِّى آجنٌ ولا مطرُوق قال : فطرب هشام ، ثم قال : أحسنت يا حماد - وفي هذه الحكاية زيادة فانه قال : اسقيه يا جارية ، فسقتني، وهذا ليس بصحيح ، فإن هشاماً لم يكن يشرب، فلا حاجة إلى ذكر تلك الزيادة - ثم قال: يا حماد، سل حاجتك، فقلت: كائنة ما كانت ؟ قال : نعم ، قلت : إحدى الجاريتين ، قال : هما جميعاً لك بما عليهما ومالهما ، وأنزله في داره ، ثم نقله من غدٍ إلى منزل أعدَّهُ له ، فوجد فيه الجاريتين ومالهما وكل ما يحتاج إليه ، وأقام عنده مدة ، ووصَله بمائة ألف درهم . [قال حماد : فسرت وأنا أيسر خلق الله إلى الكوفة فقلت : أنت الذي تنزل الأيام منزلها وتنقل الدهر من حالٍ إلى حالٍ وما مددتَ مدى طرف إلى أحد إلا قضيت بأرزاق وآجال وتستهل فتبكي أعين المال]١ تروم شحّاً فتمسي البيض [ ... ] قلت : هكذا ساق الحريري هذه الحكاية، وما يمكن أن تكون هذه الواقعة مع يوسف بن عمر الثقفي لأنه لم يكن والياً بالعراق في التاريخ المذكور بل كان متوليه خالد بن عبد الله القَسْري - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - حسبما يقتضيه تاريخ ولايته وانفصاله وولاية يوسف بن عمر في ترجمته أيضاً . وأخبار حماد ونوادره كثيرة . وكانت وفاته سنة خمس وخمسين ومائة، ومولده في سنة خمس وتسعين للهجرة. وقيل إنه توفي في خلافة المهدي ، وتولى المهدي الخلافة يوم السبت لست خلون من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة ، وتوفي ليلة الخميس لسبع بقين من المحرم ١ زيادة من ر ولم ترد في درة الغواص أو في مسودة المؤلف. ١٤ - ٢ ٢٠٩ سنة تسع وستين ومائة بقرية يقال لها الرذ١ ، من أعمال ماسبذان ، وفي ذلك يقول مروان بن أبي حفصة : وأكرَمُ قبر بعدَ قبرِ محمدٍ نِيِّ الهدى قبرٌ بماسيذانِ عجبتُلْأَيْدٍ مالَتِ التشربَ فوقه ضحّى كيفَ لمْ تَرْجع بغيرِ بنانِ ولما مات حماد الراوية رؤاه أبو يحيى محمد بن كناسة ، وهو لقبه ، واسمه عبد الأعلى بن عبد الله بن خليفة بن نَضلة بن أُنَيف بن مازن بن ذويبة بن أسامة ابن نصر بن قُعَين ، بقوله : لو كانَ ينجي مِنَ الردى حذرٌ نَجّاكَ مما أصابكَ الحَذَرُ يرحمكَ الله منْ أخي ثقةٍ لم يكُ في صفو ودّهِ كدر فهكذا يفسدُ الزمان ويف فى العلم فيه ويَدَرُسُ الأثر وكان حماد المذكور قليل البضاعة من العربية، قيل إنه حفظ القرآن الكريم من المصحف ، فصحّف في نَيِّفٍ وثلاثين حرفاً ، رحمه الله تعالى . ٠ ٢٠٦ حماد عجرد أبو عمرو - وقيل أبو يحيى - حَمّاد بن عمر بن يونس بن كليب الكوفي - وقيل الواسطي - مولى بني سَوْأة بن عامر بن صَعصعةَ المعروف بعَجرَد ١ ذكرها ياقوت وقال إنها قرية بماسبذان قرب البندنيجين، بها قبر أمير المؤمنين المهدي ؛ وعند وستنفيلد وص : الود ، وفي رم : ألوذ . ٢٠٦ - ترجمة حماد عجرد في طبقات ابن المعتز: ٦٧ والشعر والشعراء : ٦٦٣ والأغاني ١٤ : ٣٠٤ وتاريخ بغداد ٨: ١٤٨ والمؤتلف والمختلف: ١٥٧ ومعجم الأدباء ١٠ : ٢٤٩. ٢١٠ الشاعر المشهور ؛ هو من مُخَضرمي الدولتين الأموية والعباسية ، ولم يشتهر إِلا في العباسية ، ونادم الوليد بن يزيد الأموي ، وقدم بغداد في أيام المهدي ، وقال علي بن الجعد : قدم علينا في أيام المهدي هؤلاء القوم : حماد عجرد ومطيع بن إياس الكناني ويحيى بن زياد ، فنزلوا بالقرب منا فكانوا لا يُطاقون خبثاً ومجانة. وهو من الشعراء المجيدين ، وبينه وبين بشار بن برد أهاجٍ فاحشة ، وله في بشار كل معنى غريب ، ولولا فحشها لذكرت شيئاً منها ، وكان بشار يضج منه ، وقال بشار في حماد١ : إِذا جِئْتَهُ في الحي أغلَقَ بابه فلمْ تَلقَهُ إِلا وأنت كَمينُ فقُلْ لأبي يَحْيِى مَتى تَبلُغ العُلا وفي كل مَعروف عليك يَمينُ وفيه يقول بشار أيضا٢ً : ويُقيمُ وقتَ صلاته حمادُ نِعْمَ الفتى لو كان يَعْبُدُ رَبَّهُ وبَياضه يومَ الحساب٣ سَوَادُ وابْيَضَّ من شُرْب المدامة وجهُهُ وكان يَبري النَّبْل، وقيل إن أباه كان يبري النبل٤، وإِنه هو لم يتعاط شيئاً من الصنائع . وكان ماجناً ظريفاً خلياً مُتَّهماً في دينه بالزندقة ؛ يحكى أنه كانت بينه وبين أحد الأئمة الكبار - وما يليق التصريح بذكر اسمه° - مودة ، ثم تقاطعا ، فبلغه عنه أنه يتنقصه ، فكتب إليه : إن كان نسكك لا يَتِمُّ بغيرٍ شَتمي وانتقاصي فاقعدْ وقُمْ بي كيفَ شئتَ مع الأداني والأقاصي ديوان بشار: ٢٢٠ - ٢٢١، وذكر جامع الديوان أن الأبيات في هجاء عبد الله بن قزعة . ١ ٢ ديوان بشار : ٧٠ . ٣ م : المعاد . ٤ اكتفى في م بقوله : وكان وأبوه يبريان النبل . • صرَّحت به المصادر وتحرَّج في ذكره المؤلف، انظر الاغاني ١٤ : ٣١٦. ٢١١ 4 فلَطالما زكَيَتَني وأنا المصرّا عَلى المعاصي أيامَ نأَخُذُها ونع طي في أباريق الرّصاص ومن شعره أيضاً : فأقسمتُ لو أصبحتُ في قَبَضَةِ الهوى لأقصرْتَ عن لومي وأطنبتَ في عُذْري ولكنْ بلائي مِنِكَ أَنكَ ناصِحٌ وأنكَ لا تدْري بأنكَ لا تدري [وذكر ابن قتيبة في كتاب ((طبقات الشعراء)) قال٢: كان في الكوفة ثلاثة يقال لهم الحمادون : حماد عجرد وحماد الراوية وحماد بن الزبرقان النحوي، وكانوا يتعاشرون وكانوا كلهم يُرمون بالزندقة . وقيل إن حماد عجرد أهدى إلى مطيع بن إياس غلاماً وكتب معه: قد أهديت إليك من يُتعلم عليه كظم الغيظ . ولما أُقعد حماد عجرد لتأديب ولد الأمين قال بشار بن برد : قل للأمين جزاك الله صالحةً لا تجمع الدهر بين السخل والذيب فالسخل يعلم أن الذئب آكله والذئب يعلم ما في السخل من طيب وقال أيضاً : وقع الذئب في الغنم يا أبا الفضل لا تتم شيخ سوءٍ قد اغتلم إِن حماد عجرد في غلاف من الأدم بين فخذيه حربـة إِن رأى ثُمَّ غفلةً محج الميم في القلم فشاعت الأبيات ، فأمر الأمين أن يخرج حماد . ١ الاغاني : المقيم . ٢ انظر الشعر والشعراء : ٦٦٣ . ٢١٢ ومن شعر حماد عجرد : إِن الكريم ليخفي عنك عسرته حتى تراه غنياً وهو مجهود زرق العيون عليها أوجه سود والبخيل على أمواله عِلَل إِذا تكرهت أن تعطي القليل ولم تقدر على سعةٍ لم يظهر الجود فكل ما سدَّ فقراً فهو محمود ]١ بث النوال ولا يمنعك قلته وأشعاره وأخباره مشهورة . وتوفي في سنة إحدى وستين ومائة ، رحمه الله تعالى . وقيل : كان من أهل واسط ، وقتله محمد بن سليمان بن علي عامل البصرة بظاهر الكوفة على الزندقة في سنة خمس وخمسين ومائة ، وقيل : خرج من الأهواز يريد البصرة ، فمات في طريقه ، فدفن على تل هناك ، وقيل : مات سنة ثمان وستين ومائة . ولما قتل المهدي بشار بن برد المقدم ذكره بالبطيحة ، حُمل ودفن على حماد عجرد ، فمرَّ على قبرَيهما أبو هشام الباهلي ، فكتب عليهما٢ : قَدْ تبعَ الأعمى قَا عَجْرَدٍ فأصبَحا جارَينِ في دارٍ صارا جميعاً في يَدَي مالكٍ في النار ، والكافِرُ في النار بِقُرْبُ حَمّادٍ وبَشْار قالَتْ بقاعُ الأرض لا مَرْحَباً وعَجْرَد - بفتح العين المهملة وسكون الجيم وفتح الراء وبعدها دال مهملة - وهو لقب عليه ، وإنما قيل له ذلك لأنه مر به أعرابي وهو غلام يلعب مع الصبيان في يوم شديد البرد وهو عُريان ، فقال له : لقد تَعَجْرَدتَ يا غلام ، والمتعجرد : المتعرّي . والمخضرم - بضم الميم وفتح الخاء المعجمة وسكون الضاد المعجمة وفتح الراء وبعدها ميم - أصل هذه اللفظة أن تطلق على الشاعر الذي أدرك الجاهلية ١ زيادة من ص د ولم ترد في مسودة المؤلف . ٢ انظر الاغاني ١٤ : ٣٦٣. ٢١٣ والإسلام مثل لبيد والنابغة الجعدي وغيرهما ، ثم تُوسّع فيها حتى صارت تطلق على من أدرك دولتين ، وسمع في ذلك أيضاً محضرَم بالحاء المهملة وسمع بكسر الراء أيضاً . ٢٠٧ أبو سلمان الخطابي أبو سليمان حمْدُ بن محمد بن إبراهيم بن الخَطاب الخطّابي البُسْتِي ؛ كان فقيهاً أديباً محدثاً له التصانيف البديعة منها ((غريب الحديث)) و((معالم السنن في شرح سنن أبي داود)) و((أعلام السنن في شرح البخاري)) وكتاب (( الشحاح))١ وكتاب ((شأن الدعاء)) وكتاب ((إِصلاح غلط المحدثين)) وغير ذلك. سمع بالعراق أبا علي الصَّفّار وأبا جعفر الرَّزّاز وغيرهما، وروى عنه الحاكم أبو عبد الله ابن البيّع النيسابوري وعبد الغفار بن محمد الفارسي وأبو القاسم عبد الوهاب بن أبي سهل الخطابي وغيرهم، وذكره صاحب ((يقيمة الدهر »، وأنشد له٢ : وما غُمَّة٣ الإنسان في شُقَّة النَّوى ولكنها والله في عَدَمِ الشكل. ٢٠٧ - ترجمة أبي سليمان الخطابي في انباه الرواة ١: ١٢٥ (تحت أحمد) ويقيمة الدهر ٤: ٣٣٤ ومعجم الأدباء ٤: ٢٤٦ وشذرات الذهب ٣: ١٥٠ وبغية الوعاة: ٢٣٩، وانظر أنساب السمعاني واللباب: (الخطابي) وتذكرة الحفاظ: ١٠١٨ وخزانة الادب ١: ٢٨٢ وطبقات السبكي ٢: ٢١٨، ومن كتبه المنشورة: رسالة له في اعجاز القرآن (ضمن ثلاث رسائل، نشر دار المعارف) ورسالة في العزلة (إدارة الطباعة المنيرية، القاهرة: ١٣٥٢ هـ) ومعالم السنن (في مجلدين) . وله مؤلفات أخرى ذكرها ياقوت . ١ وكتاب الشحاح: لم يذكر إلا في ص ر والمسودة. ٢ القيمة : ٣٣٥، ٣٣٦. ٣ كذا في المسودة ؛ وفي سائر النسخ : غربة . ٢١٤ ٧ وإني غريبٌ بين بُسْتَ وأهلها وإِن كان فيها أُسْرَتي وبها أهلي وأنشد له أيضاً : شر السباع العَوادي دُونَهُ وزرُ والناسُ شَرُّهُمُ ما دونه وزرُ كم معشرٍ سلموا لم يؤذِهِمِ سَبُعٌ وما ترى بشراً لم يؤذه بَشَرُ وأنشد له أيضاً : فسامح ولا تَستوفِ حقك كله وأبق فلم يَستَقصِ قَطُ كريمُ ولا تَغْلُ في شيءٍ من الأمر واقتَصد كلا طرَفَيْ قصدِ الأمور ذميمُ وذكر له أشياء غير ذلك . وكان يشبَّه في عصره بأبي عبيد القاسم بن سَلام علماً وأدباً وزهداً وورعاً وتدريساً وتأليفاً. وكانت وفاته في شهر ربيع الأول سنة ثمان وثمانين وثلثمائة بمدينة بُسْتَ ، رحمه الله تعالى . والخَطّابي - بفتح الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة وبعد الألف باء موحدة - وهذه النسبة إلى جده الخطّاب المذكور ، وقيل إنه من ذرية زيد بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنه ، فنسب إليه ، والله أعلم . والبُستي - بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة وبعدها تاء مثناة من فوقها - هذه النسبة إلى بُستَ ، وهي مدينة من بلاد كابل بين هراة وغَزْنة كثيرة الأشجار والأنهار . وقد سمع في اسم أبي سليمان حمدٍ المذكور أحمدُ أيضاً - بإثبات الهمزة - والصحيح الأول؛ قال الحاكم أبو عبد الله محمد بن البَيِّع: سألت أبا القاسم المظفَّر ابن طاهر بن محمد البستي الفقيه عن اسم أبي سليمان الخطابي أحمد أو حمْد فإن بعض الناس يقول أحمد ، فقال : سمعته يقول : اسمي الذي سميت به حَمْد ، ولكن الناس كتبوا أحمد ، فتركته عليه١. وقال أبو القاسم المذكور : أنشدنا أبو سليمان لنفسه : ١ وقد سمع ... عليه: سقطت هذه الفقرة من م . ٢١٥ ما دُمتَ حيّاً فدارِ الناسَ كلَّهمُ فإنما أنت في دار المُداراة مَن يدرِ دارى ومن لم يدر سوف يُرى عمّا قليلٍ نديماً للنداماتِ ٢٠٨ حمزة الزيات أبو عمارة حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل الكوفي المعروف بالزيات ، مولى آلِ عِكرِمَةَ بن رِبْعِيّ التيميّ؛ كان أحد القُرّاء السبعة ، وعنه أخذ أبو الحسن الكسائي القراءة، وأخذ هو عن الأعمش، وإنما قيل له ((الزيات)) لأنه كان يجلب الزيت من الكوفة إلى حُلْوان ويجلب من حلوان الجبن والجوز إلى الكوفة ، فعرف به . وتوفي سنة ست وخمسين ومائة بحلوان وله ست وسبعون سنة ، رحمه الله تعالى . وحُلْوان - بضم الحاء المهملة وسكون اللام وفتح الواو وبعد الألف نون - وهي مدينة في أواخر سَواد العراق مما يلي بلاد الجبل . وربعيّ : بكسر الراء وسكون الباء الموحدة وكسر العين المهملة وتشديد الياء. ٢٠٨ - ترجمته في تهذيب التهذيب ٣: ٢٧ وغاية النهاية ١ : ٢٦١ وميزان الاعتدال ١ : ٦٠٥ وقد ولد حمزة بن حبيب سنة ٨٠ هـ هو وأبو حنيفة في عام واحد، قال الذهبي: قد انعقد الاجماع باخرة على تلقي قراءة حمزة بالقبول والافكار على من تكلم فيها، فقد كان من بعض السلف في الصدر الأول فيها مقال . وقيل توفي سنة ١٥٨. ٢١٦ ٢٠٩ حنين بن إسحاق أبو زيد حنين بن إسحاق العبادي الطبيب المشهور ؛ كان إِمام وقته في صناعة الطب ، وكان يعرف لغة اليونانيين١ معرفة تامة وهو الذي عَرَّب كتاب أُقليدُس ونقله من لغة اليونان إلى اللغة العربية ، وجاء ثابت بن قُرة المقدم ذكره فنقحه وهذبه، وكذلك كتاب المجسطي، وأكثر كتب الحكماء والأطباء فإنها كانت كلها بلغة اليونان فعربت، وكان حُنين المذكور أشدَّ الجماعة اعتناء بتعريبها، وعرَّب غيره أيضاً بعض الكتب ، ولولا ذلك التعريب لما انتفع أحد بتلك الكتب لعدم المعرفة بلسان اليونان ، لا جرم كل كتاب لم يعربوه باقٍ على حاله ولا ينتفع به إِلا من عرف تلك اللغة . وكان المأمون مُغرماً بتعريبها وتحريرها وإصلاحها ، ومن قبله جعفر البرمكي وجماعة من أهل بيته أيضاً اعتنوا بها ، لكن عناية المأمون كانت أتم وأوفر . ولحنين المذكور في الطب مصنفات مفيدة كثيرة - وقد تقدم ذكر ولده إسحاق في حرف الهمزة -؛ ورأيت في كتاب (( أخبار الأطباء)) أن حنيناً المذكور كان في كل يوم عند نزوله من الركوب يدخل الحمام فيصبُّ عليه الماء ، ويخرج فيلتفُّ في قَطيفة ، ويشرب قدح شراب ويأكل كعكة ، ويتكىء حتى ينشف عرقه ، وربما نام ، ثم يقوم ويتبخر ويقدم له طعامه وهو فَرّوَجٌ كبير مُسمَّن قد طبخ زيرباجاً ورغيف وزنه مائتا درهم فيحسو من المرقة ويأكل الفروج والخبز وينام ، فإذا انتبه شرب أربعة أرطال شراباً عتيقاً ، فإذا اشتهى الفاكهة الرطبة أكل التفاح الشامي٢ والسَّفَرْ جَل، ٢٠٩ - ترجمة حنين بن إسحاق في الفهرست: ٢٩٤ وابن أبي أصيبعة ١: ١٨٤ وتاريخ الحكماء : ١١٧ وقال ابن النديم انه كان فصيحاً في اليونانية والسريانية والعربية . وله مؤلفات عدا ما نقله . ١٠ أج : اللغة اليونانية . ٢ هـ : الدمشقي. ٢١٧ وكان ذلك دأبه إلى أن مات يوم الثلاثاء١ لست خلون من صفر سنة ستين ومائتين. وقد سبق في ترجمة ولده نسبة العِبادي إلى أي شيء هي . واليونانيون كانوا حكماء متقدمين على الإسلام ، وهم من أولاد٢ يونان بن يافث ابن نوح عليه السلام ، وهو بضم الياء المثناة من تحتها وسكون الواو وبين النونين ألف . ٢١٠ ابن حيان صاحب المقتبس أبو مَرْوان حَيّان بن خَلَف بن حسين بن حيان بن محمد بن حيان بن وَهْب بن حيان مولى الأمير عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان ؛ هو من أهل قُرطبة، وله كتاب (( المقتبس في تاريخ الاندلس )» في عشر مجلدات، وكتاب (( المتين))٣ في تاريخها أيضاً في ستين مجلداً . ذكره أبو علي الغساني فقال : كان عالي السن٤ قوي المعرفة متبحراً في الآداب بارعاً فيها ، صاحب لواء التاريخ بالاندلس ، أفصح الناس فيه وأحسنهم نظماً له ، لزم الشيخ أبا عمرو ابن أبي الحباب النحوي صاحب أبي علي القالي وأبا العلاء صاعد بن الحسن الرَّبَعيَّ البغدادي، وأخذ عنه كتابه المسمى ١ هـ : السبت؛ وفي الفهرست كما ثبت في المتن . ٢ أج : من ولد . ٢١٠ - ترجمة ابن حيان مؤرخ الاندلس في جذوة المقتبس: ١٨٨ والصلة: ١٥٤ وتكملة برو كلمان ١ : ٥٧٨ وقد نشر من كتابه ((المقتبس)» قطعتان، احداهما بعناية ملشور انطونية (باريس ١٩٣٧) والثانية بعناية الدكتور عبد الرحمن الحجي (بيروت ١٩٦٥) ويعد الثالثة للنشر الدكتور محمود مكي . ٣ يرد هذا الكتاب أحياناً في المصادر باسم « المبين)». ٤ أ : الهمة . ٢١٨ بـ ((الفصوص)) وسمع الحديث . وسمعته يقول: التهنئة بعد ثلاث استخفاف بالمودة١، والتعزية بعد ثلاث إغراء بالمصيبة . وتوفي يوم الأحد لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة تسع وستين وأربعمائة ، ودفن من يومه بعد العصر بمقبرة الرَّبض . ومولده سنة سبع وسبعين وثلثمائة . ووصفه الغساني بالصدق فيما حكاه في تاريخه . وأخبر أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عون قال : كان ابن حيان فصيحاً في كلامه ، بليغاً فيما يكتبه ٢ بيده، وكان لا يتعمد كذباً فيما يحكيه في تاريخه من القصص والأخبار ، قال : ورأيته في النوم بعد وفاته مقبلاً إلي ، فقمت إليه وسلم علي وتبسم في سلامه ، فقلت له : ما فعل الله بك ؟ فقال : غفر لي، فقلت له : فالتاريخ الذي صنفت ندمت عليه ؟ قال : أما والله لقد ندمت عليه ، إلا أن الله عز وجل بلطفه عنا عني وغفر لي . وذكره أبو عبد الله الحميدي في ((جذوة المقتبس)) وابن بَشكُوال في ((الصلة))، رحمهم الله تعالى أجمعين. ....... ........ ١ هـ : بالمولود . ٢ أج : يحكيه . . ٢١٩