Indexed OCR Text

Pages 401-420

أما ترى ما أراهُ أيها الملكُ كأننا في سماء ما لها حُبُكُ
الفرقد ابنك والمصباح صاحبه وأنت بدر الدجى والمجلسُ الفَلَكُ
ولما كان من الغد عرض عليه الصبوح فقال :
رأيتُ المدامةَ غلابة تهيج للقلب أشواقه
ولكن تطيّب أخلاقه
تسيء من المرء آدابه
وما يشتهي الموت من ذاقه
وقد متُ أُمس بها موتةً
(١٥)*
(ترجمة المتنبي، رقم: ٥٠، ص : ١٢٢، س: ٣)
ومن شعره في الحبس :
كنْ أيها السجنُ كيف شيت فقد وطَّأْت للموت نفسَ معترفٍ
لو كان سكناي فيك منقصةً لم يكن الدُّرُ ساكنَ الصَّدفِ
وحكى أبو الفتح عثمان بن جني قال : سمعته يقول: إنما لقبت بالمتني بقولي:
أنا تِربُ الندى وربّ القوافي وسمام العدى وغيظ الحسودِ
أنا في أمة تداركها اللـ ـه غريبٌ كصالح في ثمودٍ
وفي هذه القصيدة :
ما مُقامي بأرض نخلة إِلا كمقام المسيح بين اليهودِ
٢٦ - ١
٤٠١

(١٦)*
(ترجمة بديع الزمان الهمذاني ، رقم : ٥٢، ص : ١٢٧ ، س : ١٩)
وكان١ صاحب عجائب وبدائع وغرائب ، فمنها انه كان ينشد القصيدة لم
يسمعها قط - وهي أكثر من خمسين بيتاً - فيحفظها كلها ويؤديها من أولها إلى
آخرها لا يخرم حرفاً ، وينظر في الأربع والخمس الأوراق من كتاب لم يعرفه
ولم يره نظرةً واحدة خفيفة ثم يهذها عن ظهر قلبه هذّاً ويسردها سرداً ؛
وهذه الحالة في الكتب الواردة وغيرها، وكان يُقترح عليه عمل قصيدة أو إنشاء
رسالة في معنى بديعٍ وباب غريب فيفرغ منها في الوقت والساعة والجواب عنها
فيها، وكان ربما يكتب الكتاب المقترح عليه فيبتدىء بآخر سطوره ثم هلم جرًّا
إِلى الأول ويخرجه كأحسن شيء وأملحه ، وكان مع هذا كله مقبول الصورة
خفيف الروح حسن العشرة شريف النفس كريم العهد خالص الودّ حلو الصداقة
مرّ العداوة ، وكانت بينه وبين الخوارزمي منافرة ومناكرة ومناظرة بكَّته
البديع فيها وأسكته ؛ وتصرفت به أحوال جميلة وأسفار كثيرة ولم يبق من
بلاد خراسان وسجستان وغزنة بلدة إلا دخلها وجنى ثمرتها واستفاد خيرها
وميرها ، وألقى عصاه بهراة واتخذها دار قراره ومجمع أسبابه ، وحين بلغ
أشده وأربى على أربعين سنة ناداه الله فلبّاه وفارق دنياه فقامت عليه نوادب
الأدب وانتلم حد القلم ، على انه ما مات من لم يمت ذكره ، ولقد خلد من بقي
على الأيام نثره ونظمه ، وأنا ذاكر من طرف ملحه ولفظ غرره ما هو غذاء
القلب وقوت النفس ومادة الأنس .
فصل٢: وفيما يقول الناس من حكاياتهم ان أعرابياً نام ليلة عن جمله ففقده
فلما طلع القمر وجده فرفع إلى الله يده وقال : أشهد لقد أعليته وجعلت السماء
بيته، ثم نظر إلى القمر فقال: إِن الله صوّرك ونوّرك وعلى البروج دوّرك وإِذا
١ من يتيمة الدهر ٤: ٢٥٦، ٢٨٧.
٢ من هنا وحتى نهاية النص اشتركت نسختا د وآيا صوفيا (٣٠ ب) في هذه الزيادة.
٤٠٢

شاء كوّرك ولا أعلم مزيداً أسأله لك ، ولئن أهديت إلى قلبي سروراً لقد أهدى
الله إليك نوراً ، والشيخ ذلك القمر المنير ، لقد أعلى الله قدره وأنفذ بين الجلود
واللحوم أمره ، ونظر إليه وإلى الذين يحسدونه فجعله فوقهم وجعلهم دونه .
فصول قصار : ما كل مائع ماء ولا كل سقف سماء ولا كل محمد رسول .
وله : المرءُ لا يُعرفُ ببرده والسيف لا يُعرف بغمده.
(١٧) *
(ترجمة جحظة البرمكي، رقم: ٥٥، ص: ١٣٤، س: ١٠)١
حدث علي بن سعيد الكاتب قال: قال لي جحظة: إِن كتمت عليّ حَدّئْتُك
بحديث ما مرَّ على مسامعك مثله قط ، قلت : أنا موضع سرك والمجالس
بالأمانة، قال: اصطبحتُ أياماً فأصبحت يوماً مخموراً ، فبينا أنا جالس على باب
داري إِذ أقبلت جاريةٌ متنقبة راكبة على حمار وبين يديها وصائف كالغزلان
يحففن بها ويمسكن عنان حمارها وقد سطعت السكة من روائح طيبها ، فبقيت
مبهوتاً متحيراً أعجب من كمال خلقها ونور ما بدا لي من وجهها ، فلما جاوزتني
وقفت وتأملتني ساعة ثم سلمت فرددت عليها أحْفى سلام وأبره وقمت على
قدمي إجلالاً لها وإِعظاماً ، فقالت : يا فتى هل في منزلك محتمل للقايلة في هذا
اليوم ؟ قلت : يا سيّدتي على الرحب والسعة ولك الفضل والمنة ؛ فما كذبت
أن ثنت رجلها ونزلت ، وقالت: ادخل بين يديّ، وأمرت جوارها فدخلن
بالحمار إلى الدهليز ثم دخلتْ وما أحسب جميع ما أراه إِلا نوماً لا يقظة وشكاً
لا يقيناً. فلما استقر بها المجلس مدت يدها إلى عجارها٢ فحلّته كما قال الشاعر:
فألقتْ قناعاً دونه الشمس واتقت بأحسن موصولين كفٍ ومعصمٍ
فتفكرت في أمري وأنا لا أعقل من السرور فقلت : هذه جارية مغنية
١ اشتركت نسختاد وآيا صوفيا (٣٣ أ - ٣٣ ب) في هذه الزيادة.
٢ آيا صوفيا : نقابها .
٤٠٣

بلغها عني صوت من صنعتي فأرادت أن تأخذه عني ، فقلت : يا سيدتي أتأذنين
في أن أُقرب ما حضر من طعام وشراب وأغنيك ما لعله بلغك من متخير
أصواتي ؟ فقالت : ما على ذلك فوت ، ولكن قم الآن وشأنك فاقضٍ حاجتك
ثم تصير إلى ما تريد . فقمت إليها وقد أخذني الروع حتى ما أملك نفسي مهابة
لها ، فلما فرغت مما لم أكن آمله ولا تسمو همتي إليه قلت: يا سيّدتي هل لك في
الطعام وأدعو بالعود فأغنيك ما قصدتٍ له ؟ قالت : عسى أن يكون هذا في
يوم غير هذا ، ومدت يدها إلى قناعها فاعتجرت به ونهضت مسرعة فلم أُحِر
جواباً وبقيت متحيراً ؛ فلما صارت إلى الدهليز لتركب قلت : سألتك بنعمة
الله عليك ما خبرك ؟ قالت : لو تركت المسئلة كان أحبَّ إِليك وأعود عليك ،
قلت : لا بد لي من علم حالك، قالت : أما إذ أبيت فسأصدقك؛ لي ابن عم هو
بعلي يخالفني إلى جويرية لي مشوهة المنظر ، فأقسمتُ بالأيمان المحرجة أن أطوف
بغداد حتى أبذل نفسي لأقبح من أرى وجهاً وأوحش من أقدر عليه صورة ،
فأنا أطوف من الفجر إلى هذه الساعة فما رأيت بها أقبح منك ، فبررت قسمي
وإِن عاد إلى مثل فعله عدت إليك إِن لم أجد أوحش منك، وهذا يسيرٌ في
جنب ما تبلغه الغيرة بصاحبها ؛ ثم تولت عني وبقيت أخزى ممن دخل النار ،
فوالله ما ظننت يا أبا الحسن أن إِفراط القبح لينتفع به حتى كان ذلك اليوم ؛
قلت : هوِّنْ عليك فإن القرد إنما يقع السرور به والضحك منه لتجاوزه في
قبح الصورة ، قال : فاكتم عليَّ ، قلت : نعم .
(١٨)*
(ترجمة أحمد بن طولون، رقم: ٧١، ص : ١٧٤، س: ١٨)
ولما مات أحمد تولى مكانه ولده أبو الجيش خمارويه وتزوج الخليفة المعتضد
ابنته قطر الندى بنت خمارويه واسمها اسماء في سنة ٢٨١، وزفت إليه في سنة
٨٢، وحمل إليها مهرها على مائة حمار مع شفيع الخادم، وجدّد له ولاية
مصر وخطب له ما بين برقة وهيت ؛ وفي هذه السنة ذُبح خمارويه بدمشق ،
٤٠٤

ذبحه خدمه ، فحمل إلى مصر ودفن بها وهو ابن ثلاثين سنة ، فأخذ الخدم
وقُتلوا وصُلبوا بدمشق وحملت رؤوسهم إلى مصر فنصبت، وكان قتله ليلة الأحد
لثلاث ليالٍ بقين من ذي القعدة ، وماتت قطر الندى بنت خمارويه المذكور في
سنة ٨٧ ، وكان خمارويه قد سأل المعتضد أن يزوج المكتفي بنته قطر الندى
فقال المعتضد : بل أنا أتزوجها ، وجعل صداقها ألف الف درهم ، وقيل : كان
غرض المعتضد بزواجها افتقار بني طولون ، وكذا كان ، فإن أباها جهزها يجهاز
لم يعمل مثله حتى قيل إنه كان لها ألف هاون ذهب .
(١٩)*
(ترجمة معز الدولة بن بويه ، رقم: ٧٢، ص : ١٧٦ ، س : ٣) ١
وقال عز الدين بن الأثير٢ : كان ابتداء دولة بني بويه وهم عماد الدولة أبو
الحسن علي وركن الدولة أبو علي الحسن ومعز الدولة أبو الحسين أحمد أولاد أبي
شجاع بويه بن فناخسرو بن تمام . وقال ابن مسكويه انهم يزعمون أنهم من
ولد يزدجرد بن شهريار آخر ملوك الفرس وأن والدهم أبا شجاع بويه كان
متوسط الحال وماتت زوجته وخلفت له هؤلاء البنين الثلاثة ، فلما ماتت اشتد
حزنه عليها ، فحكى شهربان٣ بن رستم الديلمي قال : كنت صديقاً لأبي شجاع
بويه فدخلت إليه يوماً فعذلته على كثرة حزنه فقلت له : أنت رجل تحتمل
الحزن وهؤلاء المساكين أولادك يهلكهم الحزن ، وربما مات أحدهم فيتجدد
لك من الأحزان ما ينسيك المرأة ، وسلّيته يجهدي وأدخلته وأولاده إلى منزلي
ليأكلوا طعامً وشغلته عن حزنه ؛ فبينما هم كذلك إذ اجتاز بنا رجل منجم
ومعزم ومعبّر للمنامات ويكتب الرقى والطلّسمات وغير ذلك، فأحضره أبو
شجاع وقال له : رأيت في منامي كأنني أبول فخرج من ذكري نار عظيمة
١ اشتركت نسختا د وآيا صوفيا (٤٣ ب - ٤؛ أ) في هذه الزيادة.
٢ الكامل ٨: ٢٦٤ (ط. صادر) .
٣ في نسخة آيا صوفيا وفي الكامل : شهريار .
٤٠٥

استطالتْ وعلتْ حتى كادت تبلغ السماء ، ثم انفرجت فصارت ثلاث شعب
وتولَّد من تلك الشعب عدة شعب، فأضاءت الدنيا بتلك النيران ، ورأيت البلاد
والعبادَ خاضعين لتلك النيران ، فقال المنجم : هذا المنام عظيم لا أفسره إلا
بخلعة وفرس ومركب ، فقال له أبو شجاع: والله ما أملك إلا الثياب التي على
جدي فان أخذتها بقيتُ عرياناً، فقال المنجم : فعشرة دنانير، قال : والله ما
أملك دينارين فكيف عشرة ؟ فأعطاه شيئاً ، فقال المنجم : اعلم انك يولد لك
ثلاثة أولاد يملكون الأرض ومن عليها ويعلو ذكرهم في الآفاق كما علت تلك
النار ويولد لهم جماعة ملوك بقدر ما رأيت من تلك الشعب ؛ فقال أبو شجاع :
أما تستحي تسخر منا ؟ أنا رجل فقير وأولادي فقراء مساكين كيف يصيرون
ملوكاً ؟ ثم قال المنجم : أخبرني توقيت ميلادهم ، فأخبره ، فجعل يحسب ثم
قبض على يد أبي الحسن علي فقبلها وقال : هذا والله الذي يملك البلاد ، ثم
هذا بعده ، وقبض على يد أخيه أبي علي الحسن ، فاغتاظ منه أبو شجاع وقال
لأولاده : اصفعوا هذا الحكيم فقد أفرط في السخرية بنا، فصفعوه وهو يستغيث
ونحن نضحك منه ، ثم قال لهم : اذكروا لي هذا إذا قصدتكم وأنتم ملوك ،
فضحكنا منه ، وكان من أمرهم ما قد ذكر .
(٢٠) *
( ترجمة معز الدولة بن بويه ، رقم : ٧٢، ص : ١٧٦ ، س : ٧) ١
وكان معز الدولة قد قلد أبا العباس عبد الله بن الحسين بن أبي الشوارب قضاء
القضاة وأن يؤدي كل سنة مائتي ألف درهم - وهو أول من ضمن القضاء ولم
يُسمع بذلك قبلها - وكان الخليفة المطيع الله قد منعه من الدخول إليه وأمره أن
لا يحضر المواكب لما ارتكبه من ضمان القضاء، ثم ضمنت الحسبة والشرطة ببغداد٢
١ اشتركت نسخة آيا صوفيا (٤٤ أ) في هذه الزيادة مع نسخة د إلى قوله: في سنة ٣٥٠.
٢
انظر ابن الأثير ٨ : ٥٣٦ - ٠٥٣٧
٤٠٦

وذلك في سنة ٣٥٠؛ وفيها١ كتب عامة الشيعة ببغداد بأمر معز الدولة
على المساجد سبّ الصحابة ، فأما الخليفة فكان محكوماً عليه لا يقدر على
المنع ، وأما معز الدولة فإن بعض الناس حكَ هذا المكتوب ليلاً فأراد أن
يأمر بإعادته فأشار عليه الوزير أبو محمد المهلبي بأن يكتب مكان ما محي : لعن
الله الظالمين لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله ، ولا يذكر أحداً في
اللعن ، ففعل ذلك ....
(٢١)*
(ترجمة المستعلي الفاطمي، رقم: ٧٤، ص : ١٧٩، س : ٢٢)٢
وذلك أن المستنصر عهد في حياته بالخلافة لابنه نزار فخلعه الأفضل وبايع
للمستعلي ، وسبب خلعه أن الأفضل ركب مرة في أيام المستنصر ودخل دهليز
القصر من باب الذهب راكباً ونزار خارجٌ والمجاز مظلم فلم يره الأفضل ، فصاح
به نزار : انزل يا أرمني ، كلب على فرس ، ما أقل أدبك ! فحقدها عليه ؛
فلما مات المستنصر خلعه خوفاً على نفسه وبايع للمستعلي ، فهوب نزار إِلى
الإسكندرية فبايعه أهلها وسموه المصطفى لدين الله ، وكان بها ناصر الدولة
افتكين فبايعه وخطب الناس ولعن الأفضل ، وأعانه القاضي جلال الدولة ابن
عمار قاضي الإسكندرية فسار إليه الأفضل وحاصره وأخذ افتكين فقتله ،
وقتل جلال الدولة [ابن] عمار ومن أعانه وتسلم المستعلي نزاراً وبنى عليه
حائطاً فمات .
١ في ابن الأثير سنة ٣٥١؛ انظر ص : ٥٤٢ .
٢ اشتركت نسختاد وآيا صوفيا (٤٥ ب) في هذه الزيادة .
٤٠٧

(٢٢)*
(ترجمة عماد الدين بن المشطوب، رقم: ٧٥، ص: ١٨١، س : ١٠)
وذلك أنه اتفق مع الأكراد الهكارية وأرادوا أن يخلعوا الملك الكامل
ويملّكوا أخاه الملك الفايز ليصير الحكم إليهم عليه وعلى البلاد ، فبلغ الخبر إلى
الملك الكامل ففارق المنزلة ليلاً جريدة وسار إلى أشموم طناح فنزل بها وأصبح
العسكر وقد فقدوا سلطانهم ، فركب كلُّ إِنسان منهم هواه، ولم يقف الأخ
على أخيه ، ولم يقدروا على أخذ شيء من خيامهم وذخائرهم وأموالهم وأسلحتهم
إلا اليسير الذي يخف حمله وتركوا الباقي بحاله وتركوا الكامل .
وأما الفرنج فإنهم أصبحوا فلم يروا من المسلمين أحداً على شاطىء النيل
كجاري عادتهم، فبقوا لا يدرون ما الخبر، وإِذا قد أتاهم مَنْ أخبرهم الخبر
على حقيقته فعبروا حينئذ النيل إلى بر دمياط آمنين بغير منازع ، وكان عبورهم
في العشرين من ذي القعدة سنة ٦١٥ فغنموا ما في عسكر المسلمين ، وكان عظيماً
معجزاً للعادِّين، وكاد الكامل يفارق الديار المصرية لأنه لم يثق بأحد من
عسكره ، وكان الفرنج ملكوا الجميع بغير تعب ولا مشقة ، فاتفق من لطف
الله تعالى بالمسلمين أن وصل أخوه الملك المعظم ابن الملك العادل بعد هذه الحركة
بيومين والناس في أمر مريج فقوي به قلبه واشتد ظهره وثبت جنانه ، وأقام
بمنزله ، فركب الملك المعظم إلى ابن المشطوب فأخرجه من حينه إلى الشام
فاتصل بالملك الأشرف مظفر الدين .
٤٠٨

(٢٣)*
(ترجمة الملك العادل أتابك، رقم : ٨٢، ص : ١٩٤، س : ٣)
ودفن بقلعة دمشق ونقل منها إلى مدرسته التي أنشأها عند سوق الخواصين
بالموصل ؛ ومن عجيب الاتفاق أنه ركب ثاني شوال وركب إلى جانبه بعض
الأمراء الأخيار ، فقال له الأمير : سبحان مَنْ يعلم هل نجتمع هنا في العام
المقبل أو لا؟ فقال نور الدين : لا تقل هكذا ، قل : سبحان مَنْ يعلم هل
نجتمع بعد شهر أم لا ؛ فمات نور الدين بعد أحد عشر يوماً ، ومات الأمير قبل
الحول ، فأخذ كل واحد منهما بما قاله ؛ وكان مولده سنة ١٥٦٩ .
وأما ما فعله من المصالح فإِنه بنى أسوار مُدن الشام كلها وقلاعها فمنها
دمشق وحمص وحماة وحلب وشيزر وبعلبك وغيرها ، وبنى المدارس الكثيرة
للحنفية والشافعية وبنى الجامع النوري بالموصل وبنى المارستان والخانات في
الطرق وبنى الخانات للصوفية في جميع البلاد ، وكانت له همة عالية أعاد
ناموس الأتابكي وحرمته بعد أن كانت قد ذهبت ، وخافته الملوك ، ولو لم يكن
من فضيلته إلا أنه رحل الملك الكامل بن العادل عن ماردين بعد انفصال أبيه
عنها سنة ٩٥ وأبقاها على صاحبها . ولما حضره الموت أمر أن يرتب في الملك
بعده ولده الملك القاهر عز الدين مسعود وحلف له الجند وأعطى ولده الأصغر
عماد الدين زنكي قلعة الجندية وقلعة شوس وولايتهما وسيرهما إلى العقر ، وأمر
أن يتولى تدبير ملكهما والنظر في مصالحها الأمير بدر الدين لؤلؤ لما رأى من
عقله وسداده وحسن سياسته وتدبيره . وكان نور الدين يصلي كثيراً بالليل ،
وله فيه أوراد حسنة فكان كما قيل :
جمع الشجاعة والخشوع لربه ما أحسن المحراب في المحراب
وبالجملة فحسناته كثيرة ومناقبه غزيرة .
١ في نسخة د: سنة ٦١١، وهو خطأ بين لأن الملك العادل توفي سنة ٦٠٧؛ وانظر التاريخ
الباهر : ١٩٨.
٤٠٩

(٢٤) *
(ترجمة إسحاق الموصلي ، رقم: ٨٧، ص : ٢٠٤، س: ٦)
وذكر ابن السندي أن إسحاق النديم اتخذ دعوة فجاءته الهدايا من كل
وجه ؛ وكان في جيرانه رجل مملق ، فوجه إليه بجراب أُشنان وجراب ملح ،
وكتب إليه: لو تمت الإرادة لي بحسب النية وملكتني القدرة لبسط الجدة
لبدرت السابقين إلى برّك ، ولكنت إمام المتقدمين في إكرامك ، لكن البضاعة
قعدت عن الهمة، وقصرت عن مساواة أهل الثروة، وكرهت أن تطوى صحيفة
البر ، ولا يكون لي فيها ذكر ، فوجهت بالمبتدإِ لطيبه ويمنه ، وبالمختوم به
لطهارته ونظافته ، مصطبراً على ألم التقصير ؛ فأما ما سوى ذلك فالمعبر عنا
فيه كتاب الله عز وجل ﴿ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا
يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله﴾ .
ومما يناسب هذه النادرة ما حكى جعفر بن قدامة عن مية البرمكية قالت:
كانت لأمّ علي بنت الراس جارية مغنية يقال لها مكر ، وكانت من أحسن
الناس وجهاً وغناء ، وكان لها رفقاء من الكتّاب ووجوه التجار ، كان أبو
يحيى الكيبخي يعاشرها، فافتصدتْ يوماً فأهدى إليها رفقاؤها صنوفَ الهدايا،
وبعث إليها أبو يحيى ثلاث سلال مختومة فإذا سلّة" فيها ماشٌ ومعه رقعة فيها:
الماش خير من لاش ، وفي الأخرى عصافير بأجنحتها فلما فُتحتْ طارت ومعها
رقعة فيها : يا سيدتي أعتقت عنك هؤلاء المساكين ولو كان بدلها عبيداً
لأعتقتهم، وفتحت الأخرى فإذا هي فارغة وفيها رقعة مكتوب فيها : يا مولاتي
لو كان عندي شيء لبعثتُ إِليك بشيء ، ولكن ليس عندي شيء فلم أبعث
إِليك بشيء ، فضحكوا وبعثوا إِليه بنصيب وافر من كلِّ ما أهدي إِليها ،
وكتبت إليه أُمُّ عليّ : أعطي لله عهداً إِن لم تكن هديتك أملح من كل هدية
وردت إلينا ، وفي هداياي متسع والإنجاز أمثل ؛ وأخباره كثيرة .
٤١٠

(٢٥)*
(ترجمة إسحاق الموصلى، رقم: ٨٧، ص: ٢٠٤، س: ١٥)
قال أبو عبد الله أحمد بن حمدون النقيب : لقيت إسحاق بن إبراهيم الموصلي
بعدما كفّ بصره فسألني عن أخبار الناس والسلطان فأخبرته ثم شكوت إليه
غمي بقطع أذني فجعل يسألني ويعزيني ، ثم قال لي : من المتقدم اليوم عند أمير
المؤمنين والخاص من ندمائه ؟ قلت: محمد بن عمر ، قال : ومن هذا الرجل وما
مقدار أدبه وعلمه ؟ فقلت : أما أدبه فلا أدري ، ولكني أخبرك بما سمعت منه
منذ قريب ؛ حضرنا الدار يوم عقد المتوكل لأولاده الثلاثة فدخل مروان بن أبي
حفصة فأنشده قصيدته التي يقول فيها :
بيضاء في وجناتها ورد فكيف لنا بشمّه
فسرّ بذلك سروراً شديداً وأمر فنثر عليه بدرة دنانير و أن تلقط وتطرح في حجره
وأمره بالجلوس وعقد له على اليمامة والبحرين ، فقال : يا أمير المؤمنين، ما رأيت
كاليوم ولا أرى ابقاك الله ما دامت السموات والأرض ، فقال محمد بن عمر :
هذا بعد عمر طويل إن شاء الله، فقال لي إِسحاق: ويلك، جزعتُ على أذنك،
وغمك قطعها ؟ لمَ ؟ حتى تسمع مثل هذا الكلام ؟ ويلك لو ان لك مكتوك
آذان ايش كان ينفعك مع هؤلاء ؟
وكان سبب قطع اذنه ان الفتح بن خاقان كان يعشق شاهك خادم المتوكل
واشتهر الأمر فيه حتى بلغه ، وله فيه اشعار منها :
اشاهك ليلي مذ هجرتَ طويل وعيني دماً بعد الدموع تسيل
وليس إلى شكوى إليك سبيل
وبي منك والرحمنِ ما لا اطيقه
اشاهك لو يجزى المحبّ بودّه جزيت ولكنّ الوفاء قليل
وكان ابو عبد الله يسعى فيما يحبه الفتح فعرف المتوكل الخبر فقال: إنما أردتك
٤١

٠
وادنيتك لتنادمني ليس لتفسد عليّ غلماني ، فأنكر ذلك وحلف يميناً حنث فيها
فطلق كل حرة كانت وأعتق من كانت مملوكة ، ولزمه حج سنتين ، فكان
يحج في كلِّ عام ، قال : فأمر المتوكل بنفيه إلى تكريت فأقام بها ثم جاءه
زرافة في الليل ، فلما دخل عليه قال : جئت في شيء ما كنت أحب أن أجيء
في مثله، قال : وما هو ؟ قال : [قال] أمير المؤمنين بقطع أُذنك وقال:
قل له لست أعاملك إِلا كما يعمل الفتيان ، فرأى ذلك أسهل مما ظنه من القتل،
فقطع غضروف أذنه من خارج ولم يستقصه وجعله في كافور كان معه وانصرف .
(٢٦) *
(ترجمة الأسعد بن مماتي ، رقم: ٩١، ص: ٢١٢، س : ١٨)
وكان١ الأسعد المذكور قد مرض فعاده بعض أصحابه فوجده يغسل ويمزق
أوراقاً تعاليق بخطه ، فسأله عن السبب فقال : إني نظرت في العلوم فوجدتها
مواهبَ من الله تعالى لا بكثرة الفحص والاشتغال ، وذلك اني سألتني جويريتي
النوبية عن طعام تصنعه لي اليوم موافق ، فأخذت أعدّد لها أنواع المزورات
فضجرت ، وقالت لي : لا يقدر أحد على مرضاتك في مرضاتك ، فهذا هو
السبب الموجب لما تراه .
ويقرب من ذلك ما أخبرني الفقيه أمين الدين علي بن المحلى أن الصاحب
صفي الدين بن شكر أراد قارئاً للمدرسة التي أنشأها بالقاهرة المعزية يصلي بها
التراويح ، فاختير له شخصان اسم أحدهما زيادة والآخر مرتضى، وطولع بذلك
فوقّع على ظهر القصة : زيادة مرتضى زيادة .
...........
١ ورد هذا الخبر أيضاً في نسخة آيا صوفيا: ٥٤ أ - ٥٤ ب .
٤١٢

(٢٧) *
(ترجمة الصاحب بن عباد ، رقم: ٩٦، ص: ٢٢٩، س : ٢١)
حكى بديع الزمان أبو الفضل الهمذاني١ قال: لما أدخلني والدي إلى الصاحب
ووصلتُ إلى مجلسه، واصلتُ الخدمة بتقبيل الأرض ، فقال لي : يا بُنِيَّ اقعد
كم تسجد كأنك هدهد .
ويقرب من هذا ما حكى ابن بسام قال : رأيت الفكيك بين يدي
الأمير أبي القاسم محمد بن عباد وهو ينشد من قصيدة مطولة :
وأنت سليمانُ في ملكه كما أنا قدامك الهدهد
وينشده ويعيده ويسجد، وفعل ذلك مراراً، وضحك أبو القاسم وأمر له يجائزة سنية.
وحكى أبو الفتح عبدوس بن محمد الهمذاني حين قدم البصرة حاجًاً سنة نيف
وستين وأربعمائة أن الصاحب أبا القاسم ابن عباد رأى أحد ندمائه متغير السحنة
فقال له : ما الذي بك ؟ قال : حما ، قال له الصاحب : قَه ، فقال له النديم:
وه ، فاستحسن الصاحب ذلك منه وخلع عليه ؛ ولقد أحسن الصاحب في
تعقيب لفظة حما بما صارت به ((حماقة)) ولطف النديم في صلة تعقيبه بما جعلت
((قهوة))، وكذا فلتكن مداعبة الفضلاء ومفاكهة الأدباء الأذكياء.
واستؤذن عليه - [أي] الصاحب - يوماً لإنسان طرسوسي فقال: الطرّ في
لحيته والسوس في حنطته .
وحكى أبو منصور الربيع قال : دخلت يوماً على الصاحب وطاولته
الحديث فلما أردت القيام قلت : لعلي طولت ؟ فقال : بل تطولت٢ .
وأهدى العميدي٣٣ قاضي قزوين إلى الصاحب كتباً وكتب معها :
العميديُّ عبد كافي الكفاةِ وإِن اعتدّ في وجوه القضاة
١ انظر اليتيمة ٣ : ١٩٧ وما بعدها .
٢ ورد هذا الخبر أيضاً في نسخة آيا صوفيا: ٥٨ ب.
٣ في الأصل واليتيمة : العميري .
٤١٣

خدم المجلس الرفيع بكتب مغنمات من حسنها مترعاتٍ
فوقَّع تحتها :
ورددنا لوقتها الباقياتٍ
قد قبلنا من الجميع كتاباً
قول خذ ليس مذهبي قولَ هاتٍ
لست أستغنم الكثير فطبعي
قال : وكتب إليه بعض العلوية يخبر بأنه رزق مولوداً وسأله أن يسميه
ويكنيه ، فوقّع في رقعته : أسعدك الله بالفارس الجديد ، والطالع السعيد ،
فقد ملأ والله العين قرة والنفس مسرة ، والاسم علي ليُعلي الله ذكره ، والكنية.
أبو الحسن ليحسّنَ الله أمره، فإني أرجو له فضلَ جَده وسعادة جِدّه ، وقد
بعثت إليك لتعويذه ديناراً من مائة مثقال ، قصدته به مقصد الفال ، رجاء أن
يعيش مائة عام ، ويخلص خلاص الذهب الإبريز من نوب الأيام ، والسلام .
رفع الضرابون من دار الضرب رقعة إلى الصاحب في ظلامة له مترجمة
بالضرابين ، فوقّع تحتها : في حديد بارد .
وقال الصاحب يوماً : ما أفحمني أحد كالبديهي فإنه كان عندي يوماً وأتينا
بفاكهة ومشمش فأمعن فيه ، فاتفق أن قلت : إِن المشمش يلطخ المعدة ، فقال:
لا يعجبني من يطبّ على مائدته١ .
ووقّع في رقعة أبي محمد الخازن ، وكان ذهب مغاضباً ثم كتب إليه يستأذنه
لمعاودة حضرته : ﴿ ألم نربك فينا وليداً ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت
فعلتك التي فعلت ﴾ .
ورفع إليه بعض مُنْهي الأخبار أن رجلاً غريبَ الوجه يدخل داره ويتلطف
لاستراق السمع، فوقّع تحتها : دارنا هذه خان يدخلها من وفى ومن خان٢.
وحبس بعض عماله لحاجة في نفسه فأشرف على دار الضرب فلما رآه ناداه
١ اشتركت نسختاد وآيا صوفيا: ٥٨ ب في إيراد هذه الحكاية باختلاف يسير في النص؛ وهنالك
حكاية شبيهة بهذه ذكرها أبو حيان التوحيدي في المضيرة وذكر أنه هو المجيب للصاحب بذلك
الجواب (انظر: معجم الأدباء ١٥ : ٧) .
٣ وردت هذه الحكاية أيضاً في نسخة آيا صوفيا : ٥٨ ب.
٤١٤

بأعلى صوته: ﴿فاطَّلع فرآه في سواء الجحيم﴾ فضحك الصاحبُ وقال :
و اخسأوا فيها ولا تكلمون ﴾ ثم أمر بإطلاقه .
وكتب إليه رجل رقعة أغار فيها على شيء من لفظه فوقّع فيها : ﴿هذه
بضاعتنا ردت إلينا ﴾١.
وأطال شاب عنده المكث ولم يغيره في القيام فقال للفتى : من أين ؟ قال :
من قم، قال : فإِذاً قم .
حكى أبو النصر العتبي قال : سمعت أبا جعفر دهقان بن ذي القرنين يقول :
قدمت إلى الصاحب هدية أصحبنيها الأمير أبو علي محمد بن محمد برسمه فاعتذرت
إِليه بأن قلت إنها إذا نقلت من خراسان إلى حضرته كانت كالتمر ينقل إلى
كرمان ، فقال : قد ينقل التمر من المدينة إلى البصرة على جهة التبرك بها ،
وهذه سبيل ما يصحبك .
وحكى الهمذاني قال: كان واحد من الفقهاء يُعرف بابن الحصيريّ يحضر
مجلس الصاحب بالليالي فغلبته عيناه مرةً وخرجت منه ريح لها صوت ، فخجل
وانقطع عن المجلس ، فقال الصاحب : أبلغوه عني :
يا ابن الحصيريِّ لا تذهبْ على خجل لحادث كان مثل الناي والعود
كأنها الريح لا تسطيع تحبسها إِذ أنت لست سليمانَ بن داود
وعرض مثل ذلك لبعض حاضري مجلسه فقال : إنه صرير التخت ، فقال
الصاحب : أخشى أن يكون صرير التحت .
وحكى أبو الحسين النحوي قال : كان الصاحب منحرفاً عن أبي الحسين
ابن فارس لانتسابه إلى خدمة آل العميد وتعصبه لهم ، فأنفذ إليه من همذان
كتاب ((الحجر)) من تأليفه فقال: ردّ الحجر من حيث جاءك، ثم لم تطب نفسه
بتركه فنظر فيه وأمر له بصلة . وكان المأموني الابهري الشاعر قد قال في شاعر
آخر أبهري يهجوه :
١ وردت هذه الحكاية أيضاً في نسخة آيا صوفيا : ٥٨ ب .
٤١٥

وتجمعنا آصرات الرحم
كلانا إلى آدم نعتزي
ولكن له الفضل في أنّه يصول بقرن وأني أجم
واتفق أن أُحضر مجلس الصاحب فقال له: من تكون ؟ فقال: الخادم المأموني
الأبهري الشاعر، فقال: الأقرن أم الأجمّ ؟ فاستحيا وخجل.
وقال١ الصاحب بن عبّاد: ما أخجلني [قط ] غير ثلاثة منهم أبو الحسن
البديهي ، فإنه كان في نفرٍ من جلسائي فقلتُ له وقد أكثر من أكل المشمش:
لا تأكله فإنه يلطخ المعدة ، فقال : ما يعجبني من يطب على مائدته ؛ وآخر
قال لي وقد خرجت من دار السلطان وأنا ضجرٌ من أمرٍ عرض لي : من أين
أقبلت يا مولانا ؟ فقلت : من لعنة الله، فقال: ردَّ الله غربتك وأحسن على
إساءته الأدب ؛ وصبي مستحسن داعبته فقلت : ليتك تحتي ، فقال : مع ثلاثة
آخرين ، يعني في الجنازة ، فأخجلني٢ .
ودخل أبو بكر الخوارزمي على الصاحب في أول لقائه إياه فارتفع على الحاضرين
في مجلسه من العلماء والأدباء ، والجماعة لا تعرفه ، فتساءلوا عنه وغاظهم ما رأوا
منه، وقال أحدهم: من ذا الكلب - قولاً سمعه أبو بكر - فالتفت إليه
وقال : الكلب من لا يعرف للكلب مائة اسم ويحفظ في مَدحِهِ مائة مقطوعة
وفي ذمّه مثلها ، فقال الصاحب : فأنت أبو بكر الخوارزمي ، قال : نعم
عبدك ، قال له : حقّ لك، وقدّمه وقرّبه.
وصنع الصاحب لأصحابه دعوة وأعرض عن غيرهم ، فصنع سديد الدولة
أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الأنباري فيه :
وعاف ذا فقر وإفلاسٍ
إِن آثر الصاحب ذا ثروة
لا غرو فالله إلى بيته دعا المياسير من الناسِ
وذكر بعض الفقهاء عن وعدٍ وعده إياه فقال: وعد الكريم ألذّ من دين
الغريم .
١ اشتركت نسخة فى مع نسخة د من هنا وحتى آخر الزيادة .
٢ وردت هذه الحكاية أيضاً في نسخة آيا صوفيا: ٥٨ ب - ٥٩ أ.
٤١٦
.

ولما رجع عن العراق سأله ابن العميد عن بغداد فقال : بغداد في البلاد
كالاستاذ في العباد١.
(٢٨)*
(ترجمة الظافر العبيدي، رقم: ٩٩، ص : ٢٣٧، س : ١٢)
وطرحوه في بئر في الدار وأخفي قتله ؛ وكان الظافر أقطع ابن عباس
قليوب ، وهي من أعظم قرى مصر ، فدخل إليه مؤيد الدولة ابن منقذ وهو
عند أبيه عباس فقال له نصر : قد أقطعني مولانا قليوب ، فقال له مؤيد الدولة:
ما هي في مهرك كبير ، فعظم عليه وعلى أبيه ، وأنف من هذه الحال ، وشرع
في قتل الظافر بأمر أبيه ، فحضر نصر عند الظافر وقال: أشتهي أن تجيء إلى
داري لدعوة صنعتها ولا تكثر ؛ فمشى إليه في نفرٍ يسير من الخدم ليلاً فلما
دخل الدار قتله رحمه الله تعالى .
(٢٩) *
(ترجمة آق سنقر البرسقي، رقم: ١٠٣، ص : ٢٤٢ ، س : ١٩)٢
وكان٣ قد رأى تلك الليلة في منامه أن عدة من الكلاب ثارت به ، فقتل
بعضها ونال منه الباقي ما آذاه ، فقص على أصحابه فأشاروا عليه بترك الخروج
من داره عدة أيام، فقال: لا أترك الجمعة لشيء أبداً ، فغلبوه على رأيه ومنعوه
من قصد الجمعة ، فعزم على ذلك . ثم أخذ المصحف يقرأ فيه فأول ما رأى
﴿ وكان أمر الله قدراً مقدوراً﴾ فركب إلى الجامع على عادته ، وكان يصلي في
١ وردت هذه الحكاية أيضاً في نسخة آيا صوفيا : ٥٩ أ.
٢ هذه الزيادة أيضاً في نسخة آيا صوفيا: ٦٢ ب - ٦٣ أ، وما وضع بين معقفين فيها هو إضافة
من هذه النسخة على نسخة د .
٣ انظر ابن الأثير ١٠ : ٦٣٣، ٦٤٣ - ٦٤٤.
٢٧ - ١
٤١٧

الصفّ الاول فوثب عليه بضعة عشر نفساً - عدة الكلاب التي رآها [في المنام] -
فجرحوه بالسكاكين ، فجرح هو بيده منهم ثلاثة وقُتل رحمه الله تعالى .
وكان مملوكاً تركياً خيِّراً يحب أهل العلم والصالحين ويرى العدل ويفعله ويحافظ
على الصلوات في أوقاتها ويصلي من الليل مجتهداً . قال عز الدين بن الأثير : قال
لي والدي رحمه الله تعالى عن بعض من كان يخدمه : كنت معه فكان يصلي كلًّ
ليلة كثيراً وكان يتوضأ هو بنفسه ولا يستعين بأحد ، ولقد رأيته في بعض ليالي
الشتاء بالموصل قد قام من فراشه وعليه فرجية صغيرة وبيده إبريق ، فمشى
نحو دجلة ليأخذ ماءً ، فمنعني البرد من القيام ، ثم إني خفته ، فقمت
إلى بين يديه لآخذ الابريق منه ، فمنعني وقال : يا مسكين ارجع إلى مكانك
فإنه برد ، فاجتهدت لأخذ الابريق منه فلم يعطني وقام يصلي .
وتولى بعده ولده عز الدين مسعود ثم توفي [يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من
جمادى الآخرة] سنة ٥٢١ رحمه الله تعالى١، وقام بعده أخ له صغير ، واستولى
على البلاد مملوك للبرسقي اسمه جاوني ؛ وكان السلطان محمود ذكر جماعة ممن
يصلح للولاية فمنهم عماد الدين زنكي لما حضر إليه أعيان البلاد وقالوا : هذا
طفل ولا بد للبلاد من رجل شهم ذي رأي وتجربة ، فاستحسن السلطان ذلك
واستشارهم فيمن يصلح ، فأشاروا بعماد الدين زنكي وبذلوا عنه مالاً جزيلاً يحمله
إلى خزانة السلطان ، فأجاب إلى توليته ، كما سيأتي في حرف الزاي إن شاء
الله تعالى .
(٣٠) *
(ترجمة القاضي إياس، رقم: ١٠٥، ص: ٢٤٩، س: ٥)
ودخل الشام وهو غلام وتقدم خَصمَهُ - وكان شيخاً - إلى قاضٍ لعبد الملك
ابن مروان فقال له القاضي : أتتقدم شيخاً كبيراً ؟ قال: الحق أكبر منه ، قال :
اسكت، قال: فمن ينطق بحجتي ؟ قال : لا أظنك تقول حقاً حتى تقوم ، قال :
١ إلى هنا تنتهي الزيادة من نسخة آيا صوفيا .
٤١٨

لا إله إلا الله ، فقام القاضي ودخل على عبد الملك ، فخبره بالخبر ، فقال : اقض
حاجته وأخرجه عن الشام لا يفسد عليّ الناس .
وقال إِياس لأبيه وهو طفل - وكان أبوه يؤثر أخاه عليه - : يا أبه تعلم ما
مثلي ومثل أخي معك إِلا كفرخ الحمام، أقبح ما يكون أصغر ما يكون ، فكلما
كبر ازداد ملاحة وحسناً ، فتبنى له العلالي وتتخذ له المربعات ويستحسنه
الملوك ، ومثل أخي مثل الجحش الصغير فأملح ما يكون أصغر ما يكون ،
وكلما كبر صار القهقرى ، إِنما يصلح لحمل الزبل والتراب .
قال المدائني: كان إياس بن معاوية بن قرة قاضياً فائقاً مرجيّاً ، استقضاه عمر
ابن عبد العزيز رضي الله عنه فلم يزل على القضاء سنةً ثم هرب ، وكان سبب
هروبه ما حدث المدائني قال : قال أبو قبيصة : كان المهلب بن القاسم بن عبد
الرحمن الهلالي تزوج أم شعيب بنت محمد بن الهرماس الطائي وأمها علياء بنت
أبي صفرة ، وأُم القاسم بن عبد الرحمن فاطمة بنت أبي صفرة ، وكان المهلب بن
القاسم ماجناً يشرب ، فشرب يوماً وامرأته بين يديه فناولها القدح فأبت أن
تشربه ووضعته بين يديها فقال لها : أنت طالق ثلاثاً إن لم تشربيه ، فقام إِليها
نسوة فقلن لها : اشربيه ، وفي الدار ظبي حاجر ، فعدا الظبي فمرَّ بالقدح
فكسره ، فقامت المرأة وجحد المهلب فقال : لم أطلقك ، ولم يكن لها شهود
إِلا نساء ، فأرسلت إلى أهلها فحولوها إليهم ، فاستدعى القاسم بن عبد الرحمن
عديً بن أرطاة وقال: غلبوا ابني على امرأته، فتعصب له عديّ بردها، فخاصمه
إياس وشهد لها نساء ، فقال إياس : لئن قربتها لأرجمنك ، فغضب عدي على
إياس فقال له عمر بن يزيد الاسدي - وكان عمر عدوّاً لإياس لأن إِياساً [قضى]
على أبيه بأرحاء كانت في يده لقوم - فقال لعدي : انظر قوماً يشهدون على
إياس أنه قذف المهلب بن القاسم فتحدّه ويعزل ، قال : فانظر من يشهد عليه ،
فأتاه بيزيد الرشك وبابن أبي رباط مولى ضبيعة ليلاً ، فأجمعوا على أن يرسل
عدي إلى إياس إذا أصبح فيشهدان عليه ، والقاسم بن ربيعة الجوشني ابن عدي،
فقال عمر بن يزيد لعديّ: إن القاسم سيأتي إياساً فيحذره ، فاستحلف عدي القاسم
لا يعلمه ، فحلف القاسم ، وخرج فمرَّ بباب إياس فقرعه ، فقالوا له : من ؟
٤١٩

قال : القاسم بن ربيعة ، كنت عند الأمير فأحببت أن لا أصل إلى منزلي حتى
أمرَّ بك، ومضى ؛ فقال إياس: ما جاء في هذه الساعة إِلا لأمر قد علمه
وخاف عليّ منه ، فتوارى وخرج إلى واسط ؛ واغتم عديّ فقال له يوسف بن
عبد الله بن عثمان بن أبي العاص : خذ الوثيق من الأمر إن أردت ألا يعتب
عليك أمير المؤمنين ، فاستقضِ الحسن، فولَّ عديِّ الحسن ، وكتب إلى عمر
رضي الله عنه يعيب إياساً .
ويذكر أن قوماً رأوا إياساً وخالد بن أبي الصلت في بعض خرابات البصرة
يتكلمان بما لا تنطق به الألسن، وبلغني ان إياساً يقول : إذا كانت السنة كثيرة
الامطار فهي سنة يسر ، فكتب إليه عمر رضي الله عنه : ما رأيت أحداً كان
أحسن قولاً في إياس من أبيك، ولا رأيت أحداً في زماننا الثناء عليه أحسن منه
عليه، وقد بلغني وصحَّ من نياتكم لم يتحقق عندي وقد أحسنت إذ وليت الحسن.
وولّى عمر الحسن وكان الحسن لا يرى أن يرد شهادة مسلم إلا أن يجرح
المشهود عليه الشاهد، فأتاه رجل فقال: يا أبا سعيد إِن إِياساً رد شهادتي، فقام
معه الحسن إليه فقال : يا أبا واثلة لم رددت شهادة هذا المسلم وقد قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم : من صلَّى قبلتنا فهو مسلم له ما لنا وعليه ما علينا ؟
فقال: يا أبا سعيد إن الله يقول ﴿من ترضون من الشهداء﴾ وهذا ممن لا
نرضاه ، فلم يكلمه الحسن بعد ذلك .
(٣١)*
(ترجمة بشار بن برد، رقم: ١١٣، ص : ٢٧٢، س : ٢٢) ١
وهو من الشعراء مخضرمي الدولتين العباسيّة والأمويّة وقد شهر فيهما ومدح
وهجا وأخذ الجوائز السنيّة مع الشعراء .
١ اشتركت نسخة ف مع نسخة د في هذه الزيادة ، مع بعض الاختلاف في النص أحياناً، وورد في
نسخة آيا صوفيا: ٧٠ ب - ٧١ ب معظم ما جاء في هذه الزيادة ، وسقط منها ما بين قوله :
« وقيل لبشار: ما لكم معشر الشعراء .... )» وقوله: (( فلا تصدق حتى ترى»؛ وما وضع
بين معقفين في هذه الزيادة هو إضافة من نسخة آيا صوفيا على النسختين الأخريين .
٤٢٠