Indexed OCR Text
Pages 241-260
١٠٢ آق سنقر الحاجب أبو سعيد آق سُنْقُر بن عبد الله الملقب قَِيمَ الدولة المعروف بالحاجب ، جد البيت الأنابِكيِّ أصحاب الموصل؛ وهو والد عماد الدين زنكي بن آق سُنقُر - الآتي ذكره إِن شاء الله تعالى -؛ كان مملوك السلطان مَلِكْشاه بن ألنب أَرْسَلان السلجوقي، هو وبزان١، صاحب الرُّها، ولما ملك تاج الدولة تُنُشُ ابن ألب أرسلان السلجوقي مدينة حلب في سنة ٤٧٨ استناب فيها آق سُنقُرَ المذكور واعتمد عليه لأنه مملوك أخيه ، فعصى عليه ، فقصده تاجُ الدولة وهو صاحب دمشق يومئذ فخرج لقتاله وجرى بينهما مَصافُ وحرب شديدة انجلت عن قتل آق سُنقُر المذكور وذلك في جمادى الأولى سنة سبع وثمانين وأربعمائة ودفن بالمدرسة المعروفة بالزجاجية داخل حلب ، رحمه الله تعالى . ورأيت عند قبره خلقاً كثيراً يجتمعون كل يوم٢ جمعة لقراءة القرآن الكريم، وقالوا: إِن لهم على ذلك وقفاً عظيماً يفرق عليهم، ولا أعلم مَنْ الذي وقفه ، ثم إني وجدت الذي وقفه ولد ولده : نور الدين محمود - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وسيأتي في ترجمة تاج الدولة تُكُشَ خبرُ آق سنقر المذكور على خلاف هذه الواقعة ، والله أعلم بالصواب . والزُّجاجيّة : بناها أبو الربيع سليمان بن عبد الجبار بن أُرْثُقَ صاحب حلب وكان أولاً مدفوناً بقرنبيا، فلما ملك ولده عماد الدين زَنكي حَلَبَ نقله إلى المدرسة ودلاًّهُ من سور البلد ، وكان قتل آق سُنقر على قرية يقال لها رويان بالقرب من سبعين من أعمال حلب ، ذكره ياقوت الحموي . ١٠٢ - أخباره مفصلة في التاريخ الباهر: ٤ - ١٥ والكامل، وانظر معجم الألقاب ٥٨٩:٣/٤. (١ يكتب أحياناً «بوزان)» في التاريخ الباهر (انظر ص : ١٥). ٢ هـ : ليلة. ١٦ - ١ ٢٤١ ١٠٣ آق سنقر البرسقي أبو سعيد آق سُنقُر البُرْسُقيُّ الغازي ، الملقب قسيم الدولة سيف الدين ؛ صاحب الموصل والرحبة وتلك النواحي ، ملكها بعد أسْباسلارَ مودود، وكان مودود بها وببلاد الشام من جهة السلطان محمد بن مَلِكْشاه السلجوقي - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - فقُتل مودود بجامع دمشق يوم الجمعة ثاني عشر شهر ربيع الآخر سنة سبع وخمسمائة، وكان قد وثب عليه جماعةٌ من الباطنية فقتلوه، وآق سنقر يومئذ شِحْنةُ بغداد، كان ولاهُ إياها السلطان محمد المذكور في سنة ثمان وتسعين وأربعمائة لما استقرت له السلطنة بعد موت أخيه بَر كيارُوقَ، وفي سنة تسع وتسعين وجهه السلطان محمد لمحاصرة تَكْريتَ وكان بها كيقُباذُ ابن هَزاراسْبَ الديلمي المنسوب إلى الباطنية ، فأصعد آق سُنقر إليه في رجب من السنة المذكورة وحاصره إلى المحرم من سنة خمسمائة ، فلما كاد أن يأخذها أصعد إليه سيف الدولة صَدَقَةَ فتسلمها، وانحدر كيقُباذُ صحبته ومعه أمواله وذخائره، فلما وصل إلى الحلة مات كيقباذ ، فلما وصل خبر قتل مودود تقدم السلطان محمد إلى آق سُنقر بالتجهز إلى الموصل والاستعداد لقتال الفرنج بالشام، فوصل إلى الموصل وملكها وغزا ، ودفع الفرنج عن حلب وقد ضايقوها بالحصار ، ثم عاد إلى الموصل وأقام بها إلى أن قُتل . وهو من كبراء الدولة السلجوقية وله شهرة كبيرة بينهم . قتلته الباطنية يجامع الموصل يوم الجمعة التاسع من ذي القعدة سنة عشرين وخمسمائة (٢٩) *، وذكر ابن الجوزي في تاريخه أن الباطنية قتلته في مقصورة الجامع بالموصل سنة تسع عشرة وخمسمائة ، وقال العماد : سنة عشرين ، وذكر أنهم جلسوا له في ١٠٣ - انظر التاريخ الباهر: ٢٤ - ٣١ وابن الأثير (الكامل): جـ ٩ في صفحات متفرقة بين : ٥٠١ - ٦٣٣ ومعجم الألقاب ٣/٤: ٥٨٨. ٢٤٢ الجامع بزي الصوفية ، فلما انقتل من صلاته قاموا إِليه وأثْخَنُوهُ جراحاً في ذي القعدة، وذلك لأنه كان تَصَدّى لاستئصال شأفَتِهِمْ وتتبعهم وقتل منهم عصبة كبيرة ، رحمه الله تعالى . وتولى ولَدُه عز الدين مسعود موضعَهُ ، ثم توفي يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وخمسمائة ، رحمه الله تعالى ؛ وملكَ بعده عماد الدين زَنْكي بن آق سُنقر المذكور قبله - كما سيأتي في حرف الزاي إن شاء الله تعالى - . والبُرْسُقيُّ - بضم الباء الموحدة وسكون الراء وضم السين المهملة وبعدها قاف - ولا أعلم هذه النسبة إلى أي شيء هي ولم يذكرها السمعاني ثم إني وجدت نسبته بعد هذا إِلى بُرْسُق، وكان من مماليك السلطان طُغْرُ لْبَك أبي طالب محمد - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وتقدم في الدولة السلجوقية، وكان من الأمراء المشار إليهم فيها ، المعدودين من أعيانهم . ١٠٤ أبو الصلت الأندلسي أبو الصلت أُمية بن عبد العَزيز بن أبي الصلت الأندلسي الداني ؛ كان فاضلاً في علوم الآداب، صنف كتابه الذي سماه ((الحديقة)) على أسلوب ((يتيمة الدهر)) للثعالبي، وكان عارفاً بفنّ الحكمة ، فكان يقال له : الأديب الحكيم ، وكان ماهراً في علوم الأوائل ، وانتقل من الأندلس وسكن ثغر الإسكندرية ، وذكره العماد الكاتب في (( الخريدة)) وأثنى عليه وذكر شيئاً من نظمه، ١٠٤ - لأبي الصلت الأندلسي ترجمة في ابن أبي أصيبعة ٢: ٥٢ ومعجم الأدباء ٧ : ٥٢ وتحفة القادم: ٣ وتاريخ الحكماء: ٨٠ والمغرب ١: ٢٥٦ والخريدة (قسم المغرب) ١ : ٢٢٣ - ٣٤٣ ونفح الطيب ٢: ١٠٥ (ط. صادر). ٢٤٣ ومن جملة ما ذكر له [ قوله لمن جاد عليه قبل مدحه : لا غرو أن سبقَت يداكَ مدائحي فتدفقت جدواك مثل إنائها يُكسى القضيب ولم يحنْ إِثماره وتطوَّق الورقاء قبل غنائها ولأبي جعفر الجزار البطرني في ابن عباد١: وما زلت أجني منك والدهر ممحلٌ ولا ثمرٌ يجنى ولا زرعَ يُحْصَدُ لأغصانها ظلِّ عليّ مَدَّدُ ثمار أيادٍ دانياتٍ قطوفها وأطيار شُكْري فوقهنّ تغرّدُ يرى جارياً ماء المكارم تحتها ولأبي الصلت المذكور ] : إِذا كانَ أصلي مِنْ تُرابٍ فكلُّها بلادي وكلُّ العالمينَ أقارِبِي ولا بُدَّ لي أن أسألَ العِيسَ حاجَةً تَشُقُّ على شُمِّ الذُّرى والغَوارِبِ ولم أر هذين البيتين في ديوانه٢ ، وأورد له أيضاً : وقائلةٍ ما بالُ مِثْلكَ خاملاً أأنتَ ضعيفُ الرَّأي أمْ أنتَ عاجِزُ فقلتُ لهَا ذَنِي إِلى القَوْمِ أنني لِمَا لَمْ يُحُوزُوهُ مِنَ المَجْدِ حائِزِ وما فاتني شيءٌ سِوى الحظِّ وَحْدَهُ وأمّا المعالي فهْيَ عندي غَرَائِز ولا وجدت هذا المقطوع أيضاً في ديوانه ، والله أعلم ، وله أيضاً : جَدَّ بقَلِ وعَبِثْ ثمَّ مَضى وما اكترَتْ واحَرَبَا مِنْ شادِنٍْ في عُقَدِ الصبر نَفَث فِيْهِ ومَنْ شاءَ بَعَث يَقتُلُ مَنْ شاءَ بعيد وأيَّ عَهْدٍ ما نكَث فأيَّ رُدٍ لَمْ يَخُنْ ١ في الأصل: في الصاحب ابن عباد المقدم ذكره، وهو خطأ، لأن الشاعر أندلسي ، والأبيات في النفح ٣ : ٤١٣ (ط. صادر) . ٢ لعل سبب ذلك أنهما ينسبان الى أبي العرب الصقلي . ٢٤٤ وله أيضاً : دَبَّ العِذَارُ بِخَدِّهِ ثُمَّ انثنى عَنْ لَثْمِ مَبْسِمِهِ البَرُودِ الْأشَب لا غَرْوَ أَنْ خشيَ الرَّدى في لثمِهِ فالرِّيقُ سَمِّ قَاتِلٌ للعَقرَب ومن شعره أيضاً : ومُهَفْهَفٍ شركتْ مَحاسِنُ وجهِهِ ما يجَّهُ في الكأس منْ إبريقِهِ فَفِعالُها مِنْ مُقْلتيهِ ولوْنها مِنْ وجنتيْهِ وطَعْمُها مِنْ رِيقِهِ [ أخذ هذا المعنى من ابن حيوس حيث يقول : وممنطقٍ يُغني بلحظِ جُفونِهِ عن كأسهِ الملأى وعن إبريقِهِ فِعلُ المدامِ ولونها ومذاقها في مقلتيهِ ووجنتيه وريقِهِ ] وأورد له أيضاً في كتاب ((الخريدة)) في ترجمة الحسن بن أبي الشخباء العسقلاني ١ : عَجبتُ مِنْ طَرْفِكَ في ضعفهٍ كيفَ يَصيدُ البَطَلَ الْأصْيَدا ما يفعلُ السيفُ إذا جُرِّدا يَفْعَلُ فِينا وهُوَ فِي غِمْدِهِ وشعره كثير وجيد ، وكان قد انتقل في آخر الوقت إلى المهدية وتوفي بها يوم الاثنين مُسْتَهَلّ سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وقيل: في عاشر المحرم سنة ثمان وعشرين. وقال العماد في ((الخريدة)): أعطاني القاضي الفاضل كتاب (( الحديقة)) وفي آخرها مكتوب: إنه توفي يوم الاثنين ثاني عشر المحرم سنة ست وأربعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى، والصحيح هو الأول ، فإن أكثر الناس عليه، وهو الذي ذكره الرشيد بن الزبير في ((الجنان))، ومات بالمهدية، ودفن بالمُنَسْتيرِ - وسيأتي ذكرها في ترجمة الشيخ هبة الله البوصيري إِن ١ سيترجم له ابن خلكان في ما يلي . ٢٤٥ شاء الله تعالى ، ونظم أبياتاً ، وأوصى أن تُكتب على قبره ، وهي آخر شيء قاله ، وهي : سَكنتكِ يا دارَ الفَناءِ مُصَدِّقاً بأنّي إِلى دارِ البَقاءِ أَصيرُ وأعظم ما في الأمْرِ أنّيَ صائرٌ إِلى عادلٍ في الحكم ليسَ يجور وزادي قليلٌ والذنوبُ كثير فيا ليتَ شِعري كيفَ ألقاهُ عِندها بشرِّ عقابِ المذنبين١َ جَدِير فإنْ أكُ مَجْزِيّاً بذَنْي فإنني وإِنْ يكُ عَفْوٌ مِنْهُ عَنِّي ورَحمة فَثُمَّ نعيمٌ دَائِمٌ وسُرور ولما اشتد مرض موته قال لولده عبد العزيز : عَبْد العزيزِ ، خليفتي ربُّ السماء عليكَ بعدِي أنا قدْ عهدتُ إِليكَ ما تَدْرِيهِ فَاحْفَظْ فيه عهدي فلئنْ عملتَ به فإِن كَ لا تَزالُ حليفَ رُشدِ ولئن نكثتَ لقدْ ضلا تَ وقد نصحتك حسْبَ جَهْدي ثم وجدت في مجموع لبعض المغاربة أن أبا الصلت المذكور مولده في دانية مدينةٍ من بلاد الأندلس في قِرانٍ سنة ستين وأربعمائة، وأخذ العلم عن جماعة من أهل الأندلس، كأبي الوليد الوَقَشيّ قاضي دانِيَةَ وغيره، وقدم الإسكندرية مع أُمه في يوم عيد الأضحى من سنة تسع وثمانين وأربعمائة ، ونفاه الأفضل شاهنْشاه من مصر في سنة خمس وخمسمائة ، وتردّد بالإسكندرية إلى أن سافر في سنة ست وخمسمائة فحلَّ بالمهدية ، ونزل من صاحبها عليٍّ بن يحيى بن تميم ابن المعز بن باديسَ منزلَةً جليلة ، وولد له بها ولد سماه عبد العزيز ، وكان شاعراً ماهراً ، له في الشطرنج يد بيضاء ، وتوفي هذا الولد ببجايَةَ في سنة ست وأربعين وخمسمائة . قلت : وهو الذي غلط فيه العماد الكاتب فيما نقله عن القاضي الفاضل ، واعتقد أن أباه مات في هذا التاريخ . ١ ج هـ : المجرمين . ٢٤٦ وصنف أُمية وهو في اعتقال الأفضل بمصر رسالة (( العمل بالاصطرلاب))، وكتاب ((الوجيز)) في علم الهيئة، وكتاب ((الأدوية المفردة)) وكتاباً في المنطق سماه ((تقويم الذهن)) وكتاباً سماه (( الانتصار في الرد على علي بن رضوان)) في رده على حنين بن إسحاق في مسائله، ولما صنف (( الوجيز)» للأفضل عرضه على مُنَجِّمه أبي عبد الله الحلبي ، فلما وقف عليه قال له : هذا الكتاب لا ينتفع به المبتدي ويستغني عنه المنتهي . وله من أبيات : كَيْفَ لا تَبْلِى غلائِلهُ وَهْوَ بَدْرٌ وهيَ كتّانُ وإنما قال هذا لأن الكتان إِذا تركوه في ضوء القمر بَليَ . وكان مرضه الاستسقاء ، والله أعلم . ١٠٥ القاضي اياس أبو وائلة إياس بن معاوية بن قُرَّةَ بن إياس بن هلال بن رَبابِ بن عبيد بن سواءة بن سارية بن ذبيان بن ثعلبة بن سُلَيْم بن أوس بن مُزَيْنَةَ المزني ؛ وهو اللَّسِنُ البليغ والألمعي المصيب، والمعدود مثلاً في الذكاء والفطنة، ورأساً لأهل الفصاحة والرجاحة . كان صادق الظن لطيفاً في الأمور ، مشهوراً بفَرْطِ الذكاء، وبه يُضْرب المثل في الذكاء، وإياه عنى الحريري في ((المقامات)) بقوله في المقامة السابعة: ((فإِذا ألمعيتي ألمعية ابن عباس ، وفِراستي فِراسَةُ ١٠٥ - ترجمة القاضي إياس وأخباره في المعارف لابن قتيبة: ٤٦٧ وحلية الأولياء ٣ : ١٢٣ وسرح العيون وكتاب الأذكياء لابن الجوزي وشرح المقامات ١ : ١١٣ وميزان الاعتدال ١ : ٢٨٣ والحكايات عنه منثورة في كتب الأدب العامة مثل البيان والتبيين والحيوان والكامل ومحاضرات الراغب والعقد وحدائق الأزاهر وغيرها . ٢٤٧ إياس))، وكان عمر بن عبد العزيز قد ولاًّه قضاء البصرة . وكان لإياس جدّ أبيه صُحْبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل لمعاوية بن قرة والِدٍ إياس : كيف ابنُكَ لك ؟ فقال : نعم الابن ، كفاني أمر دنياي وفرَّغني لآخرتي . وكان إياس أحَدَ العقلاء الفضلاء الدُّهاة . ويحكى من فِطنته أنه كان في موضع فحدث فيه ما أوجب الخوف، وهناك ثلاث نسوة لا يعرفهن، فقال : هذه ينبغي أن تكون حاملاً، وهذه مُرْضِعاً، وهذه عذراء ، فكشف عن ذلك فكان كما تفرس١، فقيل له : من أين لك هذا ؟ فقال : عند الخوف لا يضع الإنسان يده إلا على أعز ما له ويخاف عليه، ورأيت الحامل قد وضعت يدها على جوفها ، فاستدللت بذلك على حملها ، ورأيت المرضع قد وضعت يدها على ثدييها، فعلمت أنها مرضع، والعذراء وضعت يدها على فرجها ، فعلمت أنها بكر . وسمع إياس بن معاوية يهودياً يقول : ما أحمق المسلمين، يزعمون أن أهل الجنة يأكلون ولا يُحْدِثون ، فقال له إياس : أفكلُّ ما تأكله تحدثه ؟ قال : لا ، لأن الله تعالى يجعله غذاء ، قال: فلمَ تنكر أن الله تعالى يجعل كل ما يأ له أهل الجنة غذاء ؟ ونظر يوماً إلى آجُرَّةٍ بالرَّحْبَةِ وهو بمدينة واسط، فقال: تحت هذه الآجُرَّةِ دابة، فنزعوا الآجرَّة فإذا تحتها حية منطوية ، فسألوه عن ذلك فقال : إني رأيت ما بين الآجُرَّتَينِ نَديّاً من بين جميع تلك الرحبة ، فعلمت أن تحتها شيئاً يتنفّس . ومر يوماً بمكان فقال : أسمع صوت كلبٍ غريب ، فقيل له : كيف عرفت ذلك ؟ قال : بخضوع صوته وشدة نُباح غيره من الكلاب ، فكشفوا عن ذلك فإذا كلب غريب مربوط والكلاب تَنبَحُه . ونظر يوماً إِلى صَدْعٍ في الأرض فقال : في هذا الصَّدْع دابة ، فنظروا فإِذا فيه دابة، فسألوه عنه فقال: إِن الأرض لا تَنصَدعُ إِلا عنْ دابة أو نبات . ١ د : كما قال . ٢٤٨ قال الجاحظ : إِذا نظر الإنسان إلى موضع منفتح في أرض مستوية فليتأمله فإِن رآه يتصدع في تَهَيُّل١ وكان تفتحه مستوياً علم أنها كمأة ، وإِن خلط في التصدع والحركة علم أنها دابة . وله في هذا الباب من الفراسة أشياء غريبة كثيرة ، ولولا خوف الإطالة لبسطت القول في ذلك، وبعض العلماء قد جمع جزءاً كبيراً من أخباره (٣٠) *. وكتب عمر بن عبد العزيز الأموي - رضي الله عنه - في أيام خلافته إلى نائبه بالعراق وهو عدي بن أرطاة أن اجمع بين إياس بن معاوية والقاسم بن ربيعة الحرشي فولِ قضاء البصرة أنفذهما ، فجمع بينهما ، فقال له إياس : أيها الأمير سَلْ عني وعن القاسم فقيهي المصر الحسن البصري ومحمد بن سيرين، وكان القاسم يأتيهما وإياس لا يأتيهما ، فعلم القاسم أنه إن سألهما أشار به ، فقال له : لا تسأل عني ولا عنه ، فوالله الذي لا إله إلا هو إِن إياس بن معاوية أَفقه مني وأعلم بالقضاء فإن كنتُ كاذباً فما يحل لك أن توليني وأنا كاذب ، وإن كنتُ صادقاً فينبغي لك أن تقبل قولي ، فقال له إياس٢ : إنك جئت برجل أوقفته على شفير جهنم فنجَّى نفسه منها بيمين كاذبة يستغفر الله منها وينجو مما يخاف ، فقال عدي بن أرطاةَ : أما إذا فهمتها فأنت لها ، واستقضاه . وروي عن إياس أنه قال : ما غلبني أحد قط سوى رجل واحد ، وذلك اني كنت في مجلس القضاء بالبصرة ، فدخل عليَّ رجل شهد عندي أن البستان الفلاني - وذكر حدوده - هو ملك فلان، فقلت له : كم عدد شجره ؟ فسكت ثم قال : منذ كم يحكم سيدنا القاضي في هذا المجلس ؟ فقلت : منذ كذا ، فقال : كم عدد خشب سقفه ؟ فقلت له : الحق معك ، وأجزت شهادته . وكان يوماً في بَرِّيَّةٍ فأعوزهم الماء ، فسمع نُباح كلب فقال : هذا على رأس بئر ، فاستَقْرَوا النشُباح فوجدوه كما قال ، فقيل له في ذلك فقال : لأني سمعت الصوت كالذي يخرج من بئر . وكان له في ذلك غرائب . ١ هـ : في تهيله. ٢ د : إنك جئت برجل فأقمته على جهنم، فافتدى نفسه من النار أن تقذفه فيها بيمين حلفها كذباً ... الخ. ٢٤٩ وقال أبو إسحاق ابن حفص: رأى إياس في المنام أنه لا يدرك النحر، فخرج إلى ضيعة له بعبدسى - وعبدسى : قرية من أعمال دست١ ميسان بين البصرة وخوزستان - فتوفي بها في سنة اثنتين وعشرين ومائة، وقال غيره : سنة إحدى وعشرين ، وعمره ست وسبعون سنة . وقال إياس في العام الذي توفي فيه : رأيت في المنام كأني وأبي على فرسين فجريا معاً فلم أسبقه ولم يسبقني، وعاش أبي ستّاً وسبعين سنة وأنا فيها ، فلما كان آخر لياليه قال : أتدرون أي ليلة هذه ؟ ليلة أستكمل فيها عمرَ أبي ، ونام فأصبح ميتاً ، وكانت وفاة أبيه معاوية في سنة ثمانين للهجرة ، رحمه الله تعالى . وإياس : بكسر الهمزة ، وقرة : بضم القاف ، ومُزَيْنة : قد تقدم القول عليها . وتراءى هلالَ شهر رمضان جماعة ◌ٌ فيهم أنَسُ بن مالك رضي الله عنه وقد قارب المائة، فقال أنس: قد رأيته، هو ذاك ، وجعل يشير إليه فلا يَرَونَه ، ونظر إياس إلى أنس وإذا شعرة من حاجبه قد انثنت، فمسحها إياس وسَوّاها بحاجبه ، ثم قال له : يا أبا حمزة ، أرِنا موضعَ الهلال ، فجعل ينظر ويقول : ما أراه . ١٠٦ ابن القرِّية أبو سليمان أيوب بن زيد بن قيس بن زرارة بن سلمة بن جُثَم بن مالك بن عمرو بن عامر بن زيد مَناةَ بن عامر بن سعد بن الخزرج بن تَيْم الله بن النمر بن قاسط بن هِنْب بن أفصى بن دُعْمِيِّ بن جَديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معدّ ١ في الأصول - ما عدا هـ ـ دشت؛ وضبطها ياقوت بالسين المهملة. ٢٥٠ ابن عدنان المعروف بابن القِرِّيَّة الهلالي، والقِرِّيَّةُ: جدته، واسمها خماعة بنت جُشْتَم بن ربيعة بن زيد مناة بن عوف بن سعد بن الخزرج - وتمام النسب مذكور في أول الترجمة - ؛ كان أعرابيّاً أميّاً ، وهو معدود من جملة خطباء العرب المشهورين بالفصاحة والبلاغة، وكان قد أصابته السَّنَةُ، فقدم عين التمر وعليها عامل الحجاج بن يوسف، وكان العامل يغدِّي كل يوم ويعشِّي، فوقف ابن القرية ببابه فرأى الناس يدخلون فقال : أين يدخل هؤلاء ؟ فقالوا : إلى طعام الأمير ، فدخل فتغدى وقالَ : أكلَّ يومٍ يصنع الأمير ما أرى ؟ فقيل : نعم ، فكان يأتي كل يوم بابه للغداء والعشاء، إلى أن ورد كتاب من الحجاج على العامل، وهو عربي غريب لا يدري ما هو ، فأخّر لذلك طعامه ، فجاء ابن القرية فلم ير العامل يتغدى ، فقال : ما بال الأمير اليوم لا يأكل ولا يطعم ؟ فقالوا : اغتمَّ لكتاب ورد عليه من الحجاج عربي غريب لا يدري ما هو ، قال : ليقرئني الأمير الكتاب وأنا أفسره إن شاء الله تعالى ، وكان خطيباً لسناً بليغاً ، فذكر ذلك للوالي فدعا به فلما قرىء عليه الكتاب عرف الكلام وفسَّره للوالي حتى عَرَّفه جميع ما فيه فقال له: أفتقدر على جوابه ؟ قال : لست أقرأ ولا أكتب ولكن أقعد عند كاتب يكتب ما أمليه ، ففعل ، فكتب جواب الكتاب ، فلما قرىء الكتاب على الحجاج رأى كلاماً عربيّاً غريباً ، فعلم أنه ليس من كلام كتّاب الخراج ، فدعا برسائل عامل عين التمر فنظر فيها فإذا هي ليست ككتاب ابن القِرِّيَّةِ، فكتب الحجاج إلى العامل (( أما بعد ، فقد أتاني كتابك بعيداً من جوابك بمنطق غيرك ، فإذا نظرت في كتابي هذا فلا تَضَعْه من يدك حتى تبعث إليّ بالرجل الذي صدَّر لك الكتاب، والسلام)). قال : فقرأ العامل الكتاب على ابن القِرِّيَّةِ وقال له : تتوجه نحوه ؟ فقال : أقلني ، قال : لا بأس عليك ، وأمر له بكسوة ونفقة وحمله إلى الحجاج . فلما دخل عليه قال : ما اسمك ؟ قال : أيوب ، قال : اسم نبي وأظنك أميّاً تحاول البلاغة ولا يستصعب عليك المقال ، وأمر له بنزل ومنزل ، فلم يزل يزداد به عجباً حتى أوفده على عبد الملك بن مروان ، فلما خلع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي الطاعة بسجستان وهي واقعة مشهورة بعثه ٢٥١ الحجاج إليه رسولاً، فلما دخل عليه قال له : لتَقُومَنَّ خطيباً ولتخلَعَنَّ عبد الملك ولتَسُبَّنَّ الحجاج أو لأضربنَّ عنقك، قال: أيها الأمير إِنما أنا رسول ، قال: هو ما أقول لك، فقام وخطب وخلع عبد الملك وشتم الحجاج، وأقام هنالك . فلما انصرف ابن الأشعث مهزوماً كتب الحجاج إلى عماله بالري وأصبهان وما يليها يأمرهم أن لا يمر بهم أحد من فلّ ابن الأشعث إلا بعثوا به أسيراً إِليه ، وأُخذ ابنِ القِرِّيَّةِ فيمن أُخذ، فلما أدخل على الحجاج قال : أخبرني عما أسألك عنه ، قال : سلني عما شئت ، قال : أخبرني عن أهل العراق ، قال : أَعلم الناس بحق وباطل، قال: فأهل الحجاز، قال : أسرع الناس إلى فتنة وأعجزهم فيها ، قال : فأهل الشام ، قال : أطوع الناس لخلفائهم ، قال : فأهل مصر ، قال : عَبِيدُ من غَلَبَ، قال: فأهل البحرين، قال: نبيطٌ استعربوا، قال: فأهل عمان ، قال : عرب استنبطوا ، قال : فأهل الموصل ، قال : أشجع فرسان وأقتل للأقران، قال : فأهل اليمن ، قال : أهل سمع وطاعة ولزوم للجماعة ، قال : فأهل اليمامة ، قال : أهل جفاء ، واختلاف أهواء ، وأصبر عند اللقاء ، قال : فأهل فارس ، قال : أهل بأس شديد ، وشر عتيد، وريف كثير ، وقِرِّى يسير، قال : أخبرني عن العرب ، قال : سلني، قال: قريش، قال : أعظمها أحلاماً، وأكرمها مقاماً ، قال : فبنو عامر بن صعصعة ، قال : أطولها رماحاً ، وأكرمها صباحاً ، قال : فبنو سليم ، قال : أعظمها مجالس ، وأكرمها محابس ، قال : فثقيف ، قال : أكرمها جدوداً ، وأكثرها وفوداً ، قال: فبنو زُبَيْد، قال: ألزمها للرايات، وأدركها للتّراتِ، قال: فقُضاعة، قال : أعظمها أخطاراً ، وأكرمها نِجاراً ، وأبعدها آثاراً ، قال : فالأنصار ، قال : أثبتها مقاماً، وأحسنها إِسلاماً ، وأكرمها أياماً ، قال : فتميم ، قال : أظهرها جَلَداً، وأثراها عَدَداً، قال: فبكر بن وائل، قال: أثبتها صفوفاً ، وأحدُّما سيوفاً ، قال : فعبد القيس ، قال: أسبقها إِلى الغايات ، واضر بها تحت الرايات، قال: فبنو أسد، قال: أهل عدد وجلَد، وعسر ونكد، قال: فلَخْم ، قال : ملوك ، وفيهم نوك ، قال : فجُذام ، قال : يوقدون الحرب ٢٥٢ ويسعرونها، ويلقحونها ثم يَمْرُونَها، قال: فبنو الحارث، قال: رعاة القديم، وحماة عن الحريم، قال: فعَكُ، قال: ليوث جاهدة، في قلوب فاسدة ، قال: فَتَغْلِب ، قال : يصدقون إذا لقوا ضرباً ، ويسعرون للأعداء حرباً ، قال : فغسان ، قال : أكرم العرب أحساباً ، وأثبتها أنساباً ، قال : فأي العرب في الجاهلية كانت أمنع من أن تُضام ؟ قال: قريش، كانوا أهل رَهْوة لا يستطاع ارتقاؤها، وهَضْبة لا يرام انتزاؤها، في بلدة حَمَى الله ذمارها، ومنع جارها ، قال : فأخبرني عن مآ ثر العرب في الجاهلية ، قال : كانت العرب تقول حِمْير أرباب الملك وكِنْدَة لباب الملوك ومَذْحِج أهل الطعان وهمدان أحلاس الخيل والأزد آساد الناس ، قال: فأخبرني عن الأرضين ، قال: سلني، قال: الهند، قال : بجرُها دُرّ وجبلها ياقوت وشجرها عود وورقها عطر وأهلها طَغام كقطع الحمام ، قال : فخُراسان ، قال: ماؤها جامد، وعدوها جاحد، قال: فعمان، قال: حرها شديد، وصيدها عتيد، قال: فالبحرين، قال: كناسة بين المصرين، قال : فاليمن ، قال : أصل العرب، وأهل البيوتات والحسب ، قال : فمكة ، قال: رجالها علماء جفاة، ونساؤها كاة عراة، قال: فالمدينة، قال: رَسَخَ العلم فيها وظهر منها ، قال : فالبصرة ، قال : شتاؤها جليد، وحرها شديد ، وماؤها ملح، وحَرْبُها صلح، قال: فالكوفة ، قال : ارتفعت عن حر البحر وسفلت عن برد الشام، فطاب ليلها وكثر خيرها ، قال : فواسط ، قال : جنة بين حَمَاة وكَنَّة، قال: وما حَماتُها وكَنَّتُها ؟ قال : البصرة والكوفة تحسدانها وما ضرها ودجلة والزاب يتجاريان بإفاضة الخير عليها، قال: فالشام، قال : عروس بين نسوة جلوس ، قال : ثكلتك أمك يا ابن القِرِّيَّةِ ! لولا اتباعُكَ لأهل العراق وقد كنت أنهاك عنهم أن تتبعهم فتأخذ من نفاقهم ، ثم دعا بالسيف وأومأ إلى السياف أن أمسك ، فقال ابن القرية : ثلاث كلمات أصلح الله الأمير كأنهن ركبٌ وقوف يَكُنَّ مثلاً بعدي، قال : هات ، قال : لكل جواد كبوة ولكل صارم نبوة ولكل حليم هفوة ، قال الحجاج : ليس هذا وقت المزاح ، يا غلام أوجب جرحه ، فضرب عنقه . وقيل : إنه لما أراد قتله قال له : العرب تزعم أن لكل شيء آفة ، قال : ٢٥٣ صدقَتِ العربُ، أصلح الله الأمير ! قال: فما آفة الحلم ؟ قال : الغضب ، قال : فما آفة العقل ؟ قال : العُجب ، قال: فما آفة العلم ؟ قال : النسيان ، قال : فما آفة السخاء ؟ قال : المنُّ عند البلاء، قال: فما آفة الكرام ؟ قال : مجاورة اللئام ، قال: فما آفة الشجاعة ؟ قال: البغي، قال : فما آفة العبادة؟ قال : الفَتْرَةُ، قال: فما آفة الذهن ؟ قال : حديث النفس ، قال: فما آفة الحديث ؟ قال : الكذب، قال : فما آفة المال ؟ قال : سوء التدبير ، قال : فما آفة الكامل من الرجال ؟ قال : العدم ، قال: فما آفة الحجاج بن يوسف ؟ قال: أصلح الله الأمير، لا آفة لمن كرم حسبُهُ وطاب نسبُهُ وزكا فرعه، قال: امتلأت شقاقاً ، وأظهرت نفاقاً ، اضربوا عنقه ، فلما رآه قتيلاً ندم . نقلت هذا كله من كتاب ((اللفيف))، وإنما أطلت الكلام فيه لأنه كان متصلاً فما أمكن قطعه . وسأله بعض العلماء عن حدّ الدهاء فقال: هو تجرّع الغُصة وتوَقتُع الفرصة . ومن كلامه في صفة العِيِّ: التنحنح من غير داء ، والتثاؤب من غير ريبة ، والإكباب في الأرض من غير علة . وكان قتله في سنة أربع وثمانين للهجرة ، رحمه الله تعالى . وهذا ابن القرية هو الذي تذكره النحاة في أمثالها فيقولون: ((ابن القِرِّية زمانَ الحجاجِ)). وذكر أبو الفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني ١ في ترجمة مجنون ليلى بعد أن استوفى أخباره فقال : وقد قيل إن ثلاثة أشخاص شاعت أخبارهم ، واشتهرت أسماؤهم ، ولا حقيقة لهم ولا وجود في الدنيا، وهم : مجنون ليلى ، وابن القرية - يعني هذا المذكور -، وابن أبي العقب الذي تُنسب إليه الملاحم، واسمه يحيى بن عبد الله بن أبي العقب ، والله أعلم . والقِرِّيَّةُ - بكسر القاف وتشديد الراء وتشديد الياء المثناة من تحتها وبعدها هاء - وهي أُمّ جُشَم بن مالك بن عمرو، وكان عمرو المذكور قد تزوجها ١ انظر الأغاني ٢ : ١١. ٢٥٤ ۴ ٠ فلما مات تزوجها ابنه مالك فأولدها جُشَم بن مالك المذكور ، والقِرِّيَّةُ في اللغة : الحوصلة، وبها سميت المرأة ، قال أهل العلم بالأنساب : لما تزوج مالك ابن عمرو المذكور القريّة - واسمها خماعة، كما تقدم في أول الترجمة - أولدها جُشَْمَ جدّ أيوب ابن القريَّة المذكور، وكليباً، وهو جدّ العباس بن عبد المطلب، رضي الله عنه، عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهة أمه، فإن أمه نُتيلةً - بضم النون - وقيل: نَتلة بفتحها ، بنت حباب بن كليب بن مالك المذكور، فالعباس رضي الله عنه من أولاد القِرِّيَّةِ بهذا الاعتبار . وذكر ابن قتيبة في كتاب ((المعارف))١ أن ابن القريَّة هلالي، وأنه من بني هلال بن ربيعة بن زيد مَناةَ بن عامر . وذكر ابن الكلبي أنه من بني مالك بن عمرو بن زيد مناةَ ، فما يجتمع هلال ومالك إلا في زيد مناة ، وليس هلال في عمود نسبه ، والله تعالى أعلم . والهلالي - بكسر الهاء - نسبة إلى هلال بن ربيعة بن زيد مناة ، بطنٍ من النمر بن قاسط، وفي العرب أيضاً : هلال بن عامر بن صَعْصَعَة ، قبيلة أخرى، وقد ذكر ابن الكلبي في كتاب (( جمهرة النسب)) هذين النسبين وصورة النكاح بينهما فيؤخذ منه . ١٠٧ أيوب والد السلطان صلاح الدين أبو الشكر أيوب بن شاذي بن مروان الملقب الملك الأفضل نجم الدين والد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ، وسيأتي في ترجمة ولده صلاح الدين تتمة نسبه وصورة الاختلاف فيه، فينظر هناك، ولا حاجة إلى الإطالة بذكره ههنا. قال بعض المؤرخين : كان شاذي بن مروان من أهل دُوِينَ ومن أبناء أعيانها ١ المعارف : ٤٠٤ . ٢٥٥ والمعتبرين بها ، وكان له صاحب يقال له : جمال الدولة المجاهد بهروز - قلت : وهو المذكور في ترجمة صلاح الدين يوسف بن أيوب - قال : وكان من أظرف الناس وألطفهم وأخبرهم بتدبير الأمور، وكان بينهما من الاتحاد كما بين الأخوين، فجَرَتْ لبهروز قضية في دُوِينَ ، فخرج منها حياء وحشمة ، وذلك أنه اتهم بزوجة بعض الأمراء بدُوِينَ ، فأخذه صاحبها فخصاه ، فلما مثل به لم يقدر على الإقامة بالبلد ، وقصد خدمة أحد الملوك السلجوقية ، وهو السلطان غياث الدين محمد بن مَلِكْشاه ، الآتي ذكره إن شاء الله تعالى ، واتصل باللالا الذي لأولاده ، فوجده لطيفاً كافياً في جميع الأمور ، فتقدم عنده وتميز ، وفوض أحواله إليه ، وجعله يركب مع أولاد السلطان مسعود إِذا كان له شغل ، فرآه السلطان يوماً مع أولاده ، فأنكر على اللالا ، فقال له : إِنه خادم ، وأثنى عليه وشكر دينه وعفافه ومعرفته ، ثم صار يسيره إلى السلطان في الأشغال ، فخَفَّ على قلبه ، ولعب معه بالشطرنج والنرد فحظي عنده، واتفق موتُ اللالا ، فجعله السلطان مكانه، وأرصده لمهامِّه، وسلم إليه أولاده ، وسار ذكره في تلك النواحي ، فسير إلى شاذي يَسْتَدْعيه من بلده ليشاهد ما صار إليه من النعمة ، وليقاسمه فيما خوَّله الله تعالى ، وليعلم أنه ما نسيه ، فلما وصل إليه بالغ في إكرامه والإنعام عليه . واتفق أن السلطان رأى أنْ يسيّر المجاهدَ المذكور إلى بغداد والياً عليها ونائباً عنه بها، وكذا كانت عادة الملوك السلجوقية في بغداد يسيرون إليها النشُّوّاب ، فاستصحب معه شاذي المذكور، فسار هو وأولاده صحبته، وأعطى السلطان لبهروز قلعة تَكْريتَ ، فلم يجد من يثق إليه في أمرها سوى شاذي المذكور ، فأرسله إليها ، فمضى وأقام بها مدة وتوفي بها ، فولى مكانه ولده نجم الدين أيوب المذكور ، فنهض في أمرها ، وشكره بهروز وأحسن إليه ، وكان أكبر سناً من أخيه أسد الدين شيرٍ كُوه ، الآتي ذكره إن شاء الله تعالى . قلت : وهذا الكلام بينه وبين الآتي ذكره في ترجمة صلاح الدين بعضُ الاختلاف، والله أعلم بالصواب، ولا شك أنه يحصل المقصود من مجموع الكلامين، فلينظر هناك أيضاً، وذكرت في تلك الترجمة أيضاً سَبَبَ المعرفة بين عماد الدين ٢٥٦ زَنْكي صاحب الموصل ، وبين نجم الدين أيوب وأسدِ الدين شِيرِ كوه ، فلا حاجة إلى ذكره هنا . ثم اتفق أن بعض الحرم خرجت من قلعة تكريت لقضاء حاجة ، وعادت فعبرت على نجم الدين أيوب وأخيه أسد الدين شيركوه وهي تبكي ، فسألاها عن سبب بكائها ، فقالت : أنا داخلة في الباب الذي القلعة ، فتعرض إليّ الإسفهسلار، فقام شيركوه وتناول الحربة التي تكون للإسفهلار وضربه بها فقتله ، فأمسكه أخوه نجم الدين أيوب واعتقله ، وكتب إلى بهروز وعرّفه صورة الحال ليفعل فيه ما يراه، فوصل إليه جوابه ((لأبيكما عليّ حق ، وبيني وبينه مودّة متأكدة ، ما يمكنني أن أكافئكما بحالة سيئة تصدر مني في حقكما، ولكن أشتهي منكما أن تتركا خدمتي ، وتخرجا من بلدي ، وتطلبا الرزق حيث شئتما)) . فلما وصلهما الجواب ما أمكنهما المقام بتكريتَ ، فخرجا منها ووصلا إلى الموصل، فأحسن إليهما الأتابك عماد الدين زنكي لما كان تقدم لهما عنده، وزاد في إكرامهما والإنعام عليهما، وأقطعهما إقطاعاً حسناً، ثم لما ملك الأتابك قلعة بَعليكَ استخلف بها نجم الدين أيوب ، وهذا كله مذكور في ترجمة ولده صلاح الدين ، وإن اختلفت العبارة، ورأيت في بعلبك خانقاه للصوفية يقال لها ((النجمية))، وهي منسوبة إليه، عمّرَها في مدة إقامته بها، وكان رجلاً مباركاً كثير الصلاح ، مائلاً إلى أهل الخير ، حسن النية ، جميل الطَّوَيَّة . وفي أوائل ترجمة صلاح الدين طَرَفٌ من أخبار والده نجم الدين أيوب ، وكيف رتبه زنكي في بعلبك"، وما جرى له بعد ذلك من الانتقال إلى دمشق ، فأغنى عن شرحه ههنا . ولما توجه أخوه أسد الدين شيركوه إلى مصر لإنجاد شاور - على ما أشرحه في ترجمتيهما إن شاء الله تعالى - كان نجم الدين أيوب مقيماً بدمشق في خدمة نور الدين محمود بن زنكي رحمه الله تعالى ، ولما تولى صلاح الدين ولده وزارة الديار المصرية في أيام العاضد صاحب مصر ، استدعى أباه من الشام ، فجهزه نور الدين وأرسله إليه ودخل القاهرة لست بقين من رجب سنة خمس وستين وخمسمائة ، وخرج العاضد للقائه إكراماً لولده صلاح الدين يوسف ، ١٧ - ١ ٢٥٧ وسلك معه ولده صلاح الدين من الأدب ما هو اللائق بمثله ، وعرض عليه الأمر كله فأبى وقال: يا ولدي ، ما اختارك الله تعالى لهذا الأمر إلا وأنت أهل له ، ولا ينبغي أن تغير موضع السعادة ، ولم يزل عنده حتى استقل صلاح الدين بمملكة البلاد كما هو مذكور في ترجَمَته . ثم خرج صلاح الدين إلى الكرك ليحاصرها وأبوه بالقاهرة ، فركب يوماً ليسير على عادة الجند ، فخرج من باب النصر أحَدٍ أبواب القاهرة ، فشبّ به فرسه فألقاه في وسط المحجة ، وذلك في يوم الاثنين ثامن عشر ذي الحجة من سنة ثمان وستين وخمسمائة ، فحُمل إلى داره ، وبقي متألماً إلى أن توفي يوم الأربعاء السابع والعشرين من الشهر المذكور ، هكذا ذكره جماعة من المؤرِّخين ، منهم عماد الدين الكاتب الأصبهاني ، لكنه قال : إِن وفاته كانت يوم الثلاثاء . ورأيت في تاريخ كمال الدين بن العَديم فصلاً نقله من تعليق العضد مُرْهَفٍ بن أسامة بن منقذ ، قال : إنه توفي يوم الاثنين الثامن عشر من ذي الحجة . قلت : ظاهر الحال أن العضد ما أوقعه في هذا الوهم إلا أنه اعتقد أنه توفي في اليوم الذي سقط فيه عن فرسه ، فان هذا التاريخ هو تاريخ سقوطه عن الفرس لا تاريخ وفاته ، والله أعلم . ولما مات دُفن إلى جانب أخيه أسد الدين شيرٍ كوه في بيت بالدار السلطانية ثم نقلا بعد سنين إلى المدينة الشريفة النبوية ، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام . ورأيت في تاريخ القاضي الفاضل الذي رتبه على الأيام ، وهو بخطه ، يذكر فيه ما يتجدد في كل يوم ، فقال : وفي يوم الخميس رابع صفر سنة ثمانين وخمسمائة وصل كتاب بدر الأسدي - يعني من المدينة - يخبر بوصول قابوتي الأميرين : نجم الدين أيوب وأسد الدين شيركوه ، واستقرارهما بتربتهما مجاورين الحجرةَ المقدسة النبوية ، نفعهما الله تعالى بمجاورتها . ولما عادَ صَلاح الدين من الكرك إلى الديار المصرية بلغه الخبر في الطريق فشق عليه حيث لم يحضره ، وكتب إلى ابن أخيه عز الدين فروخ شاه بن ٢٥٨ شاهانشاه بن أيوب ، صاحب بعلبك ، كتاباً بخط القاضي الفاضل يعزيه عن جده نجم الدين أيوب المذكور . ومن جملة فصوله : المصاب بالمولى الدارج ، غفر الله ذنبه ، وسقى بالرحمة تربه ، ما عظمت به اللوعة ، واشتدت به الروعة ، وتضاعفت لغيبتنا عن مَشْهَدِهِ الحسْرة ، فاستنجدنا بالصبر فأبى وأنجدت العَبرة ، فيا له فقيداً فقدنا عليه العزاء ، وهانت بعده الأرزاء ، وانتثر شمل البركة بفقده ، فهي بعد الاجتماع أجزاء : وَتخطَّفَتهُ يَدُ الرَّدَى في غيبي هبني حضرتُ فكنت ماذا أصنعُ ورثاه الفقيه عمارة اليمني - الآتي ذكره إن شاء الله تعَالى - بقصيدة طويلة أجاد في أكثرها ، وأولها : هيَ الصَّدْمة الأولى فمنْ بَانَ صبرُهُ على هَوْلِ مِلقَاهُ تَضَاعَفَ أَجْرُهُ وقال ابن أبي طيّ الأديب الحلبي في تاريخه الكبير : كان مولد نجم الدين أيوب ببلد شبختان ، وقيل : إنه ولد يجبل جُورَ وربي ببلد الموصل ، ولم يوافقه على ذلك أحد ، بل انفرد به ، وإنما نبهت عليه كيلا يقف عليه من لا يعرف هذا الفن فيظن أنه صواب، وليس الأمر كذلك ، بل الصحيح هو الذي ذكرته أولاً . وشاذي - بالشين المعجمة وبعد الألف ذال معجمة مكسورة وبعدها ياء مثناة من تحتها - وهذا الاسم عجمي ، ومعناه بالعربي فرحان . ودُوين - بضم الدال المهملة وكسر الواو وبعدها ياء مثناة من تحتها ساكنة ثم نون - وهي بلدة في أواخر إقليم أذربيجان من جهة الشمال تجاور بلاد الكرج ، وينسب إليها الدُّويني والدُّوَني أيضاً، بفتح الواو ، والله أعلم . قلت : والمسجد والحوض اللذان بظاهر القاهرة، خارج باب النصر ، عمارة نجم الدين أيوب أيضاً ، ورأيت تاريخ بناء الحوض في الحجر المركب أعلاه في سنة ست وستين وخمسمائة ، رحمه الله تعالى وقدَّس الله روحه . ٢٥٩ ١٠٧ ب أيوب والد السلطان صلاح الدين ١ أبو الششُكْر أيوب بن شاذي بن مروان الملقب الملك الأفضل نجم الدين والد السلطان صلاح الدين يوسف؛ كان في أول أمره متسلماً قلعة تكريت هو وأخوه أسد الدين شير كوه يدبران أحوالها وينظران في أمورها، وتوفي والدهما شاذي بها، وهناك قبره ظاهر معروف ، وولد له بها السلطان صلاح الدين، ومولده هو بمدينة دوين من أعمال أذربيجان ثم انتقل إلى الموصل وأقام بها مدة ، ثم اتصل بخدمة نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام ، وكان مقبلً عليه مكرماً له ، ولما وزر ولده صلاح الدين للعاضد صاحب مصر وذلك في سنة أربع وستين وخمسمائة كما هو مشهور توجه إليه والده نجم الدين من الشام ودخل القاهرة لست بقين من رجب سنة خمس وستين وخمسمائة وخرج العاضد للقائه وسلك صلاح الدين معه من الأدب ما جرت به العادة ، وألبسه الأمر كله فأبى أن يلبسه وقال : يا ولدي ما اختارك الله لهذا الأمر إلا وأنت كفؤ له، ولا ينبغي أن تغير موضع السعادة ، فحكَّمه في الخزائن كلها وكان كريماً يطلق فلا يرد . ولم يزل عنده حتى استقل صلاح الدين بملك الديار المصرية في أوائل المحرم سنة سبع وستين كما سيأتي في ترجمته في حرف الياء ، فخرج نجم الدين يوماً من باب النصر أحد أبواب القاهرة فشب به فرسه فألقاه في وسط اللجة وذلك يوم الاثنين ثامن عشر ذي الحجة سنة ٥٦٨، وحمل إلى داره وبقي متألماً إلى أن توفي يوم الأربعاء السابع والعشرين من الشهر المذكور ، ودفن عند قبر أخيه أسد الدين شير كوه رحمه الله تعالى ، ثم بعد ذلك نقلا إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفنا هناك ؛ ولما توفي كان السلطان صلاح الدين غائباً في غزوة ١ الترجمة السابقة هي ما أوردته نسختا د وآيا صوفيا، أما هذه فانها ما ورد في سائر النسخ الأخرى . ٢٦٠