Indexed OCR Text

Pages 81-100

٣٢
ابن أبي دواد
أبو عبد الله أحمد بن أبي دُوادٍ فرج بن جرير بن مالك بن عبد الله بن عَبّاد
ابن سَلام بن مالك بن عبد هِندٍ بن لخْم بن مالك بن قَنَص بن مَنَعة بن بَرْجان
ابنِ دَوْس بن الديل بن أُمَيَّةَ بن حُذَافة بن زُهْر بن إياد بن نِزَار بن مَعَدّ بن ◌َدنان
الإياديّ القاضي؛ كان معروفاً بالمروءة والعصبية ، وله مع المعتصم في ذلك
أخبار مأثورة، ذكره أبو عبيد الله المرزباني في كتاب ((المرشد)) في أخبار
المتكلمين فقال: قيل: إن أصلهم من قرية بقِنَّسْرين، واتجر١ أبوه إلى الشام،
وأخرجه معه وهو حَدَثٌ فنشأ أحمد في طلب العلم وخاصة الفقه والكلام ،
حتى بلغ ما بلغ ، وصحب هَيّاج بن العلاء السلمي ، وكان من أصحاب واصل
ابن عطاء ، فصار إلى الاعتزال .
قال أبو العيناء : ما رأيت رئيساً قط أفصح ولا أنطق من ابن أبي دواد ،
وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي : سمعت ابن أبي دواد في مجلس المعتصم وهو
يقول : إني لأمتنع من تكليم الخلفاء بحضرة محمد بن عبد الملك الزيات الوزير في
حاجة كراهة أن أعلمه ذلك ، ومخافة أن أعلمه التأتّ لها ؛ وهو أول من
افتتح الكلام مع الخلفاء ، وكانوا لا يبدؤهم أحد حق يبدؤوه ، وقال أبو
العَيْناء : كان ابن أبي دُواد شاعراً مجيداً فصيحاً بليغاً .
وقال المرزباني : وقد ذكره دِعْبيل بن علي الخزاعي في كتابه الذي جمع
فيه أسماء الشعراء وروى له أبياتاً حساناً، وكان يقول: ثلاثة ينبغي أن يُبَجَّلوا
وتعرف أقدارهم : العلماء وولاة العدل والإخوان ، فمن استخف بالعلماء
٣٢ - ترجمة ابن أبي دواد في تاريخ الطبري ١١: ٤٩ وطبقات المعتزلة: ٦٢ والوافي ٧، الورقة:
١٣٥ والعبر ١: ٤٣١ والشذرات ٢: ٩٣.
١ أ: وتاجر ؛ ب : وتجر .
٦ - ١
٨١

أهلك دينه ، ومن استخف بالولاة أهلك دنياه ، ومن استخف بالإخوان
أهلك مروءته .
وقال إبراهيم بن الحسن : كنا عند المأمون فذكروا مَن بايع من الأنصار
ليلة العَقَبة ، فاختلفوا في ذلك ، ودخل ابن أبي دوادٍ فعدَّهم واحداً
واحداً بأسمائهم وكُناهم وأنسابهم، فقال المأمون: إذا اسْتَجلَسَ الناس
فاضلاً فمثلَ أحمد ، فقال أحمد : بل إذا جالس العالم خليفةً فمثل أمير المؤمنين
الذي يَفهم عنه ، ويكون أعلم بما يقوله منه . ومن كلام أحمد : ليس بكامل
مَن لم يحمل وليه على منبر ولو أنه حارس ، وعدوَّه على جِذْع ولو أنه وزير.
وقال أبو العيْناء : كان الافشين يحسد أبا دُلَفَ القاسم بن عيسى العِجْلي
للعربية والشجاعة ، فاحتال عليه حتى شهد عليه بجناية وقتل ، فأخذه ببعض
أسبابه، فجلس له وأحضره وأحضر السياف ليقتله، وبلغ ابنَ أبي دواد الخبرُ،
فركب في وقته مع من حضر من عُدوله ، فدخل على الافشين وقد جيء
بأبي دُلَفَ لِيُقتَل ، فوقف ثم قال : إني رسول أمير المؤمنين إليك ، وقد
أمرك أن لا تحدث في القاسم بن عيسى حَدَثاً حتى تُسْلِمِه إليّ، ثم التفت إلى
العُدول ، وقال : اشهدوا أني قد أدَّيتُ الرسالة إليه عن أمير المؤمنين والقاسم
حيّ مُعافِى، فقالوا : قد شهدنا، وخرج ، فلم يقدر الافشين عليه ، وصار
ابنُ أبي دوادٍ إلى المعتصم من وقته ، وقال: يا أمير المؤمنين ، قد أدّيت عنك
رسالة لم تقلها لي ، ما أعتدُّ بعمَل خيرٍ خيراً منها ، وإني لأرجو لك الجنة بها،
ثم أخبره الخبر ، فصوَّبَ رأيه ووجَّه مَن أحضر القاسم فأطلقه ووهب له
وعَنَّف الافشين فيما عزم عليه .
وكان المعتصم قد اشتد غيظه١ على محمد بن الجَهْم البرمكي، فأمر بضرب
عنقه ، فلما رأى ابن أبي دواد ذلك ، وأنه لا حيلة له فيه ، وقد شد٢ برأسه
وأقيم في النطع وهُزّ له السيف، قال ابن أبي دواد للمعتصم : وكيف تأخذ ماله
إِذا قتلته ؟ قال : ومن يحول بيني وبينه ؟ قال : يأبى الله تعالى ذلك ، ويأباه
١ د : غضبه .
٢ ب : شدوا .
٨٢

رسوله صلى الله عليه وسلم، ويأباه عَدْلُ أمير المؤمنين ، فإن المال للوارث إِذا
قتلته حتى تقيم البينة على ما فعله، وأمرُه باستخراج ما اختانه أقربُ عليك وهو
حي ، فقال : احبسوه حتى يناظر ، فتأخر أمره على مال حمله، وخلص محمد.
وحدث الجاحظ أن المعتصم غضب على رجل من أهل الجزيرة الفراتية
وأحضر السيف والنطع، فقال له المعتصم : فعلتَ وصنعتَ ، وأمر بضرب عنقه
فقال له ابن أبي دواد : يا أمير المؤمنين ، سَبَقَ السيف العَذَلَ، فتأنَّ في أمره
فإنه مظلوم ، قال : فسكن قليلاً ، قال ابن أبي دواد : وغمرني البول فلم أقدر
على حبسه ، وعلمت أني إن قمت قتل الرجل ، فجعلت ثيابي تحتي وبُلتُ فيها
حتى خلصت الرجل ، قال : فلما قمت نظر المعتصم إلى ثيابي رطبة ، فقال :
يا أبا عبد الله كان تحتك ماء ؟ فقلت : لا يا أمير المؤمنين، ولكنه كان كذا
وكذا ، فضحك المعتصم ودعالي ، وقال : أحسنت بارك الله عليك ، وخلع
عليه وأمر له بمائة ألف درهم (١١) * .
وقال أحمد بن عبد الرحمن الكلبي : ابن أبي دواد روح كله من قَرْنه إلى
قدمه، وقال لازون١ بن إسماعيل: ما رأيت أحداً قط أطوع لأحد من المعتصم
لابن أبي دواد ، وكان يُسأل الشيء اليسير فيمتنع منه ، ثم يدخل ابن أبي دواد
فيكلمه في أهله وفي أهل٢ الثغور وفي الحرمين وفي أقاصي أهل المشرق والمغرب،
فيجيبه إلى كل ما يريد ، ولقد كلمه يوماً في مقدار ألف ألف درهم ليحفر بها
نهراً في أقاصي خراسان ، فقال له : وما عليَّ من هذا النهر ؟ فقال: يا أمير
المؤمنين ، إن الله تعالى يسألك عن النظر في أمر أقصى رعيتك كما يسألك عن
النظر في أمر أدناها ، ولم يزل يرفق به حتى أطلقها .
وقال الحسين بن الضحاك الشاعر المشهور لبعض المتكلمين : ابن أبي دواد
عندنا لا يحسن اللغة وعندكم لا يحسن الكلام وعند الفقهاء لا يحسن الفقه ،
وهو عند المعتصم يعرف٣ هذا كله .
.....
١ هـ : لاوزن .
٢ أ: عن أهله وأهل .
٣ أ : يحسن .
٨٣

وكان ابتداء اتصال ابن أبي دواء بالمأمون أنه قال : كنت أحضر مجلس
القاضي يحيى بن أكثم مع الفقهاء، فإني١ عنده يوماً إذ جاءه رسول المأمون فقال
له: يقول لك أمير المؤمنين: انتقل إلينا وجميع من معك من أصحابك، فلم يحب
أن أحضر معه، ولم يستطع أن يؤخرني، فحضرت مع القوم ، وتكلمنا بحضرة
المأمون فأقبل المأمون ينظر إلى إذا شرعت في الكلام ويتفهم ما أقول
ويستحسنه ، ثم قال لي: مَنْ تكون ؟ فانتسبت له ، فقال : ما أخَّرك عنا ؟
فكرهت أن أحيل على يحيى ، فقلت : حَبْسَة القدر وبلوغ الكتاب أجَلَه ،
فقال : لا أعلمن ما كان لنا من مجلس إلا حضرته، فقلت : نعم يا أمير المؤمنين،
ثم اتصل الأمر .
وقيل : قدم يحيى بن أكثم قاضياً على البصرة من خراسان من قبل المأمون
في آخر سنة اثنتين ومائتين وهو حَدَثٌ سنُه نيفٌ وعشرون سنة، فاستصحب
جماعة من أهل العلم والمروءات منهم ابن أبي دواد ، فلما قدم المأمون بغداد في
سنة أربع ومائتين قال ليحيى : اخْتَرْ لي من أصحابك جماعة يجالسونني
ويكثرون الدخول إلي ، فاختار منهم عشرين فيهم ابنُ أبي دواد ، فكثروا
على المأمون ، فقال : اختر منهم، فاختار عشرة فيهم ابن أبي دواد ، ثم قال :
اختر منهم ، فاختار خمسة فيهم ابن أبي دواد ، واتصل أمره ، وأسند المأمون
وصيته عند الموت إلى أخيه المعتصم ، وقال فيها : وأبو عبد الله أحمد بن أبي
دواد لا يفارقك الشركة في المشورة في كل أمرك، فإنه موضع ذلك، ولا تتخذن
بعدي وزيراً .
ولما ولي المعتصم الخلافة جعل ابن أبي دواد قاضي القضاة ، وعزل يحيى بن
أكثم، وخُصَّ به أحمد حتى كان لا يفعل فعلً باطناً ولا ظاهراً إلا برأيه ،
وامتَحَنَ ابن أبي دواد الإمام أحمد بن حنبل ، وألزمه بالقول بخلق القرآن
الكريم ، وذلك في شهر رمضان سنة عشرين ومائتين . ولما مات المعتصم وتولى
بعده ولدُه الواثق بالله حسنت حال ابن أبي دواد عنده ، ولما مات الواثق بالله
وتولى أخوه المتوكل فُلِجَ ابن أبي دوادٍ في أول خلافته وذهب شِقِتُّه الأيمن ،
١ هـ : فأنا .
٨٤

فقلد المتوكل ولدَهُ محمد بن أحمد القضاء مكانه ، ثم عزلَ محمد بن أحمد عن المظالم
في سنة ست وثلاثين ومائتين ، وقلد يحيى بن أكثم .
وكان الواثق قد أمر أن لا يرى أحدٌ من الناس محمدَ بن عبد الملك الزيات
الوزير إلا قام له ، فكان ابن أبي دواد إذا رآه قام واستقبل القبلة يصلي ، فقال
ابن الزيات١ :
وأراهُ ينْسُك بعدها ويَصُومُ
صَلَّى الضُّحى لما استفاد عَداوَ تي
لا تَعْدَمَنَّ عداوةٌ مَسمومَةً تركَتْكَ تَفْعُدُ تارةً وتَقُومُ
ومدحه جماعة من شعراء عصره ؛ قال علي الرازي : رأيت أبا تمام الطائي
عند ابن أبي دواد ومعه رجل يُنشِد عنه قصيدة منها٢ :
لقد أَنْسَتْ مساوىءَ كلِّ دهرٍ محاسِنُ احْمَدَ بن أبي دوادٍ
وما سافَرْتُ في الآفاق إلا ومن جَدْواكَ راحلتي وزادي
فقال له ابن أبي دواد : هذا المعنى تفردت به أو أَخذته ؟ فقال : هو لي ،
وقد أَلممت فيه بقول أبي نُواس٣ :
وإِن جَرَتِ الألفاظ منا بمدحةٍ لغيرك إنساناً فأنت الذي نَعْني
ودخل أبو تمام عليه يوماً؛ ، وقد طالت أيامه في الوقوف ببابه ولا يصل
إليه ، فعتب عليه مع بعض أصحابه ، فقال له ابن أبي دواد : أُحسبك عاتباً
يا أبا تمام، فقال: إنما يعتب على واحدٍ وأَنت الناسُ جميعاً فكيف يعتب عليك!
فقال له : من أين لك هذا يا أبا تمام؟ فقال: من قول الحاذق - يعني أبا نواس -
١ ديوان ابن الزيات : ٦٦ .
٢ من قصيدة له مطلعها :
سقى عهد الحمى سبل العهاد
وروض حاضر منه وبادي
انظر ديوانه ١ : ٣٧٨ وأخبار أبي تمام للصولي : ١٤١.
٣ ديوان أبي نواس : ٦٦ وأخبار الصولي : ١٤٢.
٤ اخبار الصولي : ١٤٦.
٨٥

٠
في الفضل بن الربيع :
وليس لهِ بِمُسْتَنْكَرٍ أَن يَجْمَعَ العالم في واحدٍ
ولما ولي ابن أبي دواد المظالم قال أبو تمام قصيدة يتظلم إليه ، من جملتها
قوله ١ :
فلا عجبٌ إِن ضيَّعَتْه الأعاجم
إِذا أَنتَ ضَيَّعْتَ القريضَ وأهله٢
بِعَدْلِك٣َ مُذْ صارت إليك المظالم
فقد هَزَّ عِطْفَيَهِ القريضُ ترفُّعاً
ولولا خِلالٌ سَنَّها الشعرُ ما دَرَى بُغَاةُ العُلى؛ من أَينَ تُؤْتَى المكارم
قلت : ومدحه أبو تمام أيضاً بقصيدته التي أَوّلها° :
أَرأيتَ أيّ سَوالِفٍٍ وخُدُودٍ عَنَّتْ لنا بين الحِّوَى فَزَرُودٍ
وما أَلطف قوله فيها :
طُويَتْ أَنَاحَ لها لسانَ حَسُودِ
وإِذا أَرادَ الله نَشْرَ فَضيلةٍ
ما كانَ يُعْرَفُ طِيبُ عَرفِ العود
لولا اشْتِعالُ النار فيا جاوَرَتْ
ومدحه مَرْوانُ بن أبي الجَنُوب٦ بقوله :
لقد حازتْ نزارٌ كلَّ مجدٍ ومكرمة على رَغْمِ الأعادي
ومنهم خِنْدِفٌ وبنو إيادِ
فقُلْ للفاخرين على نزارٍ
ومنا أحمد بن أبي دُواد
رسولُ الله والخلفاء منا
بموجودٍ إِلى يَوْمِ التَّادي
وليس كمثلهم في غيرِ قومي
ديوان أبي تمام ٣ : ١٨٣.
١
٢ الديوان : إذا أنت لم تحفظه لم يك بدعة .
٣ الديوان : توقعاً لعدلك.
٤ الديوان : الندى .
٥ الديوان ١ : ٣٨٨.
٦ هو مروان الأصغر بن يحيى بن مروان بن أبي حفصة (انظر معجم المرزباني: ٣٢١).
٨٦

نبيِّ مُرْسَلٌ وولاةُ ◌َهْدٍ ومَهْدِيِّ إلى الخيرات هادي
ولما سمع هذا الشعر أبو هفان المَهْزَمِيُّ قال :
وهم في الأرضِ ساداتُ العبادِ
فقل الفاخرین علی نزار
ونبرأُ من دَعِيِّ بني إياد
رسولُ الله والخلفاءُ منا
بِدَعْوَة أحمدَ بن أبي دُواد
وما منا إيادٌ إِن أقرَّتْ
فقال ابن أبي دواد : ما بلغ مني أحد ما بلغ مني هذا الغلام المهزمي ، لولا
أني أكره أن أُنبّهَ عليه لعاقبته عقاباً لم يعاقب أحد بمثله، جاء إلى مَنْقَبة
كانت لي فنقضها عروة عروة .
وكان ابن أبي دواد كثيراً ما ينشد ، ولم يذكر أنهما له أو لغيره :
ما أَنتَ بالسَّبب الضعيف ، وإِنما نجْحُ الأمور بقوةِ الأسبابِ
فاليَوْمَ حاجَتُنَا إِلَيكَ ، وإنما يُدْعى الطبيبُ لِشِدَّةِ الأوصاب
وذكر غير المرزباني عن أبي العَيْناء أن المعتصم غضبَ على خالد بن يزيد بن
مَزْيَد الشيباني - قلت: وسيأتي ذكره في ترجمة أبيه إن شاء الله تعالى -
وأشخصه من ولايته لعَجْز لحقه في مال طُلبَ منه وأسبابٍ غير ذلك، فجلس
المعتصم لعقوبته ، وكان قد طرَحَ نفسه على القاضي أحمد ، فتكلم فيه فلم يجبه
المعتصم ، فلما جلس لعقوبته حضر القاضي أحمد فجلس دون مجلسه ، فقال له
المعتصم : يا أبا عبد الله ، جلست في غير مجلسك ، فقال : ما ينبغي لي أن
أجلس إلا دون مجلسي هذا ، فقال له : وكيف ؟ قال : لأن الناس يزعمون أنه
ليس موضعي موضع مَن يَشْفَع في رجل فيُشَفّع، قال : فارجع إلى مجلسك،
قال: مُشَفّعاً أو غير مشفع ؟ قال: بل مشفعاً، فارتفع إلى مجلسه ، ثم قال:
إن الناس لا يعلمون رضى أمير المؤمنين عنه إن لم يَخْلَع عليه ، فأمر بالخلع
عليه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، قد استحق هو وأصحابه رِزْقَ ستة أشهر
لا بدّ أن يقبضوها، وإن أمرت لهم بها في هذا الوقت قامت مقام الصلة ،
فقال : قد أمرت بها ، فخرج خالد وعليه الخلع والمال بين يديه ، وإن الناس
٨٧

في الطرق ينتظرون الايقاع به ، فصاح به رجل : الحمد لله على خلاصك يا سيد
العرب ، فقال له : اسكت ، سيدُ العرب والله أحمدُ بن أبي دواد.
وكان بينه وبين الوزير ابن الزيات مُنافسات وشَحْناء ، حتى إن شخصاً
كان يَصْحَبُ القاضيَ المذكور ويختص بقضاء حوائجه مَنَعَهُ الوزير المذكور
من الترداد إليه ، فبلغ ذلك القاضي ، فجاء إلى الوزير وقال له : والله ما
أجيئك مُتكثراً بك من قِلَّة ، ولا متعزّزاً بك من ذِلَّة ، ولكن أمير
المؤمنين رتبك مرتبة أوجبت لقاءك ، فان لقيناك فلَهُ ، وإِن تأخرنا عنك
فلك ، ثم نهض من عنده .
وكان فيه من المكارم والمحامد ما يستغرق الوصف .
وهجا بعضُ الشعراء الوزيرَ ابنَ الزيات بقصيدة عددُ أبياتها سبعون بيتاً
فبلغ خبرها القاضي أحمد ، فقال :
أَحْسَنُ مِنْ سَبْعِينَ بَيْتاً هِجاً جَمْعُكَ معناهُنٌ فِي بَيْتِ
ما أحْوَجَ الملكَ إِلى مَطْرَةٍ تَغْسِلُ عَنهُ وضَرَ الزيْت
فِبَلَغَ ابْنَ الزيات ذلك ، ويقال: إن بعض أجداد القاضي أحمد كان
يبيع القار ، فقال١ :
يا ذا الذي يطْمَعُ فِي هَجْونا عَرّضْتَ بِي نَفْسَك٢ للمَوْتِ
الزيْتُ لا يُزْري بأحْسابِنا أحْسابُنا مَعْرُوفَةُ البَيت
فَيَّرْتُم الملكَ فلم نُنْقِهِ حتى غَسَلَنا القارَ بالزيت
وأصابه الفالج لست خلونَ من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين ومائتين
بعد موت عدوّه الوزير المذكور بمائة يوم وأيام، وقيل: بخمسين يوماً ، وقيل:
بسبعة وأربعين يوماً ، وسيأتي تاريخ وفاة الوزير في حرف الميم .
ولما حصل له الفالجُ وُلَيَ موضعَهُ ولدُه أبو الوليد محمد، ولم تكن طريقته
١ ديوان ابن الزيات : ١٢ .
٢ الديوان : يا أيها المأفون رأياً لقد ، تعرضت نفسك .
٨٨

مرضية، وكثر ذاموه وقلَّ شاكروه ، حتى عمل فيه إبراهيم بن العباس الصُّولي
المقدَّم ذكره قبل هذا١ :
عَفّتْ مَساوٍ تَبَدَّتْ مِنكَ واضحةٌ على تَحاسِنَ أبقاها أبُوكَ لَكا
فقَدْ تقَدّمْتَ أَبْناءَ الكِرامِ بِهِ كما تقَدّمَ آبَاءَ اللامِ بِكا
ولعمري لقد بالغ في طرفي المدح والذم ، وهو معنى بديع .
واستمرَّ على مظالم العسكر والقضاء إلى سنة سبع وثلاثين ومائتين ، فسخط
المتوكل على القاضي أحمد المذكور وولده محمد ، وأمر بالتوكيل على ضياعه ،
الخمس بقين من صفر من السنة المذكورة ، وصَرَفه عن المظالم ، ثم صرفه عن
القضاء يوم الخميس لخمس خلون من شهر ربيع الأول من السنة ، وأخذ من
الولد مائة ألفٍ وعشرين ألف دينار ، وجوهراً بأربعين ألف دينار ، وسيّرَهُ
إلى بغداد من سُرّ مَن رأى، وفوَّض القضاء إلى القاضي يحيى بن أكثم الصَّفي
- وسيأتي ذكره في حرف الياء إن شاء الله تعالى - ولما شهد على ابن أبي دواد
حين غضب عليه الخليفة بضياعه المأخوذة منه في الجناية حضر المجلسَ خلقٌ كثير
من الشهود وغيرهم ، فقام رجل من الشهود - وكان القاضي منحرفاً عنه في
أيامه - فقال : تشهدنا عليك بما في هذا الكتاب ؟ فقال القاضي : لا لا لا لست
هناك، وقال الباقين : اشهدوا عليَّ ، فجلس الرجل بخزي ، وتعجب الناس
من ثبوت القاضي وقوة قلبه في تلك الحال .
وتوفي القاضي أحمد المذكور بمرضه الفالج في المحرّم سنة أربعين ومائتين ،
ونقل عنه أنه قال : ولدت بالبصرة سنة ستين ومائة ، وقيل : إنه كان أسن
من القاضي يحيى بن أكثم بنحو عشرين سنة ، وهو يخالف ما ذكرته في ترجمة
يحيى ، لكن كتبته على ما وجدته ، والله أعلم بالصواب . وتوفي ولده محمد
قبله بعشرين يوماً في ذي الحجة رحمهما الله تعالى .
وقد ذكر المرزباني في كتابه المذكور اختلافاً كثيراً في تاريخ وفاته وموت
ابنه، فأحببت ذكر جميع ما قاله ؛ قال : وَلَّ المتوكلُ ابنه أبا الوليد محمد
١ ديوان الصولي : ١٦٢ ٠
٨٩

ابن أحمد القضاء والمظالم بالعسكر مكان أبيه ، ثم عزله عنها يوم الأربعاء لعشر
بقين من صفر سنة أربعين ومائتين ، ووكل بضياعه وضياع أبيه ، ثم صولح على
ألف ألف دينار ، ومات أبو الوليد محمد بن أحمد ببغداد في ذي القعدة سنة
أربعين ومائتين ، ومات أبوه أحمد بعده بعشرين يوماً ، وذكر الصولي أن
سخط المتوكل على ابن أبي دواد كان في سنة سبع وثلاثين ، ثم ذكر المرزباني
بعد هذا أن القاضي أحمد مات في المحرّم سنة أربعين، ومات ابنهُ قبلَه
بعشرين يوماً ، وقيل : مات ابنه في آخر سنة تسع وثلاثين ، وكان موتهما
ببغداد ، وقيل : مات ابنه في ذي الحجة سنة تسع وثلاثين ، ومات أبوه يوم
السبت لسبع بقين من المحرّم سنة أربعين ، وكان بين موتهما شهر أو نحوه ،
والله أعلم بالصواب في ذلك كله .
وقال أبو بكر ابن دريد : كان ابن أبي دواد مؤالفاً لأهل الأدب من أي
بلد كانوا ، وكان قد ضمَّ منهم جماعة يَعُولهم ويَمُونهم ، فلما مات حضر ببابه
جماعة منهم وقالوا: يدفن من كان ساقَةَ الكرم وتاريخ الأدب ولا
يتكلم فيه ؟ إِن هذا وهَنٌ وتقصير ، فلما طلع سريره قام إِليه ثلاثة منهم ،
فقال أحدهم :
وماتَ مَنْ كان يُسْتَعدَى على الزمَنِ
اليوْمَ مَاتَ نظامُ الملك واللسَنِ!
شمْسُ المكارِمِ فِي غَيمٍ من الكَفَّن
وأظلمَتْ سُبُلُ الآدابِ إذْ حُجِبَتْ
وتقدم الثاني فقال :
تَرَكَ المَنابرَ والسريرَ تَواضُعاً ولهُ مَنابرُ لوْ يَشْا وسريرُ
ولغيره يُجبى الخراجُ، وإِنما يُجبى إِليهِ مَحامِدٌ وأُجُورُ
وتقدم الثالث فقال :
ولَيَسَ فَتيقَ المسكِ ريحُ حَنوطِهِ ولكنهُ ذاكَ الثناءُ المَخَلَّفُ
وليسَ صَرِيرَ النَّعْشِ ما تَسْمَعُونَهُ
ولكنَّهُ أَصْلَابُ قَوْمٍ تَقَصَّفُ
١ أ: والسنن .
٩٠

وقال أبو بكر الجرجاني : سمعت أبا العَيناء الضريرَ يقول: ما رأيت في
الدنيا أقوم على أدب من ابن أبي دوادٍ ، ما خرجت من عنده يوماً قط فقال:
يا غلام خذ بيده، بل قال: يا غلام اخْرُجْ معه، فكنت أنتقد هذه الكلمة
عليه، فلا يخلّ بها، ولا أسمعها من غيره .
وعلى الجملة فقد طالت هذه الترجمة ، وإنما محاسنه كانت كثيرة ، رحمه
الله تعالى .
ودُوَاد : بضم الدال المهملة وفتح الواو وبعد الألف دال ثانية مهملة .
والإيادي - بكسر الهمزة وفتح الياء المثناة من تحتها وبعد الألف دال
مهملة - نسبة إلى إياد بن نزار بن مَعَدّ بن عَدْنان .
٣٣
الحافظ أبو نعيم
أبو نهُعَيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني
الحافظ المشهور صاحب كتاب ((حلية الأولياءِ))؛ كان من الأعلام المحدثين، وأكابر
الحفاظ الثقات، أخذ عن الأفاضل، وأخذوا عنه، وانتفعوا به، وكتابه ((الحلية))
من أحسن الكتب، وله كتاب ((تاريخ أصبهان » نقلتُ منه في ترجمة والده
عبد الله نسبَتَه على هذه الصورة، وذكر أن جده مهران أسلم، إشارة إلى أنه
أول من أسلم من أجداده ، وأنه مَوْلى عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر
ابن أبي طالب رضي الله عنه - وسيأتي ذكر عبد الله بن معاوية ، إن شاء الله
تعالى - وذكر أن والده توفي في رجب سنة خمس وستين وثلثمائة ، ودفن عند
جده من قبل أمه .
٣٣ - ترجمة الحافظ أبي نعيم في طبقات السبكي ٣: ٧ وتذكرة الحفاظ: ١٠٩٢ وغاية النهاية
١ : ٧١ وميزان الاعتدال ١: ٥٢ والعبر ٣: ١٧٠ والوافي ٧، الورقة: ٣٩ والشذرات
٣ :٠٢٤٥
٩١

ولد في رجب سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، وقيل : أربع وثلاثين ، وتوفي
في صفر ، وقيل : يوم الاثنين الحادي والعشرين من المحرَّم سنة ثلاثين وأربعمائة
بأصبهان ، رحمه الله تعالى .
واصبهان - بكسر الهمزة وفتحها وسكون الصاد المهملة وفتح الباء الموحدة،
ويقال بالفاء أيضاً وفتح الهاء وبعد الألف نون - وهي من أشهر بلاد الجبال ،
وإنما قيل لها هذا الاسم لأنها تسمى بالعجمية: ((سباهان)) وسباه : العسكر ،
وآن : الجمع . وكانت جموع عساكر الأكاسرة تجتمع إذا وقعت لهم واقعة في
هذا الموضع، مثل عسكر فارس وكرمان والأهواز وغيرها ، فعرّب فقيل :
أصبهان ، وبناها إسكندر ذو القرنين، هكذا ذكره السمعاني١ .
٣٤
الخطيب البغدادي
الحافظ أبو بكر أحمد بن عليّ بن ثابت بن أحمد بن مهدي بن ثابت البغدادي،
المعروف بالخطيب، صاحب ((تاريخ بغداد)) وغيره من المصنفات؛ كان من الحفاظ
المتقنين والعلماء المتبحرين، ولو لم يكن له سوى ((التاريخ)) لكفاه ، فانه يدل
على اطلاع عظيم، وصنف قريباً من مائة مصنف ، وفضله أشهر من أن يوصف،
وأخذ الفقه عن أبي الحسن المحاملي والقاضي أبي الطيب الطبري وغيرهما ،
وكان فقيهاً فغلب عليه الحديثُ والتاريخ .
ولد في جمادى الآخرة سنة اثنتين وتسعين وثلثمائة ، يوم الخميس لست
١ انظر الأنساب ١ : ٢٨٤.
٢٤ - ترجمة الخطيب البغدادي في تهذيب ابن عساكر ١: ٣٩٨ وطبقات السبكي ٣: ١٢
والمنتظم ٨: ٢٦٥ ومعجم الأدباء ٤: ١٣ والوافي ٧، الورقة: ٩٢ وتذكرة الحفاظ :
١١٣٥ والعبر ٣: ٢٥٣ والشذرات ٣: ٣١١.
٩٢

بقين من الشهر، وتوفي يوم الاثنين سابع ذي الحجة سنة ثلاث وستين وأربعمائة
ببغداد ، رحمه الله تعالى، وقال السمعاني : توفي في شوال ، وسمعت أن الشيخ
أبا إسحاق الشيرازي رحمه الله تعالى كان من جملة مَن حَمَل نعشه، لأنه انتفع
به كثيراً، وكان يُراجعه في تصانيفه، والعجب أنه كان في وقته حافظ المشرق،
وأبو عمر يوسف بن عبد البر - صاحب كتاب ((الاستيعاب)) - حافظ المغرب،
وماتا في سنة واحدة - كما سيأتي في حرف الياء إن شاء الله تعالى - .
وذكر محبُ الدين بن النجار في ((تاريخ بغداد)) أن أبا البركات إسماعيل بن
أبي سعد الصوفي قال: إِن الشيخ أبا بكر ابن زهراء الصوفي كان قد أعدّ لنفسه
قبراً إلى جانب قبر بشر الحافي ، رحمه الله تعالى ، وكان يمضي إليه في كل أسبوع
مرة وينام فيه ويقرأ فيه القرآن كله ، فلما مات أبو بكر الخطيب - وكان
قد أوصى أن يدفن إلى جانب قبر بشر - جاء أصحابُ الحديث إلى أبي بكر
ابن زهراءَ ، وسألوه أن يدفن الخطيب في القبر الذي كان قد أعده لنفسه وأن
يؤثره به ، فامتنع من ذلك امتناعًاً شديداً ، وقال : موضع قد أعددته لنفسي
منذ سنين يؤخذ مني! فلما رأوا ذلك جاءوا إلى والدي الشيخ أبي سعد وذكروا
له ذلك، فأحضر الشيخ أبا بكر ابن زهراء وقال له: أنا لا أقول لك أَعْطِهِمُ
القبر ، ولكن أقول لك : لو أن بشراً الحافي في الأحياء وأنت إلى جانبه فجاء
أبو بكر الخطيب يقعد دونك ، أكان يحسن بك أن تقعد أعلى منه ؟ قال : لا،
بل كنت أقوم وأُجلسه مكاني ، قال : فهكذا ينبغي أن يكون الساعة ، قال :
فطاب قلب الشيخ أبي بكر وأذن لهم في دفنه، فدفنوه إلى جانبه بباب حرب.
وكان قد تصدق بجميع ماله ، وهو مائتا دينار ، فرَّقها على أرباب الحديث
والفقهاء والفقراء في مرضه، وأوصى أن يتصدق عنه بجميع ما عليه من الثياب،
ووقف جميع كتبه على المسلمين، ولم يكن له عقبٌ، وصنف أكثر من ستين
كتاباً ، وكان الشيخ أبو إسحاق الشيرازي أحدَ من حمل جنازته، وقيل : إنه
وُلُدَ سنة إحدى وتسعين وثلثمائة، والله أعلم، ورؤيت له منامات صالحة بعد
موته ، وكان قد انتهى إليه علم الحديث وحفظه في وقته ؛ هذا آخر ما نقلته
من كتاب ابن النجار .
٩٣

٣٥
الراوندي
أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندِيُ ، العالم المشهور ؛ له مقالة
في علم الكلام ، وكان من الفضلاء في عصره ، وله من الكتب المصنفة نحو من
مائة وأربعة عشر كتاباً، منها كتاب ((فضيحة المعتزلة)) وكتاب ((التاج))
وكتاب ((الزمرد)) وكتاب ((القصب))١ وغير ذلك. وله مجالس ومناظرات مع
جماعة من علماء الكلام ، وقد انفرد بمذاهب نقلها أهل الكلام عنه في كتبهم .
توفي سنة خمس وأربعين ومائتين برحبة مالك بن طَوْقٍ التغلبي ، وقيل :
ببغداد، وتقدير عمره أربعون سنة، وذكر في ((البستان))٢ أنه توفي سنة
خمسين ، والله أعلم ، رحمه الله تعالى .
ونسبته إلى راوَنْدَ - بفتح الراء والواو وبينهما ألف وسكون النون
وبعدها دال مهملة - وهي قرية من قرى قاسان بنواحي أصبهان. وراوَنْدُ
أيضاً ناحية ◌ٌ ظاهر٣ نيسابور .
٣٥ - ترجمة ابن الراوندي في الفهرست: ١٠٨ والمنتظم ٦: ٩٩ وكتاب الانتصار للخياط كله في
الرد عليه، وقد ذكره أبو العلاء في رسالة الغفران : ٤٦١ وأنحى عليه ذاماً؛ وقد أبدى
بعض المعلقين على هوامش نسخ ((الوفيات )» قلقاً شديداً لأن ابن خلكان لم يتناوله بالذم فجاء
على هامش إحداها: « لم ينصف المصنف في سكوته عن ابن الراوندي وهو من مشاهير
الزنادقة ... الخ. )) وقال في هامش أ: « وأخطأ ابن خلكان في عدم تجريحه وذكر ضلالاته
ومخازيه وقد ذكره ابن الجوزي والذهبي وابن قاضي [شهية]».
١ هكذا ورد اسمه في أكثر الأصول؛ وفي د : الغصيب؛ وكلام المعري يرجح أن اسمه «القضيب»
إذ قال: وأما القضيب فمن عمله أخسر صفقة من قضيب، وخير له من إنشائه، لو ركب قضيباً
عند عشائه ... الخ. وفي المنتظم : « قضيب الذهب».
٢ هذا الاسم ينصرف الى غير كتاب، ولعل المقصود هنا («البستان في النوادر والغرائب» للشيخ
أبي حامد الإسفرايني .
٣ د : بظاهر .
٩٤

وقاسان : بالسين المهملة ، وهي غير قاشان - بالشين المعجمة - المجاورة
لقم .
وهذه راوند التي ذكرها أبو تمام الطائي في كتاب (الحماسة)) في باب المرائي،
فقال١: ذكروا أن رجلين من بني أسد خرجا إلى أصبهان فَآَخَيَا دِهْقاناً بها في
موضع يقال له راوند وخُزَاق، ونادماه ، فمات أحدهما وغبَرَ الآخر والدهقان
ينادمان قبره : يشربان كأسين ويصبان على قبره كأساً ، ثم مات الدهقان ،
فكان الأسدي الغابر ينادم قبريهما ويترنم بهذا الشعر:
أَمِنْ طول نَوْمٍ لا تجيبانِ داعياً
ألم تعلما ما لي برَاوَنْدَ كُلّها
أُقيمُ على قبرَيكما لستُ بارحاً
وأبكيكا حتى الماتِ ، وما الذي
فلو جُعلتْ نفسٌ لنفسٍ وقايةً
أَصُبُ على قبرَيَكما منْ مُدامةٍ
خليليَّ هُبّا طالما قد رَقَدْتُما أَجِدَّكما لا تَقْضِيانِ كَراكما
كأن الذي يَسْقِي المدامَ سَقاكما
ولا يخُزَاق من صديقٍ سِواكما
طَوَالَ الليالي أو يجيبَ صداكما
يُرَدُّ على ذي لوْعَةٍ إِن بكاكما
◌َجُدتُ بنفسي أن تكون فِدا كما
فإلاَ تنالاها 'ُرَوْ ثراكما
وخُزاق - بضم الخاء المعجمة وبعدها زاي وبعد الألف قاف - قرية
أخرى مجاورة لها ، والله أعلم بالصواب .
٣٦
الهروي
أبو عُبيدٍ أحمدُ بن محمد بن محمد بن أبي عبيد العبدي المؤدب الهروي الفاشاني
١ انظر الحماسية : ٢٨٩ (شرح المرزوقي).
٣٦ - ترجمة أبي عبيد الهروي في طبقات السبكي ٣: ٣٤ والوافي ٧، الورقة: ٦٢ والعبر ٣ :
٥ ٧ والشذرات ٣ : ١٦١ .
٩٥

صاحب كتاب ((الغريبين))؛ هذا هو المنقول في نسبه ، ورأيت على ظهر كتابه
(الغريبين)) أنه أحمد بن محمد بن عبد الرحمن ، والله أعلم .
كان من العلماء الأكابر، وما قصر في كتابه المذكور ، ولم أقف على شيء
من أخباره لأذكره سوى أنه كان يصحب أبا منصور الأزهري اللغوي ،
وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى، وعليه اشتغل وبه انتفع وتخرج ، وكتابه
المذكور جَمعَ فيه بين تفسير غريب القرآن الكريم والحديث النبوي ، وسار
في الآفاق ، وهو من الكتب النافعة .
وقيل : إنه كان يحب البذلة ويتناول في الخلوة ، ويعاشر أهل الأدب في
مجالس اللذة والطرب ، عفا الله عنه وعنا. وأشار الباخَرْزي في ترجمة بعض
أُدباء خراسان إلى شيء من ذلك ، والله أعلم .
وكانت وفاته في رجب سنة إحدى وأربعمائة ، رحمه الله تعالى .
والهروي - بفتح الهاء والراء - نسبة إلى هَراة وهي إحدى مدن خراسان
الكبار فتحها الأحنف بن قيس صلحاً من قبل عبد الله بن عامر .
والفاشاني - بفتح الفاء وبعد الألف شين معجمة وبعد الألف الثانية نون -
نسبة إلى فاشان، وهي قرية من قرى هَراة، ويقال لها باشان - بالباء الموحدة
أيضاً - ذكره السمعاني ، وقد تقدم في الذي قبله ذكر قاسان وقاشان ، وهذه
الأسماء الأربعة يقع بينها الاشتباه ، وهي على هذه الصورة ولا تَبْسَ بعد هذا.
٣٧
الخوافي
أبو المظفر أحمد بن محمد بن المظفر الخَوافي الفقيه الشافعي ؛ كان أنَّظَرَ
٣٧ - ترجمة الخوافي: في طبقات السبكي ٤: ٥٥ والوافي ٧، الورقة: ٦٨ والعبر ٤: ١٣٣
والشذرات ٣ : ٤١٠ .
٩٦

أهل زمانه، تفقه على إمام الحرمين الجويني، وصار أوجه ١ تلامذته، ولي القضاء
بطُوسَ ونواحيها، وكان مشهوراً بين العلماء بحسن المناظرة وإِفحام الخصوم ،
وكان رفيق أبي حامد الغزالي٢ في الاشتغال، ورزق الغزالي السعادة في تصانيفه،
والخوافي السعادةَ في مناظراته . وتوفي سنة خمسمائة بطوس ، رحمه الله تعالى .
ونسبته إلى خَوَاف - بفتح الخاء المعجمة وبعد الواو المفتوحة ألف وبعد
الألف فاء - وهي ناحية من نواحي نيسابور كثيرة القرى .
٣٨
اخو الغزالي
أبو الفتوح أحمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي الغزالي الملقب مجد
الدين أخو الإمام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي الفقيه الشافعي ؛ كان واعظاً
مليح الوعظ حسن المنظر صاحب كرامات وإشارات ، وكان من الفقهاء٣ ،
غير أنه مال إلى الوعظ فغلب عليه ، ودرّس بالمدرسة النظامية نيابة عن أخيه
أبي حامد لما ترك التدريس زَهادَةً فيه، واختصر كتاب أخيه أبي حامد المسمى
بـ ((إحياء علوم الدين)) في مجلد واحد وسماه ((لباب الإحياء))، وله تصنيف آخر
سماه ((الذخيرة في علم البصيرة)). وطاف البلاد وخدم الصوفية بنفسه، وكان
مائلاً إلى الانقطاع والعُزْلة .
وذكره ابن النجار في ((تاريخ بغداد )) فقال : كان قد قرأ القارىء بحضرته
﴿ يا عباديَ الذين أَسْرفوا على أنفسهم - الآية﴾ فقال: شرَّفهم بياء الإضافة
١ د : وكان أوحد .
٢ ب هـ: محمد بن محمد الغزالي.
٣٨ - ترجمة أخي الغزالي في طبقات السبكي ٤: ٥٤ والمنتظم ٩: ٢٦٠ والوافي ٧ ، الورقة:
٦٢ والعبر ٤: ٤٥ والشذرات ٤: ٦٠.
٣ أ : وكان فقيهاً .
٧ - ١
٩٧

إلى نفسه بقوله (يا عبادي) ، ثم أنشد يقول :
وهانَ عليَّ اللومُ فِي جَنب حُبِّها وقَوْلُ الأعادي إِنَّهُ لخليعُ
أصمُّ إِذا نُودِيتُ باسمي، وإِنني - إِذا قيلَ لي يا عَبْدَها - السميعُ
قلت : ومثل هذا قول بعضهم :
لا تدعني إِلا بيا عَبْدَها فإنه أَشرَفُ أَسمائي
وتوفي أحمد بقَزْوينَ في سنة عشرين وخمسمائة ، رحمه الله تعالى .
والطوسي - بضم الطاء المهملة وسكون الواو وبالسين المهملة - نسبة إِلى
طوس ، وهي ناحية بخراسان تشتمل على مدينتين تسمى إحداهما طابَران :
بفتح الطاء المهملة وبعد الألف باء موحدة ثم راء مفتوحة وبعد الألف
الثانية نون ، والأخرى نَوْقان : بفتح النون وسكون الواو وفتح القاف
وبعد الألف نون ، ولهما ما يزيد على ألف قرية .
والغزالي - بفتح الغين المعجمة وتشديد الزاي المعجمة وبعد الألف لام -
هذه النسبة إلى الغَزّال ، على عادة أهل خوارزم وجرجان فانهم ينسبون إلى
القصار القصاري ، وإلى العطار العطاري ، وقيل : إن الزاي مخففة نسبة إلى
غزَالة وهي قرية من قرى طوس ، وهو خلاف المشهور ، لكن هكذا قاله
السمعاني في كتاب ((الأنساب))، والله أعلم .
وقَزْوين - بفتح القاف وسكون الزاي المعجمة وكسر الواو وسكون
الياء المثناة من تحتها ، وبعدها نون - وهي مدينة كبيرة في عِراق العجم عند
قلاع الإسماعيلية .
٩٨

٣٩
ابن برهان
أبو الفتح أحمد بن علي بن محمد الوكيل المعروف بابن بَرْهان الفقيه الشافعي ؛
كان متبحراً في الأصول والفروع والمتفق والمختلف، تفقه ١ على أبي حامد الغزالي
وأبي بكر الشاشي والكيا أبي الحسن الهرّاسي، وصار ماهراً في فنونه، وصنف
كتاب (( الوجيز )) في أصول الفقه . ولي التدريس بالمدرسة النظامية ببغداد دون
الشهر ، ومات سنة عشرين وخمسمائة ببغداد ، رحمه الله تعالى .
وبَرْهان : بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وبعد الهاء ألف ونون .
٤٠
النحاس النحوي
أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي النَّحّاس ، النحوي
المصري؛ كان من الفضلاء، وله تصانيف مفيدة منها: ((تفسير القرآن الكريم))
وكتاب ((إعراب القرآن)) وكتاب ((الناسخ والمنسوخ ، وكتاب في النحو اسمه
((التفاحة)) وكتاب في ((الاشتقاق))، و((تفسير أبيات سيبويه))، ولم يسبق
إلى مثله، وكتاب ((أدب الكتّاب)) وكتاب ((الكافي)) في النحو ، وكتاب
٣٩ - ترجمة ابن برهان في طبقات السبكي ٤: ٤٢ والوافي ٧، الورقة: ١٠١ والشذرات ٦١:٤.
١ أ : قرأ .
٤٠ - ترجمة النحاس في انباه الرواة ١: ١٠١ ومعجم الأدباء ٤: ٢٢٤ وبغية الوعاة : ١٥٧
والوافي ٧، الورقة: ١٧٥ والعبر ٢: ٢٤٦ والشذرات ٢: ٣٤٦ وروضات الجنات : ٦٠
والزبيدي: ٢٣٩ ونزهة الألباء : ٢٠١.
٩٩

((المعاني)) وفسر عشرة دواوين وأملاها، وكتاب ((الوقف والابتداء))
صغرى وكبرى، وكتاب في شرح المعلقات السبع١، وكتاب ((طبقات الشعراء))
وغير ذلك ، وروى عن أبي عبد الرحمن النسائي ، وأخذ النحو عن أبي الحسن
علي بن سليمان الأخفش النحوي ، وأبي إسحاق الزَّجّاج ، وابن الأنباري ،
ونِفْطَوَيْه، وأعيان أدباء العراق، وكان قد رحل إليهم من مصر. وكانت فيه
خَساسة وتقتير على نفسه ، وإذا وهب عمامة قطعها ثلاث عمائم بخلاً وشحّاً ،
وكان يلي شراء حوائجه بنفسه ويتحامل فيها على أهل معرفته ، ومع هذا
فكان الناس رغبة كبيرة في الأخذ عنه ، فنفع وأفاد وأخذ عنه خلق كثير .
وتوفي بمصر يوم السبت لخمس خلون من ذي الحجة سنة ثمان وثلاثين وثلثمائة ،
وقيل : سنة سبع وثلاثين ، رحمه الله تعالى ؛ وكان سبب وفاته أنه جلس على
درج المقياس على شاطىء٢ النيل، وهو في أيام زيادته ، وهو يُقَطِّع بالعروض
شيئاً من الشعر، فقال بعض العوام : هذا يَسْحَرُ النيلَ حتى لا يزيد فتغلو
الأسعار٣، فدفعه برجله في النيل ، فلم يوقف له على خبر .
والنحاس - بفتح النون والحاء المشددة المهملة وبعد الألف سين مهملة -
هذه النسبة إلى من يعمل النحاس ، وأهل مصر يقولون لمن يعمل الأواني
الصُّفْرية النَّحّاس.
١ ب : المقدمات التسع .
٢ أ: ساحل .
٣ ج : فيغلو السعر.
١٠٠