Indexed OCR Text
Pages 241-260
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أَرَادَ الِأَنْصِرَافَ .. قَرَّبَ لَهُ سَعْدٌ حِمَاراً وَطَّأَ عَلَيْهِ بِقَطِيفَةٍ ، فَرَكِبَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ سَعْدٌ : يَا فَيْسُ ؛ أَصْحَبْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ قَيْسٌ : فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِرْكَبْ))، فَأَبَيْتُ، فَقَالَ: ((إِمَّا أَنْ تَرْكَبَ، وَإِمَّا أَنْ تَنْصَرِفَ ))، فَأَنْصَرَفْتُ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: ((إِرْكَبْ أَمَامِي ؛ فَصَاحِبُ اٌلْدَّابَةِ أَوْلَى بِمُقَدَّمِهَا » . وَفِي ((أَلْمَوَاهِبٍ)) : (عَنِ الْمُحِبِّ الطَّبَرِيّ: أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ حِمَاراً عُرْياً إِلَى قُبَاءٍ (١)، وَأَبُو هُرَيْرَةَ مَعَهُ، قَالَ: ((يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؛ أَأَحْمِلُكَ؟ ))، قَالَ: مَا شِئْتَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((اِرْكَبْ))، فَوَثَبَ أَبُو هُرَيْرَةَ لِيَرْكَبَ فَلَمْ يَقْدِرْ، فَاسْتَمْسَكَ بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى الهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَوَقَعَا [جَمِيعاً]، ثُمَّ رَكِبَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: ((يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؛ أَأَحْمِلُكَ؟))، قَالَ: مَا شِئْتَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: ((إِرْكَبْ))، فَلَمْ يَقْدِرْ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى ذَلِكَ، فَتَعَلَّقَ بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَوَقَعَا جَمِيعاً ، فَقَالَ: ((يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؛ أَأَحْمِلُكَ؟ ))، فَقَالَ: لَا، وَأَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا رَمَيْتُكُ ثَالِئاً . وَذَكَرَ اُلْطَّبَرِيُّ أَيْضاً : أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ فِي سَفَرٍ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِإِصْلَاحِ شَاةٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ عَلَيَّ ذَبْحُهَا، وَقَالَ آخَرُ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ عَلَيَّ سَلْخُهَا، وَقَالَ آخَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ عَلَيَّ (١) يؤنث ويذكر، ويمدُّ ويقصر، ويُصرف ويمنع، والأَفصح: التذكير والصرف مع المدِّ . ٢٣٨ طَبْخُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((عَلَيَّ جَمْعُ الْخَطَبِ )) ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ نَكْفِيكَ الْعَمَلَ، فَقَالَ: ((قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ تَكْفُونِي، وَلَكِنْ أَكْرَهُ أَنْ أَتَمَيَّرَ عَلَيْكُمْ ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىْ يَكْرَهُ مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يَرَاهُ مُتَمَيِّاً بَيْنَ أَصْحَابِهِ )) ) . وَقَالَ فِي ((الَشِّفَا)) : (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ [قَالَ]: وَفَدَ وَفْدُ النَّجَاشِيِّ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْدُمُهُمْ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: نَكْفِيكَ، قَالَ: ((إِنَّهُمْ كَانُوا لِأَصْحَابِنَا مُكْرِمِينَ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أُكَافِئَهُمْ )) . وَلَمَّا جِيءَ بِأُخْتِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ الشَّيْمَاءِ فِي سَبَايَا هَوَازِنَ، وَتَعَرَّفَتْ لَهُ .. بَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ، وَقَالَ لَهَا: ((إِنْ أَحْبَيْتِ أَقَمْتِ عِنْدِي مُكْرَمَةً مُحَبَّةً، أَوْ مَتَّعْتُكِ وَرَجَعْتِ إِلَى قَوْمِكِ))، فَأَخْتَارَتْ قَوْمَهَا، فَمَتَّعَهَا(١). وَقَالَ أَبُو ◌ٌلْطُّفَيْلِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ(٢): رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى الهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا غُلَامٌ ، إِذْ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ حَتَّى دَنَتْ مِنْهُ، فَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ ، فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: أُّهُ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ . وَعَنْ عَمْرِو بْنِ السَّائِبِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ جَالِساً يَوْماً ، فَأَقْبَلَ أَبُوهُ مِنَ الرِّضَاعَةِ(٣)، فَوَضَعَ لَهُ بَعْضَ ثَوْبِهِ ، فَقَعَدَ (١) أي : أعطاها زاداً ومالاً. (٢) عامر بن واثلة الكناني . (٣) وهو : الحارث بن عبد العزى رضي الله عنه . ٢٣٩ عَلَيْهِ . ثُمَّ أَقْبَلَتْ أُمُّهُ(١) ، فَوَضَعَ لَهَا شِقَّ ثَوْبِهِ مِنْ جَانِبِهِ الْآخَرِ ، فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ. ثُمَّ أَقْبَلَ أَخُوهُ مِنَ الْرِّضَاعَةِ (٢)، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاجْلَسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ . وَكَانَ صَلَّى الهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْعَثُ إِلَى ثُوَيْبَةَ - مَوْلَاةٍ أَبِي لَهَبٍ - مُرْضِعَتِهِ بَصِلَةٍ وَكِسْوَةٍ، فَلَمَّا مَاتَتْ .. سَأَلَ: ((مَنْ بَقِيَ مِنْ قَرَابَتِهَا؟ ))، فَقِيلَ: لَا أَحَدَ ) . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَفْتِحُ وَيَسْتَنْصِرُ بِصَعَالِيكِ الْمُسْلِمِينَ(٣). وَكَانَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبِيدٌ وَإِمَاءٌ ، وَكَان لَا يَرْتَفِعُ عَلَيْهِمْ فِي مَأْكَلٍ وَلَا مَلْبَسٍ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ مَعَ خَدَمِهِ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْلِسُ مَعَ الْفُقَرَاءِ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوَاكِلُ الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ ، وَيَفْلِي ثِيَابَهُمْ(٤). وكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَخْصِفَ نَعْلَهُ(٥) ، وَيَعْمَلُ مَا يَعْمَلُ الرِّجَالُ فِي بُيُوتِهِمْ(٦). (١) أي : حليمة السعدية رضي الله عنها . (٢) وهو : عبد الله بن الحارث بن عبد العزى رضي الله عنهما . (٣) أي : بدعاء فقرائهم لقربه من الإجابة . أي : يزيل ما فيها من القمل . (٤) أي : يخرز طاقاً على طاقٍ . (٥) (٦) من الاشتغال بمهنة الأهل والنفس ؛ إرشاداً للتواضع وترك التكتُّر . ٢٤٠ وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا : أَنَّهُ قِيلَ لَهَا : مَاذَا كَانَ يَعْمَلُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِى بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ بَشَراً مِنَ الْبَشَرِ ، يَفْلِي ثَوْبَهُ ، وَيَحْلُّبُ شَاتَهُ ، وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ . وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْسَعَ النَّاسِ خُلُقاً، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ يَكُونُ أَكْثَرَ عَمَلِهِ فِيهِ الْخِيَاطَةُ، وَكَانَ يَصْنَعُ كَمَا يَصْنَعُ آحَادُ النَّاسِ، يَشِيلُ هَذَا، وَيَحُطُّ هَذَا ، وَيَقُمُّ الْبَيْتَ، وَيُقَطِّعُ اللَّحْمَ ، وَيُعِينُ الْخَادِمَ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْكَبُ الْحِمَارَ، وَيَخْصِفُ النَّعْلَ، وَيَرْقَعُ اُلْقَمِيصَ، وَيَلْبَسُ الصُّوفَ، وَيَقُولُ: ((مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي .. فَلَيْسَ مِنِّي )) . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْقِلُ الْبَعِيرَ، وَيَعْلِفُ نَاضِحَهُ ، وَيَأْكُلُ مَعَ اُلْخَادِمِ ، وَيَعْجِنُ مَعَهَا، وَيَحْمِلُ بِضَاعَتَهُ مِنَ الْسُّوقِ . وَ( الْنَّاضِحُ): الْبَعِيرُ يُسْتَقَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ بَعِيرٍ . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: دَخَلْتُ اٌلْشُّوقَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَشْتَرَى سَرَاوِيلَ وَأَخَذَهُ، فَذَهَبْتُ لِأَحْمِلَهُ ، فَقَالَ: ((صَاحِبُ الشَّيْءٍ أَحَقُّ بِشَيْئِهِ أَنْ يَحْمِلَهُ )). وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: وَكَانُوا إِذَا رَأَوْهُ .. لَمْ يَقُومُوا ؛ لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ . ٢٤١ وَأَمَّا جُلُوسُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَعَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ رَضِيَ الهُ [تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْقَرَ النَّاسِ فِي مَجْلِسِهِ ؛ لَا يَكَادُ يُخْرِجُ شَيْئاً مِنْ أَطْرَافِهِ (١). وَكَانَ مَجْلِسُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجْلِسَ حِلْمٍ وَحَيَاءٍ، وَأَمَانَةٍ وَصِيَانَةٍ ، وَصَبْرٍ وَسَكِينَةٍ ، لَا تُرْفَعُ فِيهِ الْأَصْوَاتُ ، وَلَا تُؤْبَنُ فِيهِ الْحُرَمُ ، يَتَعَاطَفُونَ فِيهِ بِالتَّقْوَىُ، وَيَتَوَاضَعُونَ، وَيُوَقَّرُ اُلْكِبَارُ، وَيُرْحَمُ الْصِّغَارُ، وَيُؤْثِرُونَ الْمُحْتَاجَ ، وَيَحْفَظُونَ الْغَرِيبَ، وَيَخْرُجُونَ أَدِلَّةً عَلَى الْخَيْرِ . قَوْلُهُ: (لَا تُؤْبَنُ فِيهِ الْحُرَمُ ) أَيْ : لَا تُذْكَرُ فِيهِ الْنِّسَاءُ بِقَبِيحِ ، وَيُصَانُ مَجْلِسُهُ عَنِ الرَّفَثِ ، وَمَا يَقْبُحُ ذِكْرُهُ . وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْلِسُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ كَأَنَّهُ أَحَدُهُمْ ، فَأْتِي الْغَرِيبُ فَلاَ يَدْرِي أَيَّهُمْ هُوَ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْهُ . فَطَلَبَ أَصْحَابُهُ مِنْهُ أَنْ يَجْلِسَ مَجْلِساً رَفِيعاً لِيَعْرِفَهُ الْغَرِيبُ فَقَالَ: ((أَفْعَلُوا مَا بَدَا لَكُمْ )) ، فَبَنَوْا لَهُ دُكَّاناً مِنْ طِينٍ ، فَكَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهَا . وَ( الْدُّكَّانُ) - كَالدَّكَّةِ -: اَلْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ يُجْلَسُ عَلَيْهِ، وَهُوَ اُلْمِسْطَبَةُ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَلَسَ .. جَلَسَ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ حِلَقاً حِلَقاً . وَكَان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَتَنَجَّمُ نُخَامَةً إِلَّ وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْ (١) أي : أطراف بدنه ؛ كرجليه . ٢٤٢ أَصْحَابِهِ ، فَيَدْلُكُ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ. وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا تَوَضَّأَ .. كَادُوا يَقْتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ ، أَىِ : أَلْمَاءِ الَّذِي يَتَوَضَّأُ بِهِ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا تَكَلَّمُوا عِنْدَهُ .. يَخْفِضُونَ أَصْوَاتَهُمْ، وَإِذا نَظَرُوا إِلَيْهِ .. لَا يُحِدُّونَ النَّظَرَ ؛ تَعْظِيماً لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّلُ(١) أَصْحَابَهُ بِالْمَوْعِظَةِ . وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ .. احْتَبَى بِيَدَيْهِ . قَوْلُهُ: ( أَحْتَبَى ) أَلِأَحْتِبَاءُ: أَنْ يَجْلِسَ عَلَىْ أَلْيَيْهِ وَيَضُمَّ رِجْلَيْهِ إِلَى بَطْنِهِ بِنَحْوٍ عِمَامَةٍ يَشُدُّهَا عَلَيْهِمَا وَعَلَى ظَهْرِهِ . وَ( الْيَدَانِ ) بَدَلٌ عَمَّا يَحْتَبِي بِهِ ؛ مِنْ نَحْوِ عِمَامَةٍ . وَكَانَ أَكْثَرُ جُلُوسِهِ : أَنْ يَنْصُبَ سَاقَيْهِ جَمِيعاً، وَيُمْسِكَ بِيَدَيْهِ عَلَيْهِمَا شِبْهَ الْخُبْوَةِ . وَكَانَ لَا يُعْرَفُ مَجْلِسُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَجَالِسٍ أَصْحَابِهِ ؛ لأَنَّهُ كَانَ حَيْثُ أَنْتُهَى بِهِ الْمَجْلِسُ جَلَسَ . وَمَا رُئِّيَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطُ مَادّاً رِجْلَيْهِ يُضَيِّقُ بِهِمَا عَلَى أَصْحَابِهِ ؛ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَكَانُ وَاسِعاً . وَكَانَ أَكْثَرُ جُلُوسِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْقِبْلَةِ . وَعَنْ قَيْلَةَ بِنْتِ مَخْرَمَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا : أَنَّهَا رَأَتْ رَسُولَ اللهِ (١) أي : يتعهد أصحابه بالنصائح المفيدة ؛ حيناً بعد حين ؛ مخافة السآمة عليهم . ٢٤٣ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ، وَهُوَ قَاعِدٌ أَلْقُرْفُصَاءَ ، قَالَتْ : فَلَمَّا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَخَشِّعَ فِي الْجِلْسَةِ .. أُرْعِدْتُ مِنَ اٌلْفَرَقِ . قَوْلُهُ: (الْقُرْفُصَاءَ ) هِيَ: أَنْ يَجْلِسَ عَلَى أَلْبَيْهِ، وَيُلْصِقَ فَخِذَيْهِ بِبَطْنِهِ ، وَيَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى سَاقَيْهِ، وَهِيَ: جِلْسَةُ الْمُحْتَبِي. وَقِيلَ : أَنْ يَجْلِسَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ مُنْكَبّاً ، وَيُلْصِقَ بَطْنَهُ بِفَخِذَيْهِ ، وَيَتَأَبَطَ كَفَّيْهِ . وَ( الْفَرَقُ) : الْخَوْفُ. وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أُتِيَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ فَأُرْعِدَ مِنْ هَيْبَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((هَوِّنْ عَلَيْكَ ، فَلَسْتُ بِمَلِكِ، إِنَّمَا أَنَا أَبْنُ أَمْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشِ تَأْكُلُ اَلْقَدِيدَ )) ، فَنَطَقَ الرَّجُلُ بِحَاجَتِهِ ، فَقَامَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ ؛ إِنِّي أُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا، أَلَا فَتَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ ، وَلَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَاناً » . وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَلْقِياً فِي الْمَسْجِدِ ، وَاضِعاً إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَىُ. وَرَوَىْ أَبُو دَاوُودَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ .. تَرَبَّعَ فِي مَجْلِسِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسْنَاءَ ؛ أَيْ : بَيْضَاءَ نَقِيَّةً . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ إِلَّا قَالَ: (( سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ))، وَقَالَ : ٢٤٤ (( لَا يَقُولُهُنَّ أَحَدٌ حَيْثُ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسِهِ . . إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ)). وكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَلَسَ مَجْلِساً ، فَأَرَادَ أَنْ يَقُومَ .. أُسْتَغْفَرَ عَشْراً إِلَى خَمْسَ عَشْرَةَ ، وَرَوى أَبْنُ السُّنِّيِّ: عِشْرِينَ مَرَّةً. وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَنْصَرَفَ .. أَنْحَرَفَ بِجَانِبِهِ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ .. أنَّكَأَ عَلَى إِحْدَى يَدَيْهِ . وَأَمَّا أَتَّكَاءُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَكِئاً عَلَى وِسَادَةٍ عَلَى يَسَارِهِ . وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ الهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَلَا أُحَدِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ )) ، قالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((الْإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ)) ، قَالَ: وَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ مُتَكِئاً - قَالَ: ((وَشَهَادَةُ الزُّورِ ))؛ أَوْ: ((قَوْلُ الزُّورِ)). قَالَ: فَمَا زَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ . ٢٤٥ الفَضْكُ السَّادِسُ فرعن صفى الله عليه وسلم . عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: مَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئاً قَطُّ فَقَالَ: (لَا). وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُسْأَلُ شَيْئاً إِلَّا أَعْطَاهُ ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَى قُوتِ عَامِهِ فَيُؤْثِرُ مِنْهُ، حَتَّى لَرُبَّمَا أَحْتَاجَ قَبْلَ أَنْقِضَاءِ أَلْعَامِ إِنْ لَمْ يَأْتِهِ شَيْءٌ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَكَادُ يُسْأَلُ شَيْئاً إِلَّا فَعَلَهُ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَكَادُ يَقُولُ لِشَيْءٍ : (لَا)، فَإِذَا هُوَ سُئِلَ فَأَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ .. قَالَ: (نَعَمْ). وَإِن لَّمْ يُرِدْ أَنْ يَفْعَلَ .. سَكَتَ . وَعَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ بِأَلْخَيْرِ ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ فَيَأْتِيهِ جِبْرِيلُ فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ ، فَإِذَا لَقِيَهُ حِبْرِيلُ .. كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ . وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى الّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( مَا عِنْدِي شَيْءٌ، وَلَكِنِ ابْتَعْ عَلَيَّ؛ فَإِذَا جَاءَنِي شَيْءٌ . . قَضَيْتُهُ)). فَقَالَ ٢٤٦ * عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ [قَدْ أَعْطَيْتَهُ]، فَمَا كَلَّفَكَ اللهُ مَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ . فَكَرِهَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلَ عُمَرَ . فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ أَنْفِقْ وَلَا تَخَفْ مِنْ ذِي اُلْعَرْشِ إِقْلَالاً . فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعُرِفَ فِي وَجْهِهِ الْبِشْرُ لِقَوْلِ اُلْأَنْصَارِيِّ، ثُمَّ قَالَ: ((بِهَذَا أُمِرْتُ)) . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَاءَهُ مَالٌ .. لَمْ يُبِتْهُ، وَلَمْ يُقَيِّلْهُ؛ أَيْ : إِذَا جَاءَهُ آخِرَ النَّهَارِ .. لَمْ يُمْسِكْهُ إِلَى اللَّيْلِ ، أَوْ أَوَّلَ النَّهَارِ .. لَمْ يُمْسِكْهُ إِلَى وَقْتِ الْقَيْلُولَةِ ، بَلْ يُعَجِّلُ قِسْمَتَهُ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْخَى النَّاسِ ، لَا يَبِيتُ عِنْدَهُ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ ، وَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُعْطِيهِ لَهُ، وَفَجَأَهُ اللَّيْلُ .. لَمْ يَأْوِ إِلَى مَنْزِلِهِ حَتَّى يَبْرَأَ مِنْهُ إِلَى مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ . وَأَتَاهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ، فَأَعْطَاهُ غَنَماً سَدَّتْ مَا بَيْنَ جَبَلَيْنِ ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ وَقَالَ: أَسْلِمُوا، فَإِنَّ مُحَمَّداً يُعْطِي عَطَاءَ مَنْ لَا يَخْشَى أَلْفَقْرَ . وَأَعْطَى [صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَا غَيْرَ وَاحِدٍ مِنَّةً مِنَ اْإِبِلِ . وَأَعْطَى [صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَا صَفْوَانَ مِنَّةً ثُمَّ مِئَةً ثُمَّ مِتَةً . وَهَذِهِ كَانَتْ حَالَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ، وَقَدْ قَالَ لَهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلِ : إِنَّكَ تَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَكْسِبُ اَلْمَعْدُومَ، وَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ ٢٤٧ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: أَبْشِرْ؛ فَوَاَللهِ لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَداً، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي اٌلْضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبٍ أُلْحَقِّ . وَ( الْكَلُّ ) هُنَا: الثِّقَلُ مِنْ كُلِّ مَا يُتَكَلَّفُ؛ كَمَا فِي (( لِسَانِ أَلْعَرَبِ)). وَأَعْطَى [صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] الْعَبَّاسَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ مَا لَمْ يُطِقْ حَمْلَهُ . وَحُمِلَ إِلَيْهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَا تِسْعُونَ أَلْفَ دِرْهَمِ ، فَوُضِعَتْ عَلَى حَصِيرٍ ، ثُمَّ قَامَ إِلَيْهَا يَقْسِمُهَا، فَمَا رَدَّ سَائِلاً حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا . وَلَمَّا قَفَلَ [صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] مِنْ حُنَيْنِ وَجَاءَتِ الْأَعْرَابُ يَسْأَلُونَهُ حَتَّى أَضْطَرُّوهُ إِلَى شَجَرَةٍ فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ ، فَوَقَفَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: ((أَعْطُونِي رِدَائِي؛ لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاءِ نَعَماً .. لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلاً ، وَلَا كَذَّاباً ، وَلَا جَبَاناً )) . وَ( الْعِضَاهُ): شَجَرٌ لَهُ شَوْكٌ، وَأَحِدُهَا: عِضَاهَةٌ. وَرَدَّ [صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عَلَى هَوَازِنَ سَبَايَاهَا، وَكَانُوا سِتَّةَ آلَافٍ . وَفِي (( أَلْمَوَاهِبِ )) : ( ذَكَرَ أَبْنُ فَارِسٍ فِي كِتَابِهِ فِي ((أَسْمَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )) (١): أَنَّهُ فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ جَاءَتْهُ أَمْرَأَةٌ ؛ فَأَنْشَدَتْ شِعْراً تُذَكِّرُهُ أَيَامَ رَضَاعَتِهِ فِي هَوَازِنَ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ مَا أَخَذَ وَأَعْطَاهُمْ عَطَاءَ كَثِيراً حَتَّى قُوَّمَ مَا أَعْطَاهُمْ ذَلِكَ أَلْيَوْمَ ، فَكَانَ خَمْسَ مِئَةٍ أَلْفِ أَلْفٍ . (١) أي : كتابه المؤلّف في ذكر أسماء النبي صلَّى الله عليه وسلَّم . ٢٤٨ قَالَ أَبْنُ دَحْيَةَ : وَهَذَا نِهَايَةُ الْجُودِ أَلَّذِي لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ فِي الْوُجُودِ ). وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ [تَعَالَىْ] عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِبُ عَلَيْهَا . وأَتَتْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آَمْرَأَةٌ بِبُرْدَةٍ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ أَكْسُوكَ هَذِهِ؟ فَأَخَذَهَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْتَاجاً إِلَيْهَا، فَلَبِسَهَا، فَرَآهَا عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ مَا أَحْسَنَ هَذِهِ! فَأَكْسُنِيهَا ، فَقَالَ: ((نَعَمْ))، فَلَمَّا قَامَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .. لَامَهُ أَصْحَابُهُ، وَقَالُوا: مَا أَحْسَنْتَ حِينَ رَأَيْتَ النَّبِيَّ صَلَّى الهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَهَا مُحْتَاجاً إِلَيْهَا، ثُمَّ سَأَلْتُهُ إِيَّاهَا، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ لَا يُسْأَلُ شَيْئاً فَيَمْنَعُهُ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحِيماً، وَكَانَ لَا يَأْتِيهِ أَحَدٌ إِلَّا وَعَدَهُ وَأَنْجَزَ لَهُ؛ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ . وَأَمَّا شَجَاعَةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَقَدْ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْجَدَ النَّاسِ وَأَشْجَعَهُمْ . قالَ عَلِيِّ رَضِيَ الهُ تَعَالَى عَنْهُ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ بَدْرٍ وَنَحْنُ ثَلُوذُ بِالنَبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ [أَقْرَبُ] إِلَى الْعَدُوِّ. وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ بَأْساً . وَقَالَ أَيْضاً [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ]: كُنَّا إِذَا حَمِيَ (١) الْبَأْسُ وَلَقِيَ أَلْقُومُ (١) في نسخة : احمرَّ . ٢٤٩ اُلْقَوْمَ .. أَتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا يَكُونُ أَحَدٌ أَقْرَبَ إِلَى اُلْعَدُوِّ مِنْهُ . وَقِيلَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَلِيلَ الْكَلَامِ ، قَلِيلَ اُلْحَدِيثِ ، فَإِذَا أَمَرَ النَّاسَ بِالْقِتَالِ .. تَشَمَّرَ . وَكَانَ [صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَأْساً، وَكَانَ الشُّجَاعُ هُوَ الَّذِي يَقْرُبُ مِنْهُ فِي الْحَرْبِ ؛ لِقُرْبِهِ مِنَ الْعَدُوِّ . وَقَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: مَا لَقِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتِبَةً إِلَّا كَانَ أَوَّلَ مَنْ يَضْرِبُ . وَقَالُوا : وَكَانَ قَوِيَّ الْبَطْشِ. وَلَمَّا غَشِيَهُ الْمُشْرِكُونَ .. نَزَلَ عَنْ بَغْلَتِهِ، فَجَعَلَ يَقُولُ : (( أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ)) ، فَمَا رُئِيَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ أَشَدَّ مِنْهُ . وَسَأَلَ رَجُلٌ الْبَرَاءَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَفَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟! قَالَ: نَعَمْ، لَكِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفِرَّ ، كَانَ هَوَازِنُ رُمَاةً ، وَإِنَّا لَمَّا حَمَلْنَا عَلَيْهِمُ أَنْكَشَفُوا ؛ فَأَكْبَيْنَا عَلَى الْغَنَائِمِ ، فَاسْتَقْبَلَتْنَا بِآلْسِّهَامِ . ثُمَّ قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ - وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ آَخِذٌ بِجَامِهَا - وَهُوَ يَقُولُ: ((أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا أَبْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ))، فَمَا رُئِيَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْهُ . وَعَنِ الْعَبَّاسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: لَمَّا أُلْتَّقَى الْمُسْلِمُونَ وَأَلْكُفَّارُ .. وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ ٢٥٠ وَسَلَّمَ يُرَكِّضُ بَغْلَتَهُ نَحْوَ الْكُفَّارِ، وَأَنَا آخِذٌ بِلِجَامِهَا أَكُفُّهَا إِرَادَةَ أَنْ لَا تُسْرِعَ ، وَأَبُو سُفْيَانَ آخِذٌ بِرِكَابِهِ . وَقَدْ كَانَ أُبِيُّ بْنُ خَلَفٍ يَقُولُ لِلْنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَفْتَدَىُ يَوْمَ بَدْرٍ : عِنْدِي فَرَسٌ أَعْلِفُهَا كُلَّ يَوْمٍ فَرَقاً مِنْ ذُرَةٍ أَقْتُلُكَ عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَنَا أَقْتُلُكَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى)). فَلَمَّا رَآهُ يَوْمَ أُحُدٍ شَدَّ أُبَيٌّ عَلَى فَرَسِهِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَعْتَرَضَهُ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَكَذَا؛ أَيْ: خَلُّوا طَرِيقَهُ، وَتَنَاوَلَ الْحَرْبَةَ مِنَ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ]؛ فَأَنْتَفَضَ بِهَا أَنْتِفَاضَةً تَطَايَرُوا عَنْهُ تَطَايُرَ الشَّعْرَاءِ عَنْ ظَهْرِ الْبَعِيرِ إِذَا أَنْتَفَضَ . ثُمَّ أَسْتَقْبَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى الهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَطَعَنَهُ فِي عُنُقِهِ طَعْنَةٌ تَدَأْدَأَ مِنْهَا عَنْ فَرَسِهِ مِرَاراً - وَقِيلَ: بَلْ كَسَرَ ضِلْعاً مِنْ أَضْلَاعِهِ - فَرَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ يَقُولُ : قَتَلَنِي مُحَمَّدٌ . وَهُمْ يَقُولُونَ : لَا بَأْسَ بِكَ . فَقَالَ: لَوْ كَانَ مَا بِي بِجَمِيعِ النَّاسِ لَقَتَلَهُمْ، أَلَيْسَ قَدْ قَالَ: (( أَنَا أَقْتُلُكَ )) ؟! وَاللهِ لَوْ بَصَقَ عَلَيَّ .. لَقَتَنِي. فَمَاتَ بِسَرِفَ فِي قُفُولِهِمْ إِلَى مَكَّةَ . وَ( الْفَرَقُ): مِكْيَالٌ يَسَعُ [سِتَّةَ عَشَرَا رِطْلاً؛ كُلُّ رِطْلٍ مِئَةٌ وَثَلَاثُونَ دِرْهَماً(١). وَ( الْشَّعْرَاءُ ): ذُبَابٌ أَحْمَرُ - وَقِيلَ: أَزْرَقُ - يَقَعْ عَلَى الْإِبِلِ فَيُؤْذِيهَا أَذَىَ شَدِيداً . (١) أي أن الفرق يعادل (٦٥٠٠) غراماً. أما الدرهم فيعادل (٣,١٢٥) غراماً . ٢٥١ وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ. وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ ، فَأَنْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَأَسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ، وَهُوَ يَقُولُ: ((لَنْ تُرَاعُوا .. لَنْ تُرَاعُوا )) ، وَهُوَ عَلَىْ فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْىٍ، مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ ، وَالسَّيْفُ فِي عُنُقِهِ ، فَقَالَ: ((لَقَدْ وَجَدْتُهُ بَحْراً)). وَهَذَا الْفَرَسُ اسْمُهُ : ( أُلْمَنْدُوبُ ). وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: إِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَزِعُوا مَرَّةً، فَرَكِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَساً لِأَبِي طَلْحَةَ كَانَ يَقْطُّفُ، فَلَمَّا رَجَعَ . . قَالَ: ((وَجَدْنَا فَرَسَكُمْ هَذَا بَحْراً)) ، فَكَانَ بَعْدُ لَا يُجَارَىُ . قَوْلُهُ ( بَحْراً ) الْبَحْرُ : الْفَرَسُ الْجَوَادُ الْوَاسِعُ الْجَرْىِ . وَ( يَقْطُفُ ) : يُقَالُ قَطَفَ الْفَرَسُ فِي مَشْبِهِ: إِذَا تَضَايَقَ خَطْوُهُ . وَ( الْقَطُوفُ مِنَ الذَّوَابِّ وَغَيْرِهَا ) : أَلْبَطِيءُ . ٢٥٢ الْبَّابُ السَّادِسُ فِي صِفَةِ عِبَادَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَلَاتِهِ ، وَصَوْمِهِ ، وَقِرَاءَتِهِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ . الفَضْكُ الأولُ فى صفة عبادته صفى الله عليه وسلم وصلات قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَنَا أَتْقَاكُمْ لِلِهِ تَعَالَىْ، وَأَشَدُّكُمْ لَهُ خَشْيَةً » . وَفِي ((صَحِيحِ اَلْبُخَارِيِّ)): ((إِنِّي لَأَعْلَمُكُمْ بِاللهِ، وَأَشَدُكُمْ لَهُ خَشْيَةً )). وَفِيهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ [تَعَالَى] عَنْهُ: ((لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ .. لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً » . وَفِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ )»: عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ [ْتَعَالَى] عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((وَأَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ .. لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً)). قَالُوا: وَمَا رَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ )). وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَا: صَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَنْتَفَخَتْ قَدَمَاهُ ، فَقِيلَ لَهُ : أَتَتَكَلَّفُ هَذَا وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟! قَالَ: ((أَفَلَا أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً ؟!)). ٢٥٥ قَالَ الْبَاجُورِيُّ: (وَأَسْتُشْكِلَ هَذَا قَدِيماً وَحَدِيثاً .. بِأَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا ذَنْبَ عَلَيْهِ ؛ لِكَوْنِهِ مَعْصُوماً . وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ : أَنَّهُ مِنْ بَابِ ( حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ .. سَيِّئَاتُ اَلْمُقَرَّبِينَ )، إِذِ الْإِنْسَانُ لَا يَخْلُو عَنْ تَقْصِيرِ، مِنْ حَيْثُ ضَعْفُ الْعُبُودِيَّةِ مَعَ عَظَمَةِ الرُّبُوِيَّةِ ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَعْلَى الْمَقَامَاتِ وَأَرْفَع اُلْذَّرَجَاتٍ فِي عِبَادَاتِهِ وَطَاعَاتِهِ . وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( سَبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ )). وَلِذَلِكَ قِيلَ : الْمَغْفِرَةُ قِسْمَانِ : مَغْفِرَةٌ لِلْعَوَامِّ ، وَهِيَ : مُسَامَحَتُهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ . وَمَغْفِرَةٌ لِلْخَوَاصِّ، وَهِيَ : مُسَامَحَتُهُمْ مِنَ التَّقْصِيرِ ) اهـ وَعَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزْيدَ [رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى] قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّيْلِ فَقَالَتْ : كَانَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، ثُمَّ يَقُومُ، فَإِذَا كَانَ مِنَ السَّحَرِ .. أَوْتَرَ ، ثُمَّ أَتَى فِرَاشَهُ ، فَإِذَا كَانَ لَهُ حَاجَةٌ .. أَلَمَّ بِأَهْلِهِ ، فَإِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ .. وَثَبَ ، فَإِنْ كَانَ جُنُباً .. أَفَاضَ عَلَيْهِ مِنَ أَلْمَاءِ، وَإِلَّا .. تَوَضَّأَ وَخَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ. وَعَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ أُمِّ اَلْمُؤْمِنِينَ وَهِيَ خَالَتْهُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَ : فَأَضْطَجَعْتُ فِي عَرْضٍ اَلْوِسَادَةِ، وَأَضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى إِذَا أَنْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ ، ٢٥٦ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ . . فَأَسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ أَلْآيَاتِ الْخَوَاتِيمَ مِنْ سُورَةِ ( آلِ عِمْرَانَ ) ؛ أَيْ : الَّتِي أَوَّلُهَا: ﴿ إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنِّ مُعَلَّقٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي . قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسِ : فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ أَلْيُمْنَى عَلَى رَأْسِيَ، ثُمَّ أَخَذَ بِأُذُنِي أَلْيُمْنَى فَفَتَلَهَا - وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَخَذَ بِأُذُنِي؛ فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ - فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ( سِتَّ مَرَّاتٍ ) ، ثُمَّ أَوْتَرَ ، ثُمَّ أَضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ . وَفِي ((الصَّحِيحِ)): عَنْ أَنَسِ [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ]: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضاً (١) [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ]؛ قَالَ: كَانَ النَِّيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً. وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا لَمْ يُصَلِّ بِاللَّيْلِ؛ مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ النَّوْمُ، أَوْ غَبَتْهُ عَيْنَاهُ . . صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِثْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً . (١) غير مناسب الإتيان به هنا بعد حديث أنس ، إذ يوهم أن حديث أنس من حديث ابن عباس ، ومحل الحديث - والله أعلم - بعد حديث بيتوتته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند ميمونة رضي الله تعالى عنها . ٢٥٧