Indexed OCR Text
Pages 101-120
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبْنَةً لَهُ صَغِيرَةً(١) تَقْضِي (٢) ، فَأَحْتَضَنَهَا فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَمَاتَتْ وَهِيَ بَيْنَ يَدَيْهِ (٣) وَصَاحَتْ أُمُّ أَيْمَنَ ، فَقَالَ : - يَعْنِي : النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ((أَتَبْكِينَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ؟!)). أَيْ: بُكَاءً مَحْظُوراً مُقْتَرِناً بِالصِّيَاحِ دَالاً عَلَى الْجَزَعِ. فَقَالَتْ: أَلَسْتُ أَرَاكَ تَبْكِي ؟ قَالَ: ((إِنِّي لَسْتُ أَنْكِي، إِنَّمَا هِيَ رَحْمَةٌ ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ بِكُلِّ خَيْرٍ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، إِنَّ نَفْسَهُ تُنْزَعُ مِنْ بَيْنِ جَنْبَيْهِ ، وَهُوَ يَحْمَدُ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ )) . وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: شَهِدْنَا أَبْنَةٌ (٤) لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَسُولُ اللهِ جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ، فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ . وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبَّلَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ ، وَهُوَ مَيِّتٌ ، وَهُوَ يَبْكِي. هُوَ أَخُوهُ مِنَ الْرَّضَاعَةِ (٥) . وَكَانَتْ عَيْنَاهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرَةَ الدُّمُوعِ وَالْهَمَلَانِ . وَكَسَفَتِ الشَّمْسُ مَرَّةً، فَجَعَلَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْكِي فِي الصَّلَاةِ (١) وهي : بنت بنته زينب، وأسمها : أمامة . (٢) تشرف على الموت . أشرفت على الموت ، ولم تمت حينئذٍ ، بل عاشت بعده صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى (٣) تزوجها علي بن أبي طالب ، ومات - رضي الله عنه - عنها . (٤) وهي : أم كلثوم رضي الله عنها . (٥) وهذه الجملة من قول المصنف رحمه الله . ٩٨ وَيَنْفُخُ ، وَيَقُولُ : ((يَا رَبِّ؛ أَلَمْ تَعِدْنِي أَنْ لَا تُعَذِّبَهُمْ وَأَنَا فِيهِمْ، وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَكَ؟ وَنَحْنُ نَسْتَغْفِرُكَ يَا رَبِّ)). وَأَمَّا عُطَاسُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَقَدْ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَطَسَ .. وَضَعَ يَدَهُ أَوْ ثَوْبَهُ عَلَى فِيهِ ، وَخَفَضَ بِهَا صَوْتَهُ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَطَسَ .. حَمِدَ اللهَ، فَيُقَالُ لَهُ : يَرْحَمُكَ اللهُ، فَيَقُولُ: ((يَهْدِيكُمُ اللهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ )) . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهُ الْعَطْسَةَ الشَّدِيدَةَ فِي الْمَسْجِدِ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهُ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالْعُطَاسِ . أَمَّا الْتَّثَاؤُبُ : فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهُهُ مِنْ غَيْرِهِ ، وَقَدْ حَفِظَهُ اللهُ تَعَالَى مِنْهُ ، وَمَا تَشَاءَبَ نَبِيٌّ قَطُ . ٩٩ الفَضْكِ التَّاسِع صفة كلامن صفى الشغل ولم و عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْرُدُ كَسَرْدِكُمْ هَذَا، وَلَكِنْ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ بَيِّنِ فَصْلٍ ، يَحْفَظُهُ مَنْ جَلَسَ إِلَيْهِ . وَكَانَ فِي كَلَامِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْتِيلٌ . وَكَانَ كَلَامُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْفَظُهُ كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ . . أَعَادَهَا ثَلَاثاً حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ .. سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثاً . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَلَسَ يَتَحَدَّثُ .. يُكْثِرُ أَنْ يَرْفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ. وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ حَدِيثاً ، لَوْ عَدَّهُ أَلْعَادُ .. لَأَحْصَاهُ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَوِيلَ الصَّمْتِ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرَ اٌلْسُّكُوتِ ، لَا يَتَكَلَّمُ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ ، وَيُعْرِضُ عَمَّنْ تَكَلَّمَ بِغَيْرِ جَمِيلٍ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْزُنُ لِسَانَهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ. ١٠٠ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزْرَ الْكَلَامِ، سَمْحَ الْمَقَالَةِ، يُعِيدُ الْكَلَامَ مَرَّتَيْنِ لِيُفْهَمَ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلَامُهُ كَخَرَزَاتِ اٌلْنَّظْمِ . وَكَانَ يُعْرِضُ عَنْ كُلِّ كَلَامٍ قَبِيحٍ ، وَيَكْنِي عَنِ الْأُمُورِ الْمُسْتَقْبَحَةِ فِي اُلْعُرْفِ إِذَا أَضْطَرَّهُ الْكَلَامُ إِلَى ذِكْرِهَا . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ اللهَ تَعَالَى بَيْنَ كُلِّ خَطْوَتَيْنِ . ١٠١ الفَضْكَ الُ شُ فى صفح قوة صلى الله عليه وسلم كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَدِيدَ الْبَطْشِ. وَعَنِ أَبْنِ إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِ : أَنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ رَجُلٌ شَدِيدُ الْقُوَّةِ يُحْسِنُ الصِّرَاعَ، وَكَانَ النَّاسُ يَأْتُونَهُ مِنَ الْبِلَادِ لِلْمُصَارَعَةِ فَيَصْرَعُهُمْ، فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ يَوْمِ فِي شِعْبٍ مِنْ شِعَابِ مَكَّةَ إِذْ لَقِيَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ: ((يَا رُكَانَةُ؛ أَلَا تَتَّقِ اللهَ وَتَقْبَلُ مَا أَدْعُوكَ إِلَيْهِ؟)) . فَقَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ ؛ هَلْ مِنْ شَاهِدٍ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِكَ؟ فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكَ إِنْ صَرَعْتُكَ، أَتُؤْمِنُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ؟)) . قَالَ : نَعَمْ يَا مُحَمَّدُ . فَقَالَ لَهُ: «تَهَيَأْ لِلْمُصَارَعَةِ ». فَقَالَ : تَهَيَأْتُ . فَدَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَهُ ، ثُمَّ صَرَعَهُ . قَالَ: فَتَعَجَّبَ رُكَانَهُ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ سَأَلَهُ الْإِقَالَةَ وَالْعَوْدَ ، فَفَعَلَ بِهِ ثَانِياً وَثَالِثاً ، فَوَقَفَ رُكَانَةُ مُتَعَجِّباً ، وَقَالَ : إِنَّ شَأْنَكَ لَعَجِيبٌ . وَقَدْ صَارَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَاعَةً غَيْرَ رُكَانَةَ، مِنْهُمْ أَبُو ١٠٢ اَلْأَسْوَدِ الْجُمَحِيُّ، وَكَانَ شَدِيداً، بَلَغَ مِنْ شِدَّتِهِ أَنَّهُ كَانَ يَقِفُ عَلَىْ جِلْدِ الْبَقَرَةِ، وَيَتَجَاذَبُ أَطْرَافَهُ عَشَرَةٌ لِيَنْزِعُوهُ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ، فَيَتَفَرَّى اُلْجِلْدُ(١)، وَلَمْ يَتَزَحْزَعْ عَنْهُ، فَدَعَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُصَارَعَةِ، وَقَالَ: إِنْ صَرَعْتَنِي .. آمَنْتُ بِكَ، فَصَرَعَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُؤْمِنْ . وَأَمَّا قُوَّةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْجِمَاعِ : فَقَدْ قَالَ أَنَسَرٌ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: إِنَّهُ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ؛ وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ . وَأَخْرَجَ أَبْنُ مَنِيعِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَطُوفُ عَلَى تِسْعِ نِسْوَةٍ فِي ضَحْوَةٍ . وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ مَرْفُوعاً: (( أَتَانِي جِبْرِيلُ بِقِدْرٍ فَأَكَلْتُ مِنْهَا ، فَأُعْطِيتُ قُوَّةً أَرْبَعِينَ رَجُلاً فِي الْجِمَاعِ » . وَعَنْ طَاؤُوسٍ وَمُجَاهِدٍ: أُعْطِيَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُوَّةَ أَرْبَعِينَ رَجُلاً فِي الْجِمَاعِ . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : قُوَّةَ بِضْعِ وَأَرْبَعَيْنَ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ . وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَفَعَهُ : ((إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَيُعْطَى قُوَّةَ مِنَّةٍ فِي اُلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ وَالشَّهْرَةِ » . (١) يتفرَّى : ينشقُّ ويتقطَّعُ . ١٠٣ الْبَابُ الثَّالِثُ فِي صِفَةِ لِبَاسِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِرَاشِهِ وَسِلَاحِهِ وَفِيهِ سِنَّهُ فُصُولٍ الْفَضْك الأوْلُ "ليامن صلى الله عطيف ل وإزار ورواء القهوة وعمامة وكوها قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي ((الشِّفَا)): ( أُنْظُرْ سِيرَةَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلُقَهُ فِي الْمَالِ .. تَجِدْهُ قَدْ أُوتِيَ خَزَائِنَ اْأَرْضِ وَمَفَاتِيحَ أَلْبِلَادِ، وَأُحِلَّتْ لَهُ الْغَنَائِمُ؛ وَلَمْ تَحِلَّ لِنَبِيِّ قَبْلَهُ ، وَفُتِحَ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَادُ الْحِجَازِ وَالْيَمَنُّ وَجَمِيعُ جَزِيرَةٍ اَلْعَرَبِ وَمَا دَانَى ذَلِكَ مِنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، وَجُلِبَ إِلَيْهِ مِنْ أَخْمَاسِهَا وَجِزْيَتِهَا وَصَدَقَاتِهَا مَا لَا يُجْبَى لِلْمُلُوكِ إِلَّا بَعْضُهُ، وَهَادَنَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ مُلُوكِ الْأَقَالِيمِ فَمَا أَسْتَأْثَرَ بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَلَا أَمْسَكَ مِنْهُ دِرْهَماً ، بَلْ صَرَفَهُ فِي مَصَارِفِهِ، وَأَغْنَى بِهِ غَيْرَهُ، وَقَوَّى بِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ: ((مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِيْ أَحُداً ذَهَباً يَبِيتُ عِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ، إِلَّا دِينَاراً أَرْصُدُهُ لِدَيْنِ)) . وَأَتَتْهُ دَنَانِيرُ مَرَّةٌ ، فَقَسَمَهَا ، وَبَقِيَتْ مِنْهَا بَقِيَّةٌ ، فَدَفَعَهَا لِبَعْضِ نِسَائِهِ ، فَلَمْ يَأْخُذْهُ نَوْمٌ حَتَّى قَامَ وَقَسَمَهَا ، وَقَالَ: ((الْآنَ أَسْتَرَحْتُ)). وَمَاتَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ فِي نَفَقَةِ عِيَالِهِ ، وَأَقْتَصَرَ مِنْ نَفَقَتِهِ وَمَلْبَسِهِ ١٠٧ وَمَسْكَنِهِ عَلَى مَا تَدْعُوهُ إِلَيْهِ ضَرُورَتُهُ، وَزَهِدَ فِيمَا سِوَاهُ . فَكَانَ يَلْبَسُ مَا وَجَدَهُ، فَيَلْبَسُ فِي الْغَالِبِ الشَّمَلَةَ، وَأُلْكِسَاءَ الْخَشِنَ ، وَأَلْبُرْدَ الْغَلِيظَ، وَيَقْسِمُ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ أَقْبِيَةَ(١) اٌلْدِّيَاجِ الْمُخَوَّصَةَ(٢) بِالْذَّهَبِ ، وَيَرْفَعُ لِمَنْ لَمْ يَحْضُرْ؛ إِذِ الْمُبَاهَاةُ فِي الْمَلَابِسِ وَالْتَّزَيُّنُ بِهَا .. لَيْسَتْ مِنْ خِصَالِ الشَّرَفِ وَالْجَلَالَةِ، وَهِيَ مِنْ سِمَاتِ اٌلْنِّسَاءِ . وَالْمَحْمُودُ مِنْهَا نَقَاوَةُ الثَّوْبِ ، وَالْتَّوَسُّطُ فِي جِنْسِهِ ، وَكَوْنُهُ لُبْسَ مِثْلِهِ .. غَيْرُ مُسْقِطٍ لِمُرُوءَةِ جِنْسِهِ . وَفِي ((أَلْمَوَاهِبِ)): إِنَّ أَلْجَمَالَ فِي الْصُّورَةِ وَالْلِّبَاسِ وَأَلْهَيْئَةِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعِ: مِنْهُ مَا يُحْمَدُ، وَمِنْهُ مَا يُذَمُّ، وَمِنْهُ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَدْحٌ وَلَا ذَمٌّ : فَالْمَحْمُودُ مِنْهُ: مَا كَانَ لِلهِ، وَأَعَانَ عَلَى طَاعَةِ الهِ تَعَالَىُ ، وَتَنْفِيذِ أَوَامِرِهِ ، وَأَلِأَسْتِجَابَةِ لَهُ؛ كَمَا كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَجَمَّلُ لِلْوُفُودِ ، وَهَذَا نَظِيرُ لِبَاسِ آلَةِ الْحَرْبِ لِلْقِتَالِ ، وَلِبَاسِ الْحَرِيرِ فِي الْحَرْبِ ، وَأَلْخُيَلَاءِ فِيهِ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مَحْمُودٌ إِذَا تَضَمَّنَ إِعْلَاءَ كَلِمَةِ اللهِ تَعَالَى ، وَنَصْرَ دِينِهِ ، وَغَيْطَ عَدُوِّهِ . وَالْمَذْمُومُ مِنْهُ: مَا كَانَ لِلْذُّنْيَا، وَأَلَرِّئَاسَةِ، وَأَلْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ، وَأَنْ يَكُونَ هُوَ غَايَةَ الْعَبْدِ وَأَقْصَىْ مَطْلَبِهِ . وَأَمَّا مَا لَا يُحْمَدُ وَلَا يُذَمُّ: فَهُوَ مَا خَلَا عَنْ هَذَيْنِ اُلْقَصْدَيْنِ، وَتَجَرَّدَ عَنِ الْوَصْفَيْنِ ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُضَيَّقُ بِاَلِأَقْتِصَارِ (١) الأقبية - جمع قَباء - وهو: المخيط من اللّباس. (٢) المخوصة : المزيَّنة . ١٠٨ عَلَى صِنْفٍ مِنَ اللَّبَاسِ بِعَيْنِهِ ، وَلَا يَطْلُبُ النَّفِيسَ الْغَالِيَ، بَلْ يَسْتَعْمِلُ مَا تَيَسَّرَ . ثُمَّ قَالَ (١): رَوَى أَبُو نُعَيْمِ فِي ((الْحِلْيَةِ)) عَن أَبْنِ عُمَرَ مَرْفُوعاً: ((إِنَّ مِنْ كَرَامَةِ الْمُؤْمِنِ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ .. نَقَاءَ ثَوْبِهِ، وَرِضَاهُ بِأَلْيَسِيرِ)). وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَىْ رَجُلاً وَسِخَةً ثِيَابُهُ فَقَالَ: ((أَمَا وَجَدَ هَذَا شَيْئاً يُنَقِي بِهِ ثِيَابَهُ؟ )) . قَالَ(٢): وَكَانَتْ سِيرَتُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَلْبَسِهِ أَتَمَّ وَأَنْفَعَ لِلْبَدَنِ وَأَخَفَّ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ تَكُنْ عِمَامَتُهُ بِالْكَبِيرَةِ الَّتِي يُؤْذِي حَمْلُهَا وَيُضْعِفُهُ وَيَجْعَلُهُ عُرْضَةً لِلْآفَاتِ ، وَلَا بِالصَّغِيرَةِ الَّتِي تَقْصُرُ عَنْ وِقَايَةِ الرَّأْسِ مِنَ أَلْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَكَذَلِكَ الْأَرْدِيَةُ وَالْأُزُرُ أَخَفتُّ عَلَى الْبَدَنِ مِنْ غَيْرِهَا ، وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطَوِّلُ أَكْمَامَهُ وَيُوَسِّعُهَا) اهـ وَكَانَ أَحَبَّ ◌ٌلْثِيَّابِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُهُ .. اَلْقَمِيصُ . وَ( الْقَمِيصُ ): أَسْمٌ لِمَا يُلْبَسُ مِنَ الْمَخِيطِ الَّذِي لَهُ كُمَّانِ وَجَيْبٌ ، يُلْبَسُ تَحْتَ الْثِّيَابِ، وَلَا يَكُونُ مِنْ صُوفٍ. كَذَا فِي ((أَلْقَامُوسِ » . وَلَمْ يَكُنْ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِوَىْ قَمِيصٍ وَاحِدٍ ؛ فَقَدْ وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَفَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاءٌ لِعَشَاءٍ ، وَلَا عَشَاءً لِغَدَاءٍ ، وَلَا أَتَّخَذَ مِنْ شَيْءٍ زَوْجَيْنِ ، وَلَا (١) أي: القسطلاني في ((المواهب)). (٢) أيضاً في ((المواهب)). ١٠٩ قَمِيصَيْنِ وَلَا رِدَاءَ يْنِ وَلَا إِزَارَيْنِ ، وَلَا زَوْجَيْنِ مِنَ النَّعَالِ . وَكَانَ كُمُّ قُمِيصٍ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْرُّسْغِ. وَ(الرُّسْغُ ) : مَفْصِلُ مَا بَيْنَ أَلْكَفِّ وَالسَّاعِدِ مِنَ اْإِنْسَانِ . وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُمُّهُ مَعَ الْأَصَابِعِ . وَكَانَ قَمِيصُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ ، وَكَانَ كُمُّهُ مَعَ الْأَصَابِعِ. وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا لَبِسَ قَمِيصاً . . بَدَأَ بِمَيَامِنِهِ . وَعَنْ قُرَّةَ بْنِ إِيَاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَهْطٍ مِنْ مُزَيْنَةَ لِنُبَايِعَهُ ، وَإِنَّ زِرَّ قَمِيصِهِ مُطْلَقٌ ، قَالَ : فَأَدْخَلْتُ يَدِيَ فِي جَيْبٍ قَمِيصِهِ، فَمَسِسْتُ أَلْخَاتَمَ (١). وَكَانَ أَحَتُّ ◌ٌلْثِّيَّابِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحِبَرَةَ - بِوَزْنِ عِنَةٍ - بُرْدٌ يَمَانِيٌّ مُحَبَّرٌ ؛ أَيْ: مُزَيَّنٌ مُحَسَّنٌ . وَكَانَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُرْدَانِ أَخْضَرَانِ ، فِيهِمَا خُطُوطٌ خُضْرٌ لَا بَحْتاً (٢) . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبُهُ اٌلْنِّيَّابُ الْخُضْرُ. وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ خُلَّةٌ حَمْرَاءُ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَرِيقِ سَاقَيْهِ . وَ( الْخُلَّةُ) بِالضَّمِّ: إِزَارٌ وَرِدَاءٌ ، وَلَا تَكُونُ حُلَّةً إِلَّا مِنْ ثَوْبَيْنِ ، أَوْ (١) أي : خاتم النبوة . (٢) أي : لم يكن أخضر خالصاً . ١١٠ ثَوْبٍ لَهُ بِطَانَةٌ . وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْسُو بَنَاتِهِ خُمُرَ أَلْقَزِّ وَالْإِبْرَيْسَمِ(١) . وَ(الْخُمُرُ) ـ كـ ((كُتُبٍ ))، جَمْعُ خِمَارٍ - وَهُوَ: مَا تُغَطِّي بِهِ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا . وَكَانَ يَتَّبِعُ الْحَرِيرَ مِنَ الْفِيَابِ .. فَيَنْزِعُهُ . وَكَانَ قِيمَةُ ثَوْبِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ . وَعَنْ قَيْلَةَ بِنْتِ مَخْرَمَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ أَسْمَالُ(٢) مُلَيَّتَيْنِ. وَقَوْلُهُ ( مُلَيَّتَيْنِ ) - تَصْغِيرُ مُلَاءَةٍ - وَهِيَ: كُلُّ ثَوْبٍ لَمْ يُضَمَّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ بِخَيْطٍ ، بَلْ كُلُّهُ نَسْجٌ وَأَحِدٌ . وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى أُسَامَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ، وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ قِطْرِيٌّ قَدْ تَوَشَّحَ بِهِ . . فَصَلَّى بِهِمْ . وَ( قِطْرِيٌّ) : نِسْبَةٌ إِلَى الْقِطْرِ ؛ وَهُوَ : نَوْعٌ مِنَ الْبُرُودِ الْيَمَانِيَّةِ تُتَّخَذُ مِنْ قُطْنٍ ، وَفِيهِ حُمْرَةٌ وَأَعْلَامٌ مَعَ خُشُونَةٍ . (١) القزُّ: هوما يعمل منه الإبريسم، ولهذا قال بعضهم : القزُّ والإبريسم مثل الحنطة والدقيق ؛ فالإبريسم ما يؤخذ من القزّ كأخذ الدقيق من الحنطة . (٢) الأَسْمَالُ - جمع سَمَل - وهو: الثوب الخَلَقِ . ١١١ وَ( تَوَشَّحَ بِهِ ) أَيْ: وَضَعَهُ فَوْقَ عَاتِقَيْهِ ، أَوْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ وَرَبَطَهُمَا بِعُنُقِهِ . وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ غَدَاةٍ وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مِنْ شَعَرٍ أَسْوَدٌّ . وَ( الْمِرْطُ ) : كِسَاءٌ طَوِيلٌ وَاسِعٌ . وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبِسَ جُبَّةً رُومِيَّةً ضَيِّقَةَ أَلْكُمَّيْنِ . وَ( الْجُبَّةُ): ثَوْبَانِ بَيْنَهُمَا حَشْوٌ، وَقَدْ تُقَالُ لِمَا لَا حَشْوَ لَهُ إِذَا كَانَتْ ظِهَارَتُهُ(١) مِنْ صُوفٍ . وَكَانَ كُفُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الرُّسْغِ، وَلَبِسَ الْقَبَاءَ(٢) وَالْفَرَجِيَّةَ ، وَلَبِسَ جُبَّةً ضَيِّقَةَ الْكُمَّيْنِ فِي سَفَرِهِ . وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ الهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: أَنَّهَا أَخْرَجَتْ جُبَّةً طَيَالِسَةٍ (٣) كَسْرَوَانِيَّةً، لَهَا لِبْنَةُ دِيْبَاجٍ، وَفَرْجَاهَا مَكْفُوفَانِ(٤) بِالذِّيَاجِ، قَالَتْ: هَذِهِ جُبَّةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا ، فَلَمَّا قُبِضَتْ . . قَبَضْتُهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ (١) ظهارته : ما يظهر للعين ، بخلاف البطانة . (٢) القباء : الثوب المشقوق من أمام ؛ كالجبّة المعهودة . (٣) طيالسة : نوع من الثياب لها عَلَمٌ . (٤) وفي رواية: وفرجيها مكفوفين، وفي رواية: وفروجاً مكفوفة. و(الفرج في الثوب ) : الشق في أسفله من خلف وأمام . ١١٢ وَسَلَّمَ يَلْبَسُهَا ، فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى نَسْتَشْفِي بِهَا . وَمَعْنَى ( اللِّبْنَةِ ) : رُقْعَةٌ فِي جَيْبِ اٌلْقَمِيصِ . وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُ مَا وَجَدَ؛ فَمَرَّةً شَمْلَةً ، وَمَرَّةً بُرْدَ حِبَرَةٍ يَمَانِيَّةٍ ، وَمَرَّةً جُبَّةَ صُوفٍ، مَا وَجَدَ مِنَ الْمُبَاحِ لَبِسَ . وَ( الشَّمْلَةُ) : كِسَاءٌ صَغِيرٌ يُؤْتَزَرُبِهِ . وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: أَخْرَجَتْ إِلَيْنَا عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا كِسَاءً مُلَتَّداً وَإِزَاراً غَلِيظاً ؛ فَقَالَتْ : قُبِضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَيْنِ . وَ( أَلْكِسَاءُ ): مَا يَسْتُرُ أَعْلَى الْبَدَنِ . وَ( الْمُلَّدُ ) : الْمُرَقَّعُ . وَ( أُلْإِزَارُ) : مَا يَسْتُرُ أَسْفَلَ الْبَدَنِ . وَ( غِلَظُهُ ) : خُشُونَتُهُ . وَكَانَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِسَاءٌ مُلَبَّدٌ يَلْبَسُهُ وَيَقُولُ: ((إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ ، أَلْبَسُ كَمَا يَلْبَسُ اَلْعَبْدُ )). وَكَانَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِسَاءٌ أَسْوَدُ ، فَوَهَبَهُ، فَقَالَتْ لَهُ أُمُ سَلَمَةَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مَا فَعَلَ ذَلِكَ أَلْكِسَاءُ الْأَسْوَدُ؟ فَقَالَ: ((كَسَوْتُهُ)) ، فَقَالَتْ : مَا رَأَيْتُ شَيْئاً قَطُّ أَحْسَنَ مِنْ بَيَاضِكَ عَلَى سَوَادِهِ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَقَنَّعُ بِرِدَائِهِ تَارَةً وَيَتْرُكُهُ أُخْرَى، وَهُوَ (١) (١) أي : رداؤه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ١١٣ الَّذِي يُسَمَّى فِي الْعُرْفِ: اُلْطَّيْلَسَانَ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَالِبُ مَا يَلْبَسُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مَا نُسِجَ مِنَ اُلْقُطْنِ ، وَرُبَّمَا لَبِسُوا مَا نُسِجَ مِنَ الصُّوفِ وَالْكَتَّانِ . وَلَبِسَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشَّعَرَ الْأَسْوَدَ . وَلَبِسَ مَرَّةً بُرْدَةً مِنَ الصُّوفِ .. فَوَجَدَ رِبِحَ اٌلْضَّأْنِ فَطَرَحَهَا . وَكَانَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرَاوِيلُ، وَلَبِسَ اٌلْنَّعْلَ الَّتِي تُسَمَّى : التَّاسُومَةَ(١) . وَكَانَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُلَاءَةٌ مَصْبُوغَةٌ بَالزَّعْفَرَانِ ، تُنْقَلُ مَعَهُ إِلَى بُيُوتٍ أَزْوَاجِهِ ، فَتُرْسِلُهَا مَنْ كَانَ نَائِماً عِنْدَهَا إِلَى صَاحِبَةِ النَّوْبَةِ ، فَتَرُّشُّهَا بِالْمَاءِ ، فَتَظْهَرُ رَائِحَةُ الزَّغْفَرَانِ ، فَيَنَامُ مَعَهَا فِيهَا . وَكَانَتْ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِلْحَفَةٌ مَصْبُوغَةٌ بِالزَّعْفَرَانِ ، وَرُبَّمَا صَلَّى بِالنَّاسِ فِيهَا وَحْدَهَا ، وَرُبَّمَا لَبِسَ الْكِسَاءَ وَحْدَهُ وَمَا عَلَيْهِ غَيْرُهُ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُبَّمَا صَلَّى بِاللَّيْلِ فِي الْإِزَارِ ، وَأَرْتَدَى بِبَعْضِهِ مِمَّا يَلِي هُذْبَهُ، وَأَلْقَى الْبَقِيَّةَ عَلَى بَعْضٍ نِسَائِهِ، فَيُصَلِّي كَذَلِكَ. وَكَانَتْ ثِيَابُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهَا مُشَمَّرَةً فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ ، وَكَانَ إِزَارُهُ فَوْقَ ذَلِكَ إِلَىْ نِصْفِ اٌلْسَّاقِ، وَكَانَ قَمِيصُهُ مَشْدُودَ الْأَزْرَارِ ، وَرُبَّمَا حَلَّ الْأَزْرَارَ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا . (١) التاسومة : ما له سير يستر بعض الأصابع مما يلي أصولها ، وبعض ظهر القدم من تلك الجهة . ١١٤ وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي بِالْمَدِينَةِ إِذَا إِنْسَانٌ خَلْفِي يَقُولُ: ((إِرْفَعْ إِزَارَكَ فَإِنَّهُ أَنْقَى وَأَبْقَى)) ، فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ إِنَّمَا هِيَ بُرْدَةٌ مَلْحَاءُ ، قَالَ : ((أَمَا لَكَ فِيَّ أُسْوَةٌ؟! ))، فَنَظَرْتُ فَإِذَا إِزَارُهُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ . وَمَعْنَى ( مَلْحَاءُ): سَوْدَاءُ فِيهَا خُطُوطٌ بِيضٌ يَلْبَسُهَا الْأَعْرَابُ، لَيْسَتْ مِنَ اٌلْثِّيَّابِ الْفَاخِرَةِ . وَ( الْأُسْوَةُ ) : الْقُدْوَةُ . وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَقَّنَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ يَأْتَزِرُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، وَقَالَ: هَكَذَا كَانَتْ إِزْرَةُ(١) صَاحِبِي ؛ يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَلْيَمَانِ رَضِيَ اللهُ [تَعَالَى] عَنْهُمَا قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَضْلَةِ سَاقِي فَقَالَ: ((هَذَا مَوْضِعُ الْإِزَارِ ، فَإِنْ أَبَيْتَ .. فَأَسْفَلُ، فَإِنْ أَبَيْتَ .. فَلَ حَقَّ لِلْإِزَارِ فِي الْكَعْبَيْنِ)) . وَعَنْ أَبْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ : رَآنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْبَلْتُ إِزَارِي فَقَالَ: (( يَا أَبْنَ عُمَرَ ؛ كُلُّ شَيْءٍ لَمَسَ اْلْأَرْضَ مِنَ الْثِيَابِ فِي الْنَّارِ )). وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الْإِزَارِ .. فِي النَّارِ))، وَهُوَ مَحْمُولٌ (١) الإزرة : اسم لهيئة الاتّزار . ١١٥ عَلَى مَا وَرَدَ مِنْ قَيْدِ الْخُيَلَاءِ ، فَهُوَ أَلَّذِي وَرَدَ فِيهِ أَلْوَعِيدُ . وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرْخِي إِزَارَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ، وَيَرْفَعُهُ مِنْ وَرَائِهِ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُسْتَجَدَّ ثَوْباً .. سَمَّاهُ بِأَسْمِهِ ؛ قَمِيصاً ، أَوْ عِمَامَةً، أَوْ رِدَاءً، ثُمَّ يَقُولُ: ((الَلْهُمَّ؛ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ كَسَوْتَنِيهِ ، أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِهِ وَخَيْرِ مَا صُنِعَ لَهُ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ ما صُنِعَ لَهُ)) . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا لَبِسَ ثَوْباً جَدِيداً .. حَمِدَ اللهَ تَعَالَى، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَكَسَا الْخَلَقَ(١). وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَسْتَجَدَّ ثَوْباً .. لَبِسَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ . وَكَانَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُرْدٌ يَلْبَسُهُ فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ. وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُ بُرْدَةً حَمْرَاءَ فِي كُلِّ عِيدٍ . وَكَانَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُرْدٌ حِبَرَةٌ يَلْبَسُهُ فِي كُلِّ عِيدٍ . وَمَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالسُّوقِ فَرَأَىُ حُلَّةً مِنْ سُنْدُسِ .. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ لَوِ أَتَّخَذْتَ هَذِهِ لِلْعِيدِ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ » . وَكَانَتِ اٌلْصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ يُلْبِسُونَ ذُكُورَهُمُ الصِّغَارَ يَوْمَ اُلْعِيدِ أَحْسَنَ مَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحُلِيِّ، وَأَلْمُصَبَّغَاتِ مِنَ اٌلْثِّيَابِ . وَكَانَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَوْبَانٍ لِجُمُعَتِهِ خَاصَّةَ سِوَى ثِيَابهِ فِي غَيْرِ (١) الخلق : الثوب البالي ، والمعنى : أنه يتصدق به . ١١٦ الْجُمُعَةِ، وَرُبَّمَا لَبِسَ الْإِزَارَ الْوَاحِدَ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ؛ يَعْقِدُ طَرَفَيْهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ ، وَرُبَّمَا أَّ بِهِ النَّاسَ عَلَى الْجَنَائِزِ، وَرُبَّمَا صَلَّى فِي بَيْتِهِ فِي الْإِزَارِ اُلْوَاحِدِ مُلْتَحِفاً بِهِ مُخَالِفاً بَيْنَ طَرَفَيْهِ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الْإِزَارُ هُوَ الَّذِي جَامَعَ فِيهِ يَوْمَئِذٍ . وَكَانَ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِ أَلْوَفْدُ .. لَبِسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ ، وَأَمَرَ عِلْيَةَ أَصْحَابِهِ بِذَلِكَ . وَكَانَ رِدَاؤُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طُولُهُ سِنَّهُ أَذْرُعٍ ، فِي ثَلَاثَةٍ وَشِبْرٍ . وَكَانَ إِزارُهُ أَرْبَعَةً وَشِبْراً ، فِي عَرْضٍ ذِرَاعَيْنِ وَشِبْرٍ . وَلَبِسَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَبْرَادَ الَّتِي فِيهَا خُطُوطٌ حُمْرٌ . وَكَانَ يَنْهَى أَصْحَابَهُ عَنْ لُبْسِ الْأَحْمَرِ الْخَالِصِ . وَعَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((عَلَيْكُمْ بِأَلْبَاضِ مِنَ الْثِيَابِ؛ لِيَلْبَسْهَا أَحْيَاؤُكُمْ ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ ؛ فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَائِكُمْ )) . وَفِي (( الْمَوَاهِبِ )» : عَنْ عُرْوَةَ: أَنَّ طُولَ رِدَاءِ النَِّيِّ صَلَّى الّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ ، وَعَرْضَهُ ذِرَاعَانِ وَشِبْرٌ . وَفِيهَا : لَطِيفَةٌ: قِيلَ: لَمَّا كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَبْدُو مِنْهُ إِلَّا طِيبٌ . . كَانَ آيَةُ ذَلِكَ فِ بَدَنِهِ الشَّرِيفِ أَنَّهُ لَا يَتَّسُ لَهُ ثَوْبٌ . قِيلَ : وَلَمْ يَقْمَلْ ثَوْبُهُ . ١١٧