Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠٠
السنة الثامنة
سرية
وفي صفر أرسل عليه الصلاة والسلام غالب بن عبد الله الليثي إلى بني
الملوّح، وهم قوم من العرب يسكنون بالكديد، (١)، فسار القوم حتى إذا كانوا
بقُدَيد التقوا بالحارث بن مالك الليثي المعروف بابن البرصاء، وكان خصماً
لدوداً فأسروه، فقال لهم: ما جئت إلا للإِسلام. فقالوا له: إن تكن مسلماً لن
يضرك رباط ليلة وإلا استوثقنا منك، ثم ساروا حتى وصلوا محلة بني الملوّح
فاستاقوا النعَم والشاء، وخرج الصريخ إلى القوم فجاءهم ما لا قبل لهم به،
ولكن منّ الله على المسلمين فأرسل سيلاً شديداً حال بينهم وبين عدوهم،
حتی صار المشرکون یرون نعمهم تساق وهم لا يقدرون على ردّها.
سرية
ولما رجع غالب إلى المدينة ظافراً أرسله عليه الصلاة والسلام في مائتي
رجل ليقتصَّ من بني مرّة بفَدك، وهم الذين أصابوا سرية بشير بن سعد، فساروا
حتى إذا كانوا قريباً من القوم خطب غالب فيمن معه، فقال بعد أن حمد الله
وأثنى عليه: (أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له، وأن
تطيعوني ولا تخالفوا لي أمراً، فإنه لا رأي لمن لا يطاع) ثم آخى بين الجند
فقال: يا فلان أنت وفلان، ويا فلان أنت وفلان، لا يفارق أحد منكم زميله .
وإياكم أن يرجع الرجل منكم فأقول له: أين صاحبك؟ فيقول: لا أدري، فإذا
كُبِّرت فكبِّروا، فلما أحاطوا بالعدو وكَبِّ كَبِّروا وجرَّدوا السيوف فلم يفلت من
عدوهم أحد، واستاقوا نعمهم، فكان لكل واحد من الغزاة عشرة أبعِرة .
(١) موضع بين عُسْفان وقديد.
١٩٧

٤٠ لارجب ٢٠٢١٣٩٠ بو باء ت فى التوفى لت سكين الجنات الى الصكوك
سرية
وفي ربيع الأول أرسل عليه الصلاة والسلام كعب بن عُمير الغفاري إلى
ذات أطلاح من أرض الشام في خمسة عشر رجلاً، فوجدوا جمعاً كثيراً،
فدعوهم إلى الإِسلام فلم يجيبوا وقاتلوا وكانوا أكثر عدداً، فاستشهد المسلمون
عن آخرهم إلا رئيسهم كعب بن عُمير فإنه نجا وأتى بالخبر إلى رسول الله
فشقَّ عليه، وأراد أن يبعث إليهم من يقتص منهم، فبلغه أنهم تحولوا من
منزلهم فعدل عن ذلك.
غزوة مؤتة
جهّز عليه الصلاة والسلام في جمادى الأولى جيشاً للقصاص ممن قتلوا
الحارث بن عُمير الأزدي رسوله إلى أمير بُصرى، وأمَّر عليهم زيد بن حارثة
وقال لهم: إن أصيب فالأمير جعفر بن أبي طالب، فإن أصيب فعبد الله بن
رواحة. وكانت عدة الجيش ثلاثة آلاف، فساروا وشيعهم عليه الصلاة
والسلام، وكان فيما وصاهم به: ((اغزوا باسم الله فقاتلوا عدو الله وعدوكم
بالشام، وستجدون فيها رجالاً في الصوامع معتزلين فلا تتعرضوا لهم، ولا
تقتلوا امرأة ولا صغيراً ولا بصيراً فانياً، ولا تقطعوا شجراً، ولا تهدموا بناءً)).
ولم يزالوا سائرين حتى وصلوا مؤتة(١) مقتل الحارث بن عمير، وهناك وجدوا
الروم قد جمعوا لهم جمعاً عظيماً، منهم ومن العرب المتنصّرة. فتفاوض
رجال الجيش فيما يفعلونه: أيرسلون لرسول الله يطلبون منه مدداً أم يقدمون
على الحرب؟ فقال عبد الله بن رواحة: يا قوم والله إن الذي تكرهون هو ما
خرجتم له، خرجتم تطلبون الشهادة ونحن ما نقاتل بعدد ولا بقوة ولا بكثرة،
ما نقاتل إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فإنما هي إحدى الحسنيين إما
الظهور وإما الشهادة، فقال الناس: صدق والله بن رواحة، ومضوا للقتال فلقوا
(١) قرية قريبة من الكرك وهي مشارف الشام.
١٩٨
٣ .....

٠٠ ٠ ٠
هذه الجموع المتكاثرة، فقاتل زيد بن حارثة رضي الله عنه حتى استشهد،.
فأخذ الراية جعفر بن أبي طالب وهو يقول:
يا حبَّذا الجنةُ واقترابُها طيبةٌ وباردٌ شرابُها
والرومُ رومٌ قد دنا عذابُها كافرةٌ بعيدةٌ أنسابُها
عليَّ إذ لاقيْتُها ضرابها
ولم يزل يقاتل حتى استشهد رضي الله عنه، فأخذ الراية عبد الله بن
رواحة فتقدم ثم تردد بعض التردد، فقال يخاطب نفسه:
طائعة أو لتكرهنَّة
أقسمتُ يا نفسُ لتنزلشَّةْ
مالي أراك تكرهين الجنَّه!
إن أجلب الناس وشدُّوا الرَّنه
هل أنت إلا نُطفة في شَنِّهْ؟
قد طالما كنتِ مِطمئنّه
ثم اقتحم بفرسه المعمعة، ولم یزل یقاتل رضي الله عنه حتى استشهد،
فهم بعض المسلمين بالرجوع إلى الوراء، فقال لهم عقبة بن عامر(١) يا قوم:
يقتل الإِنسان مقبلًا خير من أن يقتل مدبراً، فتراجعوا واتفقوا على تأمير الشهم
الباسل خالد بن الوليد، وبهمّته ومهارته الحربية حمى هذا الجيش من
الضياع، إذ ما تفعل ثلاثة آلاف بمائة وخمسين ألفاً؟ فإنه لما أخذ الراية قاتل
يومه قتالاً شديداً، وفي غده خالف ترتيب العسكر، فجعل الساقة مقدمة،
والمقدمة ساقة، والميمنة ميسرة، والميسرة ميمنة، فظن الروم أن المدد جاء
للمسلمين فرعبوا. ثم أخذ خالد الجيش وصار يرجع الوراء حتى انحاز إلى
مؤتة، ثم مكث يناوش الأعداء سبعة أيام، ثم تحاجز الفريقان، لأن الكفار
ظنوا أن الأمداد تتوالى للمسلمين، وخافوا أن يجروهم إلى وسط الصحارى
حيث لا يمكنهم التخلص، وبذلك انقطع القتال. وقد نعى النبي # زيداً
(١) كان محدثاً فقيهاً مقرئاً شهد مع رسول الله ﴿ أحداً وما بعدها من المغازي، وكان أحد قادة
جيوش المسلمين التي فتحت مصر. دفن في سفح جبل المقطم في القاهرة.
١٩٩

وجعفراً وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: أخذ الراية زيد
فأصيب ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب، وكان عينا
رسول الله تذرفان، ثم قال: حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله، حتى فتح
الله عليهم. وجاءه رجل فقال: يا رسول الله إن نساء جعفر يبكين، فأمره أن
ينهاهنّ، فذهب الرجل ثم أتى فقال: قد نهيتهن فلم يُطِعن! فأمره فذهب
ثانياً، ثم جاء فقال: والله لقد غلبْننا، فقال عليه الصلاة والسلام: أحث في
أفواههن التراب، ولما أقبل الجيش إلى المدينة قابلهم المسلمون يقولون لهم
يا فُرّار، فقال عليه الصلاة والسلام بل هم الكُرار! ظنّ المقيمون بالمدينة أن
انحياز خالد بالجيش هزيمة، ولكن رسول الله وسلم أراهم أن ذلك من مكايد
الحرب وأثنى على خالد في مهارته .
سرية
وفي جمادى الآخرة بلغه عليه الصلاة والسلام أن جمعاً من قضاعة
يتجمعون في ديارهم وراء وادي القُرى، ليغيروا على المدينة، فأرسل لهم
عمرو بن العاص في ثلاثمائة رجل من سراة المهاجرين، ثم أمده بأبي
عبيدة بن الجراح في مائتين من المهاجرين فيهم أبو بكر وعمر،- فلحقوا عَمْراً
قبل أن يصل إلى القوم. وقد أراد رجال من الجيش إيقاد نار فمنعهم عمرو،
فأنكر عليه عمر بن الخطاب فقال أبو بكر: إنما بعثه رسول الله علينا رئيساً
لمعرفته بالحرب أكثر منا فلا تعصه، فامتثل. ولما حلوا بساحة القوم حملوا
عليهم، فلم يكن أكثر من ساعة حتى تفرق الأعداء منهزمين، فجمعوا غنائمهم
وأرادوا اتباع أثرهم فمنعهم قائدهم، ثم رجعوا إلى المدينة ظافرين، وبينا هم
في الطريق أدركت عمرو بن العاص جنابة في ليلة باردة فلما أصبح قال: إن
أنا اغتسلت هلْكت والله يقول: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَّةِ﴾(١) ثم تيمَّم
وصلّى، ثم أمر بالسير حتى إذا وصلوا المدينة، قام رسول الله عليه الصلاة
(١) سورة البقرة آية ١٩٥.
١
٢٠٠

٠٠٠ ...
والسلام يسأل عن أنباء سفرهم كما هي عادته، فأخبروه بما نقموه من
عمرو بن العاص، من نهيهم عن إيقاد النار، ونهيهم عن اتباع العدو وصلاته
جُنُباً، فسأله عليه الصلاة والسلام عن ذلك فقال: منعتهم من إيقاد النار لئلا
یری العدو قلَّتھم فیطمع فیھم، ونھیتھم عن اتباع العدو لئلا یکون له کمین،
وصلَّيت جنباً لأن الله يقول: ﴿وَلَا تُلَّقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى النَّهْلُكَةِ﴾(١) وإن أنا
اغتسلت هلكت فتبسم عليه الصلاة والسلام وأثنى على عمرو خيراً.
سرية
وفي رجب أرسل عليه الصلاة والسلام أبا عبيد عامر بن الجراح في
ثلاثمائة فارس لغزو قبيلة جهينة التي تسكن ساحل البحر، وزوّد عليه الصلاة
والسلام هذا الجيش جراباً من التمر. فساروا حتى إذا وصلوا السناحل أقاموا
فيه نحو نصف شهر ينتظرون العدو، وقد فني زادهم حتى أكلوا الخَبَط (وهو
ورق السَّمُر) يبلونه بالماء ويأكلونه، إلى أن تقرحت أشداقهم. وكان في القوم
الكريم ابن الكريم قيس بن سعد بن عبادة فنحر لهم ثلاث جزر في كل يوم
جزور. وفي اليوم الرابع أراد أن ينحر فنهاه رئيسه أبو عبيدة لأن قيساً كان
أخذ تلك الجزر بدين على أبيه، فخاف أبو عبيدة ألا يفي له أبوه بما
استدان، فقال قيس: أترى سعداً يقضي ديون الناس ويطعم في المجاعة، ولا
يقضي ديناً استدنته لقوم مجاهدين في سبيل الله؟! ولما يئسوا من لقاء عدوهم
رجعوا إلى المدينة، فقال قيس بن سعد لأبيه: كنت في الجيش فجاعوا. قال:
انحر، قال: نحرت. قال: ثم جاءوا؟ قال: انحر، قال: نحرت، قال: ثم
جاعوا؟ قال: انحر. قال نُهيت.
غزوة الفتح الأعظم
إذا أراد الله أمراً هيأ أسبابه وأزال موانعه، فقد كان عليه الصلاة والسلام
يعلم أنه لا تذل العرب حتى تذل قريش، ولا تنقاد البلاد حتى تنقاد مكة،
(١) سورة البقرة، آية ١٩٥.
٢٠١
٠ - ٣٠

.-----
٠٠٠٠٠٠
فكان يتشوق لفتحها، ولكن كان يمنعه من ذلك العهود التي أعطاها قريشاً في
الحديبية وهو سيد من وفى. ولكن إذا أراد الله أمراً هيأ أسبابه، فقد علمت أن
قبيلة خُزاعة دخلت في عهد رسول الله، وقبيلة بكر دخلت في عهد قریش،
وكان بين خزاعة وبكر دماء في الجاهلية كمنت نارها بظهور الإِسلام، فلما
حصلت الهدنة وقف رجل من بكر يتغنى بهجاء رسول الله وَّر، على مسمع
من رجل خزاعي، فقام هذا وضربه فحرّك ذلك كامن الأحقاد، وتذكر بنو بكر
ثأرهم فشدّوا العزيمة لحرب خصومهم، واستعانوا بأوليائهم من قريش
فأعانوهم سراً بالعدة والرجال، ثم توجهوا إلى خزاعة وهم آمنون، فقتلوا منهم
ما يربو على العشرين، ولما رأى ذلك حلفاء السيد الأمين أرسلوا منهم وفداً
برياسة عمرو بن سالم الخزاعي ليخبر رسول الله بما فعل بهم بنو بكر وقريش
فلما حلّوا بين يديه وأخبروه الخبر قال: والله لأمنعنكم مما أمنع نفسي منه. أما قريش
فإنهم لما رأوا أن ما عملوه نقض للعهود التي أخذت عليهم ندموا على ما
فعلوا، وأرادوا مداواة هذا الجرح، فأرسلوا قائدهم أبا سفيان بن حرب إلى
المدينة ليشدّ العقد ويزيد في المدة، فركب راحلته وهو يظن أنه لم يسبقه
أحد، حتى إذا جاء المدينة نزل على أم المؤمنين أم حبيبة بنته، وقد أراد أن
يجلس على فراش رسول الله فطوته عنه، فقال: يا بنيّة أرغبت به عني أم
رغبت بي عنه؟ فقالت ما كان لك أن تجلس على فراش رسول الله وأنت
مشرك نجس، فقال: لقد أصابك بعدي شرّ. ثم خرج من عندها وأتى النبي
في المسجد، وعرض عليه ما جاء له، فقال له عليه الصلاة والسلام: هل كان
من حَدَث؟ قال: لا، فقال عليه الصلاة والسلام فنحن على مدتنا وصلحنا ولم
يزد عن ذلك. فقام أبو سفيان ومشى إلى أكابر المهاجرين من قريش لعلَّهم
يساعدونه على مقصده، فلم يجد منهم مُعيناً وكلهم قالوا: جوارنا في جوار
رسول الله، فرجع إلى قومه ولم يصنع شيئاً، فأتهموه أنه خانهم واتبع
الإسلام، فتنسّك عند الأوثان لينفي عن نفسه هذه التهمة.
أما رسول الله فتجهز للسفر، وأمر أصحابه بذلك وأخبر الصدّيق
بالوجهة فقال له: يا رسول الله أو ليس بينك وبين قريش عهد؟ قال: نعم،
٢٠٢

.......
١٠ -٠.+ . !!
ولكن غدروا ونقضوا، ثم استنفر عليه الصلاة والسلام الأعراب الذين حول
المدينة وقال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحضر رمضان بالمدينة، فقدم
جمع من قبائل أسلم وغفار ومزينة وأشجع وجُهينة، وطوى عليه الصلاة
والسلام الأخبار عن الجيش، كيلا يشيع الأمر فتعلم قريش فتستعد للحرب،
والرسول عليه الصلاة والسلام لا يريد أن يقيم حرباً بمكة، بل يريد انقياد
أهلها مع عدم المساس بحرمتها. فدعا مولاه جل ذكره وقال: ((اللهم خُذ
العيون والأخبار عن قريش حتى نَبْغُتها في بلادها)) فقام حاطب بن أبي بلتعة
أحد الذين شهدوا بدراً، وكتب كتاباً لقريش يخبرهم ببعض أمر
رسول الله وَّ﴾، وأرسله مع جارية لتوصله إلى قريش على جُعْلٍ فأعلم الله
رسوله ذلك، فأرسل في أثرها علياً والزبير والمقداد وقال: انطلقوا حتى تأتوا
روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها. فانطلقوا حتى أتوا الروضة
فوجدوا بها المرأة فقالوا لها: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب! قالوا:
لتخرِجنّ الكتاب أو لنلقين الثياب! فأخرجته من عِقاصِها، فأتوا به رسول الله،
فقال عليه الصلاة والسلام: يا حاطب ما هذا؟ قال: يا رسول الله لا تعجل
عليّ، إني كنت حليفاً لقريش ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من
المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من
النسب فيهم أن أتخذ عندهم يداً يحمون بها قرابتي، ولم أفعله ارتداداً عن
ديني ولا رضاءً بالكفر بعد الإِسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: أما إنه قد
صدقكم، فقال عمر، دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال: إنه
قد شهد بدراً وما يدريك لعل الله أطلع على من شهد بدراً فقال: اعملوا ما
شئتم فقد غفر لكم، وفي ذلك أنزل الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ
عَدُوِى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَ كُمْ مِّنَ الْحَقِّ بُْرِجُونَ
الَّسُولَ وَإِيَّ كُمْ أَن تُؤْمِنُواْ بِلَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ نَرَجُمْ جِهَدًا فِى سَيِي وَأَبْتِغَآءَ
مَرْ ضَّى تُِّرُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَنْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنَهُمْ وَمَنْ يَفْعَلُهُ
مِنْكُرْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ الَّبِيلِ﴾(١). ثم سار عليه الصلاة والسلام بهذا
(١) الممتحنة ١
٢٠٣

:
. - -..
:
الجيش العظيم في منتصف رمضان ، بعد أن ولى على المدينة ابن أم
مكتوم، وكانت عدة الجيش عشرة آلاف مجاهد، ولما وصل الأبواء، لقيه اثنان
كانا من أشد أعدائه وهما ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب
شقيق عبيدة بن الحارث شهيد بدر، وصهره عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة
وشقيق زوجه أم سلمة، وكانا يريدان الإِسلام فقبلهما عليه السلام وفرح بهما
شديد الفرح وقال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُرُ أَلْيَوْمَّ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ
الرَّحِينَ﴾ (١). ولما وصل عليه الصلاة والسلام الكديد رأى أن الصوم شق
على المسلمين فأمرهم بالفطر وأفطر هو أيضاً، وقد قابل
عليه الصلاة والسلام في الطريق عمه العباس بن عبد المطلب
مهاجراً بأهله وعياله، فأمره أن يعود: معه الى مكة ويرسل عياله
الى المدينة. ولما وصل عليه الصلاة والسلام مرَّ الظهران أمر بإيقاد عشرة
آلاف نار، وكانت قريش قد بلغهم أن محمداً زاحف بجيش عظيم لا تدري
وجهته، فأرسلوا أبا سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبُديل بن ورقاء يلتمسون
الخبر عن رسول الله. فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مرَّ الظهران، فإذا هم بنيران
كأنها نيران عرفة! فقال أبو سفيان: ما هذه لكأنها نيران عرفه! فقال بديل بن
ورقاء: نيران بني عمرو، فقال أبو سفيان: عمرو أقل من ذلك، فرآهم ناس
من حرس رسول الله فأدركوهم فأخذوهم فأتوا بهم رسول الله، فأسلم أبو
سفيان، فلما سار قال للعباس: احبس أبا سفيان عند خَظْم الجبل، حتى ينظر
إلى المسلمين، فحبسه العباس فجعلت القبائل تمر كتيبة كتيبة على أبي
سفيان، وهو يسأل عنها ويقول: مالي ولها، حتى إذا مرت به قبيلة الأنصار
وحامل رايتها سعد بن عبادة فقال سعد: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة اليوم
تستحل الكعبة، فقال أبو سفيان: يا عباس حبذا يوم الذمار، ثم جاءت كتيبة
وهي أقل الكتائب فيها رسول الله و# وأصحابه، وحامل الراية الزبير بن
العوام، فأخبر أبو سفيان رسول الله 8* بمقالة سعد، فقال عليه السلام: كذب
(١) سورة يوسف آية ٩٢.
٢٠٤
1
1
.....................
mr .m
...............

. .
...
٠٠٠ ٠
سعد ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة. ثم أمر عليه
الصلاة والسلام أن تركز رايته بالحجون(١) وأمر خالد بن الوليد أن يدخل من
أسفل مكة من كدي(٢)، ودخل هو من أعلاها من كداء ونادى مناديه: من
دخل داره وأغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار
أبي سفيان فهو آمن، وهذه أعظم منة له. واستثنى من ذلك جماعة عظمت
ذنوبهم وآذوا الإسلام وأهله عظيم الأذى، فأهدر دمهم وإن تعلقوا بأستار
الكعبة. منهم عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح الذي أسلم وكتب لرسول الله
الوحي، ثم ارتد وافترى الكذب على الأمين المأمون فكان يقول: إن محمداً
كان يأمرني أن أكتب عليم حكيم فأكتب غفور رحيم، فيقول كل جيد! ومنهم
عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وهبار بن الأسود، والحارث بن
هشام، وزهير بن أبي أمية، وكعب بن زهير، ووحشي قاتل حمزة، وهند بنت
عتبة زوج أبي سفيان، وقليل غيرهم، ونهى عن قتل واحد سوى هؤلاء إلا من
قاتل، فأما جيش خالد بن الوليد فقابله الذعر من قريش يريدون صدّه، فقاتلهم
وقتل منهم أربعة وعشرين، وقتل من جيشه اثنان ودخلها عَنْوة من هذه الجهة،
وأما جيش رسول الله وَّر فلم يصادف مانعاً، وهو عليه الصلاة والسلام راكب
راحلته منحن على الرحل تواضعاً لله وشكراً له على هذه النعمة حتى تكاد
جبهته تمسُّ الرحل، وأسامة بن زيد رديفه، وكان ذلك صبح يوم الجمعة
لعشرين خلت من رمضان، حتى وصل إلى الحجون موضع رايته، وقد نصبت
له هناك قبة فيها أم سلمة وميمونة فأستراح قليلاً، ثم سار وبجانبه أبو بكر
يحادثه وهو يقرأ الفتح حتى بلغ البيت، وطاف سبعاً على راحلته، واستلم
الحجر بمحجنه، وكان حول الكعبة إذ ذاك ثلاثمائة وستون صنماً، فجعل عليه
السلام يطعنها بعود في يده ويقول: ﴿جاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ الباطِلُ﴾، وَمَا يُبْدِىءُ
الباطِلُ وما يُعِيدُ. ثم أمر بالآلهة فأخرجت من البيت وفيها صورة إسماعيل
(١) جبل بمعلاة مكة .
(٢) كدي كقوي جبل مسفلة مكة على طريق اليمن، وكداء كسحاب جبل بأعلى مكة.
٢٠٥

وإبراهيم في أيديهما الأزلام، فقال عليه الصلاة والسلام: قاتلهم الله لقد
علموا ما استقسما بها قط !! وهذا أول يوم طهّرت فيه الكعبة من هذه
المعبودات الباطلة، وبطهارة الكعبة المقدسة عند جميع العرب باديها
وحاضرها من هذه الأدناس، سقطت عبادة الأوثان من جميع بلاد العرب إلا
قليلاً، ويوشك أن نذكر للقارىء اختفاء آثارها ومحو عبادتها بالكلية .
العفو عند المقدرة
ثم إن النبي 8# دخل الكعبة وكبّر في نواحيها، ثم خرج الى مقام
إبراهيم وصلى فيه، ثم شرب من زمزم وجلس في المسجد والناس حوله
والعيون شاخصة اليه، ينتظرون ما هو فاعل بمشركي قريش الذين آذوه
وأخرجوه من بلاده وقاتلوه، ولكن هنا تظهر مكارم الأخلاق التي يلزم أن يتعلم
منها المسلم، أن يكون رضاه وغضبه الله لا لهوى النفس، فقال عليه الصلاة
والسلام: يا معشر قريش ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً أخ كريم وابن
أخ كريم، فقال عليه الصلاة والسلام: اذهبوا فأنتم الطلقاء، ويرحم الله الإمام
البوصيري حیث قال:
تساوى التقريب والإقـصـاءُ
وإذا كان القطْعُ والوصلُ الله
من سرّه الملام والإِطراءُ
وسواءٌ عليه فيما أتاه
ولو أن انتقامه لهوى النف ـس لدامتْ قطيعة وجفاء
ووفاء
قام اللهِ في الأمُور فأرضى الله منه تباينٌ
فعله كلُّه جميلٌ وهل ينضــحُ إلا بما حوَاه الإِنَاءُ
ثم خطب # خطبة أبان فيها كثيراً من الأحكام الإِسلامية، منها ألا
يُقتل مسلم بكافر، وألا يتوارث أهل ملّتين مختلفتين، ولا تنكح المرأة على
عمتها أو خالتها، والبيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر، ولا تسافر
المرأة مسيرة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم، ولا صلاة بعد الصبح والعصر، ولا
يصام يوم الأضحى ويوم الفطر. ثم قام: يا معشر قريش إن الله قد أذهب
٢٠٦

عنكم نخوة الجاهلية وتعُّمها بالآباء، والناس من آدم وآدم من تراب. ثم تلا
هذه الآية: ﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُ مِنْ ذَكّرٍ وَأَنْثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَابِلَ
ج
لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَحْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَذَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾(١). ثم شرع الناس
ج
يبايعون رسول الله وير على الإِسلام، وممن أسلم في هذا اليوم معاوية بن أبي
سفيان وأبو قُحافة والد الصدِّيق، وقد فرح الرسول كثيراً بإسلامه. وجاء رجل
يرتعد خوفاً، فقال له عليه الصلاة والسلام: ((هُوِّن عليك فإني لست بملك،
إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد)».
أما الذين أهدر رسول الله دمهم فقد ضاقت عليهم الأرض بما
رحبت، فمنهم من حقت عليه كلمة العذاب فقتل، ومنهم من أدركته عناية الله
فأسلم. فعبد الله بن سعد بن أبي سرْح لجأ إلى أخيه من الرضاع عثمان بن
عفان، وطلب منه أن يستأمن له رسول الله، فغيَّبه عثمان حتى هدأ الناس، ثم
أتى به النبي وقال: يا رسول الله قد أمّنته فبايعه فأعرض عنه عليه الصلاة
والسلام مراراً ثم بايعه، فلما خرج عثمان وعبد الله قال عليه الصلاة والسلام:
أعرضت عنه ليقوم إليه أحدكم فيضرب عنقه، فقالوا: هلّ أشرت إلينا؟ فقال:
لا ينبغي لنبيّ أن تكون له خائنة الأعين.
وأما عكرمة بن أبي جهل فهرب فخرجت وراءه زوجته وبنت عمه أم .
حكيم بنت الحارث بن هشام، وكانت قد أسلمت قبل الفتح، وقد أخذت له.
أماناً من رسول الله فلحقته، وقد أراد أن يركب البحر، فقالت: جئتك من عند
أبرّ الناس وخيرهم لا تهلك نفسك، وإني قد استأمنته لك فرجع، ولما رآه
عليه الصلاة والسلام وثب قائماً فرحاً به وقال: مرحباً بمن جاءنا مهاجراً
مسلماً. ثم أسلم رضي الله عنه، وطلب من رسول الله أن يستغفر له كل عداوة
عاداه إياها فاستغفر له، وكان رضي الله عنه بعد ذلك من خيرة المسلمين
وأغيرهم على الإِسلام. وأما هبَّار بل الأسود فهرب واختفى حتى إذا كان
(١) سورة الحجرات آية ١٣ .
٢٠٧

ShA
رسول الله بالجِعِرّانة(١) جاءه مسلماً وقال: يا رسول الله هربت منك وأردت
اللحاق بالأعاجم، ثم ذكرت عائدتك وصلتك وصفحك عمن جهل عليك،
وكنا يا رسول الله أهل شرك فهدانا الله بك وأنقذنا من الهلكة فاصفح الصفح
الجميل، فقال عليه الصلاة والسلام: قد عفوت عنك ..
وأما الحارث بن هشام وزهير بن أبي أمية المخزومي، فأجارتهما أم
هانىء بنت أبي طالب، فأجاز عليه الصلاة والسلام جوارها، ولما قابل
رسول الله الحارث بن هشام مسلماً قال: الحمد لله الذي هداك ما كان مثلك
يجهل الإِسلام وقد كان بعد ذلك من فضلاء الصحابة .
. .. ...
-. ..... -
..............-
وأما صفوان بن أمية فاختفى وأراد أن يذهب ويلقي نفسه في البحر،
فجاء ابن عمه عُمير بن وهب الجُمحي وقال: يا نبي الله إن صفوان سيد قومه
وقد هرب ليقذف نفسه في البحر فأمّنه فإنك قد أمّنت الأحمر والأسود، فقال
عليه الصلاة والسلام: أدرك ابن عمك فهو آمن. فقال أعطني علامة فأعطاه
عمامته فأخذها عمير حتى إذا لقي صفوان، قال له: فداك أبي وأمي، جئتك
من عند أفضل الناس وخير الناس، وهو ابن عمك وعزه عزك وشرفه شرفك
وملكه ملكك، قال صفوان: إني أخافه على نفسي، قال: هو أحلم من ذلك
وأكرم، وأراه العِمامة علامة الأمان، فرجع الى رسول الله وقال له: إن هذا يزعم
أنك أمنتني؟ قال: صدق، قال: أمهلني بالخيار شهرين، قال: أربعة أشهر،
ثم أسلم رضي الله عنه وحسن إسلامه.
وأما هند بنت عتبة فاختفت ثم أسلمت، وجاءت الى رسول الله فرحَّب
بها وقالت له: والله يا رسول الله ما كان على ظهر الأرض أهل خباءٍ أحبّ إليَّ
أن يذلوا من أهل خبائك، ثم ما أصبح اليوم أهل خباء أحبّ إليَّ أن يعزوا من
أهل خبائك .
(١) موضع بين مكة والطائف، وبعضهم يضبطمسكون العين وفتح الراء مخففة.
٢٠٨
...

....--
... . . . .
وفود کعب بن زهير
وأما كعب بن زهير فلما ضاقت به الأرض ولم يجد له مجيراً، جاء
المدينة بعد أن قدمها رسول الله من مكة، فأسلم وأنشد قصيدته التي يقول
فيها :
أُلْهِيَنَّك إني عنك مشغولٌ
وقال كلُّ صديقٍ كنتُ آمله
فكلُّ ما قدَّر الرحمنُ مفعولٌ
فقلت خلّو سبيلي لا أبالكمُ
يوماً على آلةٍ حدباءَ محمولُ
كلُّ ابن أُنثى وإن طالت سلامتُه
والعفوُ عندَ رسولِ الله مأمولُ
نُبِّئْتُ أن رسولَ الله أو عدَني
ـقرآن فيها مواعيظٌ وتفصيلُ
مهلًاً هداك الذي أعطاك نافلةً الـ
وقال فيها مادحاً:
إن الرسول لسيفٌ يُستضاءُ به مهنَّدٌ من سيوف الله مسْلولُ
ولما قال هذا البيت خلع عليه الرسول بردته.
وأما وحشي قاتل حمزة، فكذلك أسلم وحسن إسلامه وقبله عليه الصلاة
والسلام. وقد جاءه ابنا أبي لهب عتبة ومعتب، فأسلما وفرح بهما عليه الصلاة
والسلام.
٠٠ ٠٠٠
وكان من الذين اختفوا سهيل بن عمرو، فاستأمن له ابنه عبد الله
فأمَّنه عليه الصلاة والسلام وقال: إن سهيلاً له عقل وشرف، وما مثل سهيل
يجهل الإِسلام، فلما بلغت هذه المقالة سهيلاً قال: كان والله برّاً صغيراً برّاً
كبيراً، ثم أسلم بعد ذلك.
بيعة النساء
هذا، ولما تمت بيعة الرجال بايعه النساء، وكن يبايعن على ألا يشركن
بالله شيئاً، ولا يسرقن ولا يزنين، ولا يقتلن أولادهن، ولا يأتين بيهتان يفترينه
٢٠٩٠

بين أيديهن وأرجلهن، ولا يعصين الرسول في معروف، ثم أمر عليه الصلاة
والسلام بلالاً بأن يؤذن على ظهر الكعبة، وهذا بدء ظهور الإِسلام على ظهر
البيت الكريم، فلا عجب أن اتخذ المسلمون هذا اليوم عيداً، يحمدون فيه
الله حق حمده على هذه النعمة الكبرى والنصر العظيم.
وأقام عليه الصلاة والسلام بمكة بعد فتحها تسعة عشر يوماً يقصر فيها
الصلاة، وولّى عليها عتّاب بن أسيد، وجعل رزقه كل يوماً درهماً. فكان عتّاب
رضي الله عنه يقول: لا أشبع الله بطناً جاع على درهم كل يوم.
هدم العُزّى
وفي الخامس من مقامه عليه الصلاة والسلام بمكة، أرسل خالد بن
الوليد في ثلاثين فارساً لهدم هيكل العزّى وهي أكبر صنم لقريش، وكان
هيكلها ببطن نخلة، فتوجه إليها خالد وهدمها .
هدم سُوَاع
وأرسل عليه الصلاة والسلام عمرو بن العاص لهدم سُوَاع، وهو أعظم
صنم لهذيل، وهيكله على ثلاثة أميال من مكة، فذهب إليه وهدمه.
هدم مناة
وبعث سعد بن زيد الأشهلي في عشرين فارساً لهدم مناة، وهي صنم
لكلب وخزاعة، وهيكلها بالمشلَّل وهو جبل على ساحل البحر يهبط منه إلى
قدید، فتوجهوا إليها وهدموها.
غزوة حنين (١)
بهذا الفتح العظيم وسقوط دولة الأوثان، دانت للإسلام جموع العرب
(١) حتين وادٍ قرب الطائف وسميت باسم هوازن اسم القبيلة التي قاتلت رسول الله:# وقعت هذه
الغزوة مساء ليلة الثلاثاء العاشر من شوال السنة الثامنة للهجرة.
٢١٠
....... -

ودخلوا فيه أفواجاً، أما قبيلتا هوازن وثقيف، فأدركتهما حمية الجاهلية،
واجتمع الأشراف منهم للشورى وقالوا: قد فرغ محمد من قتال قومه ولا ناهية
له عنا، فلنغْزه قبل أن يغزونا، فأجمعوا أمرهم على ذلك وولَّوا رياستهم مالك بن
عوف النصْري، فاجتمع له من القبائل جموع كثيرة فيهم بنو سعد بن بكر الذين كان
رسول الله مسترضعاً فيهم، وكان في القوم دريد بن الصِّمَّة المشهور بأصالة
الرأي وشدة البأس في الحرب، ولتقدم سنّه لم يكن له في هذه الحرب إلا
الرأي. ثم إن مالك بن عوف أمر الناس أن يأخذوا معهم نساءهم وذراريهم
وأموالهم، فلما علم بذلك دريد سأل مالكاً عن السبب فقال: سقت مع الناس
أموالهم وذراريهم ونساءهم، لأجعل خلف كل رجل أهله وماله يقاتل عنه،
فقال دريد: وهل يرد المنهزم شيء؟ إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه
ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك، فلم يقبل مالك مشورته
وجعل النساء صفوفاً وراء المقاتلة ووراءهم الإِبل ثم البقر ثم الغنم كيلا يفر
أحد من المقاتلين.
أما رسول الله وَله، فإنه لما بلغه أن هوازن وثقيف يستعدون لحربه،
أجمع رأيه على المسير إليهم، وخرج معه اثنا عشر ألف غاز
منهم ألفان من أهل مكة، والباقون هم الذين أتوا معه من المدينة،
وخرج أهل مكة ركباناً ومشاة، حتى النساء يمشين من غير
ضعف يرجون الغنائم، وخرج في الجيش ثمانون من المشركين، منهم
صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو، ولما قرب الجيش من معسكر العدو صف
عليه الصلاة والسلام الغزاة وعقد الألوية، فأعطى لواء المهاجرين لعليّ بن أبي
طالب، ولواء الخزرج للحُباب بن المنذر، ولواء الأوس لأُسيد بن حُضير،
وكذلك أعطى ألوية لقبائل العرب الأخرى، ثم ركب عليه الصلاة والسلام
بغلته ولبس درعين والبيضة والمِغْفر (١). هذا، وقد أعجب المسلمون بكثرتهم
(١) البيضة: خوذة توضع على الرأس تتقى بها الضربات، والمغفر: زرد من الحديد يُلبس تحت
القلنسوة .
٢١١

فلم تغن عنهم شيئاً، فإن مقدمة المسلمين توجهت جهة العدو، فخرج لهم
كمين كان مستتراً في شعاب الوادي ومضايقه، وقابلهم بنبل كأنه الجراد
المنتشر، فلوَوْا أعنة خيلهم متقهقرين، ولما وصلوا إلى من قبلهم تبعوهم في
الهزيمة لما لحقهم من الدهشة أما رسول الله صل﴿ فثبت على بغلته في ميدان
القتال، وثبت معه قليل من المهاجرين والأنصار، منهم أبو بكر وعمر وعلي
والعباس، وابنه الفضل، وأبو سفيان بن الحارث وأخوه ربيعة بن الحارث،
ومُعتّب بن أبي لهب، وكان العباس آخذاً بلجام البغلة، وأبو سفيان آخذاً
بالركاب، وكان عليه الصلاة والسلام ينادي: إليّ أيها الناس ولا يلوي عليه
أحد، وضاقت بالمنهزمين الأرض بما رحبت.
أما رجال مكة الذين هم حديثو عهد بالإِسلام والذين لم ينزعوا عنهم
ربقة الشرك، فمنهم من فرح ومنهم من ساءه هذا الإِدبار، فقال أبو سفيان بن
حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر. وقال أخ لصفوان بن أمية: الآن بطل
السحر، فقال له صفوان (وهو على شركه): اسكت فضّ الله فاك !. والله لئن
يَرُبُّني(١) رجل من قريش، خير من أن يَرُبَّني رجل من هوازن. ومر عليه رجل
من قريش وهو يقول: أبشر بهزيمة محمد وأصحابه، فوالله لا يجبرونها أبداً،
فغضب صفوان وقال: أتبشرني بظهور الأعراب؟ وقال عكرمة بن أبي جهل
لذلك الرجل: كونهم لا يجبرونها أبداً ليس بيدك، الأمر بيد الله ليس إلى
محمد منه شيء، إن أُديل عليه اليوم فإن العاقبة له غداً. فقال سهيل بن
عمرو: والله إن عهدك بخلافه لحديث، فقال له: يا أبا يزيد إنا كنا على غير
شيء وعقولنا ذاهبة نعبد حجراً لا يضر ولا ينفع. وبلغت هزيمة بعض الفارين
مکة، كل هذا ورسول الله واقف مکانه يقول:
أنا النبي لا كذب أنا ابنُ عبد المطلب
ثم قال للعباس وكان جَهْوَرِيِّ الصوت: نادِ الأنصار يا عباس. فنادى يا
(١) أي يملكني ويدبّر أمري.
٢١٢
- ·
.. . --
--

٠ ٠ ... .
٠ ٠٠
معشر الأنصار، يا أصحاب بيعة الرضوان، فأسمع مَنْ في الوادي، وصار
الأنصار يقولون: لَبِّيك لبّيك، ويريد كل واحد منهم أن يلوي عِنان بعيره
فيمنعه من ذلك كثرة الأعراب المنهزمين، فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه ويأخذ
سيفه وترسه، وينزل عن بعيره ويخلي سبيله ويؤمُّ الصوت، حتى اجتمع حول
رسول الله جمع عظيم منهم، وأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين،
وأنزل جنوداً لم يروها، فكرّ المسلمون على عدوهم يداً واحدة فانتكث فتْل
المشركين، وتفرقوا في كل وجه لا يلوون على شيء من الأموال والنساء
والذراري، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، فأخذوا النساء والذراري
وأسروا كثيراً من المحاربين، وهرب من هرب، وجرح في هذا اليوم خالد بن
الوليد جراحات بالغة، وأسلم ناس كثيرون من مشركي مكة لما رأوه من عناية
الله بالمسلمين .
هذا، والذي حصل في هذه الغزوة درس مهمّ من دروس الحرب، فإن
هذا الجيش دخله أخلاط كثيرون من مشركين وأعراب وحديثي عهد بالإِسلام،
وهؤلاء سيّان عندهم نصر الإِسلام وخذلانه، ولذلك بادروا لأول صدمة إلى
الهزيمة، وكادت تتم الكلمة على المسلمين لولا فضل الله، فلا ينبغي أن
يكون في الجيش إلا من يقاتل خالصاً مخلصاً من قلبه ليكون مدافعاً حقاً عن
دينه، فلا تميل نفسه إلى الفرار خشية ما أعده الله للفارين من أليم العقاب.
ثم أمر عليه الصلاة والسلام بجمع السبي والغنائم، وكانت نحو أربعة
وعشرين ألف بعير، وأكثر من أربعين ألف شاة وأربعة آلاف أوقية من الفضة
فجمع ذلك كله بالجِعرّانة. أما المشركون فتفرقوا ثلاث فرق: فرقة لحقت
بالطائف، وفرقة لحقت بنخلة، وفرقة عسكرت بأوطاس(١).
سرية
فأرسل عليه الصلاة والسلام لهذه الفرقة أبا عامر الأشعري في جماعة،
(١) وادٍ بديار هوازن .
٢١٣
٠٫٠٠٠

منهم أبو موسى الأشعري، فسار إليهم وبددّهم وظفر بما بقي من الغنائم، وقد
استشهد أبو عامر في هذه الغزوة، وخلف على الغزاة ابن أخيه أباموسى فرجع
ظافراً منصوراً.
غزوة الطائف
وسار عليه الصلاة والسلام بمن معه الى الطائف، ليجهز على بقية حياة
ثقيف ومن تجمّع معهم من هوازن، وجعل على مقدمته خالد بن الوليد، ومر
عليه الصلاة والسلام بحصن لعوف بن مالك النصري فأمر بهدمه. ومرّ ببستان
لرجل من ثقيف قد تمنع فيه، فأرسل إليه أن أخرج وإلا حَرَّقنا عليك بستانك،
فامتنع الرجل فأمر عليه الصلاة والسلام بحرقه. ولما وصل المسلمون إلى
الطائف وجدوا الأعداء قد تحصنوا به وأدخلوا معهم قوت سنتهم، فعسكر
المسلمون قريب الحصن، فرماهم المشركون بالنبل - رمياً شديداً، حتى
أصيب منهم كثيرون بجراحات منهم عبد الله بن أبي بكر، وقد طاوله جرحه
حتى أماته في خلافة أبيه، ومنهم أبو سفيان بن حرب فقئت عينه. وقد مات
بالجراحات اثنا عشر رجلاً من المسلمين ولما رأى رسول الله أن العدو متمكن
من رميهم، ارتفع إلى محل مسجد الطائف الآن، وضرب لأم سلمة وزينب
قبتان هناك، واستمر الحصار ثمانية عشر يوماً، كان فيها ينادي خالد بن الوليد
بالبراز فلم يجبه أحد، وناداه عبد يا ليل عظيم ثقيف لا ينزل إليك منا أحد،
ولكن نقيم في حصننا فإن فيه من الطعام ما يكفينا سنين، فإن أقمت حتى
يفنى هذا الطعام خرجنا إليك بأسيافنا جميعاً حتى نموت عن آخرنا، فأمر عليه
الصلاة والسلام بأن ينصب عليهم المنجنيق فنصب، ودخل جمع من
الأصحاب تحت دبابتين(١) لينقبوا الحصن، فأرسلت عليهم ثقيف سكك
الحديد محماة بالنار حتى أرجعوهم. فأمر عليه الصلاة والسلام أن تقطع
(١) الدبابة: آلة تتخذ للحروب فتدفع في أصل الحصن فينقبون وهم في جوفها.
٢١٤

أعنابهم ونخيلهم فقطع المسلمون فيها قطعاً ذريعاً، فناداه أهل الحصن أن
دعها لله وللرحم فقال: أدعها لله وللرحم. ثم أمر من ينادي بأن كل من ترك
الحصن ونزل فهو آمن، فخرج اليه بضعة عشر رجلاً. ولما رأى عليه الصلاة
والسلام أن تمنّع ثقيف شديد، وأن الفتح لم يؤذن فيه استشار نوفل بن معاوية
الديلي في الذهاب أو المقام، فقال: يا رسول الله ثعلب في جُحرٍ، إن أقمت
أخذته وإن تركته لم يضرك، فأمر عليه الصلاة والسلام بالرحيل وطلب منه
بعض الصحابة أن يدعو على ثقيف فقال: ((اللهم اهد ثقيفاً وائت بهم
مسلمین)) .
تقسيم السَّبْي
ثم رجع عليه الصلاة والسلام إلى الجِعرَّانة حيث ترك السبي، فأحصاه
وخمّسه وأعطى منه شيئاً كثيراً لأناس ضعف إسلامهم يتألفهم بذلك، وأعطى
أناساً لم يسلموا ليحبب إليهم الإِسلام، ومن الأولين أبو سفيان أعطاه أربعين
أوقية من الذهب ومائة من الإِبل، وكذلك ابناه معاوية ويزيد فقال له: بأبي
أنت وأمي: لأنت كريم في السلم والحرب. ومنهم حكيم بن حزام أعطاه
كأبي سفيان فاستزاده فأعطاه ثم استزاده فأعطاه مثلها، وقال: يا حكيم إن هذا
المال خَضِرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف
نفس لم يبارك له فيه، وكان کالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد
السفلى. فأخذ حكيم المائة الأولى وترك ما عداها. ثم قال: والذي بعثك
بالحق لا أرزاُ أحداً بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا، فكان الخلفاء بعد رسول الله
يعرضون عليه العطاء الذي يستحقه من بيت المال فلا يأخذه. وأعطى عليه
الصلاة والسلام عُيَيْنة بن حصن مائة من الإبل، وكذلك الأقرع بن حابس
والعباس بن مرداس. وأعطى صفوان بن أمية شِعْباً مملوءاً نعماً وشاءً كان رآه
يرمقه، فقال له: هل يعجبك هذا؟ فقال: نعم، قال: هو لك. فقال صفوان:
ما طابت بمثل هذا نفس أحد، وكان سبب إسلامه. وكان عليه الصلاة والسلام
يقصد من هذه العطايا تأليف القلوب وجمعه على الدين القويم، وهذا ضرب
٢١٥

٠٠٠٠
--- - -- ------ --- -- -*
..... ..
من ضروب السياسة الدينية حتى جعل من الصدقات قسماً للمؤلفة قلوبهم،
وقد عاد ذلك بفائدة عظمى، فإن كثيرين ممن أعطوا في هذا اليوم ولم يكونوا
أُشربوا في قلوبهم حبّ الإِسلام، صاروا بعدُ من أجلّاء المسلمين وأعظمهم
نفعاً كصفوان بن أمية، ومعاوية بن أبي سفيان، والحارث بن هشام وغيرهم.
ثم أمر عليه الصلاة والسلام زيد بن ثابت فأحصى ما بقي من الغنائم
وقسَّمه على الغزاة بعد أن اجتمع إليه الأعراب، وصاروا يقولون له: اقسم
علينا حتى ألجؤوا إلى شجرة فتعلق رداؤه، فقال: ((ردّوا ردائي أيها الناس،
فوالله إن كان لي شجر تهامة نعماً لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلاً ولا
جباناً ولا كذوباً)). ثم قام إِلى بعيره وأخذ وبرَة من سنامه وقال: ((أيها الناس
والله مالي من غنيمتكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم،
فأدّوا الخياط والمخيط فإن الغلول(١) يكون على أهله عاراً وشناراً يوم القيامة))
فصار كل من أخذ شيئاً من الغنائم خلسة يردّه ولو كان زهيداً. ثم شرع يقسم
فأصاب الرجل أربعة من الإِبل وأربعون شاة، والفارس ثلاثة أمثال ذلك، فقال
رجل من المنافقين: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، فغضب عليه الصلاة
والسلام حتى احمّر وجهه وقال: ((ويحك من يعدل إذا لم أعدل))؟ فلم يؤدّه
غضبه أن ينتقم لنفسه، حاشاه عليه الصلاة والسلام من ذلك، بل لم يزد على
أن نصح وحذّر، وقال له عمر وخالد بن الوليد: دعنا يا رسول الله نضرب
عنقه، فقال: لا! لعله أن يكون يصلّي، فقال خالد: وكم من مصلٍّ يقول
بلسانه ما ليس في قلبه! فقال #؛ إني لم أومر أن أنقُب عن قلوب الناس ولا
أشق عن بطونهم».
ولما أعطى رسول الله ما أعطى من تلك العطايا لقريش وقبائل العرب
وترك الأنصار، غضب بعضهم حتى قالوا: إن هذا لهو العجب يعطي قريشاً،
ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم !! فبلغه ذلك فأمر بجمعهم وليس معهم
(١) الاختلاس من الغنيمة .
٢١٦
-٠