Indexed OCR Text

Pages 181-200

يَحِلُونَ لَمُنٍّ وَءَاتُوهُ مَّا أَنَفَقُواْ وَلَا جُنَاحَ عَيْكُمْأَنْ تَنْكِيُوهُنَّ إِذَآ ءَاتَُّوهُنَّ أُجُورَ هُنَّ وَلَا يُمْسِكُواْ
ج
ج
بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَسْئَلُوْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْعَلُواْ مَ أَنْفَقُواْ ذَلِكُرْ حُكُ اللهِ بَحْكُرُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ
عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾(١).
------.
فكانت المرأة المهاجرةُ تُستحلف أنها ما خرجت رغبة بأرض عن أرض، ولا
من بغض زوج، ولا لالتماس دنيا ولا لرجل من المسلمين، وما خرجت إلا
حباً لله ولرسوله، ومتى حلفت لا تردّ بل يعطى لزوجها المشرك ما أنفقه عليها،
ويجوز للمسلم تزوّجها. وفي الآية تحريم إمساك الزوجة الكافرة، بل تردّ إلى
أهليها بعد أن يعطوا ما أنفقوا عليها. وقد تمكن أبو بصير، عتبة بن أسيد
الثقفي رضي الله عنه، من الفرار إِلى رسول الله، فأرسلت قريش في أثره
رجلين يطلبان تسليمه، فأمره عليه الصلاة والسلام بالرجوع معهما، فقال: يا
رسول الله أتردني إلى الكفار يفتنونني في ديني بعد أن خلصني الله منهم؟
فقال: إن الله جاعل لك ولإخوانك فرجاً، فلم يجد بدأ من اتباعه فرجع مع
صاحبيه. ولما قارب ذا الحُليفة عدا على أحدهما فقتله، وهرب منه الآخر،
فرجع إلى المدينة وقال: يا رسول الله وفَتْ ذمتك أما أنا فنجوت، فقال له:
اذهب حيث شئت ولا تُقم بالمدينة، فذهب إلى محل بطريق الشام تمرّ به
تجارة قريش فأقام به، واجتمع معه جمع ممن كانوا مسلمين بمكة ونجوا،
وسار إليه أبو جندل بن سهيل، واجتمع إليه جمع من الأعراب، وقطعوا الطريق
على تجارة قريش حتى قطعوا عنهم الأمداد، فأرسل رجال قريش لرسول الله
يستغيثون به في إبطال هذا الشرط ويعطونه الحق في إمساك من جاءه مسلماً،
فقبل منهم ذلك، وأزاح الله عن المسلمين هذه الغمة التي لم يتمكنوا من
تحملها في الحديبية حينما أمرهم عليه الصلاة والسلام بردّ أبي جندل، وعلموا
أن رأي رسول الله أفضل وأحسن من رأيهم، حيث كان فيه أمن تسبب عنه
اختلاط الكفار بالمسلمين، فخالطت بشاشة الإِسلام قلوبهم حتى قال أبو بكر
رضي الله عنه: ما كان فتح في الإِسلام أعظم من فتح الحديبية، ولكن الناس
.. " ..
٠٠.
(١) الممتحنة ١٠ .
١٧٧

قصر رأيهم عما كان بين محمد وربه، والعباد يعجلون والله لا يعجل لعجلة
العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد. وفي رجوعه عليه الصلاة والسلام من الحديبية
نزلت عليه سورة الفتح وقال سبحانه وتعالى في أولها: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْهَا
مُبِينً﴾(١) وفي تسمية هذه الغزوة بالفتح المبين تصديق لما قدمنا لك عن
الصدّيق.
مكاتبة الملوك
بعد رجوع المسلمين من الحديبية في أواخر سنة ست وأمن الطريق من
قريش، كاتب عليه الصلاة والسلام ملوك الأرض يدعوهم إلى الإسلام ،.
واتخذ إذا ذاك خاتماً من فضة يختم به خطاباته، وكان نقشه (محمد
رسول الله) فوجه دحية الكلبي بكتاب إلى قيصر ملك الروم، وأمره أن يدفعه
إلى عظيم بصرى ليوصله إلى الملك.
کتاب قیصر
وكان الكتاب (بسم الله الرحمن الرحيم) من محمد بن عبد الله إلى
هِرَقْل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية
الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم
الأرِيسِّين(٢) ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ تَعَلَوْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءِ، بِثَنَ وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلَّا الله
وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَبْعًا وَلَا يَتَّخِذُ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ الِّ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا
مُسْلِمُونَ﴾(٣).
حديث أبي سفيان
ولما وصل هذا الكتاب قيصر قال: انظروا لنا من قومه أحداً نسأله عنه
(١) سورة الفتح آية ١.
(٢) الفلاحين .
(٣) سورة آل عمران آية ٩٤.
١٧٨

٢٠١١٤٤٨
كرور ...
وكان أبو سفيان بن حرب بالشام مع رجال من قريش في تجارة، فجاءت رسل
قيصر لأبي سفيان ودعوه لمقابلة الملك فأجاب، ولما قدموا عليه في القدس
قال لترجمانه: سلْهم أيُّهم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال
أبو سفيان: أنا، لأنه لم يكن في الركب من بني عبد مناف غيره، فقال قيصر:
ادن مني، ثم أمر بأصحابه فجعلوا خلف ظهره، ثم قال لترجمانه: قل
لأصحابه إنما قدمت هذا أمامكم لأسأله عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي،
وقد جعلتكم خلفه كيلا تخجلوا من ردّ كذبه عليه إذا كذب، ثم سأله: كيف
نسب هذا الرجل فيكم؟ قال: هو فينا ذو نسب، قال: هل تكلّم بهذا القول
أحد منكم قبله؟ قال: لا. قال هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟
قال: لا، قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قال: لا، قال: فأشراف الناس
يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ قال: بل ضعفاؤهم، قال: فهل يزيدون أم ينقصون؟
قال: بل يزيدون، قال هل يرتدّ أحد منهم سخطة لدينه؟ قال: لا، قال: هل
يغدر إذا عاهد؟ قال: لا، ونحن الآن منه في ذمة لا ندري ما هو فاعل فيها،
قال: فهل قاتلتموه؟ قال: نعم. قال: فكيف حربكم وحربه؟ قال: الحرب
بيننا وبينه سجال مرة لنا ومرة علينا. قال: فيمَ يأمركم؟ قال: يقول اعبدوا الله
وحده ولا تشركوا به شيئاً، وينهى عما كان يعبد آباؤنا، ويأمر بالصلاة والصدق
والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة .
فقال الملك: إني سألتك عن نسبه فزعمت أنه فيكم ذو نسب،
وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول
قبله، فزعمت أن لا، فلو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتمُ بقول
قيل قبله، وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فزعمت أن
لا، فقلت: ما كان ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله. وسألتك مل
كان من آبائه من ملك؟ فقلت لا، فلو كان من آبائه ملك لقلت رجل يطلب
ملك أبيه، وسألتك أأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم
وهم أتباع الرسل، وسألتك هل يزيدون أم ينقصون؟ فقلت: بل يزيدون،
١٧٩
:

٠ ٠ ..
----------- ----------------
وكذلك الإِيمان حتى يتم، وسألتك هل يرتدّ أحد منهم سخطة لدينه؟ فقلت:
لا، وكذلك الإِيمان حين تخالط بشاشته القلوب، وسألتك: هل قاتلتموه؟
فقلت: نعم، وإن الحرب بينكم وبينه سجال، وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون
لهم العاقبة، وسألتك: بماذا يأمر؟ فزعمت أنه يأمر بالصلاة والصدق والعفاف
والوفاء بالعهد وأداء الأمانة، وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك
الرسل لا تغدر، فعلمت أنه نبي، وقد علمت أنه مبعوث، ولم أظن أنه فيكم،
وإن كان ما كلمتني به حقاً فسيملك موضع قدمَّي هاتين، ولو أعلم أني أخلص
إليه لتكلفت ذلك. قال أبو سفيان: فعلَتْ أصوات الذين عنده وكثر لغَطُهم فلا
أدري ما قالوا وأُمر بنا فأخرجنا، فلما خرج أبو سفيان مع أصحابه قال: لقد
بلغ أمر ابن أبي كبشة أن يخافه ملك بني الأصفر!
ولما سار قيصر إلى حمص أذن لعظماء الروم في دسكرة له ثم أمر.
بأبوابها فأغلقت، ثم قال: يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت
ملككم فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا خَيْصة حُمُر الوحوش إِلى الأبواب
فوجدوها مغلقة، فلما رأى قيصر نفرتهم قال: ردُّوهم عليَّ، فقال لهم: إني
قلت مقالتي أختبر بها شدتكم على دينكم فسكتوا له ورضوا عنه، فغلبه حب
ملكه على الإِسلام، فذهب بإثمه وإثم رعيته كما قال عليه الصلاة والسلام،
ولكنه ردّ دحیة ردّاً جميلاً.
کتاب أمير بصرى
وأرسل عليه الصلاة والسلام الحارث بن عمير الأزدي بكتاب إلى أمير
بصرى فلما بلغ مؤتة (وهي قرية من عمل البلقاء بالشام) تعرّض له شرحبيل بن
عمرو الغساني فقال له: أين تريد؟ قال: الشام، قال: لعلك من رسل محمد؟
قال: نعم، فأمر به فضربت عنقه. ولم يقتل لرسول الله عليه الصلاة والسلام
رسول غيره وقد وجد لذلك وجداً شديداً.
١٨٠
m --- ----- -*

کتاب الحارث بن أبي شِمر
ووجَّه عليه السلام شجاعَ بن وهب إلى أمير دمشق من قبل هرقل
الحارث بن أبي شمر، وكان يقيم بغوطتها، وفيه (بسم الله الرحمن الرحيم)
من محمد رسول الله إلى الحارث بن أبي شِمْر، سلام على من اتبع الهدى
وآمن بالله وصدّق، وإني أدعوك أن تؤمن بالله وحده لا شريك له يبق ملكك.
فلما قرأ الكتاب رمى به، وقال: من ينزع ملكي مني؟ واستعد ليرسل جيشاً
لحرب المسلمين، وقال الشجاع أخبر صاحبك بما ترى. ثم أرسل إِلى قيصر
يستأذنه في ذلك، وصادف أن كان عنده دِحْيَة فكتب قيصر إليه يثنيه عن هذا
العزم ويأمره أن يهيىء بإيليا ما يلزم لزيارته، فإنه بعد أن قهر الفرس نذر
زيارتها. فلما رأى الحارث كتاب قيصر صرف شجاع بن وهب بالحسنى ووصله
بنفقة وكسوة .
كتاب المقَوْقِس
ووجّه عليه الصلاة والسلام حاطب بن أبي بَلْتَعة بكتاب إلى المقوقس
أمير مصر من جهة قيصر، وكان فيه (بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد
رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط. سلام على من اتبع الهدى. أمّا بعد : .
فإني أدعوك بدعاية الإِسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت
فإنما عليك إثم القبط، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة. إلخ الآية). فأوصله
له حاطب بالإسكندرية، فلما قرأه قال: ما منعه إن كان نبياً أن يدعو على من
خالفه وأخرجه من بلده؟ فقال حاطب: ألست تشهد أن عيسى بن مريم
رسول الله، فما له حيث أخذه قومه فأرادوا أن يقتلوه ألا يكون دعا عليهم أن
يهلكهم الله حتى رفعه الله إليه؟ قال: أحسنت! أنت حكيم جاء من عند
حكيم. ثم قال: إني قد نظرت في أمر هذا النبي فوجدت أنه لا يأمر بمزهود
فيه ولا ينهى عن مرغوب فيه، ولم أجده بالساحر الضالّ ولا الكاهن الكذاب،
ووجدت معه آلة النبوة: إخراج الغائب المستور، والإخبار بالنجوى، وسأنظر.
١٨١

ثم كتب ردّ الجواب يقول فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم) لمحمد بن
عبد الله من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك. أما بعد فقد قرأت كتابك
وفهمت ما ذكرت فيه وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبياً قد بقي وكنت أظنه
يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك وبعثت لك بجاريتين لهما مكان عظيم في
القبط وبثياب، وأهديت إليك بغلة تركبها. والسلام) وإحدى الجاريتين مارية
التي تسرَّى بها عليه الصلاة والسلام وجاء منها بولده إبراهيم، والأخرى
أعطاها لحسان بن ثابت. ولم يسلم المقوقس.
کتاب النجاشي
ووجَّه عليه الصلاة والسلام عمرو بن أمية الضمري بكتاب إلى النجاشي
ملك الحبشة، وفيه: (بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى
النجاشي عظيم الحبشة. سلام أما بعد فإني أحمد اليك الله الذي لا إله إلا
هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى بن مريم روح
الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى من روحه
ونفخه كما خلق آدم بيده. وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاة
على طاعته، وأن تتبعني وتوقن بالذي جاءني، فإني رسول الله، وإني أدعوك
وجنودك إلى الله عز وجل. وقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصيحتي، والسلام
على من اتبع الهدى).
ولما وصله الكتاب احترمه غاية الاحترام، وقال لعمرو: إني أعلم والله
أن عيسى بشّر به، ولكن أعواني بالحبشة قليل، فأنظرني حتى أكثر الأعوان
وأُلِّن القلوب. وقد عرض عمرو على من بقي من مهاجري الحبشة الرجوع،
إلى رسول الله بالمدينة، وكان من المهاجرين أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج
عبيد الله بن جحش الذي كان أسلم وهاجر بها، ولكن قد غلبت عليه الشقاوة
فتنصَّر، فتزوج عليه السلام أم حبيبة وهي بالحبشة، والذي زوّجها له
النجاشي بتوكيل منه عليه الصلاة والسلام .
١٨٢

....
- :
کتاب کسری
ووجّه عليه الصلاة والسلام عبد الله بن حُذافة السَّهمي(١) بكتاب إِلى
كسرى ملك الفرس، وفيه: (بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله
إلى كسرى عظيم فارس. سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله، وشهد
أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، أدعوك بدعاية
الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حياً ويحق القول على
الكافرين، أسلم تسلم فإن أبيت فإنما عليك إثم المجوس) فلما وصله الكتاب
مزَّقه استكباراً. ولما بلغه عليه الصلاة والسلام ذلك قال: ((مزّق الله ملكه كل
مُمزَّق)). وقد فعل، فكانت مملكته أقرب الممالك سقوطاً. وقد بدأ هذا
الشقي بالعدوان، فأرسل لعامله على اليمن أن يوجه إلى الرسول من يأتي به
إليه، فعاجله الله بقيام ابنه شيرويه عليه وقتله له، ثم أرسل لعامله باليمن ينهاه
عما أمره به أبوه .
کتاب المنذر بن ساوى
ووجّه عليه الصلاة والسلام العلاء بن الحضرمي بكتاب إلى المنذر بن
ساوى ملك البحرين، يدعوه فيه إلى الإِسلام وفيه: (بسم الله الرحمن الرحيم
أسلم أنت، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد: فإن من صلى
صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم، له ذمة الله وذمة الرسول،
من أحب ذلك من المجوس فإنه آمن ومن أبى فإن عليه الجزية، فأسّلّمَ.
وكتب في ردّ الجواب: (أما بعد يا رسول الله فإني قرأت كتابك على أهل
البحرين، فمنهم من أحب الإِسلام وأعجبه ودخل فيه، ومنهم من كره،
وبأرضي مجوس ويهود، فأحدث إليَّ في ذلك أمرك، فكتب إليه عليه الصلاة
(١) عبد الله بن حذافة السهمي واحد من الأبطال الذي دافعوا عن الإسلام بعزة ووفاء، وهو واحد
من الستة الذين اختارهم رسول الله ؛ ليحملوا كتبه إلى ملوك العرب والعجم. مات في خلافة
عثمان .
٠
١٨٣

والسلام (بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى.
سلام عليك فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو وأشهد أن لا إله إلا الله
وأن محمداً عبده ورسوله، أما بعد فإني أذكرك الله عز وجل فإنه من ينصح
فإنما ينصح لنفسه، وإنه من يطع رسلي ويتبع أمرهم فقد أطاعني ومن نصح
لهم فقد نصح لي، وإن رسلي قد أثنوا عليك خيراً، وإني قد شفَّعتك في
قومك فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوت عن أهل الذنوب فاقبل منهم،
وإنك مهما تصلح فلن نغيرك عن عملك، من أقام على يهوديته أو مجوسيته
فعليه الجزية).
كتاب مَلِكِي عُمان
ووجّه عليه الصلاة والسلام عمرو بن العاص بكتاب إلى جَيْفَر وعبد ابني
الجُلْدي ملكي عُمان وفيه: (بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله
إلى جَيْفَر وعبد ابني الجُلَنْدي. سلام على من اتبع الهدى. أما بعد فإني
أدعوكما بدعاية الإِسلام. أسلما تسلما، فإني رسول الله إلى الناس كافة،
لأنذر من كان حياً ويحق القول على الكتافرين، وإنكما إن أقررتما بالإِسلام
وليتكما وإن أبْتما فإن ملككما زائل، وخيلي تحلَّ بساحتكما وتظهر نبوَّتي
على ملككما).
فلما دخل بناديهما عمرو سأله عبد بن الجُلَندى عما يأمر به الرسول
وينهى عنه، فقال: يأمر بطاعة الله عز وجل، وينهى عن معصيته، ويأمر بالبر
وصلة الرحم، وينهى عن الظلم والعدوان والزنى وشرب الخمر، وعن عبادة
الحجر والوثن والصليب، فقال: ما أحسن هذا الذي يدعو إليه، ولو كان أخي
يتابعني لركبنا حتى نؤمن بمحمد ونصدق به، ولكن أخي أضنّ بملكه من أن
يدعه ويصير تابعاً. قال عمرو: إن أسلم أخوك ملكه رسول الله على قومه،
فأخذ الصدقة من غنيهم فردها على فقيرهم، فقال عبد: إن هذا لخلقٌ حسن.
وما الصدقة؟ فأخبره بما فرض الله من الصدقات في الأموال، ولما ذكر
١٨٤

المواشي قال: يا عمرو ويؤخذ من سوائم مواشينا التى ترعى في الشجر وترد
المياه؟ قال: نعم، فقال عبد: والله ما أرى قومي على بعد دارهم وكثرة
عددهم يرضون بهذا. ثم إن عبداً أوصل عَمْراً لأخيه جَيْفَر فتكلم معه عمرو
بما ألان قلبه حتى أسلم هو وأخوه ومكّناه من الصدقات.
كتاب هَوْذة بن علي
ووجَّه عليه الصلاة والسلام سليط بن عمرو العامري بكتاب إلى هَوْذة بن
علي ملك اليمامة وفيه: (بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى
هَوْذة بن علي: سلام على من اتبع الهدى. وأعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى
الخف والحافر، فأسلم تسلم، وأجعل لك ما تحت يديك) فلما جاء الكتاب
كتب في رده: (ما أحسن ما تدعو اليه وأجمله، وأنا شاعر قومي وخطيبهم
والعرب تهاب مكاني فاجعل لي بعض الأمر أتبعك). ولما بلغ ذلك رسول الله
قال: لو سألني قطعة من الأرض ما فعلت. بإدَ وباد ما في يديه). فلم يلبث
أن مات مُنصرف الرسولِ وَ ل98 من فتح مكة. وكان عليه الصلاة والسلام يولّي
على كل قوم قبلوا الإِسلام كبيرهم.
١٨٥
٢٠- ٠,٠٩
٠٠٠٠٠١٠٥ 19٩٠ 11

-
-
-
-

السنة السابعة
غزوة خَيْبَر
وفي محرم السنة السابعة أمر عليه الصلاة والسلام بالتجهيز لغزو يهود
خيبر الذين كانوا أعظم مهيج للأحزاب ضد رسول الله في غزوة الخندق،
والذين لا يزالون مجتهدين في محالفة الأعراب ضد رسول الله، كما قدمنا
ذلك في قصة كعب بن الأشرف، وقد استنفر رسول الله لذلك مَنْ حوله من
الأعراب الذين كانوا معه بالحديبية، وجاء المخلَّفون عنها ليؤذن لهم، فقال
عليه الصلاة والسلام: لا تخرجوا معي إلا رغبة في الجهاد، أما الغنيمة فلا
أعطيكم منها شيئاً. وأمر منادياً ينادي بذلك. ثم خرج عليه الصلاة والسلام
بعد أن ولّى على المدينة سباع بن عُرْفُطة الغِفاري، وكان معه من أزواجه أم
سلمة، ولما وصل جيش المسلمين إلى خيبر التي تبعد عن المدينة نحو مائة
ميل من الشمال الغربي، رفعوا أصواتهم بالتكبير والدعاء، فقال عليه الصلاة
والسلام: ((ارفقوا بأنفسكم لا تدعون أصمّ ولا غائباً إنكم تدعون سميعاً قريباً
وهو معكم)).
وكانت حصون خيبر ثلاثة منفصلاً بعضها عن بعض، وهي حصون
النَّطَاة، وحصون الكثيبة، وحصون الشقّ. والأولى ثلاثة: حصن ناعم،
وحصن الصعب. وحصن قلة. والثانية حصنان: حصن أبيّ، وحصن البريء.
والثالثة ثلاثة حصون: حصن القَمُوصِ، وحصن الوَطِيحِ، وحصن السُّلالِم،
فبدأ عليه الصلاة والسلام بحصون النِّطاة، وعسكر المسلمون شرقيها بعيداً عن
مدى النبل، وأمر عليه الصلاة والسلام أن يقطع نخلهم ليرهبهم حتى يسلموا،
فقطع المسلمون نحو أربعمائة نخلة. ولما رأى عليه الصلاة والسلام تصميم
اليهود على الحرب نهى عن القطع، ثم ابتدأ القتال مع حصن ناعم بالمراماة،
١٨٧

٢٤٤١٠٠
وكان لواء المسلمين بيد أحد المهاجرين، فلم يصنع في ذلك اليوم شيئاً، وفيه
مات محمود بن مسلمة أخو محمد بن مسلمة، وصار عليه الصلاة والسلام
يغدو كل يوم مع بعض الجيش للمناوشة، ويخلف على العسكر أحد
المسلمين حتى إذا كانوا في الليلة السابعة ظفر حارس الجيش وهو عمر بن
الخطاب، بيهودي خارج في جوف الليل، فأتى به رسول الله عليه الصلاة
والسلام، ولما أدرك الرجل الرعب قال: إن أمَّنْتُموني أدلكم على أمر فيه
نجاحكم. فقالوا دلَّنا فقد أمَّناك، فقال: إن أهل هذا الحصن أدركهم الملال
والتعب، وقد تركتهم يبعثون بأولادهم إلى الحصن الشق وسيخرجون لقتالكم
غداً، فإذا فتح عليكم هذا الحصن غداً، فإني أدلكم على بيت فيه منجنيق
ودبابات(١) ودروع وسيوف يسهل عليكم بها فتح بقية الحصون، فإنكم
تنصبون المنجنيق، ويدخل الرجال تحت الدبابات فينقبون الحصن فتفتحه من
يومك. فقال عليه الصلاة والسلام لمحمد بن مسلمة: سأعطي الراية غداً
رجلاً يحب الله ورسوله ويجبانه، فبات المهاجرون والأنصار كلهم يتمنونها،
حتى قال عمر بن الخطاب: ما تمنيت الإِمارة إلا ليلتئذ، فلما كان الغد سأل
عليه الصلاة والسلام عن عليّ بن أبي طالب فقيل له إنه أرمد، فأرسل من يأتيه
به، ولما جاء تفَل في عينيه فشفاهما الله كأن لم يكن بهما شيء، ثم أعطاه
الراية، فتوجَّه مع المسلمين للقتال. وهناك وجدوا اليهود متجهزين، فخرج
يهودي يطلب البراز فقتله علي، ثم خرج مَرْحَب وهو أشجع القوم فألحقه
برفيقه، فخرج أخوه ياسر فقتله الزبير بن العوام، ثم حمل المسلمون على
اليهود حتى كشفوهم عن مواقفهم، وتبعوهم حتى دخلوا الحصن بالقوة،
وانهزم الأعداء إلى الحصن الذي يليه، وهو حصن الصعب، وغنم المسلمون
من حصن ناعم كثيراً من الخبز والتمر، ثم تتبعوا اليهود إلى حصن الصعب
فقاتل عنه اليهود قتالاً شديداً حنى رُدّ عنه المسلمون، ولكن ثبت الحُباب بن
المنذر ومن معه، وقاتلوا قتالاً شديداً حتى هزموا اليهود، فتبعوهم حتى افتتحوا
(١) الدبابة آلة تتخذ للحروب فتدفع في أصل الحصن فينقبونها وهم في جوفها.
١٨٨

--- --------
------ ------- " - "
عليهم الحصن، فوجدوا فيه غنائم كثيرة من الطعام، فأمر عليه الصلاة والسلام
منادياً يقول: كلوا واعلفوا دوابَّكم ولا تأخذوا شيئاً. ثم إن الذين انهزموا من
هذا الحصن ساروا إلى حصن قلة، فتبعهم المسلمون وحاصروهم ثلاثة أيام
حتى استصعب عليهم فتحه، وفي اليوم الرابع دلهم يهودي على جداول الماء
التي يستقي منها اليهود فمنعوها عنهم، فخرجوا وقاتلوا قتالاً شديداً انتهى
بهزيمتهم إلى حصون الشقّ، فتبعهم المسلمون وبدؤوا بحصن أبيّ، فخرج
أهله، وقاتلوا قتالاً شديداً أبلى فيه أبو دجانة الأنصاري بلاءً حسناً حتى تمكن
من دخول الحصن عَنْوة، ووجد المسلمون فيه أثاثً كثيراً ومتاعاً وغنماً وطعاماً،.
وهرب المنهزمون منه إلى حصن البريء فتمنعوا به أشد التمنع، وكان
أهله أشد اليهود رمياً بالنبل والحجارة حتى أصاب رسول الله بعض منه، فنصب المسلمون
عليه المنجنيق فوقع في قلب أهله الرعب وهربوا منه من غير عناء شديد. فوجد
فيه المسلمون أواني لليهود من نحاس وفخار، فقال عليه الصلاة والسلام:
اغسلوها واطبخوا فيها. ثم تتبع المسلمون بقايا العدو إلى حصن الكثيبة،
وبدؤوا بحصن القَمُوص، فحاصروه عشرين ليلة ثم فتحه الله على يد علي بن
أبي طالب، ومنه سُبيت صفية بنت حُييّ بن أخطب. ثم سار المسلمون
لحصار حصني الوطيح والسُّلالم، فلم يقاوم أهلها، بل سلّموا طالبين حقن
دمائهم، وأن يخرجوا من أرض خيبر بذراريهم لا يصطحب الواحد منهم إلا
ثوباً واحداً على ظهره، فأجابهم رسول الله إلى ذلك، وغنم المسلمون من
هذين الحصنين مائة درع وأربعمائة سيف وألف رمح وخمسمائة قوس عربية
ووجدوا صحفاً من التوراة فسلّموها لطالبيها. وقد أمر عليه الصلاة والسلام
بقتل كنانة بن الربيع بن أبي الحُقيقِ، لأنه أنكر حليّ حُيّيّ بن أبي أخطب،
وقد عثر عليها المسلمون، فوجدوا فيها أساور ودمالج وخلاخيل وقرطة وخواتيم
الذهب وعقود الجواهر والزمرد وغير ذلك.
هذا، والذين استشهدوا من المسلمين بخيبر خمسة عشر رجلاً، وقتل
من اليهود ثلاثة وتسعون رجلاً. وفي هذه الغزوة أهدت إحدى نساء اليهود
١٨٩
!---

◌ُراع (١) شاةٍ مسمومة لرسول الله، فأخذ منها مضغة ثم لفظها، حيث أُعلم أنها
مسمومة. وأكل منها بشر بن البراء فمات لوقته، واحتجم رسول الله وَّر،
وجيء له بالمرأة التي فعلت هذه الفعلة، فسألها عن سبب ذلك، فأجابت:
قلت إن كان نبياً لن يضرّه، وإن كان كاذباً أراحنا الله منه، فعفا عنها عليه
الصلاة والسلام .
زواج صفية (٢)
وبعد تمام الظفر والنصر، تزوج عليه الصلاة والسلام صفية بنت حُّيّ
سيد بني النضير وأصدقها عِتّقها، وقد أسلمت رضي الله عنها، فشرفت بأمومة
المؤمنين .
النهي عن نكاح المتعة(٣)
ونهى عليه الصلاة والسلام وهو بخيبر عن نكاح المتعة، وهي النكاح
لأجل. وقد كان حلالاً في الجاهليةٌ، واستعمل في بدء الإِسلام حتى حرّمه
الشرع في هذه السنة. ونهى كذلك أكل لحوم الحمر الأهلية، فأكفأ المسلمون
قدورها بعد أن نضجت ولم يطعموها.
رجوع مهاجري الحبشة
وحين رجوع المسلمين من خيبر، قدم من الحبشة جعفر بن أبي طالب
(١) أقدام شاة.
(٢) من سبي خيبر أخذها النبي # وأعتقها وتزوجها، وكانت صفية سيدة فاضلة في قومها يؤخذ
برأيها. توفيت سنة ٥٢ للهجرة.
(٣) ويسمى المؤقت وهو أن يعقد الرجل على امرأة أسبوعاً أو شهراً أو أقل أو أكثر، وهو زواج متفق
على تحريمه بين أئمة المذاهب. وعن علي كرم الله وجهه أن رسول الله # نهى عن متعة
النساء يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الأهلية.
١٩٠

٢٢٢٢١٤٤١٠٠
ومعه الأشعريون: أبو موسى وقومه، بعد أن أقاموا فيها نحواً من عشر سنين
آمنين مطمئنين، وفرح عليه الصلاة والسلام بمقدمهم فرحاً عظيماً، وأعطى
للأشعريين من غنائم الحصون المفتوحة صلحاً. وكان مع جعفر أم حبيبة بنت
أبي سفيان أم المؤمنين. وقدم في هذا الوقت على النبي عليه الصلاة والسلام
الدَّوْسيُّون إخوان أبي هريرة رضي الله عنه وهو معهم، فأعطاهم أيضاً
رسول الله ﴾.
فتح
فدك
وبعد تمام الفتح أرسل عليه الصلاة والسلام من يطلب من يهود فَدَك (١)
الانقياد والطاعة، فصالحوا رسول الله على أن يحقن دماءهم ويتركوا الأموال،
وكانت أرض فدك هذه لرسول الله خاصة ينفق منها على نفسه، ويعول منها
صغير بني هاشم ويزوج منها أيِّمهم.
صلح تيماء
ولما بلغ يهودَ تَيْماء(٢) ما فعله المسلمون بيهود خيبر، صالحوا على دفع
الجزية ومكثوا في بلادهم آمنين مطمئنين.
.+
فتح وادي القُرى
ثم دعا عليه الصلاة والسلام يهود وادي القرى إلى الاستسلام، فأبوا
وقاتلوا، فقاتلهم المسلمون وأصابوا منهم أحد عشر رجلاً، وغنموا منهم مغانم
كثيرة خمِّسها عليه الصلاة والسلام، وترك الأرض في أيدي أهلها يزرعونها
(١) حصن قريب من خيبر على ست ليال من المدينة.
(٢) قرية على ثمان مراحل من المذ:
١٩١

.......... ... .
.. . .
٠.٠٠ ---- ٠ ٠٠٠.
بشطر ما يُخرجون منها، وكذلك صنع بأرض خيبر، وكان يرسل اليهم
عبد الله بن رواحة لتقدير الثمر، وكان تقديره شديداً عليهم، فأرادوا أن يرشوه
فقال لهم: يا أعداء الله تعطوني السُّحت(١)؟ والله لقد جئتكم من عند أحب
الناس إليَّ، ولأنتم أبغض إليَّ من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم
وحبي إياه على ألا أعدل. هذا، وبانقياد جميع اليهود المجاورين للمدينة
ارتاح المسلمون من شر عدو كان يتربص بهم الدوائر، مهما كان بين الفريقين
من العهود والمواثيق، ورجع المسلمون مؤيدين ظافرين.
إسلام خالد ورفيقيه
وأعقب هذه الغزوة وهذا الفتح المبين إسلام ثلاثة طالما كانت لهم اليد
الطولى في قيادة الجيوش لحرب المسلمين، وهم: خالد بن الوليد
المخزومي، وعمروبن العاص السهمي، وعثمان بن أبي طلحة العبدري،
فسرِّ بهم عليه الصلاة والسلام سروراً عظيماً وقال لخالد: الحمد لله الذي
هداك، قد كنت أرى لك عقلاً رجوت ألا يسلمك إلا إلى خير، فقال: يا
رسول الله ادعُ لي الله أن يغفر تلك المواطن التي كنت أشهدها عليك، فقال
عليه الصلاة والسلام: ((الإِسلام يقطع ما قبله)).
سرية
وفي شعبان بلغه عليه الصلاة والسلام أن جمعاً من هوازن بتربة (٢)
يظهرون العداوة للمسلمين، فأرسل لهم عمر بن الخطاب في ثلاثين رجلاً،
فسار إليهم. ولما بلغهم الخبر تفرقوا فلم يجد عمر واحداً فرجع.
[ (١) الحرام.
(٢) وادٍ بالقرب من مكة على مسافة يومين منها.
١٩٢

٠١٠٠
سرية
ثم أرسل بشير بن سعد الأنصاري لقتال بني مرَّة بناحية فَدَك، فلما ورد
بلادهم لم ير منهم أحداً، فأخاٍ نعمهم وذهب بها إلى المدينة. أما القوم
فكانوا في الوادي فجاءهم الصريخ فأدركوا بشيراً ليلًاً وهو راجع فترامَوْا
بالنبل، ولما أصبح الصبح اقتتلُّ الفريقان قتالاً شديداً، حتى قتل غالب
المسلمين وجرح بشير جرحاً شديداً حتى ظن أنه مات، ولما انصرف عنه.
العدو تحامل حتى جاء إلى رسول الله وأخبره الخبر.
وفي رمضان أرسل عليه الصلاة والسلام غالب بن عبيد الله الليثي إلى
أهل الميفَعَة(١) في مائة وثلاثين رجلاً، فساروا حتى هجموا على القوم، فقتلوا.
بعضاً وأسروا آخرين، وفي أثناء الجرب طارد أسامة بن زيد رجلاً من
المشركين، ولما رأى المشرك الموت في يد أسامة تشهَّد، فظن أُسامة أن
عدوه إنما قال ذلك تخلصاً فقتله. ولما رجع المسلمون إلى المدينة وأخبر
رسول الله بفعلة أسامة قال: أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله، فكيف تصنع بلا
إله إلا الله؟! قال: يا رسول الله إنما قالها متعوِّذاً من القتل، قال عليه الصلاة
والسلام: فهلّا شقَقْت عن قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب؟! فقال: يا
رسول الله، استغفر لي. قال عليه الصلاة والسلام: فكيف بلا إله إلا الله؟!
فما زال يكررها حتى تمنى أسامة أنه لم يسلم قبل ذلك اليوم، وأنزل الله
تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوْ لِمَنْ أَلْقَنَ إِلَيْكُمُ الََّمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَزَةِ الدُّنْيَا
فَعِندَ اللّهِ مَغَائِمُ كَثِرَةٌ﴾(٢). ثم أمر عليه السلام أسامة أن يعتق رقبة كفّارة
لأنه قتل خطأ.
سرية
وفي شوال بلغه عليه الصلاة والسلام أن عُيّينة بن حصن واعد جماعة
(١) على ثمانية بُرُد من المدينة بناحية نجد ..
(٢) سورة النساء آية ٩٤.
١٩٣
ـبـ
...... .. . . .. . .. .
٠٠٠
...

........-
٠ ٠٠٠٠
٠ ٠٠ ٠
٢٤٤٤١٠٠
من غَطّفان كانوا مقيمين قريباً من خيبر بأرض اسمها يٌمُن وجَبَار للإِغارة على
المدينة، فأرسل لهم بشير بن سعد في ثلثمائة رجل، فساروا إليهم يكمنون
النهار ويسيرون الليل، حتى أتوا محلتهم فأصابوا نعماً كثيرة، وتفرق الرِّعاء
فأخبروا قومهم ففزعوا ولحقوا بعُلْيا بلادهم، ولم يظفر المسلمون إلا برجلين
أسلما ثم رجعوا بالغنائم إلى المدينة.
عمرة القضاء
لما حال الجول على عمرة الحديبية، خرج عليه الصلاة والسلام بمن
صدّ معه فيها ليقضي عمرته، واستخلف على المدينة أبا ذرّ الغفاري. وساق
معه الهَذْي ستين بدنة، وأخرج معه السلاح حذراً من غدر قريش، وكان معه
مائة فرس عليها بشير بن سعد. وأحرم عليه الصلاة والسلام من باب المسجد
المدني، ولما انتهى إلى ذي الحليفة قدَّم الخيل أمامه فقيل: يا رسول الله،
حملت السلاح، وقد شرطوا ألا تحمله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: لا ندخل
الحرم به ولكن يكون قريباً منا، فإن هاجنا هائج فزعنا له. فلما كان بمرِّ
الظّهْران قابله نفر من قريش، ففزعوا من هذه العدَّة، وأسرعوا إلى قومهم
فأخبروهم، فجاءه فتيان منهم وقالوا: والله يا محمد ما عرفت بالغدر صغيراً ولا
كبيراً، وإنا لم نحدث حدثاً !! فقال: إنا لا ندخل الحرم بالسلاح. ولما حان
وقت دخوله مكة، خرج أهلوها كارهين رؤية المسلمين يطوفون بالبيت، فدخل
عليه الصلاة والسلام وأصحابه متوشّحين سيوفهم من ثنيَّة كداء(١) وأمامه
عبد الله بن رواحة يقول: لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعزّ
جنده، وهزم الأحزاب وحده، وطاف عليه الصلاة والسلام بالبيت وهو على.
راحلته واستلم الحجر بمخجنه، وأمر أصحابه أن يسرعوا ثلاثة أشواط إظهاراً
للقوة، لأن المشركين قالوا: سيطوف اليوم بالكعبة قوم نهكتهم حُمّى يثرب،
(١) اسم موضع قرب جدة.
١٩٤
.٢٠١٠
. ".

فقال عليه الصلاة والسلام: رحم الله امرءاً أراهم من نفسه قوة، واضطبع عليه.
الصلاة والسلام بردائه وكشف عضده اليمنى شأن الفتوة وفعل مثله المسلمون.
وقد أتم المسلمون طوافهم بالبيت آمنين محلّقين رؤوسهم ومقصّرين كما رأى
عليه الصلاة والسلام في منامه .
زواج ميمونة
وتزوج ◌ً وهو بمكة ميمونة بنت الحارث الهلالية زوج عمه حمزة بن
عبد المطلب شهيد أحد، وخالة عبد الله بن العباس، وهي آخر نسائه زواجاً،
ولم يدخل بها إلا بعد الخروج من مكة، حيث كان بِسَرف(١)، ولما خرج عليه
الصلاة والسلام أمر الذين كان تركهم لحراسة الخيل بالذهاب ليطوفوا ففعلوا،
ثم رجع عليه الصلاة والسلام إلى المدينة فرحاً مسروراً بما حباه الله من
تصدیق رؤياه .
(١) موضع قرب التنعيم.
١٩٥