Indexed OCR Text
Pages 161-180
٢٢TIfERIES السبب في إثارة الأحزاب. وسيأتي للقارىء قريباً اليوم الذي يعاقبون فيه . زواج زينب بنت جحش وفي هذا العام تزوج عليه الصلاة والسلام زينب بنت جحش - وأمها أميمة عمته - بعد أن طلقها مولاه زيد بن حارثة، وكان من أمر زواجها لزيد أن الرسول * خطبها له، فتأفف أهلها من ذلك لمكانها في الشرف العظيم، فإن العرب كانوا يكرهون تزويج بناتهم من الموالي، ويعتقدون أن لا كفء من سواهم لبناتهم، وزيد وإن كان الرسول تبنّاه ولكن هذا لا يلحق بالأشراف، فلما نزل قوله تعالى ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ وَ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ اِيَرَةُ مِنْ أَعْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ الهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْ ضَلَّ خَلَلًا مُبِينًا﴾(١) لم يروا بدّاً من القبول ، فلما دخل عليه زيد أرته من كبريائها وعظمتها ما لم يتحمله، فاشتكاها لرسول الله فأمره باحتمالها والصبر عليها إلى أن ضاقت نفسه، فأخبره بالعزم على طلاقها وقرّر ذلك، ولما كانت العشرة بين هذين الزوجين ضرباً من العبث، أمر الله نبيه أن يتزوج زينب بعد طلاقها، حسماً لهذا الشقاق من جهة، وحفظاً لشرفها أن يضيع بعد زواجها بمولى من جهة أخرى، ولكن رسول الله خشي من لوم اليهود والعرب له في زواجه بزوج ابنه، فقال لزيد: أمسك عليك زوجك واتق الله، وأخفى في نفسه ما أبداه الله فبتّ الله حكمه بإبطال هذه القاعدة وهي: تحريم زوج المتبقى بقوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا قَضَ زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَكُهَا لِكَمْ لَا يَكُونَ عَلَ اَلْمُؤْمِنِينَ حَجْ فِىَ أَزْوَعِ أَدْعِبَآِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ الّهِ مَفْعُولًا﴾ (٢) ثم إن الله حرّم التبني على المسلمين، لما فيه من الأضرار وأنزل فيه: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدُ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَمَ الَّبِيِِّنَّ وَكَانَ الَّهُ بِكُلٍ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾(٣). ومن هذا الحين صار اسم زيد (زيد بن حارثة) (٣) سورة الأحزاب آية ٤٠. (١) سورة الأحزاب آية ٣٦. ۔۔۔ ...... .- ..... . -... (٢) سورة الأحزاب آية ٣٧. ١٥٧ ١٠٠٠١ بدل ( زيد بن محمد ) ، وأبدل بذلك أن ذكر اسمه في القرآن يتلى على مر الدهور والأعوام. يقول المؤرخون وذوو المقاصد السافلة منهم في هذه القصة أقوالاً لا تجوز إلا ممن ضاع رشده، ولم يفقه حقيقة ما يقول، فإنهم يذكرون أن الرسول توجه يوماً لزيارة زيد فرأى زوجه مصادفة، لأن الريح رفعت الستر عنها فوقعت في قلبه فقال: سبحان الله، فلما جاء زوجها ذكرت له ذلك فرأى من الواجب عليه فراقها، فتوجه وأخبر الرسول بعزمه فنهاه عن ذلك الخ. وهذا مما يكذبه أن نساء العرب لم تكن قبل ذلك تعرف ستر الوجوه، وزينب بنت عمته وأسلمت قديماً ورسول الله بمكة، فكيف لم يرها وقد مضى على إسلامها نحو عشر سنوات وهي بنت عمته، إلا حينما رفعت الريح الستر مصادفة، ورسول الله هو الذي زوَّجها زيداً، فلو كان له رغبة حب أو عشق لتزوجها هو ولا مانع يمنعه من ذلك. ومن منَّا يتصور أن السيد الأكرم يقول لقومه إنه مرسل من ربه ويتلو عليهم صباح مساء أمر الله له بقوله: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْفَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَابِهِة أَزْوَجَا مِنْهُمْ﴾(١) وفي قوله أيضاً: ﴿وَلَا تَمُدَّثَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِة أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَزَةِ الدُّنْيَا﴾(٢) ثم هو بعد ذلك يدخل بيت رجل من متبعيه وينظر إلى زوجه مصادفة ثم يشتهي زواجها؟ إن هذا الأمر عظيم تشعر بذلك صدورنا. ولو حدث أمر مثله من أقل الناس لعیب علیه، فكيف بمن اجتمعت كلمة المؤرخين على أنه أحسن الناس خلقاً، وأبعدهم عن الدنايا، وأشدهم ذكاء وفراسة، حتى مدحه الله بقوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾(٣) لا شك أن هذه الخرافة مما يلتحق بخرافة الغرانيق، وضعها أعداء الدين ليصلوا بها إلى أغراضهم، والحمد لله قد ناقضت النقل والعقل، فلم تبق شبهة في أن الحقيقة ما نقلناه لك أولاً. وهو الذي يستفاد من القرآن (١) سورة الحجر آية ٨٨. (٢) سورة طه آية ١٣١ . (٣) سورة القلم آية ٤ . ١٥٨ الشريف قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَيْكَ زَوْجَكَ وَأَثْقِ اللّهَ وَتُحْفِى فِ نَفْسِكَ مَالهُ هُبْدِهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَّ أَحَقُّ أَن تَحْتَهُ فَلَمَّا فَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرَّازَوَّ جْنَتَكْهَا لِكَّ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجُ فِى أَزْوَجِ أَدْعِبَ ◌ِمْ إِذَا فَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾(١) والذي أبداه هو زواجه بها ،لم يبد غير ذلك. وهذا القرآن أعظم شاهد. الحجاب وفيه نزلت آية الحجاب وهو خاص بنساء رسول الله مَّ وكان عمر بن الخطاب قبل نزول آيته يحبه ويذكره كثيراً، ويود أن ينزل فيه قرآن. وكان يقول: لو أُطاع فيكن مارأتكنَّ عين. فنزّل تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذَالِكُمْ أَظْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِنَّ ﴾(٢) فقال بعضهم: أننهى أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب؟ لئن مات محمد لأتزوجن عائشة! فنزل بعد الآية المتقدمة: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُواْرَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَشْكِحُواْ أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِةٍ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا ﴾ (٣) أما غير أزواجه عليه الصلاة والسلام من المؤمنات فأمرن بغض الأبصار وحفظ الفروج، كما أمر بذلك الرجال، وأمرن ألّ يبدين زينتهن للأجانب إلا ما ظهر منها كالخاتم في الإصبع، والخضاب في اليد، والكحل في العين. أما ما خفي منها فلا يحل ابداؤه كالسوار للذراع، والدُّملج للعضد، والخلخال للرِّجل، والقلادة للعنق، والإكليل للرأس، والوشاح للصدر، والقرط للأذن. والمراد بالزينة الظاهرة والخفية موضعها. وأمرن أيضاً بأن يضربن بخمرهنّ على الجيوب كيلا تبقى صدورهن مكشوفة، فإن النساء إذ ذاك كانت جيوبهن واسعة تبدو منها (١) سورة الأحزاب آية ٣٧ - ٣٨. (٢) سورة الأحزاب آية ٥٣ . (٣) سورة الأحزاب آية ٥٣ . ١٥٩ ٢٠٠٠ نحورهن وصدورهن وما حواليها، وكن يسدلن الخُمُر من ورائهن. ونهين عن أن يضربن بأرجلهن ليعلم أنهم ذوات خلخال. وإذا كان النهي عن إظهار صوت الحليّ بعد ما نهين عن إظهار الحلي، عُلم بذلك أن النهي عن إظهار مواضع الحلي أبلغ وأبلغ قال تعالى: ﴿ وَقُل ◌ِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ وَيَخْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَاظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُرِ هِنَّ عَلَى جُوِنَّ وَلَا بُيْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّ ◌ِبُعُولَتِنَّ أَوْءَابَمِنَّ أَوْءَابَآءِ بُعُولَتِنَّ أَوْ أَبْنَبِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِنَّ أَوْ إِنْخَوَِّنَّ أَوْ بَنِّ إِخْوَنِيِنَّ أَوْ بَنِّ أَخَوَّتِنَّ أَوْنِسَآَ مِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَئُهُنَّ أَوِ الَّذِينَ غَيْرٍ أُوْلِ الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الْطِفْلِ لَلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُ واْعَلَى عَوْرَتِ الْلِسَاءِ وَلَا يَضْرِينَ بِأَرَجْلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُحْفِينَ مِنْ زِينَتِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَيْعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾(١) وكان النساء في أول الإِسلام ، كما كنّ في الجاهلية، متبذلات تبرز المرأة في درع وخمار لا فرق بين الحرة والأمة ، وكان الفتيان وأهل الشطارة يتعرضون للإِماء إذا خرجن بالليل إلى مقاضي حوائجهن في النخيل والغيطان ، وربما تعرضوا للحرة بعلة الأمة يقولون حسبناها أمة، فأمرن أن يخالفن بزِيُّهن زي الإِماء بأن يدنين عليهنّ من جلابيبهن الوجه والأعطاف، ليحتشمن ويهبن فلا يطمع فيهن طامع. قال تعالى: ﴿ يَأَيّهَا النَِّىُّ قُل لِأَزْوَجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَِهِنَّ ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾(٢). أما حجب المرأة عمن يريد خطبتها فهو أمر لم يكن يفعل في عهد الرسول وَ﴿ ولا في عهد السلف الصالح. فإن الشارع الحكيم سنّ ذلك ليكون الرجل على علم مما يقدم عليه، حتى يتم الوفاق والوئام بين الزوجين في أمر أجمع عليه أئمة الدين. قال حجة الإِسلام الغزالي في الإِحياء: وقد ندب الشرع، إلى مراعاة أسباب الإِلفة، ولذلك استحب النظر فقال: إذا أوقع (١) سورة النور آية ٣١. (٢) سورة الأحزاب آية ٥٩. ١٦٠ الله في نفس أحدكم من امرأة فلينظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينهما، أي يؤلف بينهما: من وقوع الأدمة على الأدَمَة وهي الجلدة الباطنة، والبشرة الجلدة الظاهرة. وإنما ذكر ذلك للمبالغة في الائتلاف. وقال عليه الصلاة والسلام: ((إن في أعين الأنصار شيئاً فإذا أراد أحدكم أن يتزوج منهن فلينظر إليهن)) قيل: كان في أعينهن عمش وقيل صغر. وكان بعض الصالحين لا ينكحون كرائمهم إلا بعد النظر احترازاً من الغرور. وقال الأعمش: كل تزويج يقع على غير نظر فآخره همّ وغمّ، ولا يبعد أن يكون فساد الزمن والابتعاد عن التربية الدينية التي تسوق إلى مكارم الأخلاق قد حسَّنا عند عامة المسلمين في العصور الأولى حجب المرأة مطلقاً حسماً للمفاسد ودرءاً للفتنة. فرض الحج وفي هذا العام، على ما عليه الأكثرون، فرض الله على الأمة الإِسلامية حج البيت من استطاع إليه سبيلاً، ليجتمع المسلمون من جميع الأقطار، فيتجهوا إلى الله ويبتهلوا إليه أن يؤيدهم بنصره ويعينهم على اتباع دينه القويم، وفي ذلك من تقوية الرابطة واتحاد القلوب ما فيه للمسلمين الفائدة العظمى . ١٦١ .. : .. j عنت.م السنة السادسة سرية ولعشر خلون من محرم السنة السادسة، أرسل عليه الصلاة والسلام محمد بن مسلمة في ثلاثين راكباً لشن الغارة على بني بكر بن كلاب الذين كانوا نازلين بناحية ضَرِيَّة(١) فسار إِليهم يكمن النهار ويسير الليل، حتى دهمهم فقتل منهم عشرة وهرب باقيهم، فاستاقت السرية النَّعَمِ والشياه وعادوا راجعين إلى المدينة، وقد التقوا وهم عائدون بثُمامة بن أُثال الحنفي من عظماء بني حنيفة فأسروه وهم لا يعرفونه ، فلما أتوا به رسول الله عرفه وعامله بمنتهى مكارم الأخلاق، فإنه أطلق إساره بعد ثلاث أبى فيها الانقياد للإِسلام بعد أن عرض عليه. ولما رأى ثمامة هذه المعاملة وهذه المكارم، رأى من العبث أن يتبع هواه ويترك ديناً عماده المحامد، فرجع إلى رسول الله وأسلم غير مكره، وخاطب الرسول بقوله: ((يا محمد والله ما كان على الأرض من وجه أبغض إليَّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إليّ، والله ما کان على الأرض من دین أبغض إليَّ من دینك، فقد أصبح أحب الدين كله إليَّ والله ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك فقد أصبح أحب البلاد إلي)) فسرّ عليه الصلاة والسلام كثيراً بإسلامه لأن من ورائه قوماً يطيعونه. ولما رجع ثُمامة إلى بلاده مرّ بمكة معتمراً وأظهر فيها إسلامه، فأرادت قريش إيذاءه فذكروا احتياجهم لحبوب اليمامة التي منها ثُمامة فتركوه، ومع ذلك فقد حلف هو ألا يرسل إليهم من اليمامة حبوباً حتى يؤمنوا، فجهدوا جدّاً ولم يروا بدّأ من الاستغاثة برسول الله، فعاملهم عليه الصلاة والسلام بما جبل عليه من الشفقة والمرحمة، وأرسل لثمامة أن يعيد عليهم ما كان يأتيهم من أقوات (١) موضع على سبع ليال من المدينة في طريق البصرة. ١٦٣ ١٧٠٨٠٠ ٢٠ ٧ رقم اليمامة ففعل. وقد كان لهذا الرجل الكريم الأصل قدم راسخة في الإِسلام عقب وفاة الرسول حينما ارتدّ أكثر أهل بلاده، فكان ينهى قومه عن اتباع مسيلمة ويقول لهم: إياكم وأمراً مظلماً لا نور فيه وإنه لشقاء كتبه الله على من اتبعه، فثبت معه کثیر من قومه رضي الله عنه . غزوة بني لحيان بنو لحيان هم الذين قتلوا عاصم بن ثابت وإخوانه، ولم يزل رسول الله حزيناً عليهم متشوقاً للقصاص من عدوهم حتى ربيع الأول من هذه السنة، فأمر أصحابه بالتجهيز ولم يظهر لهم مقصده، كما هي عادته عليه الصلاة والسلام في غالب الغزوات، لتعمى الأخبار عن الأعداء، وولى على المدينة ابن أم مكتوم، وسار في مائتي راكب معهم عشرون فارساً، ولم يزل سائراً حتى مقتل أصحاب الرجيع فترحّم عليهم ودعا لهم، ولما سمع به بنو لحْيان تفرقوا في الجبال، فأقام عليه السلام بديارهم يومين يبعث السرايا فلا يجدون أحداً، ثم أرسل بعضاً من أصحابه ليأتوا عُسفان(١) حتى يعلم بهم أهل مكة فيداخلهم الرعب. فذهبوا إِلى كُراع الغَميم(٢)، ثم رجع عليه الصلاة والسلام إِلى المدينة وهو يقول: ((آيبون تائبون لربنا حامدون. أعوذ بالله من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال)). غزوة الغابة كان للنبي عليه الصلاة والسلام عشرون لِقْحة ترعى بالغابة(٣) فأغار عليها عُيّينة بن حصن في أربعين راكباً واستلبها من راعيها، فجاءت الأخبار رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذي بلَّغه هو سلمة بن الأكوع أحد رماة (١) موضع قرب مكة. (٢) جبل جنوب عسفان بثمانية أميال. (٣) موضع على بريد من المدينة جهة غطفان. ١٦٤ الصدد .... الأنصار وكان عدّاءً، فأمره الرسول بأن يخرج في أثر القوم ليشغلهم بالنبل حتى يدركهم المسلمون، فخرج يشتد في أثرهم حتى لحقهم وجعل يرميهم بالنبل، فإذا وجهت الخيل نحوه رجع هارباً فلا يلحق، فإذا دخلت الخيل بعض المضايق علا الجبل فرمى عليها الحجارة حتى ألقوا كثيراً مما بأيديهم من الرماح والأبراد، ليخففوا عن أنفسهم حتى لا يلحقهم الجيش. ولم يزل سلمة على ذلك حتى تلاحق به الجيش، فإنّ الرسول دعا أصحابه فأجابوه. وأول من انتهى إليه المقداد بن الأسود فقال له: أخرج في طلب القوم حتى ألحقك وأعطاه اللواء فخرج، وتبعته الفرسان حتى أدركوا أواخر العدو، فحصلت بينهم مناوشات قتل فيها مسلم ومشركان، واستنفذ المسلمون غالب اللّقاح، وهرب أوائل القوم بالبقية. وطلب سلمة بن الأكوع من رسول الله أن يرسله مع جماعة في أثر القوم ليأخذهم على غِرَّة وهم نازلون على أحد مياههم، فقال عليه الصلاة والسلام: ((ملكت فاسجحْ)) ثم رجع بعد خمس لیال. سرية كان بنو أسد الذين مر ذكرهم كثيراً ما يؤذون من يمر بهم من المسلمين، فأرسل لهم عليه الصلاة والسلام عُكاشة بن محصن في أربعين راكباً ليغير عليهم. ولما قارب بلادهم علموا به فهربوا. وهناك وجدوا رجلاً نائماً فأمَّنُوه ليدلهم على نعم القوم، فدلَّهم عليها فاستاقوها، وكانت مائة بعير ثم قدموا المدينة ولم يلقوا كيداً. سرية وفي ربيع الأول بلغه عليه الصلاة والسلام أن من بذي القصة (١) يريدون الإغارة على نعم المسلمين التي ترعى بالهيفاء(٢)، فأرسل لهم محمد بن (١) موضع على أربعة وعشرين ميلاً من المدينة في طريق الرّبّذّة. (٢) موضع قرب المدينة . ١٦٥ مسلمة في عشرة من المسلمين فبلغ ديارهم ليلاً، وقد كمن المشركون حينما علموا بهم، فنام المسلمون ولم يشعروا إلا والنبل قد خالطهم فتواثبوا على أسلحتهم، ولكن تغلّب عليهم الأعداء فقتلوهم غير محمد بن مسلمة تركوه لظنهم أنه قتل، فعاد إلى المدينة وأخبر الرسول عليه الصلاة والسلام، فأرسل أبا عبيدة عامر بن الجراح في ربيع الآخر ليقتص من الأعداء، فلما وصل ديارهم وجدهم تشتتوا هاربين، فاستاق نعمهم ورجع. سرية عاكس بنو سُليم الذين كانوا من المتحزبين في غزوة الخندق المسلمين في سيرهم، فأرسل عليه الصلاة والسلام زيد بن حارثة في ربيع الآخر ليغير عليهم في الجَمُوم(١)، فلما بلغوا ديارهم وجدوهم تفرقوا، ووجدوا هناك امرأة من مزينة دلتهم على منازل بني سُليم، فأصابوا بها نعماً وشاءً، ووجدوا رجالاً وأسروهم، وفيهم زوج تلك المرأة، فرجعوا بذلك إلى المدينة فوهب الرسول لهذه المرأة نفسها وزوجها . سرية بلغ الرسول أن عيراً لقريش أقبلت من الشام تريد مكة، فأرسل لها زيد بن حارثة في مائة وسبعين راكباً ليعترضها، فأخذها وما فيها وأسر من معها من الرجال، وفيهم أبو العاص بن الربيع زوج زينب بنت رسول الله، وكان من رجال مكة المعدودين تجارة ومالاً وأمانة. فاستجار بزوجه زينب فأجارته، ونادت بذلك في مجمع من قريش، فقال عليه الصلاة والسلام: ((المسلمون يد واحدة يجير عليهم أدناهم وقد أجرنا من أجرت)) وهذا أبلغ ما قيل في المساواة بين أفراد المسلمين، وردّ عليه الرسول ماله بأسره لا يفقد منه شيئاً فذهب إِلى (١) ناحية من بطن نخل. ١٦٦ مكة فأدى لكل ذي حق حقه، ورجع إلى المدينة مسلماً، فرد عليه رسول الله زوجه . سرية وفي جمادى الآخرة أرسل عليه الصلاة والسلام زيد بن حارثة في خمسة عشر رجلاً للإِغارة على بني ثعلبة الذين قتلوا أصحاب محمد بن مسلمة وهم مقيمون بالطرف(١) فتوجهت السرية لذلك، ولما رآهم الأعداء ظنوهم طليعة الجيش رسول الله، فهربوا وتركوا نعمهم وشاءهم، فاستاقها المسلمون ورجعوا إلى المدينة بعد أربع ليال. سرية وفي رجب أرسل عليه الصلاة والسلام، زيد بن حارثة ليغير على بني فزارة، لأنهم تعرضوا لزيد وهو راجع بتجارة من الشام، فسلبوا ما معه وكادوا يقتلونه، فلما جاء المدينة وأخبر الرسول الخبر أرسله مع رجاله للقصاص من فزارة المقيمين في وادي القرى(٢)، فساروا حتى داهموا العدوا وأحاطوا بهم، وقتلوا منهم جمعاً كثيراً وأخذوا امرأة من كبارهم أسيرة، فاستوهبها عليه الصلاة والسلام ممن أسرها وفدى بها أسيراً كان بمكة. سرية وفي شعبان أرسل عليه الصلاة والسلام عبد الرحمن بن عوف مع سبعمائة من الصحابة لغزو بني كلب في دومة الجندل(٣)، وقد وصاهم عليه الصلاة والسلام قبل السفر بقوله: ((اغزوا جميعاً في سبيل الله فقاتلوا من كفر (١) ماء على ستة وثلاثين ميلاً من المدينة في طريق العراق. (٢) موضع شمالي المدينة. (٣) حصن وقرى بينها وبين دمشق ليال وبين المدينة خمس عشرة ليلة. ١٦٧ عباسوم فسكم بالله، ولا تغلُّوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً فهذا عهد الله وسيرة نبيه فيكم)) ثم أعطاه اللواء فساروا على بركة الله حتى حلوا بديار العدو، فدعوهم إلى الإِسلام ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع أسلم رئيس القوم الأصبغ بن عمرو النصراني، وأسلم معه جمع من قومه وبقي آخرون راضين بإعطاء الجزية، فتزوج عبد الرحمن بنت رئيسهم كما أمره بذلك عليه الصلاة والسلام. وهذه أقرب واسطة لتمكين صلات الود بين الأمراء، بحيث يهمُّ كلَّ ما يهمُّ الآخر. فنعما هي سياسة السلم والمحبة . سرية وفي شعبان أرسل عليه الصلاة والسلام علي بن أبي طالب في مائة لغزو بني سعد بن بكر بفدك (١)، لأنه بلغه أنهم يجمعون الجيوش لمساعدة يهود خيبر على حرب المسلمين مقابل تمر خيبر. فسارت السرية، وبينما هم سائرون التقوا بجاسوس العدو، وأرسلوه إلى خيبر ليعقد المعاهدة مع يهودها، فطلبوا منه أن يدلهم على القوم وهو آمن، فدلهم على موضعهم، فاستاق منه المسلمون نعَم القوم، وهرب الرعاة، فحذّروا قومهم فداخلهم الرعب وتفرقوا، فرجع المسلمون ومعهم خمسمائة بعير وألفا شاة. وردّ الله كيد المشركين فلم يمدوا اليهود بشيء. قتل أبي رافع وكان المحرك لأهل خيبر على حرب المسلمين، وهو سيدهم أبو رافع سلام بن أبي الحُقيق الملقب بتاجر أهل الحجاز، لما كان له من المهارة في التجارة، وكان ذا ثروة طائلة يقلّب بها قلوب اليهود كما يريد، فانتدب له عليه (١) قرية بينها وبين المدينة ست ليال من جهة خيبر .. ١٦٨ ٠٠٠٠٠ الصلاة والسلام من يقتله، فأجاب لذلك خمسة رجال(١) من الخزرج رئيسهم عبد الله بن عتيك، ليكون لهم مثل أجر إخوانهم من الأوس الذين قتلوا كعب بن الأشرف، فإن من نعم الله على رسوله أن كان الأوس والخزرج يتفاخرون بما يفعلونه من تنفيذ رغبات رسول الله، فلا تعمل الأوس عملاً إلا اجتهد الخزرج في مثله. فأمرهم الرسول بذلك بعد أن وصاهم ألا يقتلوا وليداً ولا امرأة، فساروا حتى أتوا خيبر فقال عبد الله لأصحابه: مكانكم فإني منطلق للبواب ومتلطّف له لعلي أدخل. فأقبل حتى دنا من الباب، ثم تقنّع بثوب كأنه يقضي حاجته وقد دخل الناس فهتف به البواب: ادخل يا عبد الله إن كنت تريد الدخول فإني أريد أن أغلق الباب، فدخل وكمن حتى نام البواب فأخذ المفاتيح وفتح ليسهل له الهرب، ثم توجه إلى بيت أبي رافع وصار يفتح الأبواب التي توصل إليه. وكلما فتح باباً أغلقه من داخل حتى انتهى إليه فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله فلم يمكنه تمييزه فنادى يا أبا رافع قال من؟ فأهوى بالسيف نحو الصوت فلم يغن شيئاً، وعند ذلك قالت امرأته: هذا صوت ابن أبي عتيك، فقال لها: ثكلتك أمك وأين ابن أبي عتيك الآن؟ فعاد عبد الله للنداء مغيراً صوته قائلاً: ما هذا الصوت الذي نسمعه يا أبا رافع؟ قال: لأمك الويل إن رجلاً في البيت ضربني بالسيف، فعمد إِليه فضربه أخرى لم تغن شيئاً، فتوارى ثم جاء كالمغيث وغيِّر صوته فوجده مستلقياً على ظهره، فوضع السيف في بطنه وتحامل عليه حتى سمع صوت العظم. ثم خرج من البيت وكان نظره ضعيفاً فوقع من فوق السلم فانكسرت رجله، فعصبها بعمامته ثم انطلق إلى أصحابه وقال: النجاة! قتل والله أبو رافع، فانتهوا إلى الرسول فحدثوه. ثم قال لعبد الله: ابسط رجلك فمسحها عليه الصلاة والسلام فكأنه لم يشتكها قط وعادت أحسن ما كانت، فانظر رعاك الله (١) وهم مسعود بن سنان، وأبو قتادة الحارث، وعبد الله بن أنيس، وخزاعي بن أسود وقدموا على رسول الله * كلهم يدعي قتل عدو الله. فقال: هاتوا أسيافكم. فنظر إليها فقال لسيف عبد الله بن أنس (هذا قتله، أرى فيه أثر الطعان)). ١٦٩ ....-. إلى ما كان عليه المسلمون من استسهال المصاعب ما دامت في إرضاء رسول الله وَله، فرضي الله عنهم وأرضاهم. سرية ولما قتل كعب ولى اليهود مكانه أسيربن رزام، فأرسل عليه الصلاة والسلام من يستعلم له خبره، فجاءته الأخبار بأنه قال لقومه: سأصنع بمحمد ما لم يصنعه أحد قبلي، أسير إلى غطفان فأجمعهم لحربه. وسعى في ذلك، فأرسل عليه الصلاة والسلام عبد الله بن رواحة الخزرجي في ثلاثين من الأنصار لاستمالته، فخرجوا حتى قدموا خيبر وقالوا لأسير: نحن آمنون حتى نعرض عليك ما جئنا له، قال: نعم ولي مثل ذلك، فأجابوه. ثم عرضوا عليه أن يقدم على رسول الله ويترك ما عزم عليه من الحرب فيوليه الرسول على خيبر فیعیش بسلام، فأجاب إلى ذلك وخرج في ثلاثين يهودياً كل يهودي رديف لمسلم. وبينما هم في الطريق ندم أُسير على مجيئه، وأراد التخلص مما فعل بالغدر بمن أمنُّوه، فأهوى بيده إلى سيف عبد الله بن رواحة فقال له: أغدراً یا عدو الله! ثم نزل وضربه بالسيف فأطاح عامة فخذه ولم يلبث أن هلك، فقام المسلمون على من معه من اليهود فقتلوهم عن آخرهم، وهذه عاقبة الغدر. قصة عُكْل وعُرَيْنَة قدم على رسول الله في شوال جماعة من عُكْل وعُرَيْنَة فأظهروا الإِسلام وبايعوا رسول الله، وكانوا سقاماً(١) مصفرة ألوانهم عظيمة بطونهم، فلم يوافقهم هواء المدينة، فأمر لهم عليه الصلاة والسلام بذَوْدٍ من الإِبل معها راعٍ ، وأمرهم باللحوق بها في مرعاها ليشربوا من ألبانها وأبوالها ففعلوا. ولما (١) ضعافاً. ١٧٠ تم شفاؤهم جازوا الإِحسان كفراً فقتلوا الراعي ومثّلوا به واستاقوا الإِبل، فلما بلغ ذلك رسول الله أرسل وراءهم كرز بن جابر الفهري في عشرين فارساً، فلحقوا بها وقبضوا على جميعهم. ولما جيء بهم إلى المدينة أمر عليه الصلاة والسلام أن يمثَّل بهم كما مثَّلوا بالراعي، فقطعت أيديهم وأرجلهم وسُمِلت أعينهم وأُلقوا بالحَرة حتى ماتوا. فهكذا يكون جزاء الخائن الذي لا ينتظر منه صلاح، وعمل هؤلاء الشريرين مما يدل على فساد الأصل ولؤم العشيرة. وقد نهى رسول الله وي لتر بعد ذلك عن المثلة. سرية جلس أبو سفيان بن حرب يوماً في نادي قومه فقال: ألا رجل يذهب لمحمد فيقتله غدراً، فإنه يمشي بالأسواق لنستريح منه؟ فتقدم له رجل وتعهد له بما أراد، فأعطاه راحلة ونفقة وجهزه لذلك. فخرج الرجل حتى وصل إلى المدينة صبح سادسة من خروجه فسأل عن رسول الله فدل عليه، وهو بمسجد بني عبد الأشهل، فلما رآه عليه الصلاة والسلام، قال: إن هذا الرجل ليريد غدراً وإن الله مانعي منه. فذهب لينحني على الرسول، فجذبه أُسيد بن حضير من إزاره، وهنالك سقط الخنجر، فندم الرجل على فعلته. ثم سأله عليه الصلاة والسلام عن سبب عمله فصدقه بعد أن توثق من حفظ دمه، فخلّى عليه الصلاة والسلام سبيله. فقال الرجل: والله يا محمد ما كنت أخاف الرجال فما هو إلا أن رأيتك فذهب عقلي وضعفت نفسي، ثم إنك اطلعت على ما هممت به مما لم يعلمه أحد، فعرفت أنك ممنوع، وأنك على حق وأن حزب أبي سفيان حزب الشيطان ثم أسلم، وعند ذلك أرسل عليه الصلاة والسلام عمرو بن أمية الضمري، وكان رجلاً جريئاً فاتكاً في الجاهلية، وأصحبه برفيق ليقتلا أبا سفيان غيلة جزاء اعتدائه، فلما قدما مكة توجّها ليطوفا بالبيت قبل أن يؤديا ما أرسلا له، فعرف عَمْراً أحد رجال مكة فقال: هذا عمرو بن أمية ما جاء إلا بشرّ، فلما رآهم علموا به لم يجد مناصاً من الهرب فاصطحب معه رفيقه ورجعا إلى المدينة، وكأنّ الله سبحانه وتعالى أراد أن ١٧١ --- ------- ٠٠٠٠ ٫٠٠ ٠ ١ ٠٠٢٠٠٠ ٢٣١٢ ٠٠٠٤/٢٠٢ . . يعيش أبو سفيان حتى يسلم بيده مفاتيح الكعبة للمسلمين ويعتنق الدين الحنيفي القويم. غزوة الحديبية(١) رأى عليه الصلاة والسلام في نومه أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام آمنين حالقين رؤوسهم ومقصرين، فأخبر المسلمين أنه يريد العمرة واستنفر الأعراب الذين حول المدينة ليكونوا معه، حذراً من أن تردّهم قريش عن عمرتهم، ولكن هؤلاء الأعراب أبطؤوا عليه، لأنهم ظنوا ألا ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً، وتخلصوا بأن قالوا شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا، فخرج عليه الصلاة والسلام بمن معه من المهاجرين والأنصار، تبلغ عدّتهم ألفاً وخمسمائة، وولى على المدينة ابن أمّ مكتوم وأخرج معه زوجه أمّ سلمة، وأخرج الهدي ليعلم الناس أنه لم يأت محارباً، ولم يكن مع أصحابه شيء من السلاح إلا السيوف في القُرُب، لأن الرسول وَّ لم يرض أن يحملوا السيوف مجردة وهم معتمرون، ثم سار الجيش حتى وصل عُسْفان(٢) فجاءه عينه(٣) يخبره أن قريشاً أجمعت رأيها أن يصدّوا المسلمين عن مكة، وألا يدخلوها عليهم عَنْوة أبداً وتجهزوا للحرب وأعدوا خالد بن الوليد في مائتي فارس طليعة لهم ليصدّوا المسلمين عن التقدّم. فقال عليه الصلاة والسلام: هل من رجل يأخذ بنا على غير طريقهم؟ فقال رجل من أسلم: أنا يا رسول الله، فسار بهم في طريق وعرة، ثم خرج بهم إلى مستو سهل يملك مكة من أسفلها، فلما رأى خالد ما فعل المسلمون رجع إلى (١) غزوة الحديبية كانت في السنة السادسة للهجرة، وفي هذه السنة فرض الحج والعمرة. والحديبية هي بئر في قرية سميت هذه الغزوة باسمها بينها وبين مكة مرحلة وبينها وبين المدينة ٩ مراحل. والمرحلة مسيرة يوم بالإِبل: وهي نحو ٣٠ كيلو متر. (٢) موضع على مرحلتين من مكة. (٣) العين: من يرسل ليلتقط الأخبار من العدو. وهو هنا بشر ابن سفيان الكعبي. ١٧٢ * ** ٠٠٠ " .. -- --- - قريش وأخبرهم الخبر، ولما كان عليه الصلاة والسلام بثنية المرار(١) بركت ناقته، فزجروها فلم تقم، فقالوا: خلأت(٢) القَصْوَاء فقال عليه الصلاة والسلام: ما خلأت وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل، والذي نفس محمد بيده لا تدعوني قريش لخصلة فيها تعظيم حرمات الله إلا أجبتهم إليها، مع أن المسلمين لو قاتلوا أعداءهم في مثل هذا الوقت لظفروا بهم، ولكن كف الله أيدي المسلمين عن قريش، وكف أيدي قريش عن المسلمين، كيلا تنتهك حرمات البيت الذي أراد الله أن يكون حرماً آمناً يوطّد المسلمون من جميع الأقطار دعائم أخوتهم فيه. ثم أمرهم عليه الصلاة والسلام بالنزول أقصى الحديبية (٣) وهناك جاء بُدَيل بن وَرْقَاء الخزاعي رسولاً من قريش يسأل عن سبب مجيء المسلمين، فأخبره عليه الصلاة والسلام بمقصده، فلما رجع بُديل إلى قريش وأخبرهم بذلك لم يثقوا به، لأنه من خزاعة الموالية لرسول الله كما كانت كذلك لأجداده، وقالوا: أيريد محمد أن يدخل علينا في جنوده معتمراً تسمع العرب أنه قد دخل علينا عَنْوَةً وبيننا وبينه من الحرب ما بيننا؟ والله لا كان هذا أبداً ومنا عين تطرف، ثم أرسلوا حُلَيْس بن علقمة سيد الاحابيش وهم حلفاء قريش، فلما رآه عليه الصلاة والسلام قال: هذا من قوم يعظمون الهذي ابعثوه في وجهه حتى يراه، ففعلوا واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك حليس رجع وقال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدّوا أتحج لخم وجذام وحمير ويمنع عن البيت ابن عبد المطلب؟ هلكت قريش ورب البيت، إن القوم أتوا معتمرين !! فلما سمعت قريش منه ذلك قالوا له: اجلس إنما أنت أعرابي لا علم لك بالمكايد، ثم أرسلوا عروة بن مسعود الثقفي سيد أهل الطائف، فتوجه إلى رسول الله وقال: يا محمد قد جمعت أوباش الناس ثم جئت إلى أهلك وعشيرتك لتُفضِّها بهم! إنها قريش قد خرجت تعاهد الله ألا تدخلها عليهم عَنْوة أبداً. وأيم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك، فنال منه (١) مهبط الحديبية . (٢) خلأت الناقة حرنت وبركت بدون سبب. (٣) بئر قرب مكة سميت الأرض باسمها. ١٧٣ أبو بكر وقال: نحن ننكشف عنه؟ ويحك! وكان عروة يتكلم وهو يمس لحية رسول الله، فكان المغيرة بن شعبة يقرع يده إذا أراد ذلك، ثم رجع عروة وقد رأى ما يصنع بالرسول أصحابه، لا يتوضأ وضوءاً إلا كادوا يقتتلون عليه يتمسَّحون به، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، ولا يحدّون النظر إليه، فقال: والله يا معشر قريش جئت كسرى في ملكه وقيصر في عظمته، فما رأيت ملكاً في قومه مثل محمد في أصحابه. ولقد رأيت قوماً لا يسلمونه لشيء أبداً، فانظروا رأيكم فإنه عرض عليكم رشداً فاقبلوا ما عرض عليكم فإني لكم ناصح، مع أني أخاف ألا تنصروا عليه. فقال قريش: لا تتكلم بهذا. ولكن نردّه عامنا ويرجع إلى قابل. ثم إنّ الرسول اختار عثمان بن عفان رسولاً من عنده إلى قريش حتى يعلمهم مقصده، فتوجه وتوجه معه عشرة استأذنوا الرسول في زيارة أقاربهم، وأمر عليه الصلاة والسلام عثمان أن يأتي المستضعفين من المؤمنين بمكة، فيبشرهم بقرب الفتح وأن الله مظهر دينه، فدخل عثمان مكة في جوار أبان بن سعيد الأموي فبلّغ ما حمل فقالوا: إنَّ محمداً لا يدخلها علينا عنوة أبداً. ثم طلبوا منه أن يطوف بالبيت، فقال: لا أطوف ورسول الله ممنوع. ثم إنهم حبسوه، فشاع عند المسلمين أن عثمان قتل، فقال عليه الصلاة والسلام حينما سمع ذلك: ((لا نبرح حتى نناجزهم الحرب». بيعة الرضوان ودعا الناس للبيعة على القتال فبايعوه تحت شجرة هناك(١) (سميت بعد بشجرة الرضوان) على الموت، فشاع أمر هذه البيعة في قريش فداخلهم منها رعب عظيم، وكانوا قد أرسلوا خمسين رجلاً عليهم مكرز بن حفص ليطوفوا بعسكر من المسلمين علهم يصيبون منهم غرة، فأسرهم حارس الجيش (١) أمر عمر بقطعها زمن خلافته لما رأى تبرك الناس بها، فليتأمل. ١٧٤ --- . ..... ... . . **..... . ... محمد بن مسلمة وهرب رئيسهم. ولما علمت بذلك قريش جاء جمع منهم وابتدؤوا يناوشون المسلمين حتى أسر منهم اثناعشر رجلاً، وقتل من المسلمين واحد . صلح الحديبية وعند ذلك خافت قريش وأرسلت سهيل بن عمرو للمكالمة في الصلح، فلما جاء قال: يا محمد إن الذي حصل ليس من رَأي عقلائنا بل شيء قام به السفهاء منا، فابعث إلينا بمن أسرت، فقال: حتى ترسلوا من عندكم، وعندئذ أرسلوا عثمان والعشرة الذين معه. ثم عرض سهيل الشروط التي تريدها قريش، وهي وضع الحرب بين المسلمين وقريش أربع سنوات من جاء المسلمين من قريش يردّونه، ومن جاء قريشاً من المسلمين لا يلزمون بردّه، أن يرجع النبي من غير عمرة هذا العام، ثم يأتي العام المقبل فيدخلها بأصحابه بعد أن تخرج منها قريش، فيقيم بها ثلاثة أيام ليس مع أصحابه من السلاح إلا السيف في القراب والقوس. من أراد أن يدخل في عهد محمد من غير قريش دخل فيه، ومن أراد أن يدخل في عهد قريش دخل فيه. : فقبل عليه الصلاة والسلام كل هذه الشروط. أما المسلمون فداخلهم منها أمر عظيم وقالوا: سبحان الله! كيف نردّ اليهم من جاءنا مسلماً، ولا يردّون من جاءهم مرتداً؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم فرددناه إليهم، فسيجعل الله له فرجاً ومخرجاً. أما الأمر الثالث وهو صّ المسلمين عن الطواف بالبيت، فكان أشدّ تأثيراً في قلوبهم، لأن الرسول أخبرهم أنه رأى في منامه أنهم دخلوا البيت آمنين، وقد سأل عمر أبا بكر في ذلك فقال رضي الله عنه: وهل ذكر أنه في هذا العام؟ ثم كتبت شروط الصلح بين الطرفين، وكان الكاتب عليّ بن أبي طالب فأملاه عليه الصلاة والسلام: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: اكتب باسمك اللهم، فأمره الرسول بذلك، ثم قال هذا ما صالح عليه محمد رسول الله. ١٧٥ فقال سهيل: لو نعلم أنك رسول الله ما خالفناك، اكتب محمد بن عبد الله، فأمر عليه الصلاة والسلام علياً بمحو ذلك وكتابة محمد بن عبد الله فامتنع، فمحاها النبي بيده. وكتبت نسختان: نسخة لقريش ونسخة للمسلمين. وبعد كتابة الشروط جاءهم أبو جندل(١) بن سهيل يحجل(٢) في قيوده، وكان من المسلمين الممنوعين من الهجرة فهرب للمسلمين هذه المرة ليحموه، فقال عليه الصلاة والسلام: اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً. إنا قد عقدنا بين القوم صلحاً وأعطيناهم وأعطونا على ذلك عهداً فلا نغدر بهم. هذا، وقد دخلت قبيلة خزاعة في عهد رسول الله ودخل بنو بکر في عهد قریش. ولما انتهى الأمر أمر عليه السلام أصحابه أن يحلقوا رؤوسهم وينحروا الهَدْي ليتحللوا من عمرتهم، فاحتمل المسلمون من ذلك همّاً عظيماً، حتى إنهم لم يبادروا بالامتثال، فدخل عليه الصلاة والسلام على أمّ المؤمنين أمّ سلمة وقال لها: هلك المسلمون أمرتهم فلم يمتثلوا، فقالت: يا رسول الله اعذرهم فقد حملت نفسك أمراً عظيماً في الصلح، ورجع المسلمون من غير فتح فهم لذلك مكروبون، ولكن اخرج يا رسول الله وابدأهم بما تريد، فإذا رأوك فعلت اتبعوك، فتقدم عليه الصلاة والسلام إلى هَدْيه فنحره، ودعا بالحلاق فحلق رأسه، فلما رآه المسلمون تواثبوا على الهَدْي فنحروه وحلقوا. ثم رجع المسلمون إلى المدينة وقد أمن كل فريق الآخر. ولما قرّ قرارهم جاءتهم مهاجرة أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط أخت عثمان لأمه، فطلبها المشركون فقالت: يا رسول الله إني امرأة وإن رجعت اليهم فتنوني في ديني ، فأنزل الله تعالى: ﴿يَأْيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَآءَ كُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَاجِرَتِ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِيَمَنِنَّ فَإِنْ ◌َْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنْتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِلَاهُنَّ عِلٌّ لَهُمْ وَلَ هُمْ (١) من المسلمين الأوائل، وكان ممن عذب كثيراً بسبب إسلامه شهد بدراً، واستشهد باليمامة. (٢) الحجل بفتح الحاء وكسرها القيد. ويحجل في قيوده يمشي مشية الغلام على رجل واحدة أو على رجلين. ١٧٦ ٠٫٠٠٠ ٠١٬٠٠٠