Indexed OCR Text

Pages 321-340

ورثاه سيِّدُنا أبو بكر الصدِّيق رضي الله تعالى عنه بقوله :
ضَاقَتْ عَلَيَّ بِعَرْضِهِنَّ الدُّورُ
لَمَّا رَأَيْتُ نَبِيَنَا مُتَجَدِّلاً
وَالعَظْمُ مِنِّي مَا حَيِيْتُ كَسِيرُ
فَارْتَاعَ قَلْبِي عِنْدَ ذَاكَ لِهُلْكِهِ
فَالصَّبْرُ عَنْكَ لِمَا بَقِيْتَ يَسيرُ
أَعَتِيْقُ ؛ وَيْحَكَ إِنَّ حِبَّكَ قد تَوَى
غُيِّتُ ، فِي جَدَثٍ عَلَيَّ صُخُورُ
يَا لَيْتَنِي مِنْ قَبْلِ مَهْلِكِ صَاحِبِي
تَغْيَا بِهِنَّ جَوانِحٌ وَصُدُورُ
فَلْتَحْدُثَنَّ بَدائِعٌ مِنْ بَعْدِهِ
ورثاه الصدِّيق رضي الله تعالى عنه أيضاً بقوله :
وَدَعَنا الوَحْيُ إِذْ وَلَّيتَ عَنَّا فَوَدَّعَنَا مِنَ اللهِ الكَلامُ
سِوىُ مَا قَدْ تَرَكْتَ لَنَا رَهِيْناً تَضَمَّنُهُ القَرَاطِيسُ الكِرَامُ
ولقد أحسن حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه بقوله يَرْثِیه :
مُبِيْنٌ، وَقَدْ تَعْفُو الرَّسُومُ وتَهْمُدُ (١)
بِطَيْيَةَ رَسْمٌ لِلرَّسُولِ وَمَعْهَدُ
بِهَا مِنْبَرُ الهَادِي الَّذِي كَانَ يَصْعَدُ
وَرَبْعٌ لَهُ فِيهِ مُصَلَّىٌ وَمَسْجِدُ
مِنَ اللهِ نُورٌ يُسْتَضَاءُ وَيُوْقَدُ
أَتَاهَا البِلىْ فَأَلآيُ مِنْهَا تَجَدَّدُ (٢)
وَقَبْراً بِهَا وَارَاهُ في الثُّرْبِ مُلْحِدُ
عُيونٌ وَمِثْلاَهَا مِنَ الجِنِّ تَسْعَدُ
لَهَا مُخْصِياً نَفْسِي، فَنَفْسِيَ تَبْلُدُ
فَظَلَّتْ لِآلاءِ الرَّسُولِ تُعَدِّدُ
وَلَكِنْ لِنَفْسِي بَعْدَ هَذَا تَوَجُّدُ
عَلَىُ طَلَلِ القَبْرِ الّذي فِيهِ أَحْمَدُ
ولا تَنْمَحِي الآياتُ مِنْ دَارِ حُزْمَةٍ
وَاضِحُ آيَاتٍ وبَاقِي مَعَالِمٍ
بِهَا حُجُرَاتٌ كَانَ يَنْزِلُ وَسْطَهَا
مَعَارِفُ لم تُطْمَسْ عَلَىْ العَهْدِ آئُهَا
عَرَفْتُ بِهَا رَسْمَ الرَّسُولِ وَعَهْدَه
ظَلِلْتُ بِهَا أَبْكِي الرَّسُولَ فَأَسْعَدَتْ
تَذَكَّرْتُ آلاَءَ الرَّسُولِ وَمَا أَرَى
مَفَجَّعَةٌ قَدْ شَقَّهَا فَقدُ أَحْمَدٍ
وَمَا بَلَغَتْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ عَشِيْرَهُ
أَطَالَتْ وُقُوفاً تَذْرِفُ الدَّمعَ جُهْدَها
(١) أي : تبلى.
(٢) أي : تتجدد .
٣٢١

فبُورِكْتَ يا قَبْرَ الرَّسُول ، وبُورِكَتْ
وَبُورِكَ لَحْدٌ مِنْكَ ضُمِّنَ طَيِّباً
تُهِيلُ عَلَيهِ الثُرْبَ أَيْدٍ وَأَعينٌ
لَقَد غيّوا حِلْماً وَعِلْماً وَرَحْمَةً
وَرَاحُوا بِحُزْنٍ لَيْسَ فِيهِم نبيُهم
يُتَكُّونَ مَنْ تَبْكِي السَّمُواتُ مَوْتَهُ
فَهَلْ عَدَلَتْ يَوْماً رَزِيَّةُ هَالِكِ
تَقَطَّعَ فِيهِ مَنْزَلُ الوَحْي عَنْهُمُ
يَدُلُّ عَلىُ الرَّحْمَنِ مَنْ يَقْتَّدي بهٍ
إِمامٌ لَهُمْ يَهْدِيهِمُ الحَقَّ جَاهِداً
عَفُوٌّ عَنِ الزَّلاَتِ ؛ يَقْبَلُ عُذْرَهُمْ
وإِنْ نَابَ أَمْرٌ لَمْ يَقُومُوا بِحَمْلِهِ
فَبَيْنَا هُمُ فِي نِعْمَةِ اللهِ بَيْنَهُم
عَزِيزٌ عَلَيْهِ أَن يَجُورُوا عَنِ الهُدَى
عَطُوفٌ عَلَيْهِم لا يُتَنِّي جَنَاحَهُ
فَبَيْنَاهُمُ فِي ذَلِكَ النُّورِ إِذْ غَدَا
فأَصبح مَحْمُوداً إِلى الله رَاجعاً
وَأَمْسَتْ بلادُ الحُزْمِ وَحْشاً بِقَاعُهَا
قِفَاراً سِوىْ مَعْمُورَةَ اللَّحْدِ ضَافَهَا
ومَسْجِدُهُ كَالْمُوحِشَاتٍ لِفَقْدِهِ
فَيَا جَمْرَةَ الْكُبْرِىُ لَهْ ثَمَّ أَوْحَشَتْ
فَبَكِّيْ رَسُولَ اللهِ يا عَيْنُ جَهْرَةً
وَمَا لَكِ لاَ تَبْكِينَ ذَا النَّعَمِ الَّتِي
فَجُودِي عَلَيْهِ بِالدُّمُوْعِ وَأَغْوِلِي
بِلادٌ ثَوَى فِيهَا الرَّشِيدُ المُسَدَّدُ
عَلَيْهِ بِنَاءٌ مِنْ صَفِيحِ مُنصَّدُ
تَبَّاكَتْ، وَقَدْ غَارَتْ بِذَلِّكَ أَسعُدُ
عَشِيَةَ عَلَّوْهُ الثَّرَى لا يُوَسَّدُ
وَقَدْ وَهَنَتْ مِنْهُم ظُهُورٌ وَأَعْضُدُ
وَمَنْ قَدْ بَكَتْهُ الأَرْضُ فَالنَّاسُ أكْمَدُ
رَزِيَّةَ يَوْمِ ماتَ فِيْهِ مُحَمَّدُ
وَقَدْ كَانَ ذَا نُورٍ يَغُورُ ويَنْجُدُ
ويُنْقِذُ مِنْ هَوْلِ الخَزَايَا ويُرْشِدُ
مُعَلِّمُ صِدْقٍ ، إِنْ يُطِيْعُوهُ يَسْعَدُوا
وإِنْ يُحْسِنُوا، فَاللهُ بِالْخَيْرِ أَجْوَدُ
فَمِنْ عِنْدِهِ تَيْسِيرُ ما يَتَشَدَّدُ!
دَلِيْلٌ بِهِ نَهْجُ الطّريقةِ يُقصَدُ
حَرِيصٌ عَلَىْ أَنْ يَسْتَقِيْمُوا وَيَهْتَدُوا
إلىْ كَنَفٍ يَحْنو عَلَيْهِم ويَمْهَدُ
إِلى نورِهِم سَهْمٌ مِنَ المَوتِ يَقْصِدُ
تُبُكِّيْهِ جُفْنُ المُرْسَلاتِ ويَجْمُدُ
لِغَيْيَةِ مَا كَانَتْ مِنَ الوَحْي تَعْهَدُ
فَقِيدٌ يُبَكِّيهِ بَلاَطُ وَغَزْقَدُ
خَلَاءٌ لَهُ فِيْهِ مَقَامٌ وَمَفْعَدُ
دِيَارٌ وَعَرْصَاتٌ وَرَبْعٌ وَمَوْلِدُ
وَلاَ أَعْرِفَنْكِ الدَّهْرَ دَمْعُكِ يَجْمُدُ
عَلَىُ النَّاسِ مِنْهَا سَابِغٌ يَتَغَمَّدُ
لِفَقْدِ الَّذِي لَا مِثْلَه الدَّهْرُ يُوجِدُ
٣٢٢

وما فَقَدَ الماضُونَ مِثْلَ مُحَمَّدٍ
أَعَفتُّ وَأَوْفَى ذِمَّةً بَعْدَ ذِمَّةٍ
وأبْذَلُ مِنْهُ الطَّرِيفِ وَتَالِدٍ
وأَكْرَمُ بَيْتاً فِي أَلْبُيُوتِ إِذا انْتُمِىُ
وَأَمْنَعُ ذِرْوَاتٍ وَأَثْبَتُ فِيْ العُلاَ
وَأَثْبَتُ فَرْعاً فِي الفُرُوعِ وَمَنْتَا
رَبَاهُ وَلِيْدَاً فَأَسْتَتَمَّ تَمَامَهُ
تَنَاهَتْ وُصَاةُ المُسْلِمِيْن بِكَفِّهِ
أَقُولُ وَلاَ يُلْقَىْ لِقَوْلِيَ عَائِبٌ
ولَيْسَ هَوَايَ نَازِعَاً عَنْ ثَنَائِهِ
مع المصْطَفىْ أَرْجُو بِذَاكَ جِوَارَهُ
ولا مِثْلُهُ حَتّى القَيَامَةِ يُفْقَدُ
وأَقْرَبُ مِنْهُ قَائِلاً لا يُتَكَّدُ
إِذا ضَنَّ ذُو مَالٌ بِمَا كَانَ يَتْلَدُ
وَأَكْرَمُ جَدّاً أَبْطَحِيّاً يُسَوَّدُ
دَعَائِمٍ عِزِّ شَامِخَاتٍ تُشَيَّدُ
وَعُؤْداً كَعُودِ المُزْنِ فَالعُوْدُ أَغْيَدُ
علىْ أَكرَمِ الخَيْرَاتِ رَبٌّ مُمَجَّدُ
فَلاَ العِلْمُ مَحْبُورٌ وَلاَ الرَّأْيُ يُفْنَدُ
مِنَ النَّاسِ إلا عَازِبُّ العَقْلِ مُبْعَدُ
لَعَلِّي بِهِ فِي جَنَّةِ الخُلْدِ أَخْلُدُ
وَفِي نَيَّلِ ذاكَ اليَوْمِ أَسْعَىْ وَأَجْهَدُ
ورثاه حَسَّان رضي الله عنه أَيضاً بقوله :
فَعَمِيْ عَلَيْكَ النَّاظِرُ
كُنْتَ السَّوادَ لِنَاظِري
فَعَلَيْكَ كُنْتُ أُحَاذِرُ
مَنَ شَاءَ بَعْدَكَ فَلْيَمُتْ
ولا يرِدُ على هذا كلُّه ما رواه ابن ماجه - وصحَّحه الحاكم -؛ عن ابن
أَبِي أوفى: أنَّهُ وَِّ نِهِى عَنِ المَرَائِي !!
لأَن المراد مرائي الجاهلية ، وهي ندبُهم الميت بما ليس فيه؛ نحو ((والَهْفَاه ،
واجبلاه)) لا مطلقاً. فقد رثى حسَّان حمزةَ وجعفراً وغيرهما في زمنه وَّر؛ ولم
ينهه !! قاله الزرقاني؛ على ((المواهب)).
(وَ) أَخرج الترمذي في ((الجامع)) و((الشمائل)) - وقال في الجامع: هذا
حديث حسن غريب ، لا نعرفه إلاّ من حديث عبد الله بن بارق ، وقد روى عنه غیرُ
واحد من الأئمة - :
٣٢٣

وَعَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :
((مَنْ كَانَ لَهُ فَرَطَانٍ مِنْ أُمَّتِي .. أَدْخَلَهُ اللهُ تَعَالَى بِهِمَا الْجَنَّةَ)) ،
فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْها : فَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطٌ مِنْ أُمْتِكَ؟
قَال: ((ومَنْ كَانَ لَهُ فَرَطُ يَا مُوَفََّةُ)) ، قَالَتْ: فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ
فَرَطُ مِنْ أَمَّتِكَ؟
قَالَ: ((فَأَنَا فَرَطْ لِأُمَّتِي ،
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُوْلَ اللهِ وَلّهِ يَقُوْلُ:
((مَنْ كَانَ لَهُ فَرَطَانٍ ) - بفتح الفاء والراء -؛ أَي : ولدان صغيران يموتان قبله ،
فإنَّهما في القيامة يهيّان له ما يحتاج إليه من ماء بارد وظلِّ ظليل ومأكل ومشرب ،
( مِنْ أُمَّتِيْ أَدْخَلَهُ اللهُ تَعَالَىْ بِهِمَا الجَنَّةَ)).
فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: فَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطٌ مِنْ أُمَّتِكَ ؟) أي :
ما حکمه هل هو كذلك !
( قَالَ : ((وَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطُ ) - أي : يدخله الله الجنة بسببه كالذي له فرطان -
( يَا مُوَلَّقَةُ)))؛ أي: لاستكشاف المسائل الدينيّة؛ وهذا تحريضٌ منه وَّ لها على
کثرة الشُّؤَالِ ، فلذلك کژَّرتْه حیث
( قَالَتْ: فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَطٌ مِنْ أُمَّتِكَ ؟) ؛ أي : فما حكمه .
( قَالَ: ((فَأَنَا فَرَطُ لأُمَّتِي): أمة الإجابة، فهو ◌َِّ سابق مهيٌِّ لمصالح أُمَّته .
وقد قال ◌َّه: (( أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ)). أي: سابقكم لأرتاد لكم الماء،
وقال ◌َله: ((إِذا أَرَادَ اللهُ بِأُمَّةٍ خَيْراً قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَها، فَجَعَلَهُ لَها فَرَطاً وَسَلَفَأْ بَيْنَ
يَدَيْهَا، وَإِذَا أَرَأْدَ هَلَكَةَ أُمَّةٍ عَذَّبَها ؛ وَنَبِيُّهَا حَيٌّ، فَأَهْلَكَها وَهُوَ يَنْظُرُ، فَأَقَرَّ عَيْنَةً
بَهَلَكِها حِينَ كَذَّبُوهُ وَعَصَوْا أَمْرَهُ » .
٣٢٤

لَنْ يُصَابُوا بِمِثْلِي )). وَ( الْفَرَطُ - فِي الأَصْلِ - ) : السَّابِقُ مِنَ الْقَوْمِ
الْمُسَافِرِينَ لِيُهَِّىءَ لَهُمُ الْمَاءَ وَالْكَلأَ وَمَا يَحْتَاجُونَهُ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا:
الصَّغِيرُ الَّذِي يَمُوتُ قَبْلَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ ، فَإِنَّهُ يُشْبِهُهُ فِي تَهِْئَةِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمَصَالِحِ .
ثم استأنف بقوله : ( لَنْ يُصَابُوْا بِمِثْلِيْ))؛) على وجه التَّعليل لقوله: (( أَنَا فَرَطٌ
الأُمَّتي )) . أي: لم يبلغوا مصيبةً مثل مصيبتي، فَإِنِّي عندهم أحبُّ من كلِّ والد
وولد ، فمصيبتي عليهم أشدُّ من جميع المصائب ، فأكون أنا فرطهم ؛ وهو شامل
لمن أدرك زمانه ومَن لم يدركه ، كما يدلُّ عليه تعبيره بِـ(( أُمَّتِي)).
قال الباجوري؛ في ((حاشية الشمائل)): ( والفَرَطُ ) - بفتحتين - والفارط
( فِي الأَصْلِ ) ؛ أي : أصل معناه في اللغة هو (: السَّابِقُ ) ؛ أي : المتقدم ( مِنَ
القَوْمِ المُسَافِرِيْنَ لِيُهَمِّىءَ لَهُمْ) الأرشاءَ(١) والدِّلاءَ ويمدر الحياض؛ ويستقي لهم
( المَاءَ، وَ) يهيء لدوابُهم ( الكَلأَّ) - مهموز: العشب ؛ رطباً كان أو يابساً ، فَإِنْ
كان رطباً ! يقال له : خلاء ، واليابس يقال له : حشيشٌ ؛ والكلأ يعمُّهما -
( وَ) يُهَيِىءُ لهم ( مَا يَحْتَاجُوْنَهُ) من منزل ونُزُل ، ويزيل ما يخافون منه ، ويأخذ
الأمن فيه للمتأخِّر عنه ؛ فهو فَعَل بمعنى فاعل ؛ كتَبَع بمعنى تابع ، يقال : رجل
فَرَط وقوم فَرَط .
( وَالمُرَادُ بِهِ هُنَا ) في الحديث: الولدُ (الصَّغِيْرُ الَّذِي يَمُوْتُ قَبْلَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ ،
فَإِنَّهُ) أي: الولد الصغير (يُشْبِهُهُ) ؛ أي: يشبه فَرَط المسافرين ( فِي تَهْيِئَةِ
مَا يُحْتَاجُ) - بضَمِّ أوَّله مبنيّاً للمفعول -؛ أي: ما يحتاج (إِلَيْهِ ) أبواه ، فكما أنَّ
فرط القافلة يتقدَّمُهُم إلى المنازل فَيُعِدُّ لهم ما يحتاجونه من سقي الماء وضرب
الخيمة ونحوِهما ؛ كذلك الطفل الصغير الذي يموت قبل أحد أبويه فإنه يهيء لهما
( يَوْمَ القِيَامَةِ ) ما يحتاجان ( مِنَ المَصَالِحِ ) ؛ وهو نُزُل ومنزل في الجَنَّةُ .
(١) جمع رشاء ؛ وهو الحبل، وأفصح من هذه الصيغة للجمع: أرشية !!.
٣٢٥

وعَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ - أَخِي جُوَيْرِيَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ
تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّ سِلاَحَهُ
وَيَغْلَتَهُ وَأَرْضاً جَعَلَهَا صَدَقَةٌ .
( وَ) أخرج البخاريُّ، والنَّسائيُّ، والترمذيُّ في ((الشَّمائل))؛ ( عَنْ عَمْرِو بْنِ
الحَارِثِ ) المصطلقي ( أَخِي جُوَيْرِيَةَ) - بالتصغير - ( أُمِّ المُؤْمِنِيْنَ ) له صحبةٌ ، خَرَّج
له الجماعة ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا ) ؛ أي : عَمْرو وجُوَيْرية .
( قَالَ: مَا تَرَكَ رَسُوْلُ اللهِ وَّهِ إِلَّ) الحَصْرُ في الثلاثة المذكورة في هذا الخبر
إِضافيٌّ ؛ فقد ترك ثيابه ومتاع بيته ، ولكنها لما كانت بالنسبة للمذكورات يسيرةً لم
تذكر .
وقال ابن سَيِّد الناس: وَتَركَ بَله يوم ماتَ ثَوبَيْ حِبَرَة وإِزاراً عُمانِيّاً ، وثوبين
صحاريين ، وقميصاً صحارياً ، وآخر سَحُولِيّاً، وجُبَّةً يمنيَّةً، وخميصةً وكِسَاءً
أَبْيَض، وقلانس صغاراً لاطيةً ((ثلاثاً؛ أَو أربعاً )) وملحفةً مُورَّسةً، أي : مصبوغةً
بالورس .
(١ - سِلاَحَهُ) الذي كان يختصُّ بلبسه واستعماله؛ من نحو : سيف ورمح
ودرع ومِغْفر وحرية .
(وَ ٢ - بَغْلَتَهُ) البيضاء واسمها ((دُلْدُلُ))، وعاشت بعده وَّ حتى كبرت
وذهبت أسنانها ، وكان يُجرَش لها الشعير ، وماتت في ينبع ، ودفنت في جبل
رضوى ، وكان له بغالٌ غيرها .
( وَ ٣ - أَرْضاً) لم يُضِفْهَا له ، لعدم اختصاصها به كسابقتها ، لأَنَّ غَلَّتها كانت
عامَّةً لَهُ ولعيالِهِ ولفقراء المسلمين، وهي نصف أرضٍ فَدَك، وثلث أَرْضٍ وادي القُرَى،
وسهمُه من خُمُس خيبر، وحِصَّةٌ من أرض بني النضير ؛ ( جَعَلَهَا) ؛ أي : الأرض
(صَدَقَةً) في حياته على أهله وزوجاته وَخَدَمِهِ وفقراء المسلمين، وليس المراد أنَّها صارت
صدقةً بعد موته كبقية مُخَلَّفاته ؛ فإِنَّها صارت كلُّها صدقة بعد وفاته على المسلمينَ .
٣٢٦

وَرَوَى كَثْرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ
وقد أَغْنى الله قلبه كلَّ الغنى، ووسَّع عليه غاية السَّعة ؛ وأيُّ غنى أعظم من غنى
مَن عُرضت عليه مفاتيح خزائن الأرض فأَباها !! وجاءت إِليه الأَموال فأَنفقها كلَّها ؛
وما استأثر منها بشيءٍ !!
ولم يتّخذ عقاراً ، ولا ترك شاة ، ولا بعيراً، ولا عبداً، ولا أَمَة ،
ولا ديناراً، ولا درهماً غير ما ذكر؛ كذا في الباجوري؛ على ((الشمائل)».
( وَرَوَى كَثِيْرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِي اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ) ؛ وهو حديث متواتر ، قال
السيوطي؛ في ((الأزهار المتناثرة)): حديث ((لاَ نُورَثُ؛ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ))؛
أخرجه الشيخان ؛ عن عُمر وعثمان وعليّ وسعد بن أبي وقَّاص والعبَّاس.
وأخرجه مسلمٌ ؛ عن أَبي بكرِ الصدِّيق وعبد الرحمن بن عوف ، والزُّبير بن
العوَّام وأبي هريرة .
وأخرجه أبو داود ؛ عن عائشة . وأخرجه النَّسَائي ؛ عن طلحة .
وأخرجه الطَّبراني ؛ عن حذيفة وابن عبَّاس ؛ فقد رواه من العشرة المشهودِ لهم
بالجنة ثمانيةٌ نظيرَ حديث: (( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ )) . انتهى.
وذكره في ((كنز العمال)) بلفظ ((لاَ نُورَثُ؛ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ )).
ورمز له برمز الإمام أحمد و(( الصحيحين))، والثلاثة ؛ عن عمر ، وعن عثمان
وسعد وطلحة والزُّبير وعبد الرحمن بن عوف .
ورمز له برمز الإمام أحمد و(( الصحيحين))؛ عن عائشة .
ورمز له برمز مسلم . والترمذي ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم
أجمعين .
وذكره في ((كنز العمال)) أيضاً بلفظ: ((لاَ نُورِثُ؛ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ، وَإِنَّمَا
يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ فِي هَذَا المَالِ)). ورمز له برمز الإمام أحمد و ((الصحيحين))،
٣٢٧

وأبي داود والنسائي ؛ عن أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه .
وذكره في ((كنز العمال)) أيضاً بلفظ: ((إنَّا لا نُورِثُ؛ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ)).
ورمز له برمز الإمام أحمد ؛ عن عبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد رضي
الله تعالى عنهم .
وفي ((تلخيص الحبير)) للحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: أمَّا حديث ((إنَّ
الأَنْبِيَاءَ لاَ يُورَثُونَ)) !! فمتفق عليه؛ من حديث أبي بكر الصديق؛ أَنَّه ◌ِوَ إِ قال:
((لاَ نُورِثُ؛ ما تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ )).
وللنَّسائي في أوائل الفرائض من ((السنن الكبرى)): ((إنَّا مَعْشَرَ الأَنْبِيَاءِ
لاَ نُورَثُ؛ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ)) . وإِسناده على شرط مسلم .
ورواه النسائي؛ عن عائشة رضي الله عنها: أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ وَلِ﴿ أَرَدْنَ أَنْ يَبْعَثْنَ
عُثْمانَ إِلَىْ أَبِي بَكْرٍ ؛ فَيَسْأَلْنَهُ مِيرَاثَهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ !! فَقَالَتْ لَهُنَّ عَائِشَةُ : أَلَيْسَ قَدْ
قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ((لاَ يُؤْرَثُ نَبِيِّ؛ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ)) !!. لكن رواه في الفرائض من
((السنن الكبرى)) بلفظ: ((لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ)). ليس فيه ((نبيٌّ))؛ فالله
أعلم !. وكذا هو في (( الصحيحين)).
وفي ((الصحيحين)) مثل حديث أبي بكر عن عمر أنَّه قال لعثمان
وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد وعلي والعباس: أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ ... فذكره ؛
وفيه أنهم قالوا : (( نَعَمْ )) . زاد النَّسائي فيهم طلحة .
وأخرجه الحُمَيْدِي في (( مُسْندِه )) ؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال
رسول الله وَلٍ: ((إِنَّا مَعْشَرَ الأَنْبِيَاءِ لاَ نُورَثُ؛ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ)).
وذكر الدارقطنيُّ في ((العِلَل)) حديث الكَلبي عن أَبي صالح ؛ عن أُم هانىء ؛
عن فاطمة أنَّها دَخَلَتْ عَلى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَتْ: لَوْ مِثَّ مَنْ يَرِتُكَ ؟ قَالَ : وَلَدي
وَأَهْلِي ؛ قَالَتْ: فَمَا لَنَا لاَ نَرِثُ النَّبِيَّ وَِّ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((إِنَّ الأَنْبِيَاءَ
لاَ يُورَثُونَ ؛ مَا تَرَكُوهُ فَهُوَ صَدَقةٌ )) .
٣٢٨

قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((نَحْنُ مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ لاَ نُورَثُ ؛
وفي الباب عن حذيفة ؛ أخرجه أبو موسى في كتاب له اسمه (( براءة
الصدِّيق))؛ من طريق فضيل بن سليمان ؛ عن أبي مالك الأشجعي ؛ عن ربعي
عنه. وهذا إسناد حسن. انتهى كلام الحافظ ابن حجر في (( التلخيص)).
( قَوْلَ النَّبِيِّ ◌َِّ: ((نَحْنُ) - نقل الزرقاني؛ في (( شرح المواهب)) عن الحافظ
ابن حجر ما نصُّه: والحاصل أنه لم يوجد بلفظ ((نَحْنُ)) ووجد بلفظ ((إِنَّا »،
ومفادُهما واحد، فلعل مَن ذَكَره ذَكَره بالمعنى؛ وهو في (( الصحيحين))؛ عن
أبي بكر رضي الله عنه، سمعتُ النبيَّ وَّ يقول: ((لاَ نُوَرِثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ)).
بحذف ((إنَّا)). وكذا في ((السنن الثلاث)) . انتهى -
(مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ ) نصب على الاختصاص ؛ أو المدح . والمعشر: كلُّ جمع
أَمْرُهُمْ واحد، فالإِنْس معشرٌ، والجن معشرٌ، والأنبياءُ مَعْشَرٌ؛ وهو معنى قولٌ
جمع : المعشر ، الطائفة الذين يشمهلم وصف .
( لا نُؤْرَثُ) - بضم النون وسكون الواو وفتح الراء - قال القرطبي : جميع رواة
هذه اللفظة في ((الصحيحين)) وغيرهما يقولون ((لاَ نُوَرِثُ)) بالنُّون ، وهي نون
جماعة الأنبياء ؛ أي : ما تركناه إنَّما نتركه صدقة ، لا يختصُّ به الورثة .
والمراد : المال وما في حكمه ؛ فلا يعارضه قوله ﴿فَهَبْ لِ مِن لَُّنكَ وَلِيًّا
يَرِثُنِىِ﴾ [٥ - ٦/ مريم] الآية؛ ولا ﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُودٌ ﴾ [١٦/ النمل] !! لأنه وارثهُ نُوَّةً
وعلماً .
وليس لك أَن تقول معنى ((لاَ نُورَثُ)) من النُّبُوة !! لأنَّ الصَّحابة فهموا أَنَّ
المراد المالُ، وهم أعلمُ بالحال ، فلا مجال لهذا الاحتمال .
قال في (( جمع الوسائل)): والحكمةُ في أنَّ الأنبياءَ لا يورثون: ١ - أن
لا يتمنَّى بعض الورثة موتهم ؛ فيهلك . و٢ - أن لا يُظنَّ بهم أنَّهم راغبون في الدنيا
ويجمعون المال لورثتهم . و٣ - أن لا يرغب الناس بجمعها ؛ بناءً على ظنِّهم أن
٣٢٩

مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ )).
الأنبياء كانوا كذلك !! و٤ - لِئَلأَّ يتوهّموا أن فقر الأَنْبِيَاءِ لم يكن اختيارياً . انتهى .
(مَا ) موصولةٌ: مبتدأ ؛ أي : الذي ( تَرَكْنَاهُ) من المالِ ( صَدَقَةٌ ) بالرفع :
خبر المبتدأ الذي هو (( ما تركنا))، ودخلته الفاء ! [كما في بعض طرقه - «ما تركنا
فهو صدقة))](١)؛ لتضمّن المبتدأِ معنى الشَّرط.
والجملةُ جوابُ سؤالٍ مقدَّرٍ تقديره : إِذا لم تُورَثوا ؛ فما يُفعل بمُخَلَّفكم ؟
فَأَجاب بقوله: (( ما تركناه صدقةٌ)). والكلام حينئذ جملتان : الأولى فعلية ،
وهي قوله (( لا نورث))، والثانية اسمية، وهي قوله ((ما تركناه)).
قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) : ويؤيِّده ورودُه في بعض طرق
((الصَّحيح)): ((مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ))؛ وحَرَّفه الإِمامِيَّة - أي: الروافض فقالوا:
لا يُورث، - بالمثنَّاة التحتية بدل النُّون - و: صدقةً نصبٌ على الحال .
و(( ما تركنا)»: مفعول لما لم يسم فاعله ، فجعلوا الكلام جملةً واحدةً ، ويكون
المعنى: إن ما يُترك صدقةً لا يورث . وهذا تحريف يخرج الكلام عن نمط
الاختصاص الذي دَلَّ عليه قولُه عليه الصلاة والسلام في بعض الطرق: ((إِنَّا مَعَاشِرَ
الأَنْبِيَاءِ لاَ نُورَتُ ».
ويعود الكلام بما حرَّفوه إِلى أَمْرٍ لا يختصُّ به الأَنْبياءُ ، لأن آحادَ الأُمَّة إِذا وقفوا
أَموالهم أَو جعلوها صدقةً أنقطَعَ حَقُّ الورثةِ عنها ، فهذا مِن تحاملهم أو تجاهلهم .
وقد أورده بعض أكابر الإِماميّة على القاضي شاذان ((صاحب القاضي
أبي الطيب)) ، فقال القاضي شاذان - وكان ضعيف العربيّة ؛ قويّاً في علم
الخلاف -: لا أَعرفُ نصبَ ((صدقةٍ )) مِنْ رفعِها !! ولا أَحتاج إِلى علمه ؛ فإنه
لا خفاء بي وبك : أنَّ فاطمةَ وعليّاً من أَفصح العرب لا تبلغ أَنت ولا أَمثالك إلى
ذلك منهما ، فلو كانت لهما حُجَّةٌ فيما لَحَظْتَه لأبدياها حينئذ لأبي بكر ؟! فسكت ،
ولم يَحُرْ جَواباً .!
(١) أضفتها للإيضاح .
٣٣٠

وإِنَّما فعل الإِماميةُ ذلك !! لما يلزمهم على رواية الجمهور من فساد مذهبهم ،
لأنهم يقولون بـ ((أنه مَ ل﴿ يورث كما يورث غيره من المسلمين)) لعموم الآية الكريمة .
وذهب النَّحاسُ إلى أنه يصحُّ النَّصب في ((صدقة)) على الحال ، وأَنكره القاضي
عياض لتأييده مذهب الإِمامية، لكن قدر ابنُ مالك (( ما تركناه - متروك - صدقة))
فحذف الخبر وبقي الحال كالعوض منه ؛ ونظيرُه قراءَةُ بعضهم ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةً﴾
[١٤/ يوسف] - بالنصب(١) -. انتهى. من ((شرح القسطلاني على البخاري)).
قال الزرقاني؛ في (( شرح المواهب)) متعقباً: لكن في التوجيه نظر ، إذ لم
تأتٍ رواية بالنصب حتى توجّه ، بل الذي توارد عليه أهل الحديث ؛ في القديم
والحديث: بالنون ورفع ((صدقةٌ))، ولأَنَّه لم يتعين حذف الخبر ، بل يحتمل
ما قاله الإِمامية ، ولذا أَنكره عیاض ؛ وإِنْ صحَّ في نفسهِ . انتهى .
تنبيه: قال الحافظ ابن حجر: الذي يظهر أن ما ترك النبي ◌َّ و بعده من جنس
الأَوقاف المطلقة يَنْتُفِعُ بها مَن يحتاج إليها وتقرُّ تحت يد مَن يؤتمن عليها ، ولهذا
كان له عند سهلٍ قدح ، وعند أنس قدح آخر ، وعند عبد الله بن سلام قدح آخر ،
وكان الناس يشربون منها تبرُّكاً ، وكانت جبَتُه عند أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي
الله تعالى عنها ... إلى غير ذلك مما هو معروف . انتهى . نقله المناوي ؛ في
(« شرح الشّمائِل » رحمه الله تعالى .
(١) وهي قراءة شاذّة .
٣٣١
-*-
...

الْفَصْلُ الثَّالِثُ
فِي رُؤْيَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا :
( الفَصْلُ الثَّالِثُ ) ؛
من الباب الثَّامن
(فِي) ما جاء في (رُؤْيَتِهِ وََّ)
الرؤيةُ - التي بالتاء - تشمل رؤيةَ البصرِ في اليقظة ، ورؤية القلب في المنام ،
ولهذا احتاج المصنّفِّ إِلى تقييدها بقوله ( فِي المَنَّامِ ) .
و [الرؤيا] الَّتي بالألف خاصَّةٌ برؤيةِ القلب في المنام ، وقد تستعمل في رؤيةٍ
البصر أيضاً ، قال المازري : مذهب أهل السُّنَّةِ : أنَّ حقيقة الرُّؤْيَا خَلْقُ الله تعالى في
قلبِ النَّائِمِ اعتقاداتٍ كخلقها في قلب اليقظانِ ، وهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ؛
لا يمنعه نوم ولا يقظة ، وخلقُ هذه الاعتقادات في النائِم عَلَمٌ على أمور أخر يلحقها
في ثاني الحال ؛ كالغيم عَلَماً على المطر. انتهى؛ ذكره في (( جمع الوسائل)).
وإِنَّمَا أَورد المصنّ باب الرؤيةِ في المنام آخرَ الكتاب بعد بيان صفاته الظاهرة
وأخلاقه المعنوية !! إِشارة إلى أنَّه ينبغي أَوَّلاً ملاحظة رسول الله وَله بأوصافه الشريفة
وأخلاقه المنيفة لِيَسْهُلَ تطبيقه الرؤية بعد في المنام عليها ، والإشْعارِ بأَنَّ الاطلاع
على طلائع صفاتِه الصُّورِيَّة ، وَعَلى بَدَائِعِ نُعُوتِهِ السَّرِيَّة بمنزلة رؤيته البهية . انتهى
« باجوري )) .
( عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا ) كذا في النُّسْخِ الَّتي بأيدينا ، وهو
كذلك في نسخة ((الشَّمائل)) التي كتب عليها المناوي ، وكذلك في المطبوعة مع
((حاشية الباجوري))، لكن في نسخة ((الشمائل)) التي كتب عليها الشُرَّاح الثلاثة:
ملا علي قاري، وجَسُّوس المغربي، والباجوري في ((حاشيته))؛ (( عن عبد الله ))
٣٣٢

عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ .. فَقَدْ
رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَمَثَّلُ بِي)).
فقط، وفَسَّره هؤلاء الثلاثة بـ (( ابن مسعود))، قالوا - كما في نسخة - : وذلك
يوافق ما في ((سنن ابن ماجه))، والترمذي في ((الجامع)) بسند (( الشَّمائل)) وقال:
حديث حسن صحيح ، فَإنَّ ابن ماجه رواه من طريق وكيع عن سفيان ، والتِّرمذيُّ
رواه في ((الجامع)) و((الشمائل))؛ من طريق عبد الرَّحمن بن مهدي ، عن سفيان ؛
عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص ؛ عن عبد الله رضي الله تعالى عنه .
(عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: ((مَنْ رَآنِيْ فِي أُلمَنَامِ ) ؛ أي : في حال النَّوم ، ( فَقَدْ
رَآنِيْ ) ، أي : فليبشَر بأنَّه رآني حقيقة ، أَي: رأى حقيقتي كما هي ؛ لا شبهة
ولا ريب فيما رآه، فلم يَتَّحد الشَّرط والجزاء . أو هو في معنى الإخبار ؛ أي : مَن
رآني فأخبره بأَنَّ رؤيته حقٌّ ليست بأضغاثِ أحلامٍ ، ولا مِن تمثيل الشَّيطان ، بل هي
من قِبَلِ اللهِ تعالى .
ثمَّ أردف ذلك بما هو تتميمٌ للمعنى وتعليل للحكم ؛ فقال : ( فَإِنَّ الشَّيْطَانَ
لاَ يَتَمَثَّلُ بِيْ))). وفي رواية لمسلم: ((فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَنْبُغِي لَهُ أَنْ يَتَشَبَّهَ بِي)).
وفي أخرى له : ((لاَ يَنْبُغِي أَنْ يَتَمثَّلَ فِي صُوْرَتِي )) .
وفي رواية لغير مسلم : ((لاَ يَتَكَوَّنُنِي)) أي: لا يستطيع ذلك لئلاً يتذرَّع
بالكذب على لسانه في النَّوم ؛ كما استحال تصوُّره بصورته يقظة ؛ إذْ لو وقع اشتبه
الحقُّ بالباطل ؛ ومنه أُخِذَ أَنَّ جميع الأنبياء كذلك .
وظاهر الحديث أنَّ رؤياه صحيحة ؛ وإِنْ كانت على غير صفته المعروفة ، وبه
صرَّح النَّوويُّ ، مضعِّفاً لتقييد الحكيم التُّرمذيِّ وعياض وغيرهما ؛ بما إذا رآه على
صورته المعروفة في حياته ، وتبعه عليه بعض المحقّقين .
قال المناوي - على ((الشمائل))؛ في شرح قول المصنّفِّ ((فإنَّ الشَّيْطَانَ
لاَ يَتَمَثَّلُ بِي)» -: أي: لا يستطيع ذلك، سواء رآه الرائي على صفته المعروفة ؛ أو
٣٣٣

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ
غيرها ، على المنقول المقبول عند أهل العقول ، لأنَّه سبحانه وتعالى جعله رحمةً
للعالمين ؛ هادياً للضَّالِّين ؛ محفوظاً من وَسْواسِ الشَّياطين .
وإذا تنوَّر العالم بنور وجوده ، ورجمت الشَّياطين لميلاده ، وهُدمت بنيان
الكَهَنة لظهورِهِ ؛ فكيف يُتَصَوَّر أنْ يتمثَّلِ الشَّيطان بصورته !! ولو قَدَر أنْ يتمثَّل
بصورته لتمثَّل في الخارج كذلك ، فرؤياه حقٌّ على أيٍّ صورة كانت .
ثمَّ إن كانت بصورته الحقيقة في وقت مَّا ، سواءٌ كان في شبابه ؛ أو رجوليَّه ؛
أو كهوليَّه ؛ أو أواخر عمره، لم تحتج لتأويل ، وإلاَّ احتيجت لتعبير متعلق
بالرّائي . ومن ثمَّ قيل : من رآه شيخاً ، فهو في غاية سِلْم ، أو شاباً ؛ فَهو في غاية
حربٍ ، أو متبسماً ؛ فهو متمسكٌ بسنَّتِّهِ ، أو على حالته وهيئته ؛ فهو دليلٌ على
صلاح حال الرَّائي وكمال وَجَاهته وظفره. وعكسه ؛ لأنَّه كالمرآة الصَّقيلة ينطبعُ
فيها ما يقابلها ، وإِنْ كان ذاتُها على أحسن حال .
وبه عُلم صحَّة رؤية جمع له ؛ في آنٍ واحدٍ ؛ في أقطارِ متباعدةٍ ؛ بأوصافٍ
متخالفةٍ . وكما أنَّ الشَّمس يراها كلُّ إنسانٍ في الشَّرق والغرب في ساعةٍ واحدةٍ
وبصفاتٍ مختلفةٍ ؛ فكذلك هو ولها .
وحُكي عن البارزيِّ واليافعيِّ والجيليِّ والشَّاذليِّ والمرسيِّ وعلي وفاء والقطب
القُسْطُلاَّنِيِّ وغيرهم أنَّهم رأوه يقظةً . قال ابن أبي جمرة : ومُنْكِرُ ذلك !! إنْ كان
ممَّن يُكذِّب بكرامات الأولياءِ ؛ فلا كلام معه ، وإلاَّ! فهذه منها ؛ إذ يُكشف لهم
بخرقِ العادة عن أشياء في العالم العُلويِّ والسفليِّ . انتهى .
وسبقه لنحوه حجَّة الإسلام ؛ فقال في كتاب (( المنقذ )) : وهم - يعني : أرباب
القلوب - في يقظتهم ، يشاهدون الملائكةَ وأرواح الأنْبياءِ ، ويسمعون منهم
أصواتاً ، ويقتبسون منهم فوائد . انتهى كلام المناوي رحمه الله تعالی .
( وَ) أَخرج التِّرمذيُّ في ((الشَّمائل))؛ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ
٣٣٤

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ ..
فَقَدْ رَآنِي ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَصَوَّرُ - أَوْ قَالَ لَ يَتَشَبَّهُ - بِي)).
قالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ: ((مَنْ رَآنِيْ فِي المَنَام) - بصفتي الَّتي أنا عليها، أو
بغيرها ؛ على ما تقدَّم - ( فَقَدْ رَآنيْ ) - أي: رأَى حقيقتي على كمالها - ( فإنَّ
الشَّيْطَانَ لاَ يَتَصَوَّرُ ) بي، لا مناماً ولا يقظةً؛ حفاظاً للشَّريعة المعلومة بالكِتَابِ
وَالسُّنَّةِ .
ثُمَّ إِنْ رَآهَ الرَّائي على صورته كان الرَّائي كاملاً، وإلاَّ! فهو ناقصٌ ، فتكون
الرؤية حينئذ تنبيهاً له ليتوب ، فمن رآه مَيْتَاً دلَّ على موت الشَّريعة في الرَّائي ، فإنْ
كان مستقيماً! دَلَّ على موتِ الشَّريعةِ في ذلك المكان .
( أَوْ قَالَ) - شَكٍّ مِنَ الرَّاوي - (: ((لاَ يَتَشَبَّهُ بِيْ))) ، التصوُّر : قريب من
الثَّمِثُّل ، وكذا التَشَبُّه .
قال بعض شرَّاح ((المصابيح)): ومثله في ذلك جميع الأنبياء والملائكة .
انتهى .
وما ذكره احتمالاً جزم به البغويُّ في «شرح السُّنَّةَ))؛ قال: وكذلك حُكْمُ
القمرين ، والنُّجوم ، والسَّحابِ الذي ينزل منه الغيث : لا يتمثَّل الشَّيطان بشيء
منها .
لكن ذكر المحقّقون أنَّه خاصٌّ به ◌َّ؛ ذكره العزيزي على ((الجامع الصغير))
وغيره .
والحديث رواه البخاريُّ ، ومسلم ، وأبو داود ؛ من حديث أبي هريرة بلفظ :
(( مَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ، وَلاَ يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي)). ورواه
الطَّبراني؛ وزاد: ((وَلاَ بِالكَعْبَةِ )). وقال: لا تحفظ هذه اللَّفْظةُ إلاَّ في هذا
الحديث .
ولمسلم؛ من حديث جابر: (( مَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّهُ
٣٣٥

•
لاَ يَنْبَغِي لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَتَمَثَّلَ فِي صُورَتِي )). وفي رواية: ((فَإِنَّهُ لا يَنْبُغِي لِلشَّيْطَانِ أَنْ
يَشَبَّهَ بِي )» .
وفي حديث أبي سعيد الخدريِّ؛ عند البخاري: سمع النَّبيَّ نَّهِ يقولُ: ((مَنْ
رَآنِي فَقَدْ رَأَىْ الحَقَّ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لا يَتَكَوَّنُنِي)) ، أي: لا يتكَوَّن كوني ، أي :
لا يتصور تصوُّراً كصورتي ، فحذف المضاف ووصل المضاف إليه بالفعل .
وفي حديث أبي قتادةَ ؛ عند (( البخاري ومسلم) بلفظ: ((مَنْ رَآَنِي فَقَدْ رَأَى
الحَقَّ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَرَاءَى بِي)) - بالرَّاء -؛ بوزن: يتعاطى ، ومعناه لا يستطيع
أَن يتمثَّل بِي، ووقع عند الإسماعيلي؛ في (( مستخرجه)): (( مَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ
فَقَدْ رَآنِي فِي الْيَقَظَةِ ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَمَثَّلُ بِي)) . ومِثْلُهُ عِنْدَ ابنِ ماجه، وصَخَّحَه
التّرمِذيُّ ؛ من حديثِ ابنِ مسعودٍ المُتَقَدِّمِ .
والحاصِلُ: أنَّ هذا الحديثَ متواتِرٌ، وقد ذَكَرَهُ السُّيوطِيُّ في ((الأزهار
المتَنَائِرَةِ)) وقال: أخرجه الشَّيخان ؛ عن أنسٍ، وأبي سعيدٍ ، وأبي قَتَادَةَ ،
وأبي هريرةَ .
ومُسْلِمٌ ، عن جابٍ . والتِّرمذيُّ ؛ عن ابنِ مسعودٍ .
وابن ماجه ؛ عن ابن عباس ، وأبي جُحَيْفَةَ .
وأحمدُ ؛ عَنْ أَبي قتادةً ، وأبي مَالِك الأشْجَعِيِّ.
والطَّبرانيُّ ؛ عن أبي سعيد ، وابنِ عمرو ، وأبي بَكْرَةَ ، ومَالِك بنِ عَبْدِ اللهِ
الخَثْعَمِيّ .
والبخاريُّ في ((التَّاريخ))؛ عن طارِقٍ بنِ أميةَ الأشْجَعَيّ . انتهى .
فائدة: سُئِلَ شيخُ الإسلام ؛ زكريّا الأَنْصاريُّ رحِمَهُ اللهُ تعالى: عَنْ رجلٍ زَعَمَ
أَنَّه رَأْىُ النَّبِيَّ وَّهِ يقول له: ((مُرْ أُمَّتِي بصيامٍ ثلاثةِ أَيَّامٍ، وَأَنْ يُعَيِّدوا بعدَها،
ويخطُبُوا )) ، فهل يَجِبُ الصَّوم ، أو يُنْدَبُ، أو يَجُوزُ ، أو يَحْرُمُ؟!
٣٣٦

٠٠
وهل يكْرَهُ أنْ يقولَ أَحَدٌ لِلنَّاسِ: أَمَرَكُمْ النَّبيُّ عليه الصلاة والسلام ، بصيامٍ أيامٍ
لأَنَّه كَذْبَ عَلَيْهِ ، ومُسْتَنَدُهُ الرُّؤْيا الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ غيرِ رائيها ، أو مِنْه .
وهل يمتَنِعُ أَنْ يَتَسَمَّى إِبليسُ باسم النَّبِّوَه، ويقولُ للنَّائِمِ: إِنَّهُ النَّبِيُّ ◌َ،
ويَأْمُرُهُ بِطاعتِهِ ، لِيَتَوصَّلَ بِذَلِكَ إلى معصيَتِهِ؛ كما يمتَنِعُ عَلَيْهِ التَّشَكُّلُ في صورَتِهِ
الشَّرِيفَةِ أمْ لا !! [وبمَ] تتميَّرُ الرؤيةُ له ◌َّهِ الصادِقَةُ من الكاذِبَةِ ، وهل يَثْبُتُ شيءٌ من
أحكامِ الشَّرعِ بالرؤيَةِ في النَّمِ؟ وهل المرئِيُّ ذَاتُهُ وَّةِ، أو رُوحُهُ، أو مِثْلُ ذَلِكَ .
أجابَ - رحمه الله تعالى - بقوله : لا يجب على أحدِ الصَّومُ ؛ ولا غيره من
الأَحكام بما ذكر ، ولا مندوب . بل قد يكره ؛ أو يحرم ، لكنْ إِن غلب على الظَّنِّ
صِدقُ الرُّؤيا فله العمل بما دلَّت عليه ؛ ما لم يكن فيه تغيير حكم شرعيٍّ . ولا يثبت
بها شيء من الأحكام ؛ لعدم ضبط الرَّائِي ، لا للشَّكِّ في الرُّؤيا .
ويحرم علىُ الشّخص أن يقول: أَمَرَكُمْ النَّبيُّ ◌َّ بكذا؛ فيما ذكر ، بل يأتي بما
يدلُّ على مستنده من الرُّؤيا، إذْ لا يمتنع عقلاً أنْ يتسمَّى إبليسُ باسمِ النَّبِيِّ وَِّ ليقولَ
للنَّائمِ: إِنَّ النَّبِيُّوَه، ويأمره بالطَّاعة؛ والرُّؤيا الصَّادقةُ هي الخالصةُ من
الأضغاث .
والأَضغاث أنواع :
الأَوَّل : تلاعب الشَّيْطانِ ليحزن الرَّائي؛ كأن يرى أنَّه قُطِعَ رَأْسُه .
الثَّاني : أن يرى أنَّ بعض الأنبياء يأمره بمحرَّم ؛ أو محال .
الثّالث: ما تتحدَّثُ به النَّفَس في اليقظةِ تمنّاً ؛ فيراه كما هو في المنام .
ورؤية المصطفىْ وَله بصفتِهِ المعلومةِ إدراكٌ لذاتِهِ؛ ورؤيتُهُ بغير صفتِهِ إِدْراكٌ
المثالِهِ ، فالأُولىُ : لا تَحْتَاجُ إلى تعبيرٍ ، والثّانية : تحتاج إليه .
ويُحْمَلُ على هذا قول النَّويِّ ((الصَّحيحُ أنَّه يراه حقيقةً؛ سواءٌ كانت صفته
المعروفة أو غيرها)» . وللعلماء في ذلك كلام كثير ليس هذا محلَّ ذكره ، وفيما
٣٣٧

وَعَنْ يَزِيدَ الْفَارِسِيِّ - وَكَانَ يَكْتُبُ الْمَصَاحِفَ - قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ زَمَنَ أَبْنِ عَبَّاسٍ ، فَقُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ:
إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّوْمِ ، فَقَالَ أَبْنُ عَبَّاسٍ :
إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَسْتَطِيعُ
أَنْ يَتَشَبَّهَ بِي ، فَمَنْ رَآنِي فِي النَّوْمِ . . فَقَدْ رَآنِي »،
ذكرتُه كفاية. انتهى بنصِّه ؛ ذكره المناوي؛ في (( كبيره)).
( وَ) أخرج التِّرمذيُّ في ((الشَّمائل))؛ من حديث عوف بن أبي جميلة ؛
( عَنْ يَزِيْدَ الفَارِسِيِّ) ابنِ هرمز المدنيّ الليثيّ، ((مولاهم؛ ومولى ابن عثمان
أو غيره )) ، تابعيٌّ، خَرَّج له مسلم ؛ وأبو داود ؛ والنَّسائيُّ.
وقال الذَّهبيُّ : كان رأسَ الموالي يوم الحرّة . وهو والد عبد الله الفقيه ، بقي
إلى سنة مائة ؛ قاله المناوي رحمه الله تعالى .
لكن قال في ((جمع الوسائل)): الصَّحيح أَنَّه غيره ، فإنَّ يزيد بن هرمز مدنيٍّ
من أوساطِ التَّابعين ؛ ويزيدُ الفارسيُّ بصريٌّ مقبولٌ، من صِغارِ التَّابعينَ - كما يعلم
من ((التقريب)) و(( تهذيب الكمال )» -. انتهى.
( وَكَانَ يَكْتُبُ المَصَاحِفَ ) فيه إشارةٌ إلى بركة عمله ، ولذلك رأى هذه الرُّؤْيا
العظيمة ، لأنَّ رؤياه وَ﴿ في صورة حسنةٍ تدلُّ على حسنِ دِينِ الرَّائي ، بخلاف رؤيته
في صورة شينٍ أو نقصٍ في بعض البَدَنِ ، فَإِنَّها تدُّ على خللٍ في دين الرَّائي ؛ فَبِها
يُعْرف حال الرَّائِي، فلذلك لا يختصُّ برؤيته ◌ِوَّرِ الصَّالحون .
( قَالَ)؛ أي: يزيد (: رَأَيْتُ النَِّيَّ وَّهِفِي المَنَامِ زَمَنَ ابْنِ عَيَّاسٍ) ؛ أي : في
زمن وجوده ، أي : في حياته ؛ ( فَقُلْتُ لابْنِ عَنَّاسٍ :
إِنِّي رَأَيْتُ رَسُوْلَ اللهِوَّرْ فِي النَّوْمِ !!
فَقَالَ ابْنُ عَبّاسِ: إِنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَِّ كَانَ يَقُولُ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَسْتَطِيْعُ أَنْ
يَتَشَبَّهَ بِي، فَمَنْ رَآنِيْ فِي النَّوْمِ فَقَدْ رَآنِيْ))) ؛ أي: فليُبَشَّر بأَنَّه رآني حقيقةً ، أي :
٣٣٨

هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْعَتَ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّوْمِ ؟
قَالَ: نَعَمْ ، أَنْعَتُ لَكَ رَجُلاً بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ؛ جِسْمُهُ وَلَحْمُهُ أَسْمَرُ
إِلَى الْبَيَاضِ ، أَكْحَلُ الْعَيْنَيَّنِ ، حَسَنُ الضَّحِكِ، جَمِيلُ دَوَائِرِ الْوَجْهِ ،
قَدْ مَلَأَتْ لِحْيَتُهُ مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ ؛
رأى حقيقتي كما هي ، فلم يتّخذ الشَّرط والجزاء ، أو هو في معنى الإخبار ؛ أي :
من رآني فأخبره بأنَّ رؤياه حقٌّ ، لا أضغاثُ أحلامٍ و تخيّل شيطانٍ .
( هَلْ تَسْتَطِيْعُ أَنْ تَنْعَتَ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّوْمِ) ؛ أي : تَصِفُهُ بما فيه
من حُسْنٍ ، فالنَّعت وصفُ الشَّيء بما فيه من حُسْنٍ ، ولا يقال في القبيح إلاَّ
بتجوُّز، والوَصف يُقَالُ في الحَسَنِ وَالقبيح؛ كما في ((النهاية)).
( قَالَ ) أي: الرائي؛ وهو يزيد الفارسي (: نَعَمْ؛ أَنْعَتُ لَكَ رَجُلاً)
- بالنَّصبِ على أنَّه مفعول ((أنعَت)) - ( بَيِّنَ الرَّجُلَيْنِ ) ؛ في القصر والطُّول ، لا بائن
ولا قصير، كما سبق، وقوله (( بين رجلين)) خبرٌ مقدَّم، وقولُه (جِسْمُهُ وَلَحْمُهُ)
مبتدأٌ مؤخّر ، أو هو فاعل بالظرف ، والجملة صفة لـ((رجلاً))، يريد أنَّ متوسط في
القِصَر والطُول والسِّمن ومقابلهِ .
( أَسْمَرُ ) ؛ أي : أحمر مائل ( إِلَى البَيَاضِ ) ؛ لأنَّه كان أَبيض مُشْرَباً بحمرة
- كما تقدَّم-، فالسُّمرة تطلَقُ على الحمرة، وقوله ((أسمر)) بالرفع : على أنَّه خبر
مبتدأ مقدَّر، وبالنَّصب: على أنَّه نعتٌ لـ ((رجلاً))، أَو خبرٌ لـ ((كان)) مقدَّرة ؛
ومثله قوله :
( أَكْحَلُ ) ؛ من الكحل وهو سواد ( العَيْنَيْنِ ) خِلقة ، ( حَسَنُ الضَّحِكِ ) ؛ لأنَّه
كان يتبسَّمُ في غالب أحواله ، ( جَمِيْلُ دَوَائِرِ الوَجْهِ ) ؛ أي : حسن أَطراف الوجه ،
فالمراد بالدَّوائر : الأطرافُ ، فلذلك صحَّ الجمعُ ، وإلاَّ ! فالوجه له دائرةٌ واحدة ؛
( قَدْ مَلَأَتْ لِحْيَتُهُ مَا بَيْنَ هَذِهِ ) الأذن (إِلَى هَذِهِ) الأذن الأخرىُ ، وكان الأظهرَ في
التعبير أن يقولَ ((ما بين هذه وهذه)) لأنَّ ((ما بين)) لا تضافُ إلاَّ إلى متعدِّدٍ . أو
٣٣٩

قَدْ مَلَأَتْ نَحْرَهُ .
فَقَالَ أَبْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ رَأَيْتَهُ فِي الْقَظَةِ .. مَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَنْعَتَهُ فَوْقَ
هَذَا.
وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «مَنْ رَآنِي - يَعْنِي فِي النَّوْمِ - فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ )).
يقول ((من هذه إلى هذه)) لأن ((من)) الابتدائيّة تقابل بـ((إلى)) الانتهائيَّة.
وأشار بذلك إلى أنَّ لحيته الكريمة عريضةٌ عَظيمٌ ؛ ( قَدْ مَلَأَتْ نَحْرَهُ ) أي :
كانت مسترسلةً إلى صدره ، كثّة ، وهو إِشارة إلى طولها .
( فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ) ليزيد الرَّائي - لما أخبره بنعت من رآه في النَّوم - (: لَوْ رَأَيْتَهُ
فِي الْيَقَظَةِ مَا أُسْتَطَعْتَ أَنْ تَنْعَتَهُ فَوْقَ هَذَا ) أي : فما رأيتَه في النَّوم موافق لما عليه
الواقع .
( وَ) أخرج الإمام أحمد، والبخاريُّ في ((التعبيرِ)) ، ومسلمٌ، والتِّرمذيُّ في
((الشَّمائِل))؛
( عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) الحارث بن ربعي ، أو عمرو ، أو النُّعمان الأنصاريِّ.
شهد أحداً وما بعدها - وتقدمت ترجمته - (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ :
قَالَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ: ((مَنْ رَآنِيْ - يَعْنِي فِي النَّوْمِ -) : تفسير مدرج من بعض
الرواة ( فَقَدْ رَأَىُ الحَقَّ)».) أي: رؤيته حقٌّ، أي: رَأَى الرُّؤيا الصَّادقة الصَّحيحة ،
وهي الَّتي يريها المَلَك الموثَّل بضرب أمثال الرُّؤيا بطريق الحكمة لبشارة أو نذارة أو
معاتبة ، ليكون على بصيرة من أمره .
وأبعدَ بعضهم فقال : يمكن أن يرادَ بالحقِّ هو الله مبالغة ؛ تنبيهاً على أنَّ مَن رآه
على وجه المحبَّة والاتِّباع كأنَّه رأى الله تعالى كقوله: ((مَنْ أَحَيَّنِي فَقَدْ أَحَبَّ اللهَ ،
وَمَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ )). انتهى .
٣٤٠