Indexed OCR Text

Pages 281-300

- يَوْمَ أُصِيبَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ
وقال ابن وَهب ؛ عن عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم ؛ عن أبيه ؛ عن جَدّه :
تزوّج عمر أمَّ كُلثوم على مَهْرٍ أربعينَ ألفاً ، وقال الزّبير: وَلَدَت لعمر ابنيه : زيداً
رُقَيَّةَ .
وماتت أم كلثوم وَوَلَدُها في يومٍ واحد. وذكر الدَّار قُطنيّ في كتاب ((الأخوة)):
أنّه تزوَّجها بعد موت عمر عونُ بن جعفر بن أبي طالب ؛ فمات عنها ، فتزوَّجَها
" أخوه محمّد؛ ثمّ مات عنها، فتزوّجها أخوه عبد الله بن جعفر ؛ فماتت عنده .
قال ابن سعد : ولم تلِد لأحد من بني جعفر .
( يَوْمَ أُصِيْبَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ ) .
سُئِل العلاّمة نور الدّين : الشّيخ عليّ الشّبراملسي الشّافعيّ رحمه الله تعالى بما
نصّه: ما حِكمة استعمال (( كرّم الله وجهه)) في حقِّ عليٍّ بن أبي طالب رضي الله
تعالى عنه دون غيره ؛ عِوَضاً عن التَّرضّي ؟! وهل يُستَعمل ذلك لغيره من الصّحابة
رضوان الله تعالى عليهم أجمعين . آمين ؟؟.
فأجاب بقوله : حكمةُ ذلك : أنّ علياً رضي الله تعالى عنه ، وكرّم وجهَه ، لم
يسجُد لصنَم قطُّ ؛ فناسبَ أن يُدْعى له بما هو مطابِق لحاله مِن تَكْرِمة الوجه ،
والمرادُ به حقيقتُه أو الكنايةُ عن الذّاتِ ؛ أي : حَفِظَه عن أن يتوجّه لغير الله تعالى في
عبادته .
ويُشارِكُه في ذلك الصِّدّيقُ رضي الله تعالى عنه وكرّم وجهَه ، فإنّه لم يسجُد
لصنَمٍ أيضاً ؛ كما حُكِيَ فناسب أن يُدعى له بذلك أيضاً، وإنّما كان استعمالُ ذلك
في حقّ عليٍّ أكثَر !! لأنّ عدم سجوده لصنمٍ أَمَرٌ مُجَمَعٌ عليه ، لأنّه أسلَم وهو صبيٌّ
مميِّر، وصحّ إِسلامه حينِئِذٍ ؛ على خلاف ما هو مُقرّرٌ في مذهبنا ، لأنّ الأحكام
وقتَ إسلامه كانت مَنُوطةً بالتَّمْييز ، ثمّ بعد ذلك نُسِخ ذلك الأمرُ ، فأُنيطَتْ
بالبُلوغ ؛ كما بينّه البَيّهَقيُّ وغيره .
٢٨١

بِالْكُوفَةِ.
-
فإن قلتَ : كثيرٌ من الصّحابة لم يُوجَد منهم سجودٌ لصنَمٍ ، كالعَبادِلة ابن
عبّاس ، وابن عمر ، وابن عمرو ، وابن الزّبير ، وغيرهم ، ومع ذلك لا يقول النّاس
فیھم ذلك ؟ بل التّرضي كغيرهم !!.
قلتُ : هؤلاء ونُظَراؤُهم إنّما وُلِدوا بعد اضْمِخْلال الشِّرك، وخُمود نارِ الضّلالة
والفِتنة ، فلم يُشابهوا ذينك الإمامين ؛ من تركِهما أكبرَ فِتَنِ الشِّرك من السّجود
للصَّنَم ، مع دعاية أَهلِه للنّاس لذلك ، ومبالغتِهم في إيذاء من تَرك ذلك ، وكان في
التَّرك حينئذٍ معَ مُخَالفةِ الآباءِ والأقارب ، وتحمُّلِ المشاقِّ الّتي لا تُطاق من الدَّلالة
على الصِّدق ؛ ما ليس فيه بعد ظهور الإسلام وزُهوق الضّلال ؛ فناسَب حالُهما أن
يُميَّزا عن بقيّة الصّحابة بهذه الخصوصيّة العُظمى رضيَ الله تعالى عنهما وكرّم
وَجْهَيْهِما . انتهى؛ نقلتُه من هوامش كتاب ((إرشاد المُهتَدي إلى كفاية المُبتدي))
للشّيخ العلامة عبد الحميد بن محمَّد علي قُدُس المكيّ رحمه الله تعالى. آمين .
( بِالْكُوْفَةِ ) : مدينة كُبرى بالعراق ؛ وهي قُبَة الإسلام ، ومَركزُ العلم ، ودار
هجرة المسلمين . قيل : مصَّرها سعد بن أبي وقّاصٍٍ ، وبنى مسجدها ، وكانت قبل
ذلك مَنزِلَ نوحٍ عليه السلام ، ويُقال لها : كوفان . ويقال لها : كُوفَة الجُند !! لأنّها
اختُطَّت فيها خُططُ العرب أيام عثمان رضي الله عنه أو أيّام عمر رضي الله عنه .
تولّى تخطيطَها السّائِبُ بن الأقرع بن عوف الثَّقَفي رضي الله عنه ، وهو الّذي
شهِد فتح نَهَاوَنْد مع النُّعمان بن مُقرّن . قال ياقوت : لما بنى عبيد الله بن زياد مسجدَ
الكُوفة صعِد المنبرَ ؛ وقال : يا أهلَ الكُوفة ؛ إنّي قد بنيتُ لكم مسجداً لم يُيْنَ على
وجه الأرض مثلُه ، وقد أَنفقتُ على كلِّ أُسطُوانة : سبعَ عشرَ مائة ، ولا يهدِمه إلاّ
باغ ؛ أو حاسدٌ .
ويقال : إنّ مقدارَ الكُوفِةِ ستّة عشرَ ميلاً وثُلُثا ميلٍ ، وأنّ فيها خمسين ألفَ دار
للعرب ؛ من ربيعة ومُضَر، وأربعةً وعشرين ألف دارٍ لسائر العرب ، وستّةً وثلاثين
ألفَ دار لليَمَن ، والحسناءُ لا تخلو من ذامٌّ .
٢٨٢

مِثْلَهَا: مَا لَقِيتُ مِنْ يَوْمِ الإِثْنَيَّنِ، مَاتَ فِيهِ جَدِّي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِيهِ قُتِلَ عُمَرُ ، وَفِيهُ قُتِلَ أَبِي، فَمَا لَقِيتُ مِنْ يَوْمِ
الإِثْنَيَّنِ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: لَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. أَقْتَحَمَ النَّاسُ حِينَ أَرْتَفَعَتِ الرَّنَّةُ وَسُجِّيَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَوْبِي ؛ فَـ.
والمسافة ما بين الكوفة والمدينة نحو عشرين مرحلةً. انتهى ملخصاً من (( شرح
القاموس )) .
( مِثْلَهَا )؛ أي : مثل هذه المقالة (مَا)؛ أي: أمر عظيمٌ (لَقِيْتُ مِنْ )
الأحزان في ( يَوْم الاثْنَيْنِ ؟! مَاتَ فِيهْ جَدِّيْ) أبو أُمّي، وهو (رَسُوْلُ اللهِ نَّهِ ، وَقِيْهِ
قُتِلَ عُمَرُ ) بن الخَطّاب : بَعْلِيْ، ( وَفِيْهِ قُتِلَ ) عليّ بن أبي طالب ( أَبِيْ ) رضي الله
تعالى عنهم .
﴿ فَمَا لَقِيْتُ مِنْ يَوْمِ الاثْنَيْنِ !؟ ) هكذا رُوي عنها، ولكن في قتل عمر
اختلافٌ ، فروى سالم بن أبي الجعد ؛ عن مَعدان بن أبي طلحة : أنَ عمر أُصِيبَ
يومَ الأربعاء ؛ لأَربعٍ بَقّينَ من ذي الحجَّة سنةَ : ثلاثٍ وعشرين .
وكذا قال : أبو مَعْشرٍ وغيره ؛ عن زيد بن أسلم ، وزاد إسماعيل بن محمّد بن
سعد ؛ عن زيد : أنّه دُفِنَ يومَ الأحد ؛ مستهلَّ سنة : أربع وعشرين .
وقال اللّثُ وجماعة : قُتِلِ يومَ الأربعاء ، لأربعٍ بقينَ من ذي الحجّة ؛
ذكره في ((شرح الإِحياء )).
( وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا) فيما ذكره في ((الإِحياء)).
وقال الوليّ العراقي فيه: إِنَّ هذا السِّياق بطوله منكَرٌ؛ لم أجد له أصلاً ، لكن
قال في ((شرح الإِحياء )): إنّه رواه ابن أبي الدّنيا ؛ من حديث ابن عمر بن الخطّاب
بسنَدٍ ضعيفٍ . انتهى . قالت :
( لَمَّا مَاتَ رَسُوْلُ اللهِ وَهِ أَقْتَحَمَ النَّاسُ) ؛ أي: دخلوا ( حِيْنَ أَرْتَفَعَتِ الرَّنَّةُ) ؛
أي: صوت البكاء، ( وَسُجِّيَ)؛ أي: غُطِّ ( رَسُوْلُ اللهِ وَهَ بِثَوْمِيْ فَـ) -طاشتِ
٢٨٣

اَخْتَلَفُوا، فَكَذَّبَ بَعْضُهُمْ بِمَوْتِهِ، وَأُخْرِسَ بَعْضُهُمْ، فَمَا تَكَلَّمَ إِلاَّ
بَعْدَ أَلْبَعْدِ، وَخَلَّطَ آخَرُونَ ؛ فَلاَتُوا أَلْكَلاَمَ بِغَيْرِ بَيَانٍ ، وَبَقِيَ آخَرُونَ
مَعَهُمْ عُقُولُهُمْ، وَأُقْعِدَ آخَرُونَ ؛ فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِيمَنْ كَذَّبَ
بِمَوْتِهِ ، وَعَلِيٌّ فِيمَنْ أُقْعِدَ، وَعُثْمَانُ فِيمَنْ أُخْرِسَ ،
العقولُ، ووقع الصحابة في حَيرة ، و( أُخْتَلَفُوا !!
ذَ) -منهم من خُبِّل، ومنهم من أُقْعِد فلم يُطِقِ القيامَ ، ومنهم من أُخرِس ؛ فلم
يُطقِ الكلامَ ، ومنهم من أُضْنِيَ .
و( كَذَّبَ بَعْضُهُمْ بِمَوْتِهِ) كعمر بن الخطّاب، (وَأُخْرِسَ) ؛ أي : مُنِعٍ من
النُّطْقِ ( بَعْضُهُمْ) كعثمانَ بن عفّان ، ( فَمَا تَكَلَّمَ إِلَّ بَعْدَ الْبَعْدِ .
وَخَلَّطَ آخَرُوْنَ ) منهم؛ ( فَلاَتُوْا الكَلَامَ ) ؛ أي : لَوَزْا كلامَهم ( بِغَيْرِ بَانٍ ) ؛
أي : إِفصاح ، أي: لم يُبيِّتوا كلامَهم، ولم يُوضّحوه بالإِيضاح المعهود عنهم .
( وَبَقِيَ آخَرُوْنَ) من الصّحابة ( مَعَهُمْ عُقُوْلُهُمْ.
وَأُقْعِدَ آخَرُوْنَ؛ فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ فِيْمَنْ كَذَّبَ بِمَوْتِهِ ) روى الإمام أحمد ؛
عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: سَجَّيتُ النَّبِيَّ وَِّ ثوباً، فجاء عمرُ
والمغيرة بن شعبة فاستأذَنا ؛ فأذِنتُ لهما ، وجَذَبتُ الحِجاب، فنظر عمر إليه ؛
فقال: وَاغَشْيَتَاه !! ثمَّ قام، فقال المغيرة: يا عمر ؛ مات. فقال: كَذَبتَ ! إنّ
رسولَ الله وَ﴿ لا يموتُ حتّى يُفْنِيَ اللهُ المنافقين ... الحديث.
( وَ) كان (عَلِيٌّ) بن أبي طالب رضي الله عنه (فِيْمَنْ أُقْعِدَ ) ؛ فلم يستَطِع
حِراكاً .
( وَ) كان (عُثُمَانُ ) بنُ عفّان رضي الله تعالى عنه (فِيْمَنْ أُخْرِسَ ) يذهب
ويجيءُ ؛ ولا يستطيع كلاماً ، وأُضنِيَ - أي: مرض - عبد الله بن أنيس فمات
كَمَداً .
وكان أَثْبتَهم أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله تعالى عنه وهو المُحبُّ الأكبرُ للنّيّ وَّر.
٢٨٤

فَخَرَجَ عُمَرُ عَلَى النَّاسِ؛ وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
لَمْ يَمُتْ ، وَلَيُرْجِعَنَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَيُقَطَّعَنَّ أَيْدِيَ وَأَرْجُلَ رِجَالٍ مِنَ
الْمُنَافِقِينَ يَتَمَنَّوْنَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْمَوْتَ، إِنَّمَا
وَاعَدَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا وَاعَدَ مُوسَى ؛ وَهُوَ آتِيكُمْ .
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ كُفُوا أَلْسِنَتَكُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وَاَللهِ لاَ أَسْمَعُ أَحَداً يَذْكُرُ.
( فَخَرَجَ عُمَرُ) بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه ( عَلَى النَّاس ) - وقد سلَّ
سيفَه - ( وَقَالَ: إِنَّ رَسُوْلَ اللهِ نَّهِ لَمْ يَمُتْ) ، وتَوَغَّد بالقتل من يقول : مات ؟
قال : (وَلَيُرْجِعَنَّهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَيُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَ وَأَرْجُلَ رِجَالٍ مِنَ المُنَافِقِيْنَ ) . زاد
في رواية : وألسنتَهم . وهذا قاله بناءً على ما قام عنده ، وأدّاه إليه اجتهادُه ؛ أنّه
لا يموت حتّى يشهَد علیْ أُمَتهِ .
وفي ((سيرة ابن إسحاق))؛ عن ابن عبّاس، أَنَّ عمر قال له : إنّ الحامل له
على هذه المقالة قولُه تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًّا لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَ النَّاسِ
وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [١٤٣/البقرة] فظنّ أنّه وَِّ يبقَى فِي أُمَّته حتّى يشهَد
عليها .
قال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلّ ذلك، ولَيَبْعَثُه اللهُ، فَلَيُقَطِّعَنَّ أيديَ
رِجالٍ من المنافقين وأرجلَهم؛ (يَتَمَنَّوْنَ لِرَسُوْلِ اللهِنَّهِ المَوْتَ). وكانوا أظهروا
الاستبشارَ ، وفرِحوا بموته ، ورَفعوا رؤوسَهم ؛ كما عند ابن أبي شيبة .
وكان يقول : (إِنَّمَا وَاعَدَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا وَاعَدَ مُؤْسَىْ) عليه الصّلاة
والسّلام ؛ فَلَبِثَ عن قومه أربعين ليلةً ( وَهُوَ آتِيْكُمْ )
وهذا قاله اجتهاداً بالقياس ، ثمّ رجع عنه .
( وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ؛ كُفُوْا أَلْسِنَتَكُمْ عَنٍ ) الكلام في موت
( رَسُوْلِ اللهِوَّ؛ فإِنَّهُ لَمْ يَمُتْ) وأشهرَ سيفَه قائِلاً: (وَاللهِ لاَ أَسْمَعُ أَحَداً ؛ يَذْكُرُ
٢٨٥

أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ . . إِلَّ عَلَوْتُهُ بِسَيْفِي هَذَا.
وَأَمَّا عَلِيٍّ : فَإِنَّهُ أُقْعِدَ فَلَمْ يَبْرَحْ فِي أَلْبَيْتِ .
وَأَمَّا عُثْمَانُ: فَجَعَلَ لاَ يُكَلِّمُ أَحَداً ؛ يُؤْخَذُ بِيَدِهِ فَيُجَاءُ بِهِ ،
وَيُذْهَبُ بِهِ .
وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي مِثْلِ حَالٍ أَبِي بَكْرٍ وَالْعَبَّاسِ ،
فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَيَدَهُمَا بِالتَّوْفِيقِ وَالسَّدَادِ ، وَإِنْ كَانَ النَّاسُ لَمْ يَرْعَوُوا
إِلَّ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، حَتَّى جَاءَ الْعَبَّاسُ فَقَالَ :
أَنَّ رَسُوْلَ اللهِّهِ قَدْ مَاتَ إِلَّ عَلَوْتُهُ) - أي: ضربتُه ـ ( بِسَيْفِيْ هَذَا) لِما حصَل له من
الدّهشةِ والحُزن
(وَأَمَّا عَلِيُّ) بن أبي طالب رضي الله عنه ( فَإِنَّهُ أَقْعِدَ ؛ فَلَم يَبْرَحْ فِي البَيْتِ ) ولم
يستطع حِراكاً .
( وَأَمَّا عُثْمَانُ ) بن عفّان رضي الله عنه؛ ( فَجَعَلَ لا يُكَلِّمُ أَحَداً ) ، وإنّما
( يُؤْخَذُ بِيَدِهِ ؛ فَيُجَاءُ بِهِ ، وَيُذْهَبُ بِهِ ) ، وهو لا يستطيع الكلام لعُظْمِ المصيبةِ الّتي
نزلت بهم .
( وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ المُسْلِمِيْنَ فِي مِثْلِ حَالِ أَبِيْ بَكْرٍ ) الصّدّيقِ ثباتاً ؛ وهو
المحبُّ الأكبر !! وذلك أدلُّ دليلٍ على شجاعةِ الصِّدّيق، فإنّ الشَّجاعة حدُّها :
ثباتُ القلب عند حُلول المصائب . ولا مُصيبةَ أعظمُ من موت النّبِي ◌َلِيمٍ !!.
( وَ) لم يكن أحدٌ من المسلمين في مثل حال ( العَبَّاسِ) بن عبد المطلب في
الثّبات ؛ بعد أبي بكر الصّديق رضي الله تعالى عنهما ( فَإِنَّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَيَّدَهُمَا
بِالتَّوْفِيْقِ وَالسَّدَادِ ) أي : الصّواب في القول ( وَإِنْ كَانَ النَّاسُ لَمْ يَرْعَوُوا ) ؛ أي : لم
ينكفُّوا ( إِلاَّ بِقَوْلِ أَبِيْ بَكْرٍ ) الصّدّيق رضي الله تعالى عنه ( حَتَّى ) إِنّه ( جَاءَ العَبَّاسُ؛
فَقَالَ ) لهم : إنّه مات ، فلم ينكفُّوا إلّ بقولِ الصّدّيق.
٢٨٦

وَاللهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلَّ هُوَ ؛ لَقَدْ ذَاقَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
اُلْمَوْتَ، وَلَقَدْ قَالَ اللهُ لَهُ وَهُوَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتُ وَإِنَّهُمْ
مَِّتُونَ ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣٠-٣١].
وَبَلَغَ أَبَا بَكْرِ الْخَيْرُ - وَهُوَ فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ.
وكان من جُملة ما قال العبّاس رضي اللهُ عنه: ( وَاللهِ الَّذِيْ لاَ إِلهَ إِلَّ هُوَ؛ لَقَدْ
ذَاقَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ المَوْتَ، ولَقَدْ قَالَ اللهُ لَهُ وَهُوَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ) - أي: في حال
﴾ [الزمر]) ؛ أي : ستموت ويموتون ؛ فلا شَمَاتةً
حياته - (﴿ إِنَّكَ مَّيْتُ وَإِنَّهُمْ قَبِّتُونَ
بالموت، (﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَّخْصِمُونَ (٥)) [الزمر].
وروى ابن إسحاق وعبد الرزّاق والطَّبَراني : أنّ العبّاس قال لعمر : هل عند
أَحدٍ منكم عهدٌ من رسول اللهِ وَلّ في ذلك؟ قال : لا . قال : فإنّه قد مات ، ولم
يَمُت حتّى حارَبَ وسالَم، ونَكَح وطلَّق ، وتركَكُمْ علىْ مَحَجَّةٍ واضحة !!.
وهذا من مُوافَقات العبّاس للصّدّيق رضي الله تعالى عنهما .
وأخرج البَيْهَقي وأبو نُعيم ؛ من طريق الوَاقِدي عن شيوخه : أنّهم شكُوا في
موته ◌َّه؛! فقالَ بعضُهم: قد مات، وقال بعضهم: لم يمت. فوَضَعَتْ أَسماءُ
بنتُ عُمَيس يَدها بين كَتِفَيه ؛ فقالت : قد تُوُفِّي . قد رُفِع الخاتَمُ من بين كتِفَيه .
وأخرجه ابن سعد؛ عن شيخه الواقدي أيضاً، وذكر مُغلطاي في (( الزُّهد )):
أنّ الحاكم روَى في (( تاريخه)) ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّها لمست الخاتم
حين تُوُفّي وََّ؛ فوجدَتْه قد رُفِع. قال الشّامي: ولا إِخالُه صحيحاً . قال
الزّرقَانيّ: وكان هذا من جُملة ما عُرِف به موتُهُ بِّهِ وعرفَه الصِّدِّيق بشَمِّ ريحِ الموت
من فَمِه ◌ِ .
( وَبَلَغَ أَبَا بَكْرٍ ) الصِّدِّيقَ رضي الله تعالى عنه ( الخَبَرُ؛ وَهُوَ ) غائِب بالسُّنْح
( فِي بَنِيْ الحَارِثِ بنِ الخَزْرَج ) قبيلة من الأنصار ؛ كانت مساكنهم بالسُّنْحِ أي :
بالعَوالي قربَ المدينة المنوّرة ؛ على ميلٍ من المسجد النَّبويِّ ، وكان أبو بكر قد
٢٨٧

فَجَاءَ ، وَدَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَظَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ
أَكَبَّ عَلَيْهِ، فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّيَ يَا رَسُولَ اللهِ ؛ مَا
كَانَ اللهُ لِيُذِيقَكَ أَلْمَوْتَ مَرَّتَيْنِ، فَقَدْ - وَاللهِ - تُؤُفِّيَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ فَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ ؛ مَنْ
تزوَّج حبيبة بنت خارجة بن زيد بن زهير بن مالك بن امرِىءِ القَيس بن مالك الأَغرّ
الأنصاريّةَ الخزرجيةَ . صحابيّةٌ بنتُ صَحابيّ ، وكان قد سَكَن بها هناك ، وكان
النّبيّ ◌َّ أصبح يومَ الاثنين خفيفَ المَرَض؛ فَأَذِن له رسولُ الله وَّهِ فِي الذَّهاب إليها
فذهب ، فمات النّبيُّ وَِّ فِي غَيْيَتِهِ .
( فَجَاءَ) علىْ فَرَسٍ لَمّا بلَغَهُ خبرُ الوَفاة (وَدَخَلَ عَلَىْ رَسُوْلِ اللهِنَّهِ فَتَظَرَ إِلَيْهِ،
ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ ؛ فَقَبَّلَهُ ) بين عينيه وبكى .
( ثُمَّ قَالَ : بِأَبِيْ أَنْتَ وَأُمِّيَ يَا رَسُولَ اللهِ ) الباء متعلِّقةٌ بمحذوفٍ ؛ أي : أنت
مَغْدِيٌّ بأبي، فهو مرفوعٌ: مبتدأ وخبرٌ، أو [تُقَدَى](١) فعلٌ، فما بعدَه نُصِبَ، أي :
فديتك . ( مَا كَانَ اللهُ لِيُذِيْقَكَ المَوْتَ مَرَّتَيْنِ ) قيل : هو على حقيقته ، وأشار بذلك
إلىُّ الرَّدِّ على مَن زَعَمَ أنه سيحيا فيقطعُ أيديَ رِجالٍ، لأنّه لو صحّ ذلك لَلَزِم أنْ يموت
موتةً أخرى ، إذ لا بُدّ من الموت قبل يوم القيامة ، فأخبرَ أنّه أكرمُ على الله أن يجْمَع
عليه موتَتَين ؛ كما جمعَهُما على غيره ، كالّذين خَرَجُوا من ديارهم وهم أُلُوفٌ حذَّرَ
الموت . وهم قومٌ من بني إسرائيل ؛ وقع الطّاعون ببلادهم فَفَرُوا ، فقال لهم الله :
مُوتوا فماتوا ، ثُمّ أَحياهم بعد ثمانية أيّام ؛ أو أكثرَ ، بدُعاء نبيِّهم حِزْقيل ، فعاشوا
دَهْراً عليهم أَثَرُ الموت ؛ لا يلبَسون ثوباً إلّ عاد كالكَفَنِ ! واستمرّتْ فِي أَسْبَاطِهم ،
وهذا أَظْهرُ الأجوبة ، وأسْلَمُها من الاغْتِراض .
(فَقَدْ وَاللّهِ؛ تُؤُنِّيَ رَسُوْلُ اللهِهِ. ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ؛ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ ؛ مَنْ
(١) أضفتها للإيضاح .
٢٨٨

كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّداً فَإِنَّ مُحَمَّداً قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ رَبَّ مُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ
حَيٍّ لاَ يَمُوتُ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ
الرُّسُلُّ أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَلَىَّ أَعْقَبِّكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ
يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِى اَللَّهُ الشَّكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤].
فَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَسْمَعُوا هَذِهِ الْآيَةَ إِلَّ يَوْمَئِذٍ .
كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّداً فَإِنَّ مُحَمَّداً قَدْ مَاتَ !! وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ رَبَّ مُحَمَّدٍ؛ فَإِنَّهُ حَيٌّ لاَ يَمُوْتُ).
وقال ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
﴾ [الزمر]، و(قَالَ اللهُ تَعَالَىْ ﴿وَمَا تُحَمَّهُ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ
خَلَتْ﴾)؛ أي: مضَتْ (﴿مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُّ أَفَإِيْن ◌َّاتَ أَوْ قُتِلَ أَنْقَبْتُمْ عَلَىَّ أَعْقَبِكُمْ﴾)
رجَعْتُم إلى الكُفر . والجُملة الأخيرة محلُّ الاستفهام الإنكاريّ ، أي : ما كان
معبوداً فَتَرجِعوا، نَزَلَتْ لَمَّا أُشيعَ يومَ أُحُدٍ أَنّه ◌ِوَ قُتِل، وقال المنافقون : إِنْ كان
قُتِل فارْجِعُوا إلى دينكم ( .. الآيَةُ) اختصار من المُصنّ ، وإلاّ ؛ فهي متلوّةٌ كلُّها
عند البخاريّ ؛ فقال: ﴿مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن ◌َّاتَ أَوْ قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَىَ أَعْقَبِكُمْ وَمَن
يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ وإنّما يضرُّ نفسه ﴿وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّكِرِينَ
٤ ١٤
[آل عمران] نعمه بالثَّبات .
وفي حديث ابن عبّاس عند البخاري: إنّ أبا بكر خَرَج وعمرُ بنُ الخطّابُ يُكَلّم
النّاسَ ؛ فقال أبو بكر : اجلِس يا عمر ، فأَبَى أَنْ يَجْلِس !! فأقبل النّاس إليه وتركوا
عمر ، فقال أبو بكر : أمّا بعدُ؛ فمن كان يعبُد محمَّداً فإن محمَّداً قد مات ؟! ومن
كان يعبِّد الله ؛ فإنّ الله حيٌّ لا يموت. قال الله تعالى ﴿وَمَا تُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْخَلَتْ مِن
قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [١٤٤/آل عمران]، زاد في رواية البخاريّ إلى قوله ﴿الشَّكِرِينَ﴾ قال ابن
عبَّاس: والله ؛ لَكأنَّ النّاسَ لم يَعْلَموا أنّ الله أنزل هذه الآيةَ حتّى تلاها أبو بكر،
فتلقَّاها النَّاسُ منه كلُّهم ، فما أَسمَعُ بَشَراً من النَّاسِ إِلَّ يتلُوها ، كما قال المصنّ :
(فَكَأَنَّ) - بتشديد النّون - (النَّاسَ لَمْ يَسْمَعُوْا هَذِهِ الْآيَةَ إِلَّ يَوْمَئِذٍ !! ) أي: يومَ
إِذ تلاها أبو بكر .
٢٨٩

قال الكِرْمانيّ: فإنْ قُلتَ: ليس فيها أنَّه وَهِ قد مات؟ وأجاب: بأنَّ أبا بكر
تلاها لأجل أنّه ◌َ ل و قد مات .
وفي حديث ابن عمر ؛ عند ابن أبي شيبة : أنّ أبا بكر مرَّ بعُمر وهو يقول :
ما مات رسولُ اللهِ وَّ﴿ ولا يموت، حتّى يَقتُل الله المنافقين. قال : وكانوا أظهروا
الاستبشارَ وفَرِحوا بموته ؛ ورَفَعوا رُؤُسَهم .
فقال أبو بكر لعمر: أيُّها الرَّجلُ؛ إنّ رسولَ الله ◌ِ ◌ّه قد مات، أَلَمٍ تسمَع اللهَ
تعالى يقول ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم ◌َّبِّتُونَ﴾، وقال ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرِ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَّأَفَإِيْنَ مِّتَّ
فَهُمُ الْخَلِدُونَ
[الأنبياء] ثمّ أتى أبو بكر المِنْبَرَ فصَعِد عليه، فحَمِدَ اللهَ، وأَثنى
٣٤
عليه ، فَذَكَر خُطبَته : أمّا بعدُ ؛ من كان يعبدُ محمّداً ؛ فإنَّ محمّداً قد مات ، ومن
كان يعبد الله ؛ فإنّ الله حيٌّ لا يموت، قال الله تعالى ﴿ وَمَا مُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن
قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [١٤٤/آل عمران] الآية .
وفي البخاري أنّ عمر قال : والله ؛ ما هو إلّ أَنْ سَمِعتُ أبا بكرٍ تلاها فَعَقِرْتُ ،
حتّى ما تُقِلُّنِي رِجْلاَيَ، وحتّى أَهْوَيتُ إلى الأرض حين سمِعتُه تلاها ، وعلِمتُ أنّ
النّبيّ نَّه قد مات ..
وفي هذا أَدَلُّ دليلٍ على شجاعة الصّدّيقِ ، فَإنّ الشّجاعةَ حدُّها : ثبوتُ القَلْبِ
عند حُلول المصائب ، ولا مصيبةً أعظمُ من موت النّيّ وَّر، إذ قال أكثرُ النّاس :
لم يَمُت رسولُ الله .
واضْطَرَب الأمرُ فَكَشَفه الصِّدِّيق بهذه الآية ، وكَشَفَ عن النّاسِ اضْطِرابَهم .
ففيه قُوّةُ جَأْشِهِ ، وكَثْرَةُ عِلْمِهِ، وَثَبَاتُه، وهو المُحِبُّ الأكبرُ النّبِيّ ◌َِّ، وقد
وافَقَّهُ على ذلكِ العبّاس - كما تقدّم - ووافَقَه المُغيرةُ؛ كما رواه ابن سعد ، وابنُ أُمّ
مكتوم كما في (« مغازي أَبي الأسود )) ؛ عن عُروة ، قال: إنّ ابنَ أمّ مكتوم كان يتلو
جَ﴾ [الزمر]، والنّس لا يلتفِتُون إليه، وكان أكثرُ الصَّحابة
﴿ إِنَّكَ مَيْتٌ وَإِنَّهُم ◌َّيِّتُونَ
على خلاف ذلك .
٢٩٠

وَفِي رِوَايَةٍ : أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ لَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَرُّ ..
دَخَلَ بَيْتَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَيْنَهُ تَهْمُلاَنِ، وَغُصَصُهُ تَرْتَفِعُ كَقَصْعِ الْجِرَّةِ.
وَ( الْجِرَّةُ - بِالْكَسْرِ -): مَا تُخْرِجُهُ الإِلُ مِنْ كُرُوشِهَا، فَتَجْتَرُّهُ.
وَ( قَصْعُهَا ) : إِخْرَاجُهَا مُسْتَقِيمَةً مِنْ غَيْرِ تَقْطِيعِ وَشِدَّةِ مَضْغٍ .
فيؤخَذُ منه : أَنّ الأقلَّ عدداً في الاجتهاد قد يُصيب ؛ ويُخطىءُ الأكثرُ ، فلا
يتعيَّنُ التَّرجيحُ بالأكثر، ولا سيَّما إنْ ظَهَر أنّ بعضَهم قلَّد بعضاً ؛ قاله الحافظ ابن
حجر رحمه الله تعالى .
( وَفِي رِوَايَةٍ) - ذكرها في ((الإحياء))، قال العراقي: رواها ابنُ أبي الدّنيا في
كتاب (( القراء )) ؛ من حديث ابن عمر بسَنَدٍ ضعيف -.
( أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ لَمَّا بَلَغَهُ الخَبَرُ)؛ أي: خبر وفاته بَّ جاء
فـ (دَخَلَ بَيْتَ رَسُوْلِ اللهِنَّهِ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ وَّهِ؛ وَعَيْنَاهُ تَهْمُلاَنٍ) - بضمٌ
الميم - أي: تسيلان بالدّموع وزَفَراتُه تتردّد، (وَغُصَصُهُ) - جمع غُصّة بالضمّ ؛
كغُرَف وغُرفة - وهي : ما يَغَصّ به الإنسان من طعام أو غيظ ؛ على التّشبيه ،
( تَرْتَفِعُ) ؛ أي : تَتَصاعَدُ وَتَكْثُر ( كَقَصْعِ الجِرَّةِ، وَالجِرَّةُ - بِالْكَشْرِ -) ؛ أي :
بكسر الجيم، وتشديد الرّاء (: مَا تُخْرِجُهُ الإِبِلُ مِنْ كُرُوشِهَا، فَتَجْتَؤُّهُ) أي :
تمضُغُه مرّةً بعد أُخرى ( وَقَصْعُهَا ) هو : إخراج الجِرَّة من الجَوف إلى الشِّدْق ؛
ومتابعةُ بعضِها بعضاً، وقد قَصَعَتِ النّاقة بجِرَّتِها : ردَّتْها إلى جوفها، أو مضَغَتْها ،
أو قَصْعُ الجِرَّة: هو شِدَّة المَضْعِ، وضمُّ بعض الأسنان على بعضٍ ؛ نقَلَه الجَوهَرِيُّ
عن أبي عُبَيدٍ ، وبكلّ ما ذُكِرِ فُسِّرَ الحديثُ أنّه ◌ِوَّهِ خَطَبَهم على راحلته ، وإنّها لَتَقْصَعُ
بِجرَّتها . وقال أبو سعيد الضَّرير: قَصْعُ النََّقةِ الجرَّةَ: ( إِخْرَاجُهَا ) من الجَوف إلى
الشِّدْقِ (؛ مُسْتَقِيْمَةً مِنْ غَيْرِ تَقْطِيْعِ وَشِدَّةِ مَضْغٍ ) .
٢٩١

وَهُوَ فِي ذَلِكَ جَلْدُ أَلْفِعْلِ وَالْمَقَالِ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ ، فَكَشَفَ عَنْ
وُجْهِهِ ، وَقَّلَ جَبِينَهُ وَخَذَّيْهِ، وَمَسَحَ وَجْهَهُ وَجَعَلَ يَبْكِي وَيَقُولُ :
بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي وَنَفْسِي وَأَهْلِي ، طِبْتَ حَيّاً وَمَيْئاً ،
وإنّما تفعَلُ النّاقةُ ذلك إذا كانت مُطْمَئِنَةً ساكِنةً لا تَسير ، فإذا خافت شيئاً قَطَعتِ
الجِرَّة؛ ولم تُخْرِجْها، قال: وأَصلُ هذا من: تَقَصَّع اليُربوعُ التُرابَ، فَجَعَلَ هذه
الجِرَّة إذا دسَعَتْ بهَا الناقةُ بمنزلة التُّراب الّذي يُخرِجُه اليربوع من فَاصِعَائِه . انتهى ؛
من (( شرح القاموس )) وغيره .
( وَهُوَ) ؛ أي: أبو بكر الصِّدّيقِ (مَعَ ذَلِكَ جَلْدُ الفِعْلِ وَالمَقَالِ ) ؛ أي : ثابت
العَقْل فيها، (فَأَكَبَّ عَلَيْهِ ) وهو مُسجَّىَ ( فَكَشَفَ ) الثَّوب (عَنْ وَجْهِهِ، وَقَبَّلَ
جَبِيْنَهُ وَخَذَّيْهِ، وَمَسَحَ وَجْهَهُ، وَجَعَلَ) يُقبّله و( يَبْكِيْ، وَيَقُوْلُ: بِأَبِيْ أَنْتَ ؛
وَأُمِّيْ ؛ وَنَفْسِيْ ؛ وَأَهْلِيْ ، طِبْتَ حَيّاً وَمَيْتاً ) .
فيه جواز التَّفدية بالأبِ والأُمّ، وقد يقال : هي لَفظةٌ اعتادَت العَربُ أن
تقولَها ، ولا تقصِد معناها الحقيقيَّ، إذ حقيقةُ التَّفدية - بعد الموت - لا تُتَصَوَّرُ ؛
قاله الحافظ ابن حجر .
ووقع في حديث ابن عبّاسٍ؛ وعائشةَ عند البخاري: أَنّ أبا بكر قبّل النَّبِيَّ وَلـ
بعدما مات. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: ففيه - كتقبيله [رَ لتر] لعثمانَ بن
مظعون بعد موته - جوازُ تقبيل الميْت تعظيماً وتبرؤكاً . وفي رواية غير البخاري
كذلك .
ووقع في رواية الإمام أحمد ؛ عن عائشة: أنّ أبا بكر أتاه من قِبَل رَأْسِه فَحَدَرَ
فاهُ؛ فقبَّل جَبهَته، ثمّ قال: وانَبِيَّاه !! ثمّ رفع رأْسَه فَحَدَرَ فاهُ ثانياً؛ وقبّل جبهتَه،
ثمّ قال: واصَفِيّاه!، ثمّ رَفَعَ رأسَه فَحَدَرَ فَاهُ ثالثاً؛ وقبّل جبهتَه، وقال :
واخَلِيْلاه ! .
٢٩٢

أَنْقَطَعَ لِمَوْتِكَ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ ، فَعَظُمْتَ عَنٍ
الصِّفَةِ، وَجُلِلْتَ عَنِ الْبَكَاءِ ، وَخُصِّصْتَ حَتَّى صِرْتَ مَسْلاَةٌ ،
وَعُمِّمْتَ حَتَى صِرْنَا فِيكَ سَوَاءً ، وَلَوْلاَ أَنَّ مَوْتَكَ كَانَ أَخْتِيَاراً مِنْكَ ؛
لَجُدْنَا لِحُزْنِكَ بِالنُّفُوسِ، وَلَوْلاَ أَنَّكَ نَهَيْتَ عَنِ الْبُكَاءِ ؛ لأَنْفَدْنَا عَلَيْكَ
مَاءَ أَلْعُيُونِ .
وعند ابن أبي شَيْبَة؛ عن ابن عمر: فوضَع أبو بكر فَاهُ على جَبِينِ رسولِ اللهِ وَّل
فجعَلَ يُقبَّلُه ، ويَبكي ، يقول : بأبي أنتَ وأُمّي ؛ طِبْتَ حيّاً وميتاً.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنّ أبا بكر دَخَل على النَّبِيّ ◌َّر بعد وفاته ؛
فوضَع فاهُ بين عينيه، ووَضَع يدَيه على صُدْغَيه، وقال: وانَبِيَّاه، واصَفِيَّاه،
واخَلِيلاه !! أخرجه الحسن بن عَرَفة بن يزيد العبديُّ ؛
أبو علي البغداديُّ ، الصَّدوقُ ؛ المُتَوَنَّى سنة : سبع وخمسين ومائتين ؛ وقد
جاوز المائة. ذكره الطَّبَريُّ في ((الرِّياض النَّضِرة )) قال:
ولاَ تَخالُفَ بين هذا - على تقدير صِحَّته - وبين ما تقدّم ؛ ممّا تضمَّن ثباتَ
أبي بكر الصِّدِّيق، بأن يكونَ قد قال ذلك من غير انزعاج ولا قَلَقٍ ؛ خافتاً بها
صوتَه ، ثمَّ التَّفَتَ إليهم وقال ما قال .
( أَنْقَطَعَ لِمَوْتِكَ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ لِمَوْتٍ أَحَدٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ ) قبلك، وهو النُّوَّةُ
والرِّسالةُ، لأنك آخرُ الأنبياء ، ( فَعَظُمْتَ عَنِ الصِّفَةِ ) ؛ أي : النَّعتِ ، أي : إنّ كلَّ
صفةٍ تَقْصُر عنك، ( وَجُلِلْتَ عَنِ البُكَاءِ ) لأنّه لا يوازيكَ، ( وَخُصِّصْتَ حَتَّىُ صِرْتَ
مَسْلاَةٌ) ؛ أي : بحيث يَتَسلَّون بك، (وَعُمِّمْتَ حَتَّى صِرْنَا فِيْكَ سَوَاءً .
وَلَوْلاَ أَنَّ مَوْتَكَ كَانَ أُخْتِيَاراً مِنْكَ) إذْ خُيِّرتَ بينه وبين الخُلْدِ ( لَجُدْنَا - لِحُزْنِكَ -
بالنُّقُوْسِ ، وَلَوْلاَ أَنَّكَ نَهَيْتَ عَنِ الْبُّكَاءِ ؛ لأَنْفَدْنَا ) : أفنينا ( عَلَيْكَ مَاءَ الشُّؤُوْنِ ) ؛
٢٩٣

فَأَمَّا مَا لَاَ نَسْتَطِيعُ نَفْيَهُ عَنَّا .. فَكَمَدٌ وَأَدِّكَارٌ مُحَالِفَانِ لاَ يَبْرَحَانِ ،
اللَّهُمَّ فَأَبْلِغْهُ عَنَّا، أُذْكُرْنَا يَا مُحَمَّدُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْكَ - عِنْدَ رَبِّكَ،
وَلْنَكُنْ مِنْ بَالِكَ، فَلَوْلاَ مَا خَلَّفْتَ مِنَ السَّكِينَةِ .. لَمْ يَقُمْ أَحَدٌ لِمَا
خَلَّفْتَ مِنَ الْوَحْشَةِ ، اَللَّهُمَّ أَبْلِغْ نَبِّكَ عَنَّا ، وَأَحْفَظْهُ فِيْنَا .
وَعَنِ أَبْنِ عُمَرَ أَنَّه لَمَّا دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ اُلْبَيْتَ
وَصَلَّى وَأَثْنَى .. عَجَّ أَهْلُ الْبَيْتِ عَجِيجاً سَمِعَهُ أَهْلُ الْمُصَلَّى؛ كُلَّمَا
ذَكَرَ شَيْئاً .. أَزْدَادُوا ،
أي : مدامع العُيون ( فَأَمَّا مَا لاَ نَسْتَطِيْعُ نَفْيَهُ عَنَّا ) ؛ أي : لا نقدر على إِزالته !
( فَكَمَدٌ) - بفتح الكاف والميم - أي: حزن ( وَأَدِّكَارٌ مُحَالِفَانِ ) أي : ملازمان
( لاَ يَبْرَحَانِ .
اللَّهُمَّ ؛ فَأَبْلِغْهُ عَنَّا، أَذْكُزْنَا يَا مُحَمَّدُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْكَ - عِنْدَ رَبِّكَ ) تعالى ،
( وَلْنَكُنْ مِنْ بَالِكَ، فَلَوْلاَ مَا خَلَّفْتَ مِنَ السَّكِيْنَةِ ، لَمْ يَقُمْ أَحَدٌ لِمَا خَلَّفْتَ مِنَ
الوَحْشَةِ ، اللَّهُمَّ أَبْلِغْ نَبِيَّكَ عَنَّا؛ وَأَحْفَظْهُ فِيْنَا)؛ ذكره الغزاليّ في ((الإحياء)).
( وَ) أخرج سيف بن عمر التَّميميُّ في كتاب ((الرِّدة)) له - كما في (( شرح
الإِحياء )) - عن سعيد بن عبد الله؛ (عَنِ أَبْنِ عُمَرَ ) بن الخطّاب رضي الله تعالى
عنهما .
( أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُ البَيْتَ ) أي : حُجْرة عائشةَ رضي الله
عنها ( وَصَلَّى وَأَثْنَى؛ عَجَّ أَهْلُ الْبَيْتِ عَجِيْجاً) أي: رفعوا صوتاً ( سَمِعَهُ أَهْلُ
المُصَلَّى ) ؛ وهم خارج المدينة المنوّرة ، باعتبار ما كان في الزَّمن النّبويّ.
( كُلَّمَا ذَكَرَ شَيْئاً) من الثَّناء ( أَزْدَادُوْا) نحيباً وبُكاءً .
أخرج ابن عساكر ؛ عن أبي ذُؤَيب الهُذَليّ ؛ الشّاعر المشهور ، واسمُه :
خُوَيْلِد بنُ خالد ، كان فَصيحاً كثيرَ الغريب ، عاش في الجاهليّة دَهراً ، وأدركَ
٢٩٤

فَمَا سَكَّنَ عَجِيجَهُمْ إِلاَّ تَسْلِيمُ رَجُلٍ عَلَى أَلْبَابِ صَيِّتٍ جَلِدٍ ؛ قَالَ :
السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتٍّ وَإِنَّمَا تُوَقَّوْنَ
أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيمَةِ فَمَن زُحْزِعَ عَنِ النَّارِ وَأَدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازْ وَمَا
اُلْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
إِنَّ فِي اللهِ خَلَفاً مِنْ كُلِّ أَحَدٍ ، وَدَرَكاً لِكُلِّ رَغْبَةٍ ،
الإسلام ؛ فأسلم ، وعامَّةُ شِعره في حال إِسلامه ، قال :
بَلَغَنا أنّ النَّبِيَّ وَِّ عَليلٌ، فَأَوْجَسَ أهلُ الحِيِّ خِيْفةً علىُ النَّبِّ ◌َّهِ ، وِبِتُّ بِلَيلةٍ
طويلةٍ ، حتّى إذا كان قُربَ السَّحَرِ نمْتُ ، فَهَتَفَ بِيَ هاتِفٌ في مَنامي ؛ وهو يقول :
خَطْبٌ أَجَلُّ أناخَ بِالإِسْلامِ بَيْنَ النَّخِيْلِ وَمَفْعَدِ الآَطَام
تَذْرِي الدُّموعَ عَلَيْهِ بِالتِّسْجَامِ
قُبِضَ النَّبيُّ مُحمّدٌ فَعُيُونُنَاَ
قال : فوَثبتُ من نومي فزِعاً ، فنظرتُ إلى السّماء، فلم أَرَ إلاّ سَعْدَ الذَّابح ، فعلِمتُ
أنّ النَّبِيَّ ◌َِّ قُبِضَ؛ أو هو مّتْ، فقدِمتُ المدينة ولأَهلِها ضجيجٌ بالبكاء كضجيجِ الحجيجِ؛
إذا أَهَلُوا بالإِحرام، فقلتُ: مَه؟! فقالوا: قُبِضَ رسولُ اللهَِّ انتهى. ثُمَّ حَضَر أَبو
ذُؤَيبٍ سقيفة بني ساعدة، وسَمِع خُطبةَ أَبي بكر الصِّدِّيق، ورَتَى النّبيَّ نَّه بقصيدة منها:
كُسِفَتْ لِمَصْرَعه النُّجُومُ وَبَدْرُهَا وَتَزَعْزَعَتْ آطَامُ بَطْنِ الأَبْطَحِ
( نَّمَا سَكَّنَ عَجِيْجَهُمْ إِلاَّ تَسْلِيْمُ رَجُلٍ). ولفظ الحديث - كما في ((شَرح
الإحياء)) -: عن ابن عمر رضي الله عنه قال: لما تُوُفِّي رسولُ الله ◌َّر جاء أبو بكر
حتّى دخَل عليه ، فلمّا رآه مسجّىَّ قال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، ثمّ صلّى عليه ،
فرفَع أهلُ البيت عَجيجاً سمِعَه أهلُ المُصَلَّى، فلمّا سَكَن ما بهم سمِعُوا تسليمَ رجلٍ
(عَلَى الْبَابِ صَيِّتٍ ) ؛ أي : جَهيرِ الصّوت ( جَلْدٍ ) قويٌّ؛ ( قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ
يَا أَهْلَ البَيْتِ ) ورحمةُ اللهِ وبَرَكاتُه ، فردَدْنا عليه مثلَ ذلك ، فقال :
(﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتٍّ وَإِنَّمَا تُوَنَّوْنَ أُجُورَكُمْ﴾ ): جزاءَ أعمالكم ( ﴿ يَوْمَ
اَلْقِيمَةِ﴾﴾ [١٨٥/ آل عمران] ... ( الآيَةُ).
إِنَّ فِي اللهِ خَلَفاً مِنْ كُلِّ أَحَدٍ ) هالكِ (وَدَرَكاً لِكُلِّ رَغْبَةٍ ) ؛ أي : مرغوب فيه
٢٩٥

وَنَجْدَةً مِنْ كُلِّ مَخَافَةٍ، فَاللهَ فَارْجُوا، وَبِهِ فَثِقُوا، فَأَسْتَمَعُوا لَهُ
وَأَنْكَرُوهُ، وَقَطَعُوا الْبُكَاءَ، فَلَمَّا أَنْقَطَعَ أَلْبُكَاءُ .. فُقِدَ صَوْتُهُ ؛ فَأَطَّلَعَ
أَحَدُهُمْ فَلَمْ يَرَ أَحَداً ، ثُمَّ عَادُوا فَبَكَوْا ، فَنَادَاهُمْ مُنَادٍ آخَرُ ، لاَ يَعْرِفُونَ
صَوْتَهُ: يَا أَهْلَ أَلْبَيْتِ ؛ أُذْكُرُوا اللهَ، وَأَحْمَدُوهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ ..
تَكُونُوا مِنَ الْمُخْلِصِينَ، إِنَّ فِي اللهِ عَزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ ، وَعِوَضاً مِنْ
كُلِّ رَغِيبَةٍ ، فَاللهَ فَأَطِيعُوا ، وَبِأَمْرِهِ فَأَعْمَلُوا .
فَقَالَ أَبُو بَكْرِ : هَذَا الْخَضِرُ وَاَلْيَسَعُ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ ؛ قَدْ حَضَرَا
النَبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فائِتٍ، (وَنَجْدَةً مِنْ كُلِّ مَخَافَةٍ، فَاللهَ فَأَرْجُوْا، وَبِهِ فَشِقُوْا ) : اعتمدوا ، فإنّ
المُصابَ من حُرِمِ الثَّوابَ .
(فَاسْتَمَعُوْا لَهُ، وَأَنْكَرُوْهُ، وَقَطَعُوْا البُكَاءَ، فَلَمَّا أَنْقَطَعَ الْبُّكَاءُ فُقِدَ صَوْتُهُ .
فَأَطَّلَعَ أَحَدُهُمْ ) إلى الباب ( فَلَمْ يَرَ أَحَداً .
ثُمَّ عَادُوْا فَبَكَوْا ؛ فَنَادَاهُمْ مُنَادٍ آخَرُ ، لا يَعْرِفُوْنَ صَوْتَهُ: يَا أَهْلَ البَيْتِ ؛ أُذْكُرُوا
اللهَ، وَأَحْمَدُوهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ تَكُوْنُوْا مِنَ المُخْلِصِيْنَ ، إِنَّ فِي اللّهِ عَزَاءً ) : تسليةً
( مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ ، وَعِوَضاً مِنْ كُلِّ رَغِيْيَةٍ ، فَاللهَ فَأَطِيْعُوْا ، وَبِأَمْرِهٍ فَأَعْمَلُوْا ) . في
شرح ((الإحياء )) بدله: وعِوَضاً من كلِّ هَلَكَةٍ؛ فباللهِ فثِقُوا، وإيّاه فأطيعُوا، فإنّ
المُصابَ مَن حُرِمِ الثَّوابَ .
( فَقَالَ أَبُوْ بَكْرٍ ) الصّدّيق رضي الله تعالى عنه (: هَذَا الخَضِرُ ) - بفتح الخاء ،
وكسر الضّاد المعجمتين - واسمُه: بليا بن مَلْكان، ( وَالْيَسَعُ) .
قال العِراقيّ : لم أَجدْ فيه ◌ِذِكر اليَسَع !! .
وفي ((شرح الإحياء)): هذا الخَضِر وإلْياسُ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ قَدْ حَضَرًا ) وفاة
(النَّبِيِّ ◌َّـ).
٢٩٦

قال الحافظ ابن حجر في ((الإصابة))؛ بعد أن أورَده : وسيفٌ فيه مَقال ،
وشيخُه لا يُعرَف . انتهى .
قال (( شارح الإحياء )) قلت : هو سعید بن عبد الله بن ضرار بن الأزور ، روی
عن أبيه وعن غيره ، وفيه وفي أبيه مَقالُ ، وقد تقدَّم قريباً .
ثمّ قال العِراقيُّ: وأَمّا ذِكرُ الخَضِرِ في الثَّعزية !! فأنكر النَّوَوِيُّ وجودَه في كُبٍ
الحديث ، وقال : إنّما ذكره الأصحابُ .
قلتُ(١): بل قد رواه الحاكم في (( المُستَدرَك)) من حديث أنس، ولم
یصّخه ، ولا يَصُِّ . انتهى .
قلت: وجَدْتُ بخطّ الشَّمس الداودي ما نَصُّه: قول الشّيخ ((إنّ الحاكم لم
يُصَحِّحه)) صحيحٌ، لكنّه مُشْعِر بكونه لم يُضَعَّفْه !! وليس كذلك ، فإنّه ساقَه من
رواية عَبَّاد بن عبد الصَّمد، ثمّ قال: وعباد ليس من شرط هذا الكتاب !. انتهى
مُلَخَّصاً من (( شرح الإِحياء )) فراجِعْهُ فيه ، فإنّه ساقَ الحديث من وُجوه عديدةٍ من
طريق أنس ؛ وعليّ بن أبي طالبٍ مرفوعاً؛ ومرسَلاً بألفاظٍ مختلفَةٍ .
وَما في هذا الحديث يدُلُّ على حياة الخَضِر ، وقد أنكره جماعةٌ ؛ منهم ابن
الجوزي، وقال: إنّه لو كان حيّاً لاجتَمع بالنَّيِّوَِّ ولو اجتمع به لَوَرَد !!
وقد رَدَّ النّاس على مَن أنكر ذلك . قال ابن الصّلاح : الخَضِرُ حَيٌّ عند جماهير
العُلَماء والصّالحين، وإنّما شَذَّ بإنكاره بعضُ المحدِّثين .
وقال النَّوَويّ في (( شرح مسلم)): جمهور العلماء أنّه حيٍّ موجودٌ بين أَظْهُرِنا،
وذلك مُتَّفَقٌ عليه عند الصُّوفيّة ، وأهل الصّلاح والمَعرِفة . انتهى .
وأَلَف غيرُ واحدٍ كُتُباً في ذلك، آخِرُهم شيخُ الإسلامِ الحافِظُ ابن حَجَر
(١) الكلام للعراقي . والتي بعدها للمؤلف الشارح .
٢٩٧

وَأَسْتَوْفَى الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرِو [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ] حِكَايَةً خُطْبَةٍ
أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ فَقَّالَ : قَامَ أَبُو بَكرٍ فِي النَّاسِ خَطِيباً حَيْثُ
قَضَى النَّاسُ عَبَرَاتِهِمْ بِخُطْبَةٍ جُلُّهَا الصَّلاَةُ عَلَّى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، فَحَمِدَ اللهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ،
العَسقلاني رحمه الله تعالى(١). وقد ذكر الخَضِر في (( الإصابة)) وبَسَط الكَلامَ فیه بما
لا يُوجد لغيره .
وقد وَرَد في عِدّة أحاديثَ اجتماعُه بالنّيّ ◌ََّرِ! وعندي أَنَّها وإن كانت ضعيفةً ؛
فكثرةُ الطُّرُقِ والأخبار تُقوّيها، وتعزيتُه للصَّحابة عند موت النَّبِيِّنَّهِ وقولُ عليّ بن
أبي طالب ((هذا الخَضِر ))، وسكوتُ الصَّحابة على ذلك يكاد يكونُ إجماعاً ،
وقصّة اجتماعه بعمرَ بن عبد العزيز : إسنادُها صحيح . انتهى كلام السُّيُوطيّ في
كتاب ((تأييد الحقيقة العليّة وتشييد الطريقة الشاذلية)) ص (٨٨) رحِمَهُ الله تعالى.
قال في ((الإحياء)): (وَأَسْتَوفَى القَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو ) التّميميُّ أخو عاصم
( حِكَايَةَ خُطْبَةِ أَبِيْ بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) ، وكان القَعْقَاعِ من الفُرسان الشُّجعان ،
قيل : إنّ أبا بكر كان يقول: لَصوتُ القَعْقَاعِ في الجيش خيرٌ من ألف رَجُلٍ ! وله في
قتال الفُرْسِ بالقَادِسِيَّة وغيرها بَلاءٌ عظيمٌ، وهو الّذِي غَنِم في فتح المدائِن أدْرَاع
كِسْرى ، وكان فيها دِرْعٌ لِهِرَقْلَ ، ودِرْعٌ لخاقانَ ، ودِرْعٌ للتُّعمانِ ، وسيفُه ، وسيفُ
كِسْرى ، فَأَرسَلَها سعدٌ إلى عمر بن الخطّاب رضي الله عنهما .
قال ابن عساكر: يُقال: إِنَّ له صحبةً! وكان أحدَ فُرسان العَرب وشُعَرائهم ،
شهِد فتح دِمَشْقَ ، وأكثرَ فتوح العِراق ، وله في ذلك أشعارٌ مشهورةٌ .
وقال ابن السَّكَن: ويُقال: هو القَعقاع بن عمرو بن معبد التّميمي .
( فَقَالَ: قَامَ أَبُو بَكْرٍ فِي النَّاسِ خَطِيْباً حَيْثُ قَضَى النَّاسُ عَبَرَاتِهِمْ بِخُطْبَةٍ
جُلُّهَا ) ؛ أي: معظمها ( الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ بَّهِ ) ثمّ بيَّنَ نصَّ الخُطبةِ، فقال:
( فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ) من الأحوال في السَّرَّاء والضَّراءِ ،
(١) بل ألَّف بعده: مُلاَّ علي قاري رحمه الله .
٢٩٨

وَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ ،
وَغَلَبَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ ، فَلِلّهِ الْحَمْدُ وَحْدَهُ .
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَخَاتَمُ أَنْبِيَائِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ
الْكِتَابَ كَمَا نَزَلَ، وَأَنَّ الدِّينَ كَمَا شَرَعَ ، وَأَنَّ الْحَدِيثَ کَمَا حَدَّثَ ،
وَأَنَّ أَلْقَوْلَ كَمَا قَالَ ، وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ أَلْمُبِينُ .
( وَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللّهُ) أعلَم وأعتقِدُ بقلبي، وأُبيِّنُ لغيري أن لا معبودَ
بحقِّ في الوُجود إلاّ الله ( وَحْدَهُ ) حال كونِهِ مُنْفَرِداً، ( صَدَقَ وَعْدَهُ ) بإظهار دينه ،
( وَنَصَرَ عَبْدَهُ) محمَّداً رسولَه ◌ِ، (وَغَلَبَ الأَحْزَابَ ) : جماعاتِ الكفّار الّذين
تجمَّعوا يومَ الخَندقِ لاستِثْصال النّبِيّ ◌َِّ والمسلمين؛ فهزَمَهُم الله (وَحْدَهُ) بدون
عُدَّةٍ ولا عَدَدٍ ، ( فَلِلَّهِ الحَمْدُ وَحْدَهُ .
وَأَشْهَدُ ) : أعلمُ وأعتَقِد بقلبي ، وأبيّنُ لغيري ( أَنَّ) سيِّدَنا ( مُحَمَّداً عَبْدُهُ) إنّما
قَدّم الوَصْف بالعُبودية على الوَصف بالرِّسالة !! امتِثالاً لقوله ◌َّةِ: (( وَلْكِنْ قُولُوا :
عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ)) . ومعنى العُبودية: التَّذَلُل والخُضوعُ، وهي: وَصْفٌ شريفٌ
جليلٌ ، ولذا وُصِفَ بها في أَشْرفِ المَقامات ؛ كَمقام الإسراءِ ، فقال تعالى ﴿سُبْحَنَ
الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا﴾ [١/ الإسراء] ومَقام إنزال
الكِتابِ قال تعالى ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِنَبَ﴾ [١/ الكهف] (وَرَسُوْلُهُ) أرسلَه
بالهُدى ودين الحقِّ لِيُظْهِرَه على الدِّين كلُّه، (وَخَاتَمُ أَنْبِيَائِهِ ) ورُسُلِه ، قال تعالى
﴿ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبْنُّ﴾ [٤٠/ الأحزاب] ويَلَزَم من خَتْم الأعمِّ ختمُ الأَخصِّ .
(وَأَشْهَدُ أَنَّ الِكِتَابَ ) القرآن ( كَمَا نَزَلَ ) لم يقع فيه تغيِيرٌ ، ولا تبديلٌ ؛ بل هو
كما أنزله الله حقٌّ وصِدقٌ، (وَأَنَّ الدِّيْنَ كَمَا شَرَعَ) الله، وهو دينٌ صحيحٌ سَمَاوِيٌّ ،
( وَأَنَّ الحَدِيْثَ كَمَا حَدَّثَ ) ممّا تَضَمَّنَه القرآن، (وَأَنَّ القَوْلَ كَمَا قَالَ ) ، فهو مطابِقٌ
للواقع، (وَأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ ) المتحقُّقُ الثَّابتُ وجودُه ( المُبِيْنُ): البَيِّنُ الظَّاهرُ الّذي
لا خفاءَ فيه .
٢٩٩

اللَّهُمَّ؛ فَصَلٌّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ ، وَرَسُولِكَ، وَنَبِّكَ،
وَحَبِيِكَ، وَأَمِنِكَ وَخِيرَتِكَ، وَصَفْوَتِكَ .. بِأَفْضَلَ مَا صَلَّيْتَ بِهِ عَلَى
أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ .
اللَّهُمَّ؛ وَأَجْعَلْ صَلَوَاتِكَ، وَمُعَافَاتَكَ، ورَحْمَتَكَ،
وَبَرَكَاتِكَ .. عَلَىْ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَخَائِمِ
( اللَّهُمَّ) - بميم مُشَدَّدةٍ مَزِيْدةٍ آخِراً؛ عِوَضاً من حرف النّداء، إذ أصلُه: يا أللهُ -
قال الفاسي : هو توجُّه للمطلوب ، وَطَلَبٌّ لحصول المرغوب بالتَّوسُّل بالاسم الأعظم
الّذي إذا دُعِي به أجاب، وإذا سُئِل به أعطى. وإنما جُعِل هذا الاسم العظيم في أوائل
الأدعية غالباً !! لأنّه جامعٌ لجميع مَعاني الأسماء الكريمة ، وهو أصلُها .
( فَصَلٌ ) ؛ أي : أثْنِ عليه عند ملائكتك، أو شرِّف وكرِّم ، أو عظُم أو اعتَنِ
وزِدِ الخير ، أو اجعَلِ اللُّطْفَ والرَّحمة المقتَرِنَ بالتَّعظيم المُنْبَعِثة عن العَطْف والحَنان
( عَلَىْ مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ؛ وَرَسُوْلِكَ؛ وَنَبِّكَ؛ وَحَبِيِكَ؛ وَأَمِيْنِكَ ) على وَحِيِك ،
(وَخِيْرَتِكَ) من خلقِك، (وَصَفْوَتِكَ) من عبادِك ( بِأَفْضَلَ مَا صَلَّيْتَ بِهِ عَلَى أَحَدٍ
مِن خَلْقِكَ .
اللَّهُمَّ ؛ وَأَجْعَلْ صَلَوَاتِكَ ) جمع صلاة ؛ أي : حَنانك ورَحْمتك وعَطْفَكَ ،
( وَمُعَافَاتَكَ وَرَحْمَتَكَ) بإفراد لفظ ((رحمة)) و((معافاة))؛ وجمع ما سواهما.
وفيه دليل للدُّعاء له وَلّه بالرّحمة، لكن بالتَّبَع لغيرها ؛ كما هنا.
( وَبَرَكَاتِكَ ) جمع بَرَكَة ؛ أيْ : خيراتك النّامية نازلةً ومتواليةً .
( عَلَىْ سَيِّدِ المُرْسَلِيْنَ ) ؛ أي: رئيسِهم وأفضلِهم، أي: أفرِغْ وأَحلِل عليه،
فيَعُمَّه ويشمَلَه من كلّ وجهٍ ، ويكونَ مَحلاً لهذه الفضائِلِ .
( وَخَاتِم ) ؛ بفتح الّاء وكسرها ، وقد قُرِىء بهما معاً في قوله تعالى ﴿ وَلَكِنْ
زَّسُولَ اللَّهِ وَخَتَمَ النَّبِيْنُّ﴾ [٤٠/ الأحزاب] فبالفتح: اسمٌ لما يُختَمُ به ، فهو كالخاتم
والطابَع ، الّذي هو آلةٌ للخَتْم الّذي يكون عند التّمام والانتهاء . وبالكسر : بمعنى
٣٠٠