Indexed OCR Text
Pages 261-280
وَكَفَّنْتُمُونِي .. فَضَعُونِي عَلَى سَرِيرِي هَذَا، فِي بَيْتِي هَذَا عَلَى شَفِيرٍ قَبْرِي ، ثُمْ آخْرُجُوا عَنِّي سَاعَةً - فَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ يُصَلِّي عَلَيَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ اُلَّذِى يُصَلِى عَلَيْكُمْ وَمَلَتَبِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣]. ثُمَّ يَأْذَنُ لِلْمَلائِكَةِ فِي الصَّلاَةِ عَلَيَّ، فَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيَّ مِنْ خَلْقِ اللهِ وَيُصَلِّي عَلَيَّ .. جِبْرِيلُ، ثُمَّ مِيكَائِيلُ، ثُمَّ إِسْرَافِيلُ، ثُمَّ مَلَكُ الْمَوْتِ مَعَ جُنُودٍ كَثِيرَةٍ ، ثُمَّ الْمَلاَئِكَةُ بِأَجْمَعِهَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ ، وكَفَّنْتُمُوْنِيْ؛ فَضَعُوْنِيْ عَلَى سَرِيْرِيْ هَذَا [فِي بَيِّتِي هَذَا]، عَلَى شَفِيْرِ) - بشين معجمة وفاءٍ - أي : حرف ( قَبْرِيْ، ثُمَّ أَخْرُجُوْا عَنِّيْ سَاعَةً ) : قدراً من الزّمان ، ( فَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ يُصَلِّيْ عَلَيَّ) - بتشديد الياء - (اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ﴾): يرحمكم ( ﴿ وَمَلَئِكَتُهُ﴾﴾ [٤٣ / الأحزاب] يستَغْفِرون لكم . قال الشُّدِّي : قالت بنو إسرائيل لموسى : أَيصَلِّي ربُّنا ؟ فَكَبُر هذا الكلامُ على موسى ، فأوحى الله إليه : أَنْ قُل لهم : إِنّي أُصلِّي ، وإِنّ صلاتي رَحمتي ، وقد وَسِعَتْ رَحمتي كلّ شيءٍ . ذكره البَغَويّ . ( ثُمَّ يَأْذَنُ لِلْمَلاَئِكَةِ فِي الصَّلاَةِ عَلَيَّ . فَأَّلُ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيَّ مِنْ خَلْقِ اللهِ وَيُصَلِّيْ عَلَيَّ جِبْرِيْلُ، ثُمَّ مِيْكَائِيلُ، ثُمَّ إِسْرَافِيْلُ، ثُمَّ مَلَكُ المَوْتِ؛ مَعَ جُنُوْدٍ ) جماعة ( كَثِيْرَةٍ. ثُمَّ المَلائِكَةُ) المأذون لها في الحضور للتَّشيع ( بِأَجْمَعِهَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِيْنَ . ٢٦١ ثُمَّ أَنْتُمْ ؛ فَادْخُلُوا عَلَيَّ أَفْوَاجاً، فَصَلُّوا عَلَيَّ أَفْوَاجاً ؛ زُمْرَةً زُمْرَةً ، وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً، وَلاَ تُؤْذُونِي بِتَزْكِيَّةٍ وَلاَ صَيْحَةٍ وَلاَ رَنَّهِ ، وَلْيَبْدَأُ مِنْكُمُ الإِمَامُ، وَأَهْلُ بَيْتِيَ الأَذْنَى .. فَالأَذْنَى، ثُمَّ زُمْرَةُ النِّسَاءِ ، ثُمَّ زُمْرَةُ الصِّبْیَانِ . ثُمَّ أَنْتُمْ فَأَدْخُلُوْا ) للصلاة ( [عَلَيَّآ أَفْوَاجاً ) جمع فَوج - بفتح فسكون - وجمع الجمع : أفاويج . ( فَصَلُّوْا عَلَيَّ أَفْوَاجاً) ؛ أي : جماعات ( زُمْرَةً زُمْرَةً) ؛ أي : جماعة بعدَ جماعةٍ ( وَسَلِّمُوا تَسْلِيْماً، وَلاَ تُؤْذِنُوْا بِتَزْكِيَّةٍ ) غير لائقةٍ بي ، ممّا هو من أوصاف الرَّبّ جلّ وعلا ، ( وَلاَ صَيْحَةٍ وَلاَ رَنَّةٍ ) بنِياحة . ( وَلْيَبْدَأُ) بالصّلاة عليّ ( مِنْكُمُ الإِمَامُ) ؛ أي : الخليفة وهو أبو بكر الصّدّيق. ( وَأَهْلُ بَيْتِيْ ): عليّ والعبّاس، و(الأَدْنَى فَالأَذْنَى)؛ أي : الأقرب فالأقرب يتقدَّم . ( ثُمَّ زُمْرَةُ النِّسَاءِ ) من أهل بيت النُّوَّةِ ، ثمّ نساء غيرهم . ( ثُمَّ زُمْرَةُ الصِّبْيَانِ) وفي حديث ابن عبّاس ـ عند ابن ماجه - لمّا فَرَغُوا من جَهَازِهِ وَّ﴿ يومَ الثّلاثاء وُضِع على سريره في بيته، ثمّ دخَلَ النّاس عليه وَّهِ أَرْسالاً، يُصَلّون عليه، حتّى إذا فَرَغوا ؛ دخَل النِّساء، حتى إذا فَرَغْنَ؛ دَخَلَ الصِّبيان ، ولم يَؤُمَّ النّاسَ على رسول اللهِّ أحد . قال ابن كثير : هذا أمرٌ مُجمعٌ عليه . واختُلِفٍ في أنّه تَعَبُّدٌ لا يُعْقَل معناه، أَو ليُباشِر كلُّ واحدٍ الصّلاةَ عليه ، منه إليه ؟. وقال السُّهَيلِي : قد أخبر الله أنّه وملائكته يُصلُّون عليه ، وأمر كلَّ واحدٍ من ٢٦٢ المؤمنين أنْ يصلِّي عليه ، فوَجَبَ على كلّ أحدٍ أنْ يباشِر الصّلاةَ عليه منه إليه ، والصّلاةُ عليه بعد موته من هذا القبيل ، قال : وأيضاً ؛ فإنّ الملائكةَ لنا في ذلك أُئِمَّةٌ . انتهى . وقال الشَّافعيّ في ((الأُمّ)): وذلك لعُظْم أَمرِهِ وَّهِ وتنافُسِهِم فيمَن يتولّى الصّلاة عليه ، ورُوِيَ أنّه لمّا صلّى أهل بيته ، لم يدرِ النّاسُ ما يقولون؟ فسألوا ابنَ مسعود؛ فأمرهم أن يسألوا عليّاً !! فقال لهم: قولوا ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَئِ كَتَهُ يُصَلُونَ عَلَى النَِّ﴾ [٥٦/ الأحزاب] الآية، لبَّكَ اللّهمّ ربّنا وسَعْدَيك، صَلَوَاتُ الله البَرِّ الرّحيم ؛ والملائكة المقرّبين ، والنَّبيِّن والصّدِّيقين، والشُّهداء والصَّالحين ؛ وما سَّبح لكَ من شيءٍ يا ربّ العالمين على محمّدٍ بن عبد الله: خاتَمِ النَّبيِّن، وسيِّد المُرسَلين، وإمام المثَّقين ، ورسول ربِّ العالمين ، الشّاهد البشير ، الدّاعي إليك بإذنك السِّراج المُنير ، وعليه السّلام . ذكر ذلك الشّيخ زين الدّين بن الحسين المراغي في كتابه ((تحقيق النُّصرة لمعالم دار الهجرة)). انتهى زرقانيّ على ((المواهب)). وظاهر هذا : أنّ المرادَ ما ذَهَب إليه جماعةٌ؛ أنّه لم يُصَلَّ عليه الصّلاة المُعتادَةَ ، وإنّما كان النّاس يأتُون فيَدْعون . قال الباجيّ: ووجهُه: أنّهَ بَّرِ أَفضَلُ من كلّ شهيدٍ، والشَّهيدُ يُغْنيه فضلُه عن الصّلاة عليه !!. فهو ◌َليِ أَوْلى. قال : وإنّما فارَقَ الشَّهيدَ في الغُسْل !! حذراً من إزالة الدّم عن الشّهيد ، وهو مطلوبٌ بقاؤُهُ لِطيِه، ولأنّه عُنوانٌ لشهادته في الآخرة، وليس علىُ النّبِيّ ◌َِّ ما تُكْرَه إزالته ؛ فافترقا . انتهى . لكن قال القاضي عياض : الصّحيح الّذي عليه الجُمهور : أنّ الصّلاة على النّبِيّ وَّل كانت صلاةً حقيقيةً؛ لا مجردّ الدُّعاء فقط. انتهى. وأُجيبَ عمّا اعتَلّ به الأوَّلون بأنّ المقصودَ من الصّلاة عليه عودُ التَّشريف على المسلمين ، مع أنّ الكامل يقبَلُ زيادة التَّكميل ، نعم ؛ لا خلافَ أنّه لم يَؤُمَّهم أَحَدٌ ٢٦٣ قَالَ: فَمَنْ يُدْخِلُكَ الْقَبْرَ؟ قَالَ: ((زُمَرٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي ... اَلأَدْنَى فَالْأَدْنَى مَعَ مَلاَئِكَةٍ كَثِرَةٍ لاَ تَرَوْنَهُمْ؛ وَهُمْ يَرَوْنَكُمْ ، - كما مرّ ـ لقول عليٍّ: هو إمامُكم حيّاً وميتاً، فلا يقوم عليه أَحَدٌ ... الحديث. رواه ابن سعد . وأخرج التِّرْمِذِيّ أنّ النّاسَ قالوا لأبي بكرٍ: أَيُصَلَّى على رسول الله وَلِّ؟ قال: نعم . قالوا : وكيف نصلّي؟ قال: يدخُل قومٌ فيكبِّرون ويصلّون ويدْعُون ، ثمّ يدخُل قومٌ فيُصلّون ويكبّرون ويدْعُون فُرادى . انتهى . ( قَالَ: فَمَنْ يُدْخِلُكَ القَبْرَ؟ قَالَ: ((زُمَرٌّ مِنْ أَهْلِ بَيْتِيْ ) : أقاربي (الأَذْنَىُّ .. فَالأَذْنَى ) منهم ، ( مَعَ مَلاَئِكَةٍ كَثِيْرَةٍ لاَ تَرَوْنَهُمْ ، وَهُمْ يَرَوْنَكُمْ )) . وقد اختُلِفٍ فیمَن أَدخَلَهُ قبره ؟. واصحّ ما رُويَ أنّه نزل في قبره عُّه العبّاس ، وعليّ، وقُثَم بن العبّاسِ ، والفَضْل بن العبّاس ، وكان آخرُ النّاس عَهداً برسول الله ﴿ قُثَم بن العبّاس؛ أي: أنَّه تأَخَّر في القبر حتّى خَرَجوا قبلَه . ورُوِيَ أنّه بُنِيَ في قبره تِسْعُ لَبِنات ، وفُرش تحتَه قطيفةٌ نَجرانيّةٌ ؛ كان يَتَغَطَّى بها ويَجلِس عليها، وهي كِسَاءٌ له خَمَلٌ؛ أي: أهدابُ فَرَشَها شقرانُ مولاهَِِّ فِي القَبر ، وقال: واللهِ لا يلبَسُها أحدٌ بعدكَ . قال النَّوَويُّ : وقد نصّ الشّافعيّ وجميعُ أصحابِه ؛ وغيرهم من العلماء : على كراهةٍ وَضعٍ قَطِيفَةٍ ؛ أو مُضَرِيَّة ؛ أو مِخَذَّةٍ ، ونحو ذلك تحتَ الميّت في القبر . وشذّ البَغَويّ من أصحابنا؛ فقال في كتابه ((التّهذيب )): لاَ بَأْسَ بذلك ، لهذا الحديث . والصّواب كراهةُ ذلك ؛ كما قاله الجمهور . وأجابوا عن هذا الحديث : بأنّ شقرانَ انفرد بفعل ذلك ، ولم يُوافِقْه أَحَدٌ من الصّحابة ، ولا عَلِموا بذلك، وإنّما فَعَله شقرانُ ! لِما ذكرنا عنه ؛ من كراهته أن يلبَسها أحدٌ بعدَ النّبِيّ ◌َّ. انتهى كلام النَّوَويّ . ٢٦٤ قُومُوا فَأَذُوا عَنِّي إِلَى مَنْ بَعْدِي)) . وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَمْعَةَ [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ]: جَاءَ بِلَاَلٌ فِي أَوَّلِ شَهْرِ رَبِيعِ الأَوَّلِ ، فَذَّنَ بِالصَّلاَةِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وفي كتاب (( تحقيق النُّصرة )): قال ابن عبد البَرِّ : ثُمّ أُخرِجَت يعني : القَطيفة من القبر لمّا فَرَغوا من وَضْعِ اللَّبِنات التِّسع ، حكاه ابنُ زبالة . قال العِراقيُّ في (( ألْفِيَة السِّيرة)): وَقِيْلَ: أُخْرِجَتْ، وَهْذَا أَثْبَتُ وَفُرِشَتْ فِي قَبْرِهِ قَطِيْفَةُ ( قُوْمُوْا فَأَُوْا عَنِّيْ ) - ما سمِعتُم منّي - (إِلَى مَنْ بَعْدِيْ))) من أمّتي . ( وَ) في ((الإِحياء)): (قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَمْعَةً) بن الأسود بن المطّلب بن أَسد بن عبد العُزّىُ القُرَشي؛ الأَسَديّ، (( ابن أخت أم سَلَمة، زوجِ النّبِيّ ◌ِّر)) واسمُ أُمّه: قريبة بنت أبي أمية . قال القاضي عياض في ((المشارق)): زَمْعة بسكون الميم . وضبَطْناه عن ابن بحر : بفتح الميم ؛ حيث وقع ، وكلاهما قال الحافظ في ((الفتح)): ووَقع في ((الكاشِف)) للذّهبيّ أنّه أخو سودةَ أُمّ المؤمنين . وهو وَهَمِّ ؛ يظهَر صوابُه من سياق نَسَبها . قال البَغَوِيّ : كان يسكُن المدينةَ وله أحاديثُ ، ويقال : إنّه كان يأذن على النّبِيّ ◌َ﴿ قُتِلَ يومَ الدّار سنة: خمسٍ وثلاثين. وبه جَزَم أبو حسّان الزيادي، روى له الجماعةُ. انتهى ذكره في ((شرح الإحياء)). والحديثُ المذكور قال العراقي : رواه أبو داود بإسنادٍ جَيِّدٍ مختصراً ؛ دون قوله ((فقالت عائشة: إنّ أبا بكر رجلٌ رقيقٌ ... الخ)) ولم يقُل في أَوّل رَبيع الأَوّل!؟ وقال: ((مُرُوا مَن يُصَلِّي بِالنّاسِ )). وقال: ((يَأْبَى اللهُ ذْلِكَ وَأَلْمُؤْمِنُونَ، مَرَّتيْن)). انتهى. ذكره في ((شرح الإحياء )). ( جَاءَ بِلاَلٌ) رضي الله عنه ( فِي أَوَّلِ شَهْرِ رَبِيْعِ الأَوَّلِ ) قد علمتَ أنّ هذا ليس في رواية أبي داود ( فَأَذَّنَ بِالصَّلاَةِ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ وَلِّ : ٢٦٥ ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ)). فَخَرَجْتُ فَلَمْ أَرَ بِحَضْرَةِ الْبَابِ إِلاَّ عُمَّرَ فِي رِجَالٍ لَيْسَ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ ، فَقُلْتُ: قُمْ يَا عُمَرُ فَصَلِّ بِالنَّاسِ ، فَقَامَ عُمَرُ ، فَلَمَّا كَبَّرَ - وَكَانَ رَجُلاً صَيِّاً - سَمِعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ .. فَقَالَ: (( أَيْنَ أَبُو بَكْرٍ؟ يَأْبَى اللهُ ذَلِكَ ، وَالْمُسْلِمُونَ)) قَالَهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ)» ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ [تَعَالَى عَنْهَا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ ، إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ غَلَبَهُ الْبُكَاءُ . ((مُرُوْا) - بضمّتين؛ بَوزن: كُلُوا، أي: بلّغوا أمري - ( أَبَا بَكْرٍ ) الصّدّيق. وفي رواية أبي داود: ((مُرُوا مَنْ ( يُصَلِّيْ بِالنَّاسِ )) ؛ أي : يَؤُمُّهم . قال: ( فَخَرَجْتُ فَلَمْ أَرَ بِحَضْرَةِ البَابِ إِلاَّ عُمَرَ ) بنَ الخطَاب رضي الله تعالى عنه ( فِي رِجَالٍ لَيْسَ فِيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ ) الصّدّيق رضي الله تعالى عنه ( ؛ فَقُلْتُ : قُمْ يَا عُمَرُ؛ فَصَلِّ بِالنَّاسِ ، فَقَامَ عُمَرُ ) واصطَفَّ النّاسُ . ( فَلَمَّا كَبَّرَ ) للصّلاة ؛ (وَكَانَ رَجُلاً صَيّاً ) ؛ أي : جَهير الصَّوت ، ( سَمِعَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيْرِ) لقُرب الحُجرة الشَّريفة من المسجد ؛ ( فَقَالَ: (( أَيْنَ أُبُو بَكْرٍ !؟ يَأْبَى اللهُ ذَلِكَ، وَالمُسْلِمُوْنَ)) !! قَالَهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ) رواية أبي داود: ((يَأْبَى اللهُ ذُلِكَ وَأَلْمُؤْمِنُونَ )) مرّتين . ( مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ) - بسكون اللّم الأُولىُ ، ويُروي بكسرِها مع زيادة ياءِ مفتوحة - ( بِالنَّاسِ))) إماماً، وفي روايةٍ لأبي داود، فقال: ((لاَ .. لاَ، لِيَصُلِّ لِلنَّاسِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ)) يقول ذلك تغضُّباً . ( فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: يَا رَسُوْلَ اللهِ؛ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيْقٌ ) - بقافين ـ ( إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ غَلَبِهُ البُكَاءُ ؟! ) لِرِقَّة قلبه وغَلَبَةِ دَمعِه ، ولما يُلاحِظُ مِن فَقْدِهِ﴿ وما كان يجد من فَقْدِ أُنْسِه وأَنوارِه . ٢٦٦ فَقَالَ: ((إِنَّكُنَّ صُوَيْحِبَاتُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ». قَالَ: فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ الصَّلاَةِ الَّتِي صَلَّى عُمَرُ . فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ زَمْعَةَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَيْحَكَ، مَاذَا صَنَعْتَ بِي؟ وَاللهِ لَوْلاَ أَنِّي ظَنَنْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَكَ . . مَا فَعَلْتُ، فَيَقُولُ عَبْدُ اللهِ : إِنِّي لَمْ أَرَ أَحَداً أَوْلَىُ بِذَلِكَ مِنْكَ. (فَقَالَ)؛ أي: النّبِيّ وَّهِ لعائشة (: ((إِنَّكُنَّ صُوَيْحِبَاتُ يُؤْسُفَ) النَّبِيِّ ◌َهُ فِي إِظهار خِلافٍ ما في الباطن . والخِطاب ؛ وإن كان بلفظ الجَمع ؛ فالمُراد به واحدة فقط ؛ وهي عائشة رضي الله تعالى عنها كما أَنّ ((صُوَيحِبَات)) جَمعٌ؛ والمُراد به زَلِيخًا فقط ، على أن في رواية عند البخاريّ: أنّها قالتْ لحفصة: أنْ تقول ما قالت : أي : مُرْ عمرَ فليُصَلّ بالنّس ، فقالت حفصة ذلك ، فحينئذٍ قال ما قال !! وأقلُّ الجمع اثنان ، وقد تقدّم ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ ))) . وفيه : أن لا يُقدّم للإمامة ؛ إلاّ أفضَلُ القوم فِقهاً وقِراءة ووَرَعاً وغيرها . وفي تكرار أمره بتقديمه الدِّلالةُ الظَّاهرة عند من له إِيمانٌ على أنّ أبا بكر أحقُ النّاس بخلافته ، وقد وافق على ذلك عليٌّ ، وغيره من أهل البيت . ( قَالَ ) ؛ أي الرّاوي (: فَصَلَّىْ أَبُو بَكْرِ بَعْدَ الصَّلاَةِ الَّتِيْ صَلَّى عُمَرُ ) بالنّس سبعَ عشرةَ صلاةً - كما نقله الدِّمياطِيّ - ( فَكَانَ عُمَرُ يَقُوْلُ لِعَبْدِ اللهِ بنِ زَمْعَةَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَيْحَكَ؛ مَاذَا صَنَعْتَ بِي؟! وَاللهِ لَوْلاَ أَنِّي ◌َظَنَنْتُ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِوَهِ أَمَرَكَ ، ما فَعَلْتُ ! فَيَقُوْلُ عَبْدُ اللهِ : إِنِّي لَمْ أَرَ أَحَداً أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْكَ . ) والحديث من قوله ((فقالت عائشة ... الخ)) في ((الصَّحيح)) بلفظِ: فقالت عائشة : يا رسولَ الله ؛ إنّ أبا بكرٍ رجلٌ رقيقٌ، إذا قام مَقامك لا يُسمع النّاسَ من البُكاء !! . ٢٦٧ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: وَمَا قُلْتُ ذَلِكَ وَلاَ صَرَفْتُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ إِلاَّ رَغْبَةٌ بِهِ عَنِ الدُّنْيَا ، وَلِمَا فِي الْوِلاَيَّةِ مِنَ الْمُخَاطَرَةِ وَاَلْهَلَكَةِ وفي روايةٍ : إذا قَرَّأَ القُرآنَ؛ لا يملِكُ دَمْعَهُ ؟ . قال: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ)) فعاوَدَتْهُ مثَل مقالتِها، فقال: ((إِنَّكُنَّ صَواحِباتُ يُوسُفَ! مُرُوا أبا بكرٍ فليُصَلّ بالنّاس)) رواه الشَّيخَان. وفي رواية للشّيخين : إنّ أبا بكر رجلٌ أَسِيف . وفي روايةٍ عند البُخاري في ((الصّلاة، والاعتصام)) أنّه وَّرِ قال: ((مُرُوا ◌َبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ)) فقالت عائشة: إنّ أبا بكر إذا قام مَقامك لم يُسْمع النّاس من البُكاء ، فمُر عمر ، فليُصَلِّ بالنّاس !. فقال : مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس قالت : قلت لحفصة : قولي له (( إنّ أبا بكر ؛ إذا قام في مَقامِك لم يُسمِع النّاس من البُكاء ، فَمُر عُمَرَ، فليُصَلِّ بالنّاس)) ففعَلتْ حفصةُ، فقال رسولُ اللهِوََّ: ((مَهْ! إنكن أَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يوسُفَ ، مُرُوا أبا بكرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ ». فقالت حفصةُ لعائشةَ : ما كنتُ لأصيبَ منكِ خيراً !!. وفي (( مُسنَدَ الدَّارِمي)) من وجهٍ آخر : أنّ أبا بكرٍ هو الّذي أمر عائشةَ أن تُشير على النِّي وَلِّ أن يأمُرَ عمرَ بالصَّلاة. قال الحافظ ابنُ حَجَر : لم يُرِد أبو بكرٍ ما أرادَتْ عائشةُ ؛ بل قاله لعُذرِه برقّة قلبه ، أو لفهمِه منها الإمامةَ العُظمىُ، وعلمٍ ما في تحمُّلها من الخَطَرِ ، وعَلِمَ قوّةَ عمرَ على ذلك ؛ فاختاره ، والظاهر أنّه لم يَطْلِع على المُراجَعة ، أو فهِم من أمرِه بذلك تفويضَه ؛ سواءٌ باشَر بنفسه ، أو استخلَف . ( قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: وَمَا قُلْتُ ذَلِكَ) الكلام (وَلاَ صَرَفْتُهُ) وَلهـ (عَنْ) اختيار ( أَبِي بَكْرٍ ) للإمامة ( إِلاَّ رَغْبَةً بِهِ ) ؛ أي : أبي بكر ( عَنِ الدُّنْيًا ، وَ) أيضاً ( لِمَا فِي الوِلاَيَةِ مِنَ) الدّخول في ( المُخَاطَرَةِ وَ) أسباب ( الهَلَكَةِ ). ٢٦٨ إِلَّ مَنْ سَلَّمَ اللهُ، وَخَشِيتُ أَيْضاً أَنْ لاَ يَكُونَ النَّاسُ يُحِبُّونَ رَجُلاً صَلَّى فِي مَقَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ حَيُّ أَبَداً - إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ - فَيَحْسُدُونَهُ، وَيَبْغُونَ عَلَيْهِ ، وَيَتَشَاءَمُونَ بِهِ، فَإِذَا الأَمْرُ أَمْرُ الهِ ، وَأَلْقَضَاءُ قَضَاءُ اللهِ تَعَالَى، وَعَصَمَهُ اللهُ تَعَالَى مِنْ كُلِّ مَا تَخَوَّفْتُ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ . وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا : محرَّكة؛ بوزن قَصبة -: الهَلَاكُ (إِلاَّ مَنْ سَلَّمَ) ـه (اللهُ) وحفظه بعنايته السّابقة. (وَخَشِيْتُ أَيْضاً أَنْ لاَ يَكُوْنَ النَّاسُ يُحِبُّوْنَ رَجُلاً صَلَّى فِي مَقَامِ الشَِّيِّبَّهِ وَهُوَ) ◌َّـ ( حَيِّ أَبَداً، إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ؛ فَيَحْسُدُوْنَهُ، وَيَبْغُوْنَ عَلَيْهِ، وَيَتَشَاءَمُوْنَ ) - بشين مُعْجَمة والمد - (بِهِ، فَإِذَا الأَمْرُ أَمْرُ اللهِ، وَالقَضَاءُ قَضَاءُ اللهِ تَعَالَىْ) نَفَذَ باختيار الصّدّيق؛ أي : اختارَه اللهُ تعالى، وجمعَ به كلمةَ المسلمين (وَعَصَمَهُ اللهُ تَعَالَى ) ؛ أي : حفظه ( مِنْ كُلِّ مَا تَخَوَّفْتُ عَلَيْهِ؛ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالدِّيْنِ ) . رواه البخاريّ في ((باب الوفاة))، ومسلم في ((الصّلاة)) بلفظ: فلقد راجعتُه في ذلك ؛ وما حَملني على كثرة مراجعته إلاّ أنّه لم يقع في قلبي أنْ يُحِبّ النّاسُ بعده رجلاً قام مَقامه أبداً ، وما حَمَلني على ذلك ؛ إِلاّ أنّي كنتُ أرى أنّه لن يقومَ أحدٌ مَقامَه إِلاّ تشاءم النّاس به؛ فأردتُ أن يَعدِلَ ذلك رسولُ اللهِوَّهِ عن أبي بكرٍ . وفي روايةٍ لمسلم : قالت : والله ما بي إلّ كَراهيَةُ أن يتشاءَم النّاس بأَوّل من يَقوم مَقامه بَّهِ، فراجعتُه مرّتين ؛ أو ثلاثاً. ( وَ) في ((الإِحياء )) للغزالي رحمه الله تعالى: (قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهَا) - فيما رواه الطَّرانيّ في (( الكبير))؛ من حديث جابر ، وابن عبّاس، مع اختلافٍ في حديثٍ طويلٍ - في نحو وَرَقتين كبارٍ - وهو مُنْكَرٌ ؛ فيه عبد المنعم بن إدريس بن سنان ؛ عن أبيه ؛ عن وَهْب بن مُنبّه ، قال أحمد : كان يَكْذِب على وهَب بن منبه ، وأبوه إدريس أيضاً متروكٌ ؛ قاله الدَارَقُطني . وقد رواه أبو نُعيم في ٢٦٩ فَلَمَّا كَانَ أَلْيَوْمُ الَّذِيِ مَاتَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. رَأَوْا مِنْهُ خِفَّةً فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ؛ فَتَفَرَّقَ عَنْهُ الرِّجَالُ إِلَى مَنَازِلِهِمْ وَحَوَائِجِهِمْ مُسْتَبْشِرِينَ، وَأَخْلَوْا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنِّسَاءِ، فَبَيْنَاً نَحْنُ عَلَّى ذَلِكَ - لَمْ نَكُنْ عَلَى مِثْلِ حَالِنَ فِي الرَّجَاءِ وَالْفَرَحِ قَبْلَ ذَلِكَ - قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أُخْرُجْنَ عَنِّي؛ هَذَا الْمَلَكُ يَسْتَأْذِنُ عَلَيَّ)» . فَخَرَجَ مَنْ فِي أَلْبَيْتِ غَيْرِي ، وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِي ، فَجَلَسَ، وَتَنَخَيْتُ فِي جَانِبٍ أَلْبَيْتِ ، فَنَاجَى الْمَلَكَ طَوِيلاً، ثُمَّ إِنَّهُ دَعَانِي؛ فَأَعَادَ رَأْسَهُ فِي حَجْرِي، وَقَالَ لِلنِّسْوَةِ: ((أُدْخُلْنَ))، فَقُلْتُ : مَا هَذَا بِحِسٌّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ؟ ((الحِلية)) عن الطَّبَراني بطوله؛ قاله في ((شرح الإِحياء)) . - وذكر الحديثَ بطوله: ﴿ فَلَمَّا كَانَ اليَوْمُ الَّذِيْ مَاتَ فِيْهِ رَسُوْلُ اللهِوََّ)؛ وهو يومُ الاثنين (رَأَوْا مِنْهُ خِفَّةً فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ) ؛ أي : أنّه أصبح يومَ الاثنين خفيفَ المَرَض . ( فَتَفَرَّقَ عَنْهُ الرِّجَالُ إِلَى مَنَازِلِهِمْ وَحَوَائِجِهِمْ؛ مُسْتَبَشِرِيْنَ ) بظهور علامة الشّفاء . وقال له أبو بكر : أراكَ يا رسول الله قد أصبحتَ بنعمةٍ من الله وفضلٍ كما نحبُّ، واليومَ يومُ ابنة خارجة. أَفَآَتيها؟! قال: ((نَعَمْ)) ، فذهب . ( وَأَخْلَوْا رَسُوْلَ اللهِوَِّ بِالنِّسَاءِ، فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ، لَمْ نَكُنْ عَلَى مِثْلِ حَالِنَا فِي الرَّجَاءِ وَالفَرَحِ قَبْلَ ذَلِكَ)؛ إذ (قَالَ رَسُوْلُ اللهِ) للنّساء (: ((أُخْرُجْنَ عَنِّيْ، هَذَا المَلَكُ ) ؛ أَي : ملَكُ الموت ( يَسْتَأْذِنُ عَلَيَّ)) ) ؛ أي : يطلبُ الإِذن بالدّخول عليَّ . ( فَخَرَجَ مَنْ فِي البَيْتِ ) من النِّسوة ( غَيْرِيْ، وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِيْ ، فَجَلَسَ ) مستعدّاً للقاء الملَكِ، (وَتَتَخَّيْتُ فِي جَانِبِ البَيْتِ ) ؛ أي : صِرْتُ في ناحيةٍ منه ، ( فَنَاجَى المَلَكَ طَوِيْلاً، ثُمَّ إِنَّهُ دَعَانِي؛ فَأَعَادَ رَأْسَهُ فِي حَجْرِيْ ، وَقَالَ لِلنِّسْوَةِ : ((ادْخُلْنَ)). فَقُلْتُ: ) يا رسول الله؛ ( مَا هَذَا بِحِسِّ جِبْرِيْلَ عَلَيْهِ السَّلامُ؟ . ٢٧٠ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَجَلْ يَا عَائِشَةُ؛ هَذَا مَلَكُ اَلْمَوْتِ، جَاءَتِي فَقَالَ: إِنَّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَرْسَلَنِي، وَأَمَرَنِي أَنْ لاَ أَدْخُلَ عَلَيْكَ إِلاَّ بِإِذْنٍ ، فَإِنْ لَمْ تَأْذَنْ لِْ .. أَرْجِعْ، وَإِنْ أَذِنْتَ لِيْ .. دَخَلْتُ ، وَأَمَرَنِي أَنْ لاَ أَقْبِضَكَ حَتَّى تَأْمُرَنِي، فَمَاذَا أَمْرُكَ ؟ فَقُلْتُ : ((أُكْفُفْ عَنِّي، حَتَّى يَأْتِيَتِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَهَذِهِ سَاعَةُ جِبْرِيلَ)). قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِىَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: فَأَسْتَقْبَلَنَا بِأَمْرِ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِنْدَنَا جَوَابٌ ؛ وَلاَ رَأْيٌ، فَوُجِمْنَا وَكَأَنَّمَا ضُرِبْنَا بِصَائَّةٍ - أَيْ : بِصَيْحَةٍ - مَا نُحِيرُ إِلَيْهِ شَيْئاً، وَمَا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ ؛ إِعْظَاماً لِذَلِكَ الأَمْرِ ، وَهَيْبَةً مَلَأَتْ أَجْوَافَنَا . فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ: (( أَجَلْ يَا عَائِشَةُ؛ هَذَا مَلَكُ المَوْتِ ، جَاءَنِيْ ، فَقَالَ : إِنَّ الله عزَّ وجَلَّ أَرْسَلَنِيْ ) إليك، ( وَأَمَرَنِيْ أَنْ لاَ أَدْخُلَ عَلَيْكَ إِلاَّ بِإِذْنٍ ، فَإِنْ لَمْ تَأْذَنْ لِيَ، أَرْجِعُ، وَإِنْ أَذِنْتَ لِيَ دَخَلْتُ، وَأَمَرَنِيْ أَنْ لاَ أَقِْضَكَ حَتَّى تَأْمُرَنِيْ ، فَمَاذَا أَمْرُكَ)»؟؟ ) زاد في روايةٍ: قال: ((وَتَفْعَلُ ذُلِكَ يَا مَلَكَ أَلْمَوْتِ؟)) قال: نعم، أُمِرتُ أن أُطِيعَك في كلّ ما أمرتَنِي . ( (( فَقُلْتُ : أَكْفُفْ عَنِّيْ حَتَّى يَأْتِيَِّيْ جِبْرِيْلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ، فَهَذِهِ سَاعَةُ جِبْرِيْلَ ». قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهَا: فَاسْتَقْبَلَنَا بِأَمْرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِنْدَنَا جَوَابٌ ؛ وَلاَ رَأْيٌّ، فَوُجِمْنَا)؛ أي: اندَهشْنَا (وَكَأَنَّمَا ضُرِبْنَا بِصَاخَّةٍ ) - بتشديد الخاء المعجَمة -: وهي المُصيبة الشّديدة، وقال المصنّ : ( أَيْ: بِصَيْحَةٍ ، مَا نُحِيْرُ إِلَيْهِ شَيْئاً)؛ أي : ما نُرجِع، ( وَمَا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ البَيْتِ ؛ إِعْظَاماً لِذَلِكَ الأَمْرِ، وَهَيْبَةً مَلأَتْ أَجْوَافَنَا . ٢٧١ قَالَتْ: وَجَاءَ جِبْرِيلُ فِي سَاعَتِهِ فَسَلَّمَ، فَعَرَفْتُ حِسَّهُ، وَخَرَجَ أَهْلُ الْبَيْتِ ، فَدَخَلَ فَقَالَ: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلاَمَ ، وَيَقُولُ : كَيْفَ تَجِدُكَ ؟ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالَّذِي تَجِدُ مِنْكَ، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يَزِيدَكَ كَرَامَةً وَشَرَفاً ، وَأَنْ يُتِمَّ كَرَامَتَكَ وَشَرَفَكَ عَلَى الْخَلْقِ ، وَأَنْ تَكُونَ سُنّةً فِي أُمَنِكَ، فَقَالَ: ((أَجِدُنِي وَجِعاً)). فَقَالَ: أَبْشِرْ، فَإِنَّ اللّهَ تَعَالَىْ أَرَادَ أَنْ يُبَلِّغَكَ مَا أَعَدَّ لَكَ، فَقَالَ: (( يَاحِبْرِيلُ؛ إِنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ أَسْتَأْذَنَ عَلَيَّ .. )) وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ . فَقَالَ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ؛ إِنَّ رَبَّكَ إِلَيْكَ مُشْتَاقٌ، أَلَمْ يُعْلِمْكَ الَّذِي يُرِيدُ بِكَ؟! لاَ وَاُللهِ قَالَتْ ) ؛ أي عائشة (: وَجَاءَ جِبْرِيْلُ) عليه السّلام ( فِي سَاعَتِهِ ، فَسَلَّمَ ؛ فَعَرَفْتُ حِسَّهُ ، وَخَرَجَ أَهْلُ البَيْتِ ، فَدَخَلَ ؛ فَقَالَ : إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلاَمَ ؛ وَيَقُوْلُ : كَيَّفَ تَجِدُكَ ) ؛ أي : تجِدُ نفْسكَ في هذا الوقت - ( وَهُوَ أَعْلَمُ بِالَّذِي تَجِدُ مِنْكَ - وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يَزِيْدَكَ كَرَامَةٌ وَشَرَفاً ، وَأَنْ يُتِمَّ كَرَامَتَكَ وَشَرَفَكَ عَلَىُ الخَلْقِ ) ؛ تخصيصاً لك، ( وَأَنْ تَكُوْنَ سُنَّةٌ فِي أُمَّتِكَ ) ؛ أي : إذا دَخَلوا على المريض فيقولون كذلك . ( فَقَالَ : «أَجِدُنِيْ وَجِعاً))) - بكسر الجيم - أي : مريضاً متألِّماً . ( فَقَالَ : أَبْشِرْ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَىْ أَرَادَ أَنْ يُبَلِّغَكَ مَا أَعَدَّ لَكَ ) من الكرامة . ( فَقَالَ: ((يَا جِبْرِيْلُ: إِنَّ مَلَكَ المَوْتِ اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ)) ... وأَخْبَرَهُ الخَبَرَ. فَقَالَ جِبْرِيْلُ: يَا مُحَمَّدُ ؛ إِنَّ رَبَّكَ إِلَيْكَ مُشْتَاقٌ ) . قال البَيَهَقي : معنى اشتياق الله إليه إرادةُ لقائه ، بأنْ يَرُدَّه من دنياه إلى معادِهِ ؛ زيادةً في قُربه وكرامتِهِ ، وذلك لاستحالةِ المعنى الحقيقيّ الّذي هو نُزُوعُ النّفْس إلى الشّيء في حقّه تعالى . ( أَلَمْ يُعْلِمْكَ ) ؛ أي: ملَك الموت بالأمر ( الَّذِيْ يُرِيْدُ بِكَ !! لاَ وَاللهِ ؛ ٢٧٢ مَا أَسْتَأْذَنَ مَلَكُ الْمَوْتِ عَلَىْ أَحَدٍ قَطُ وَلاَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ أَبَداً ، أَلاَ إِنَّ رَبَّكَ مُتِمٌّ شَرَفَكَ ، وَهُوَ إِلَيْكَ مُشْتَاقٌ . قَالَ: ((فَلاَ تَبْرَحْ إِذاً حَتَّى يَجِيءَ)). وَأَذِنَ لِلِنِّسَاءِ، فَقَالَ: ((يَا فَاطِمَةُ؛ أَدْنِي))، فَأَكَبَّتْ عَلَيْهِ ، فَنَجَاهَا، فَرَفَعَتْ رَأْسَهَا وَعَيْنَاهَا تَدْمَعُ ؛ وَمَا تُطِيقُ الْكَلاَمَ، ثُمَّ قَالَ : (( أَذْنِي مِنِّي رَأْسَكِ)) ، فَأَكَبَّتْ عَلَيْهِ ، فَنَجَاهَا ، فَرَفَعَتْ رَأْسَهَا ؛ وَهِيَ تَضْحَكُ وَمَا تُطِيقُ اَلْكَلاَمَ، وَكَانَ الَّذِي رَأَيْنَا مِنْهَا عَجَباً، فَسَأَلْتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ. ما أَسْتَأْذَنَ مَلَكُ المَوْتِ عَلَىْ أَحَدٍ ) قبلك (قَطُّ ) ؛ أي : فيما مضى، ( وَلاَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ ) ؛ أي : على أحدٍ بعدَك ( أَبَداً ) ، فهو تخصيصٌ لك على الجميع . ( أَلَ إِنَّ رَبَّكَ مُتِمِّ شَرَفَكَ، وَهُوَ إِلَيْكَ مُشْتَاقٌ . قَالَ) ؛ أي النّبيّ پۇ لجبريل (: ((فَلاَ تَبْرَحْ إِذاً) - أي : امُثْ عندي - ( حَتَّى يَجِيْءَ )))؛ أي: مَلك الموت (وَأَذِنَ) وَِّ (لِلنِّسَاءِ) فدخَلْنَ، وفيهنّ ابنته فاطمةُ رضي الله تعالى عنها . ( فَقَالَ: ((يَا فَاطِمَةُ؛ أَدْنِيْ))، أي: اقرُبي منّي ( فَأَكَبَّتْ عَلَيْهِ ) لازم ، وثلاثِيُّهُ كَبّ : متعدٍّ ، عكس المشهور من قواعد التصريف ؛ فهو من النّوادر . ( فَنَاجَاهَا ) أي سارّها بشيءٍ، ( فَرَفَعَتْ رَأْسَهَا وَعَيْنَاهَا تَذْرِفَانٍ ) ؛ أي : تَسيلان دُموعاً، (وَمَا تُطِيْقُ الكَلَاَمَ) من شدَّة الحُزْن . ( ثُمَّ قَالَ) لها (: ((أَذْنِيْ مِنِّيْ رَأْسَكِ))، فَأَكَبَّتْ عَلَيْهِ فَنَاجَاهَا، فَرَفَعَتْ رَأْسَهَا؛ وَهِيَ تَضْحَكُ وَمَا تُطِيْقُ الكَلاَمَ، وَكَانَ الَّذِي رَأَيْنَا مِنْهَا عَجَباً ) من البكاء والضّحِك في ساعةٍ واحدةٍ، ( فَسَأَلْتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ)؛ أي: بعد وفاته وَله . ٢٧٣ فَقَالَتْ: أَخْبَرَنِي، وَقَالَ: ((إِنِّي مَيِّتْ أَلْيَوْمَ)) ، فَبَكَيْتُ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنِّي دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُلْحِقَكِ بِيَ فِي أَوَّلِ أَهْلِي ، وَأَنْ يَجْعَلَكِ مَعِيْ )) فَضَحِكْتُ . وَأَدْنَتِ أَبْنَيَّهَا مِنْهُ فَشَمَّهُمَا . ( فَقَالَتْ: أَخْبَرَنِيْ ) أوَّلاً؛ ( وَقَالَ: ((إِنِّيْ مَيِّتُ اليَوْمَ )) ، فَبَكَيْتُ ) حزناً على فراقه ( ثُمَّ قَالَ ) ثانياً (: ((إِنِّي دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُلْحِقَكِ بِيَ فِيْ أَوَّلِ أَهْلِي، وَأَنْ يَجْعَلَكِ مَعِيَ )) فَضَحِكْتُ) ؛ فرحاً للحوقي به، ( وَأَدْنَتْ ) ؛ أي : قرّبت ( أَبْنَتَهَا ) أمّ كُلثوم ( مِنْهُ) وَِّ ﴿فَشَمَّهَا ) وبرّك عليها . وفي البخاري ، ومسلم ، والنَّسائي ؛ من طريق عروة ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: دعا النّبيُّ وَلِّ فاطمة في شكواه الّتي قُبِضَ فيها، فسارّها بشيءٍ فبكَتْ ، ثمّ دعاها فسارّها بشيءٍ فضحِكَتْ ! فسألناها عن ذلك ؟ فقالت : سَارّني النّبيُّ وَِّ أنّه يُقْبِض في وَجهه الّذِي تُؤُفّي فيه . فبكيتْ، ثمّ سارّني؛ فأخبرني أنّي أَوّلُ أهله يتْبَعُه ، فضحِكتُ . وفي رواية ((الصَّحيحين)) والنَّسائي ؛ عن مسروق ؛ عن عائشة، قالت : أقبلتْ فاطمةُ تمشي، كأنَّ مشيتها مشيةُ النّبِيِّهَ؛ فقال لها: ((مَرْحَباً بِأَبْنَتَي )) ثمّ أجلَسها عن يمينه ؛ أو عن شِماله ، ثمّ أَسرّ إليها حديثاً فبكتْ ، فقلت لها : لِمَ تبكين !؟ ثمّ أَسَرّ إليها حديثاً فضحِكَتْ ، فقلت : ما رأيت كاليوم فَرَحاً أقربَ من حُزنٍ !! فسألتُها عمّا قال؟ فقالت: ما كنتُ لأَفْشي سِرَّ رسول الله وَلِّ، حتّى قُبِضَ ، فسألتُها؟ فقالت: أَسرَّ إليّ ((إِنَّ جِبْرِيْلَ كَانَ يُعارِضُنِي القُرْآنَ، كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي أَلْآنَ مَرَّتَيْنِ ، وَلاَ أُرَاهُ إِلَّ حَضَرَ أَجَلِي ، وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لَحَاقاً بِي)). فبكَيْت. فقال: ((أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ؟ أَوْ نِسَاءِ المُؤْمِنِيْنَ ؟ )) . فضحِكتُ لذلك . اتّفقت الرّوايتان على أنّ الّذي سارّها به أوّلاً فبكت، هو إعلامُه إيّاها ؛ بأنّه يموت من مرضه ذلك ؛ كما في المَثْن . ٢٧٤ واختلَفَتْ فيما سارَّها به فضحِكَت ؟ ففي روايةٍ عروة : أنّه إخبارُه إيّاها بأنّها أوّل أهله لُحوقاً به ، وهي موافقةٌ لما في المَتْن ، وفي روايةٍ مسروق : أنّه إخبارُه إيّاها أنّها سَيِّدةُ نِساءِ أهل الجنّة، وجُعِلَ كونُه أوّلَ أهله لَحَاقاً به مضموماً إلى الأَوَّل ، وهو إخبارُه بأنّه مَيّتٌ من وَجَعِه . وحديث مسروق هو الرَّاجح ، فإنّه يشتَمِل على زياداتٍ ليستْ في حديث عروة . ومسروق من الثّقات الضَّابطين ، وزيادتُه مقبولةٌ . وفي روايةٍ عروة الجَزْمُ أنّه ميِّت من وَجَعِه ذلك ، وهي تُوافِق ما في المصنف ، بخلاف رواية مسروق ، ففيها أنّه ظنّ ذلك ؛ بطريق الاستنباط ممّا ذكرَه من معارضته القُرآن مرّتين . ويَحتمل تعدُّد القصّة ؛ جمعاً بين رِوايَتَي مسروق وعروة . وقد يقال : لا منافاةَ بين الخَبَرِين ؛ إلّ بالزّيادة. ولا يَمتَنِعُ أن يكون إخبارُه بكونِها أوَّلَ أهله لُحُوقاً به سبباً لبكائها وضحِكها معاً ؛ باعتبارَين : فباعتبار أَسفِها على بقائها بعده مُدَّةً بكَت ؛ وهو ما رواه مسروقٌ ، وباعتبار سُرعة لَحَاقها به ضحِكت ؛ وهو ما رواه عروة ، فذكر كلٌّ من الرّاويَين ما لم يذكُرْه الآخر ، وهذا الجمع أَوْلى من احتمال التّعدد ؛ لأنّ الأَصلَ عدمُه . وقد روى النَّسائي ؛ من طريق أبي سلمة بن عبد الرّحمن ؛ عن عائشة في سبب البُكاء : أنّه مَيِّتٌ، وفي سبب الضَّحِك : الأَمرَين الأخيرين : أنها أوَّل أهْله لحاقاً به ، وأنّها سيّدةُ نساء أهل الجنة ، وهذا يؤيّد الجمع الثّاني . وفي الحديث إخباره وَّه بما سيقع ؛ فوقع كما قال ، فإنّهم اتّفقوا على أنّ فاطمة أَوَّلُ مَن مات من أهل بيت النّبيّ وَّهِ بعدَه بستَّة أشهر - على الصّحيح - حتّى من أزواجه عليه الصّلاة والسّلام. انتهى من ((المواهب اللدنية)) للعلاّمة القُسْطُلأَّني رحمه الله تعالى . ٢٧٥ قَالَتْ: وَجَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ ، وَأَسْتَأْذَنَ؛ فَأَذِنَ لَهُ ، فَقَالَ أَلْمَلَكُ : مَا تَأْمُرْنَا يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: ((أَلْحِقْنِي بِرَبِّيَ الآنَ))، فَقَالَ: بَلَى ؛ مِنْ يَوْمِكَ هَذَا، أَمَا إِنَّ رَبَّكَ إِلَيْكَ مُشْتَاقٌ، وَلَمْ يَتَرَدَّدْ عَنْ أَحَدٍ تَرَذُّدَهُ عَنْكَ ، وَلَمْ يَنْهَنِي عَنِ الدُّخُولِ عَلَى أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنٍ غَيْرَكَ ، وَلَاكِنَّ سَاعَتَكَ أَمَامَكَ . وَخَرَجَ . قَالَتْ: وَجَاءَ جِبْرِيلُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ ؛ هَذَا آخِرُ مَا أَنْزِلُ فِيهِ إِلَى الأَرْضِ أَبَداً ، ◌ُوِيَ الْوَحْيُ وَطُوِيَتِ الدُّنْيَا ، وَمَا كَانَ لِي فِي الأَرْضِ حَاجَةٌ غَيْرَكَ ، وَمَا لِيَ فِيهَا حَاجَةٌ إِلَّ حُضُورَكَ ، ثُمَّ لُزُومَ مَوْقِفِي . ( قَالَتْ: وَجَاءَ مَلَكُ المَوْتِ ، وَأَسْتَأْذَنَ ؛ فَأَذِنَ لَهُ ) فدخل ؛ ( فَقَالَ : ) السّلام عليك أيّها النّبيّ، ورحمةُ الله وبركاته ؛ إنّ رَبّك يُقرِئُك السّلام ، ثمّ قال ( المَلَكُ: مَا تَأْمُرُّنَا يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: ((أَلْحِقْنِيْ بِرَبِّيَ الآنَ)). فَقَالَ : بَلَى ؛ مِنْ يَوْمِكَ هَذَا، أَمَا إِنَّ رَبَّكَ إِلَيْكَ مُشْتَاقٌ، وَلَمْ يَتَرَدَّدْ عَنْ أَحَدٍ تَرَدُّدَهُ عَنْكَ ، وَلَمْ يَنْهَنِيْ عَنِ الدُّخُوْلِ عَلَىْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنٍ غَيْرَكَ ، وَلَكِنَّ سَاعَتَكَ أَمَامَكَ. وَخَرَجَ، قَالَتْ: وَجَاءَ جِبْرِيْلُ؛ فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُوْلَ اللهِ؛ هَذَا آخِرُ مَا أَنْزِلُ فِيْهِ إِلَى الأَرْضِ ) ؛ أي : بالوحي ( أَبَداً ، طُوِيَ الوَحْيُّ وَطُوِيَتْ الدُّنْيَا، وَمَا كَانَ لِيَ فِي الأَرْضِ حَاجَةٌ غَيْرَكَ ، وَمَا لِيَ فِيهَا حَاجَةٌ إِلَّ حُضُوْرَكَ ) ؛ أي : الحضور عندك بالوحي ( ثُمَّ لُزُومَ مَوْقِيْ ) فالمنفيُّ نزولُه بالوحي المتجدِّد ، فلا يُنافي ما وَرَد في أحاديث : أنّه ينزِلُ ليلةً القَدْر ، ويَحضُر قتالَ المسلمين مع الكفَّار ، ويحضُر من مات على طهارةٍ من المسلمين ، ويأتي مكَّة والمدينةَ بعد خروج الدّجال ؛ ليمنَعَه من دخولها ، وفي زَمَن عيسى عليه السّلام ؛ لا بشرعٍ جديدٍ ، وتفصيل ذلك يطول . ٢٧٦ لاَ وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً بِأَلْحَقِّ؛ مَا فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحِيرَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ كَلِمَةً ، وَلاَ يَبْعَثُ إِلَى أَحَدٍ مِنْ رِجَالِهِ لِعُظْمِ مَا يَسْمَعُ مِنْ حَدِيثِهِ ، وَوَجْدِنَا وَإِشْفَاقِنَاَ . قَالَتْ: فَقُمْتُ إِلَى النَّيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتَّى أَضَعَ رَأْسَهُ بَيْنَ ثَدَْيَّ، وَأَمْسَكْتُ بِصَدْرِهِ ، وَجَعَلَ يُغْمَى عَلَيْهِ حَتَّى يُغْلَبَ، وَجَبْهَتُهُ تَرْشَحُ رَشْحاً مَا رَأَيْتُهُ مِنْ إِنْسَانٍ قَطُ، فَجَعَلْتُ أَسْلُتُ ذَلِكَ الْعَرَقَ ، وَمَا وَجَدْتُ رَائِحَةَ شَيْءٍ أَطْيَبَ مِنْهُ ، فَكُنْتُ أَقُولُ لَهُ إِذَا أَفَاقَ : بأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ، وَنَفْسِي وَأَهْلِي ؛ مَا تَلْقَىْ جَبْهَتُكَ مِنَ الرَّشْحِ؟ ( لاَ وَالَّذِيْ بَعَثَ مُحَمَّداً) وَّهِ ( بالْحَقِّ؛ مَا فِي البَيْتِ أَحَدٌ يَسْتَطِيْعُ أَنْ يُحِيْرَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ كَلِمَةً) ؛ أي : يعيدها، ( وَلاَ يَبْعَثُ إِلَى أَحَدٍ مِنْ رِجَالِهِ؛ لِعُظْمٍ مَا يَسْمَعُ مِنْ حَدِيْثِهِ ، وَ) لـ ( وَجْدِنَا )؛ أي : حزننا، ( وَإِشْفَاقِنَا ) : خوفنا . ( قَالَتْ )؛ أي: عائشة (: فَقُمْتُ إِلَى النَّبِّوَّهِ حَتَّى أَضَعَ رَأْسَهُ بَيْنَ ثَذْيَيَّ ، وَأَمْسَكْتُ بِصَدْرِهِ، وَجَعَلَ يُغْمَىْ عَلَيْهِ )؛ أي : يعتريه الغَشَيان ( حَتَّى يُغْلَبَ ) ؛ لشدَّة ما يحصل له من فتور الأعضاء عن تمام الحركة . وفيه جواز الإغماء على الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ! قال ابن حجر في ((شَرْح الشَّمائِل)): لكن قيّده الشَّيخ أبو حامد - من أئِمَّتنا - بغير الطّويل، وجزَم به البلقيني . قال الشُّبكيّ: ليس كإغماء غيرهم!؟ لأنَّه إنّما يَستُرُ حواسَّهمُ الظّاهرةَ؛ دون قلوبهم ، لأنّها إذا عُصِمَتِ من النّومِ الأَخفِّ؛ فالإغماءُ أَوْلى !! وقد تقدم الكلام على ذلك . (وَجَبْهَتُهُ تَرْشَحُ رَشْحاً مَا رَأَيْتُهُ مِنْ إِنْسَانٍ قَطُّ، فَجَعَلْتُ أَسْلُتُ ذَلِكَ العَرَقَ ) ؛ أي : أُزيلُه وأَمسحُه . ( وَمَا وَجَدْتُ رَائِحَةَ شَيْءٍ أَطْيَبَ مِنْهُ، فَكُنْتُ أَقُوْلُ لَهُ إِذَا أَفَاقَ ) من غَشْيَتَه (: بِأَبِيْ أَنْتَ وَأُمَّيْ ؛ وَنَفْسِيْ وَأَهْلِيْ ، مَا تَلْقَى جَبْهَتُكَ مِنَ الرَّشْحِ!؟. ٢٧٧ فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ؛ إِنَّ نَفْسَ الْمُؤْمِنِ تَخْرُجُ بِالرَّشْحِ، وَنَفْسَ اَلْكَافِرِ تَخْرُجُ مِنْ شِدْقَيْهِ كَنَفْسِ الْحِمَارِ » . فَعِنْدَ ذَلِكَ أَرْتَعْنَا، وَبَعَثْنَا إِلَى أَهْلِنَا، فَكَانَ أَوَّلَ رَجُلٍ جَاءَنَاَ - وَلَمْ يَشْهَدْهُ - أَخِي، بَعَثَهُ إِلَيَّ أَبِي، فَمَاتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا صَدَّهُمُ اللهُ عَنْهُ؛ لأَنَّهُ وَلَّهُ حِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، وَجَعَلَ إِذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ . . قَالَ: فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ؛ إِنَّ نَفْسَ المُؤْمِنِ ) أي: روحه (تَخْرُجُ بِالرَّشْحِ، وَنَفْسَ الكَافِرِ تَخْرُجُ مِنْ شِذْقِهِ ؛ كَنَفْسِ الحِمَارِ ))) . فالرّشْح من علامات الخير؛ روى الطََّراني في ((الكبير))، ومن طريقه أَبو نُعيم في ((الحِلية))؛ من حديث ابن مسعود: ((نَفْسُ المُؤْمِنِ تَخْرُجُ رَشْحاً، وَإِنَّ نَفْسَ اُلْكَافِرِ تَسِيْلُ، كَمَا تَسِيْلُ نَفْسُ الحِمَارِ ». ورواه في ((الأوسط)» بلفظ: «نَفْسُ المُؤْمِنٍ ، تَخْرُجُ رَشْحاً ، وَلاَ أُحِبُّ مَوْتاً كَمَوْتِ الْحِمَارِ ؛ مَوْتِ الفُجَاءَةِ ، وَرُوحُ اُلْكَافِرِ تَخْرُجُ مِنْ أَشْدَاقِهِ » . وفي روايةٍ له قيل له : وما موت الحمار؟ قال: (( رُوحُ اَلْكَافِرِ تَخْرُجُ مِنْ أَشْدَاقِهِ » . وروى التِّرْمِذِيّ، وابن ماجه، والحاكم وصحّحه، والبَيْهَقي في (( الشُّعَب))؛ من حديث أبي هريرة : ((المُؤْ مِنُ يَمُوْتُ بِعَرَقِ الجَبِيْنِ )) . ( فَعِنْدَ ذَلِكَ أَرْتَعْنَا) ؛ أي : خِفنا ( وَبَعَثْنَا إِلَى أَهْلِنَا؛ فَكَانَ أَوَّلَ رَجُلٍ جَاءَنَا ؛ - وَلَمْ يَشْهَذْهُ - أَخِيْ ) عبدُ الرّحمن بن أبي بكر ( بَعَثَهُ إِلَيَّ أَبِيْ ) لينظر الحالَ . ﴿ فَمَاتَ رَسُوْلُ اللهِ وَِّ قَبْلَ أَنْ يَجِيْءَ أَحَدٌ) من أهلي، ( وَإِنَّمَا صَدَّهُمُ اللهُ عَنْهُ، لأَنَّهُ وَلَهُ جِبْرِيْلَ وَمِيْكَائِيْلَ) عليهما السّلام، ( وَجَعَلَ) ◌َِّ (إِذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ ؛ قَالَ : ٢٧٨ ((بَلِ الرَّفِيقَ الأَعْلَى))، كَأَنَّ الْخِيَرَةَ تُعَادُ عَلَيْهِ، فَإِذَا أَطَاقَ اَلْكَلاَمَ .. قَالَ: ((الصَّلاَةَ .. الصَّلاَةَ؛ إِنَّكُمْ لاَ تَزَالُونَ مُتَمَاسِكِينَ مَا صَلَّيْتُمْ جَمِيعاً، الصَّلاَةَ .. الصَّلاَةَ))، كَانَ يُوصِي بِهَا حَتَّى مَاتَ؛ وَهُوَ يَقُولُ: ((الصَّلاَةَ .. الصَّلاَةَ)). قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا : . ((بَلِ الرَّفِيْقَ الأَعْلَىْ))، كَأَنَّ الخِيَرَةَ) بين البقاء في الدُّنيا والارتِحال إلى الآخرة ( ثُعَادُ علَّيْهِ ) مرةً بعد أُخرى . قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: كان رسولُ اللهِوَ ل﴿ وهو صحيحٌ يقول: ((إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ حَتَّى يَرَى مَفْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، ثُمَّ يُحْيا أَوْ يُخَيَّرِ، فَلَمَّا أَشْتَكَى، وَحَضَرَهُ الْقَبْضُ ؛ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي، غُشِيَ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا أَفَاقَ؛ شَخَصَ بَصَرَهُ نَحْوَ سَقْفٍ البيت، ثمّ قال: ((اللَّهُمَّ الرَّفِيْقَ الأَعْلَى)). فقلتُ: إذاً لا يختارُنا، فعَرفتُ أَنّه حديثُه الذي كان يُحدِّثنا وهو صحيحٌ . رواه ((البخاري)). وفي روايةٍ له: ((لاَ يَمُوتُ نَبِيٌّ حَتَّى يُخَيَّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ». ( فَإِذَاَ أَطَاقَ الكَلاَمَ؛ قَالَ: ((الصَّلاَةَ الصَّلاَةَ) - أي: الزَمُوها - ( إِنَّكُمْ لا تَزَالُوْنَ مُتَمَاسِكِيْنَ مَا صَلَيْتُمْ جَمِيْعاً) ؛ أي: مع الجماعة (الصَّلاَةَ الصَّلاَةَ » كَانَ يُؤْصِيْ بِهَا حَتَّى مَاتَ؛ وَهُوَ يَقُولَ: ((الصَّلاَةَ الصَّلاَةَ )) ). رُوِيَ ذلك من حديث أنس؛ أنّه ◌ِّهِ قال: ((الصَّلاَةَ .. وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، الصَّلاَةَ .. وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)). رواه أحمد، وعبدُ بن حميد، والنَّسائي، وابن ماجه ، وابن سَعْدٍ ، وأبو يَعلى، وابن حِبّان ، والطَّبَرَانيُّ ، والضُّياء . ورواه ابن سعدٍ أيضاً والطََّرانيّ ؛ من حديث أمّ سلَمة ، ورواه الطَّبَراني أيضاً ؛ من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم أجمعين . ( قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا) - كما في (( الإحياء)) -: ٢٧٩ مَاتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَرْتِفَاعِ الضُّحَى، وَأَنْتِصَافِ النَّهَارِ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ . قَالَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا : مَا لَقِيتُ مِنْ يَوْمِ الإِثْنَيْنِ ، وَاَللهِ لاَ تَزَالُ الأُمَّةُ تُصَابُ فِيهِ بِعَظِيمَةٍ . وَقَالَتْ أُمُ كُلْثُومٍ ( مَاتَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ بَيْنَ أَرْتِفَاعِ الضُّحَى، وَأَنْتِصَافِ النَّهَارِ يَوْمَ الاثنيْنِ ). قال العراقي : رواه ابنُ عبد البَرِّ . انتهى . وجزَم موسى بن عقبة؛ عن الزّهري بأنّه ◌َلِّ مات حينَ زَاغَتِ الشَّمس، وكذا لأبي الأسود ؛ عن عروة . وروى ابن سعد ؛ من طريق ابن أبي مُلَيكة ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها : أنّ دخولَ النّبيّ وَِّ في بيتها كان يومَ الاثنين ، وموتَه يومَ الاثنين))؛ قاله في ((شرح الإِحياء)). (قَالَتْ فَاطِمَةٌ) الزّهراءُ (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا) - كما في ((الإِحياء)) -: ( مَا لَقِيْتُ مِنْ يَوْمِ الاثْنَيْنِ! وَاللهِ؛ لاَتَزَالُ الأُمَّةُ تُصَابُ فِيْهِ بِعَظِيْمَةٍ ) !! أي : بمصيبةٍ شديدةٍ . ( وَ) في ((الإِحياء)) للغزالي أيضاً: ( قَالَتْ أُمُّ كُلُْوْم ) ابنةُ عليّ بن أبي طالب، وأمّها فاطمةُ الزَّهراء رضي الله تعالى عنهم . وُلِدَتْ في عهد النّبِيّ وََّ. قال أبو عمر ابن عبد البَرّ: وُلِدَتْ قبلَ وَفاة النّبِيّ ◌َّهِ. وروى ابن أبي عمر المدنيّ في ((مُسنَدَه)) قال: حدّثني سفيانُ؛ عن عمر ؛ عن محمّد بن عليٍّ : أنّ عمر خطَب من عليٍّ بنتَه أمَّ كُلثوم !! فذكر له صِغَرَها، فقيل له : إنّه ردَّك؛ فعاوَده !! فقالَ له عليّ: أَبَعَثُ بها إِليك ، فإن رَضيتَ ؛ فهي امرأتُك فأرسلَ بها إليه فكشَفَ عن ساقها ، فقالت: مَة !! لولا أَنّك أميرُ المؤمنين لَطَمتُ عينَك !!. ٢٨٠