Indexed OCR Text
Pages 221-240
وَعَنْ سَالِمٍ بْنِ عُبَيْدٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ - قَالَ : أُغْمِيَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ ، الثلاثاء ، والأَوّل عليه الأكثر . وأما غسله وتكفينه، ففُعِلت يومَ الثلاثاء؛ كما في (( المواهب)). وإنّما أُخِّرَ دِفْتُهُ وَّهِ مع أنّه يُسَنّ تعجيلُه !! لعدم اتّفاقهم على دفنه، ومحلِّ دفنه ، ولدهشتهم من ذلك الأمر الهائِل ، الّذي لم يقع قبلَه ولا بعدَه مثلُه . وذلك لأنّه لمّا وقعت هذه المصيبة العُظمىُ والبَليّة الكُبرى ؛ وقع الاضطرابُ بين الأصحاب ، كأنّهم أجساد بلا أرواح !! وأجسام بلا عقول !! حتّى إنّ منهم من صار عاجزاً عن النُّطْق ! ومنهم من صار ضعيفاً نحيفاً ! وبعضهم صار مَدهوشاً! وشكّ بعضُهم في موته ، وكان محلّ الخوف من هجوم الكفّار ، وتَوَهُّمٍ وقوع المخالفة في أمر الخلافة بين الأبرار ، فاشتغلوا بالأمر الأهمّ ؛ وهو البيعة لما يترتَّب على تأخيرها من الفِتنة ، وليكون لهم إمام يَرجِعون إليه فيما ظهر لهم من القضيّة ؛ فنظروا في الأمر، فبايعوا أبا بكر ، ثمّ بايعوه من الغد بَيَعةً أُخرى، وكَشَف اللهُ به الكُربة ، من أهل الرّة، ثمّ رجَعوا إلى النّبيّ نَّ فِغَسَّلوه، وصلَّوا عليه ودفنوه ، بملاحظة رأي الصِّدِّيق رضي الله تعالى عنه. والله وُلِيُّ الَّوفيق؛ قاله في (( جمع الوسائل)). ( وَ) أخرج التِّرْمِذِيُّ في ((الشّمائِل))؛ قال: حدّثنا نصر بن علي الجهضمي؛ قال : حدّثنا عبد الله بن داود ؛ قال: حدّثنا سلمة بن نُّيْطٍ ؛ قال : أخبِرْنَا عن نعيم بن أبي هند عن نُّيْط بن شَرِيْط ؛ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ ) - بالتّصغير - الأَشْجَعيّ : صحابيّ من أهل الصُّفَّة (رَضِيَ اللهُ تَعَالىُ عَنْهُ) ، خرّج له الأربعة ، ومسلم ، ولذلك قال المصنّفِّ تبعاً لـ ((الشّمائل)): ( وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ؛ قَالَ : أُغْمِيَ ) - بصيغة المجهول - (عَلَى رَسُوْلِ اللهِ ◌َّ﴿ فِي مَرَضِهِ ) لشدّة ما حصل له من الضَّعف ، وفتور الأعضاء ، فالإغماء جائزٌ على الأنبياء ، لأنّه من المرض . ٢٢١ فَأَفَاقَ، فَقَالَ : ((حَضَرَتِ الصَّلاَةُ؟))، فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ : (( مُرُوا بِلاَلاَ فَلْيُؤَذِّنْ، وَمُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ » . قَالَ: ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَأَفَاقَ، فَقَالَ: ((حَضَرَتِ الصَّلاَةُ؟))، فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ: ((مُرُوا بِلاَلاً فَلْيُؤَذِّنْ، وَمُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ » . فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: إِنَّ أَبِي رَجُلٌ أَسِيفٌ - أَيْ : حَزِينٌ - وقيّده الغَزَاليّ بغير الطويل ، وجزَم به البلقيني ، بخلاف الجنون ، فليس جائزاً عليهم ؛ لأنّه نقصٌ ، وليس إغماؤهم كإغماء غيرهم ! لأنّه إنّما يَستُرُ حواسَهم الظّاهرةَ ؛ دون قلوبهم ، لأنّه إذا عُصِمت عن النّوم فعن الإِغماء أولى . ( فَأَفَاقَ) من الإِغماء بأن رجَع إلى الشُّعور؛ (فَقَالَ: ((حَضَرَتِ الصَّلاَةُ؟))) ؛ أي : صلاة العشاء الآخرة ؛ كما ثبت عند البخاري وهو استفهامٌ بحذْف الهمزة ، أي : أَحَضَرَ وقتُها ؟. ( فَقَالُوا : نَعَمْ ) أي : حضرتِ الصّلاة . ( فَقَالَ: ((مُرُوْا بِلاَلاً ) ؛ أي : بلّغوا أمري بِلالاً ( فَلْيُؤَذِّنْ ) - بفتح الهمزة ، وتشديد الذّال ــ من التّأذين، أي: فلْيُنادِ بالصّلاة . ( وَمُرُوْا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ)) ) ؛ إماماً لهم . ( قَالَ: ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَأَفَاقَ، فَقَالَ: ((حَضَرَتِ الصَّلاةُ؟ )) فَقَالُوا: نَعَمْ. فَقَالَ: ((مُرُوْا بِلالاً فَلْيُؤَذِّنْ، وَمُرُوْا أَبَا بَكْرٍ ؛ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ » . فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهَا : إِنَّ أَبِي رَجُلٌ أَسِيْفٌ ) فَعِيْلٌ بمعنىُ فاعِل ؛ من الأسَف ؛ وهو شدَّة الحُزْن ، ( أَيْ حَزِيْنٌ ) ؛ أي : يغلِب عليه الحُزن والبُكاء ، ٢٢٢ إِذَا قَامَ ذَلِكَ الْمَقَامَ .. بَكَى ، فَلاَ يَسْتَطِيعُ، فَلَوْ أَمَرْتَ غَيْرَهُ . قَالَ: ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَأَفَاقَ، فَقَالَ: ((مُرُوا بِلاَلاً فَلْيُؤَذِّنْ ، وَمُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ - أَوْ صَوَاحِبَاتُ - يُوسُفَ))؛ أَيْ: مِثْلُهُنَّ فِي إِظَّهَارِ خِلاَفِ مَا يُبْطِنَّ . ولا يُطيق أن يُشاهد محلّ المُصطفىْ وَلَ خالياً منه، فلا يتمكَّن من الإمامة، والقراءة ، وهذا معنى قولها : ( إِذَا قَامَ ذَلِكَ المَقَامَ) الّذي هو مقام الإمامة (بَكَىْ)؛ حُزْناً عليك ( فَلاَ يَسْتَطِيْعُ) ؛ أي : لا يقدِر على الصّلاة بالنّس، لغلَبة البُكاء عليه ( فَلَوْ أَمَرْتَ غَيْرَهُ؟! ) لكان حَسَناً فجواب ((لو)) محذوف إنْ كانت شرطية ، ويحتمل أنّها للتمنّي فلا جواب لها . ( قَالَ )؛ أي: سالم بن عبيد (: ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَأَفَاقَ، فَقَالَ: ((مُرُوا بِلالاً فَلْيُؤَذِّنْ، وَمُرُوْا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ ) - جمع صاحبة ــ ( أَوْ صَوَاحِبَاتُ ) جمع صواحب ؛ فهو جمع الجمع - ( يُؤْسُفَ ؛ أَيْ : مِثْلُهُنَّ فِيْ إِظْهَارِ خِلافَ مَا يُبْطِنَّ) - بتشديد النون - حتّى يَصِلنَ إلى أَغراضهنّ ، فالخطاب ؛ وإن كان بلفظ الجمع لكنّ المرادَ به واحدة ؛ وهي عائشة ، وكذلك الجمع في قوله ((صَوَاحِبُ)) المرادُ به : امرأةُ العزيز ، فهو من قَبِيل التَّشبيه البليغ . ووجه الشّبَه: أنَّ زليخا استدعتِ النِّسوة ، وأظهرتْ لهُنّ الإكرام بالضّيافة ؛ وأضمرت زيادةً على ذلك ، وهي : أن يَنظُرنَ إلى حُسن يوسفَ عليه الصّلاة والسّلام فيَعذرنَها في حبّه . وعائشة رضي الله تعالى عنها أظهرتْ أنَّ سببَ مَحَبَّتها صرفُ الإمامة عن أبيها ، أنّه رجلٌ أسيف ، وأنه لا يستطيع ذلك ، وأضمرت زيادةً على ذلك هي أن لا يتشاءَم النّاس به . فقد روى البخاريّ عنها: لقد راجَعْتُه، وما حَمَلَني على كثرة المُراجعة إلاّ أنّه لم يقع في قلبي أن يحبّ النّاس رجُلاً قام مقامه أبداً ، وأنّه لن يقوم أحدٌ مَقامه إلاّ تشاءم النّاس به . ٢٢٣ قَالَ: فَأُمِرَ بِلَاَلْ فَذَّنَ ، وَأُمِرَ أَبُو بَكْرٍ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ خِفَّةً فَقَالَ: (( أَنْظُرُوا لِي مَنْ أَّكِىءُ عَلَيْهِ )) ، فَجَاءَتْ بَرِيرَةُ وَرَجُلٌ آخَرُ ؛ قال في ((جمع الوسائل)): وقد يُقال: الخِطاب لعائشة وحفصة ، وجُمِع إِمّا تعظيماً لهما ، أو تغليباً لمن معهما من الحاضرات ؛ أو الحاضرين ، أو بناء على أنّ أقلّ الجمع اثنان . ويعضُدُه أنّ هذا الحديثَ أي ((أُغمِي ... )) إلى آخره روى الشّيخان بعضَه، ومنه قوله : ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ، فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ))، وأنّ عائشة أجابَتْه، وأنّه كرّر ذلك؛ فكرّرَت الجوابَ، وأنّه قال: ((إِنَّكُنَّ صَواحِبُ يوسُفَ ، أو صَواحِباتُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِأَلنَّاسِ » . وفي البخاريّ: ((فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ بِالنّاس)). وأنّها قالت لحفصة: أنّها تقول له ما قالته عائشة، فقال لها: ((مَهْ إِنَّكُنَّ لأَنْتُنّ صَواحِبُ يُوسُفَ ! مُرُوا أَبَا بَكْرٍ . فَلْيُصَلِّ بِأَلنَّاسِ )) . فقالت لها حفصة: ما كنتُ لأُصيبَ منكِ خيراً . انتهى . ( قَالَ )؛ أي سالم بن عبيد ( فَأُمِرَ بِلاَلٌ) - بصيغة المجهول - ( فَأَذَّنَ ، وَأُمِرَ أَبُوْ بَكْرٍ فَصَلَّى بِالنَّاسِ ) تلك الصّلاة ، واستمرّ يُصلّي بهم إلى تمام سبعَ عشرةَ صلاةً ؛ كما نقله الحافظ الدّمياطيّ أُولاها عِشاءُ ليلة الجُمُعَة، وآخرها صبحُ يوم الاثنين الّذي تُوُنِّي فيه رسول الله وَليهِ ؛ كذا قاله الباجوري كالمناوي . ( ثُمَّ إِنَّ رَسُوْلَ اللهِنَّهِ وَجَدَ خِفَّةٌ) من مرضه؛ ( فَقَالَ: ((انْظُرُوا لِي ) ؛ أي أَحضروا لي ( مَنْ أَنَّكِىءُ) ؛ أي: أَعتمد ( عَلَيْهِ)) ) لأَخرج للصّلاة . ( فَجَاءَتْ بَرِيْرَةٌ) - بفتح الموحّدة ، وكسر الرّاء المُهمَلة الأولىُ مكبّراً ؛ وهي : بنت صفوانَ مُولاةٌ عائشة قِبِطيّة ، أو حبشيّة ، لها حديثٌ واحد . (وَرَجُلٌ آخَرُ) جاء في روايةٍ : أنّه نُوبة - بضمِّ النّون ، وسكون الواو - وهو عبد أسود، ووُصِف بآخر !! للإيضاح . وفي رواية الشيخَين : فخرج بين رجلين ؛ ٢٢٤ فَتَّكَأَ عَلَيْهِمَا، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ لِيَنْكِصَ؛ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَنْ يَثْبُتَ مَكَانَهُ حَتَّى قَضَىْ أَبُو بَكْرٍ صَلاَتَهُ . أحدهما العبّاس، ورجلٌ آخر، وفُشِّر بعلي. وفي طريق آخر: ويدُه على الفَضْلِ بن عباس ، ويده علىُ رَجُلٍ آخر . وجاء في غير مسلم : بين رجُلَين ؛ أحدهما أسامة . وفي رواية مسلم : العبّاس وولدُه الفَضْل ، وفي أخرى : العبّاس وأسامة . وجمعوا بين هذه الرّوايات على تقدير ثُبوت جميعها بتعدّد خروجه . وخُصُّوا بذلك ، لأنّهم من خواصّ أهل بيته ؛ كذا في شروح ((الشّمائِل)). ( فَاتَّكَأَ) ؛ أيْ : اعتمد (عَلَيْهِمَا) كما يُعتَمَد على العصا ( فَلَمَّا رَآهُ أَبُوْ بَكْرٍ ذَهَبَ ) ؛ أي : طَفِقِ ( لِيَنْكِصَ ) ؛ أي : ليرجع إلى ورائه القَهْقَرى. يُقال: نَكَصَ على عقبَيَه : رجع. وبابه : دَخَلَ ؛ وجَلَسَ ، فَيَصِحُ قراءة ما هنا بضمِّ الكاف وكسرها ، والأَوْلىُ أن تُضبَط بكسرها ، لأنّه المطابِقُ لما في القرآن ، حيثُ قال تعالى ﴿عَلَ أَعْقَبِكُمْ تَنْكِصُونَ [المؤمنون] بالكسر لا غير . (فَأَوْمَأَ) - بالهمز - على الصّحيح أي: أشار النّبيّ ◌َِّ (إِلَيْهِ) ؛ أي: إلى أبي بكر ( أَنْ يَثْبُتَ مَكَانَهُ) ليبقى على إِمامته ، ولا يتأخّر عن مكانِه فثبت (خَتَّى قَضَىْ أَبُو بَكْرٍ صَلاَتَهُ) أي : أتمّها ، فهو مرتبطٌ بمحذوفٍ كما قدرته . وظاهر ذلك: أنه وَل﴿ اقتدى بأبي بكر، وقد صرّح به بعضُ الرّوايات، لكن الّذي في رواية ((الصَحيحَين)): كان أبو بكر رضي الله عنه يصلِّي قائِماً ورسولُ اللهِ وَّه يُصلّي قاعداً يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله وَّه، والنّاسُ يقتَدون بصلاة أبي بكر رضي الله عنه . والمُراد أنَّ أبا بكر كان رابطةً مبلِّغاً عنه وَّر، فبعد أن أخرجَ نفسه من الإمامة ، صار مأموماً . وهذا يدلُّ لمذهب الشافعيّ ؛ من جواز إخراج الإمام نفسَه من الإمامة ، واقتدائهِ بغيره ؛ فيصير مأموماً بعد أن كان إماماً . ٢٢٥ ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُبِضَ ، فَقَالَ عُمَرُ : وَاللهِ ؛ لاَ أَسْمَعُ أَحَداً يَذْكُرُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُبِضَ إِلَّ ضَرَبْتُهُ بِسَيْفِي هَذَا. قَالَ: وَكَانَ النَّاسُ أُمَِّيِّنَ؛ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ نَبِّ قَبْلَهُ ، ويمكن الجمع بين هاتين الرّوايتَين بتعدُّد الواقعة . انتهى ؛ قاله الباجوري ، ومثلُه في المناوي على ((الشمائِل)). وفيه إشكالٌ لما تقدّم نقله ؛ عن الدّمياطي أن أبا بكر صلَّى بهم تلك الصّلاة ؛ وما بعدها ... إلى تمام سبعَ عشرةَ صلاةٌ . ورواية الشيخين صريحةٌ في أَنّ النّبيّ نَّهِ هو الّذي صلّى بهم تلك الصّلاة ؛ وأبو بكر كان مقتدياً به ، فهي أَولىُ بالاعتماد من غيرها . ( ثُمَّ إِنَّ رَسُوْلَ اللهِنَّهِ قُّبِضَ) أي: مات؛ وأبو بكر الصّدّيق غائِب بالعَالية عند زوجته بنت خارجة، وكان النّبيّ ◌َ﴿ أذِنَ له في الذّهاب. ( فَقَالَ عُمَرُ) وقد سَلّ سيفَه (: وَاللهِ؛ لاَ أَسْمَعُ أَحَداً يَذْكُرُ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَهـ قُبِضَ إِلاَّ ضَرَبْتُهُ بِسَيْفِيْ هَذَا !! ؟))) . والحامل له على ذلك ظُّه عدمَ موتِه ، وأنّ الّذي عَرَضَ عليه غَشْيٌ أو استغراق وتوجّهٌ للذات العلية ، ولذلك كان يقول أيضاً: إنما أرسل إليه و ﴿ كما أُرسل إلى موسىْ وَّهِ فَلَبِثَ عَنْ قومِه أربعين ليلةً، والله ؛ إنّي لأرجو أن يَقطَع أيدي رجالٍ ، وأرجلَهم ، أي : من المنافقين ، أو المرتدّين . ( قَالَ ) سالم (: وَكَانَ النَّاسُ) أي: العرب، بقَرينة السِّياق (أُمَّنِيِّنَ ) ، لقوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِ الْأُمَّيِِّنَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [٢/ الجمعة]. قال جمهور المفَسِّرين: الأُمِّيّ : من لا يُحسِن الكِتابةَ والقراءةَ . أَي : لا يقرؤون ولا يكتبون . هذا هو معنى الأُمَّيِّنَ في الأصل ، والمُراد بهم هنا : مَن لم يحضُر موتَ نَبِيٍّ قبلَه، فقولُه ( لَمْ يَكُنْ فِيْهِمْ نَِيٌّ قَبْلَهُ !! ) تفسيرٌ وبيانٌ للمراد بالأمّبيّن ؛ بأنّهم لم يشاهِدوا موتَ نبيِّ ولا عَرَفوه من كتاب . وسببُ العلم بموته : إمّا دراية كتبِ الأنبياء ، أَو مشاهدةُ موتِه ، وكلاهما مَنْفِيٍّ عن العرب . ٢٢٦ فَأَمْسَكَ النَّاسُ . فَقَالُوا: يَا سَالِمُ؛ اِنْطَلِقْ إِلَى صَاحِبٍ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدْعُهُ ، فَأَتَيَّتُ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ - فَتَيْتُهُ أَبْكِي دَهِشاً؟ فَلَمَّا رَآنِي .. قَالَ لِيْ: أَقْبِضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قُلْتُ: إِنَّ عُمَرَ يَقُولُ: لاَ أَسْمَعُ أَحَداً يَذْكُرُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُبِضَ .. إِلَّ ضَرَبْتُهُ بِسَيْفِي هَذَا، فَقَالَ لِي : ◌ِنْطَلِقْ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَجَاءَ هُوَ وَالنَّاسُ قَدْ دَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ أَفْرِجُوا لِي ، (فَأَمْسَكَ النَّاسُ) ألسنتهم عن النّطق بموته؛ خوفاً من عمر لما حصل لهم من الذهولُ، والحَيرة الّتي ضلّت بها معلوماتُهم الّتي من جُملتها نطقُ التَّنزيل على أنه مَيِّتٌ؛ (فَقَالُوا)؛ أي: النّاس (يَا سَالِمُ؛ انْطَلِقْ إِلَى صَاحِبٍ رَسُوْلِ اللهِنَّ) الّذي هو أبو بكر ، فإنّه متى أُطلِقِ انصرف إليه ، لكونه كان مشهوراً به بينهم ( فَادْعُهُ ) ليحضر فيبيّن الحال . ( فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَهُوَ فِي المَسْجِدِ ) ؛ أي : مسجد محلّته التي كان فيها ؛ وهو بالعَوالي ، كما في رواية البخاري : جاء من السُّنح - بضمّ السّين المهمَلَة ؛ بوزن فُعْل - : موضعٌ بأدنى عَوالي المدينة بينه وبين مسجده الشّريف مِيْل ، ولعله كان في ذلك المسجد، لصَلاةِ الظّهر، ( فَأَتَيْتُهُ) كررّه للتّأكيد ( أَبْكِيْ ) أي: حال كوني أبكي ( دَهِشاً ) - بفتح فكسر أي : حال كوني دَهِشاً -: أي مُتَحَيِّراً ( فَلَمَّا رَآنِيْ؛ قَالَ لِيَ: أَقُبِضَ رَسُوْلُ اللهِ وَّرِ؟ ) لِما فِهِمَه من حاله . ( قُلْتُ: إِنَّ عُمَرَ يَقُوْلُ: لاَ أَسْمَعُ أَحَداً يَذْكُرُ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَّهِ قُّبِضَ إِلاَّ ضَرَبْتُهُ بِسَيْفِيْ هَذَا!؟ فَقَالَ لِيَ : انْطَلِقْ؛ فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَجَاءَ هُوَ ) ؛ أيْ : أبو بكر ( وَالنَّاسُ قَدْ دَخَلُوْا عَلَى رَسُوْلِ اللهِهِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ أَفْرِجُوْا ) - بقطع الهمزة ، أيْ : أوسِعُوا ( لِيَ) لأجل أن أدخُل . ولا يُنافي هذا روايةُ البخاري : أقبل أبو بكر ٢٢٧ فَأَفْرَجُوا لَهُ، فَجَاءَ حَتَّى أَكَبَّ عَلَيْهِ وَمَسَّهُ فَقَالَ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتُ وَإِنَهُم قَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]. ثُمَّ قَالُوا: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ ؛ أَقْبِضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَعَلِمُوا أَنْ قَدْ صَدَقَ . رضي الله تعالى عنه فلَم يكَلِّم النّاس ، لأنّ المرادَ لم يكلّمهم بغير هذه الكلمة . ( فَأَفْرَجُوْا لَهُ) ؛ أيْ : انكشفوا عن طريقه ( فَجَاءَ حَتَّىَ أَكَبَّ عَلَيْهِ ) فوجَده مُسجّىّ بِيُرْدٍ حِبَرَةٍ، فكشَف عن وجهه الشّريف. ( وَمَتَهُ ) أيْ : قبّله بين عينيه، ثمّ بكى ، وقال : بأبي أنت وأُمّي؛ لا يَجْمَعُ الله عليك موتَتَين ، أمّا الموتةُ الّتِي كُتِبَتْ عليك فَقَدْ مُتَّها ؛ كذا في البخاريّ . وقصدَ بذلك الردّ على عمر فيما قال ، إذ يلزَم منه أنّه إذا جاء أجَلُه يموت موتَةً أُخرى ، وهو أكرمَ على الله من أن يَجمَع عليه موتتَين، كما جمعها على الّذين ﴿خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفُ حَذَرَ أَلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْثُمَّ أَخْيَهُمْ﴾ [٢٤٣/ البقرة]. (فَقَالَ)؛ أي: قرأ استِدْلالاً على موته وَّهِ قولَه تعالى (﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ (٣)) [الزمر] يعني: قد أخبر الله عنك في كتابه: أنّك ستموت، وأنّ أعداءَك ﴾ [الزمر] فقوله حقٌّ، ٣١ أيضاً سيموتون، ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عِندَ رَيْكُمْ تَخْصِمُونَ ووعدُه صِدقٌ ﴿﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن كَذَبَ عَ اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَآءَهٌ﴾ [٣٢/ الزمر] وقد قال المفسرون - في قوله تعالى ﴿ وَلَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بٌِّ أُوْلَبِكَ هُمُ [الزمر] : - إنّ الجائيَ بالصّدق هو النّبيّ وَّر، والمُصَدِّق أبو بكر، ٣٣ الْمُنَّقُونَ ولذا سُمِّي بـ ((الصِّدِّيق )) رضي الله تعالى عنه . ( ثُمَّ قَالُوا: يَا صَاحِبَ رَسُوْلِ اللهِ؛ أَقْبِضَ رَسُوْلُ اللهِ وَّرَ !! قالَ: نَعَمْ. فَعَلِّمُوا أَنْ) ؛ أَيْ : أَنَّه ( قَدْ صَدَقَ ) في إخبارِه بموته ، لاستِدلاله بالآية الّتي ذكرها ، لما عندَه من نور اليقين . ٢٢٨ قَالُوا: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ؛ أَيُصَلَّى عَلَى رَسُولِ اللهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالُوا: وَكَيْفَ ؟ قَالَ: يَدْخُلُ قَوْمٌ، فَيُكَبِّرُونَ وَيُصَلُّونَ ، وَيَدْعُونَ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ، ثُمَّ يَدْخُلُ قَوْمٌ، فَيُكَبِّرُونَ وَيُصَلُّوْنَ ، وَيَدْعُونَ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ، حَتَّى يَدْخُلَ النَّاسُ . ( قَالُوا: يا صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ؛ أَيُصَلَّى) - بالبناء للمفعول - ( عَلَىْ رَسُوْلِ اللهِ ؟ ) إنّما سألوه لِتَوَهُّم أنّه مغفورٌ له، فلا حاجةَ له إلى الصّلاة المقصود منها الدُّعاء والشَّفاعة للميت . ( قَالَ: نَعَمْ ) أي : يُصَلَّى عليه لمشاركته لأمّته في الأحكام ، إلّ ما خرج من الخصوصيات لدليلِ . ( قَالُوا: وَكَيَّفَ ) يُصَلّى عليه؟ أَمِثْلَ صلاتنا على آحاد أُمَّتِهِ ؟ أم بكيفيةٍ مخصوصةٍ تَليق برُتبَته العليّة ؟. ( قَالَ: يَدْخُلُ قَوْمٌ، فَيُكَبِّرُوْنَ ) ؛ أيْ : أربع تكبيرات، (وَيُصَلُّوْنَ) على النّبِيّ ◌َِّ؛ (وَيَدْعُوْنَ، ثُمَّ يَخْرُجُوْنَ، ثُمَّ يَدْخُلُ قَوْمٌ، فَيُكَبِّرُونَ وَيُصَلُّوْنَ ، وَيَدْعُونَ، ثُمَّ يَخْرُجُوْنَ، حَتَّى يَدْخُلَ النَّاسُ ) ؛ أيْ : وهكذا حتّى يُصَلِّي عليه النّاس جميعاً . روى الحاكم في ((المستدرَك))، والبزّار: أنَّ المُصطفى ◌َّ حين جمع أهلَه في بيت عائشة، قالوا : فمَن يُصَلّي عليك؟ قال: ((إِذَا غَسَّلْتُمُونِي وَكَفَّنْتُمُونِي فَضَعُونِي عَلَى سَرِيْرٍ ، ثُمَّ أَخْرُجُوا عَنِّي سَاعَةً ، فَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ يُصَلِّي عَلَيَّ جِبْرِيِلُ ، ثُمَّ مِنْكَائِيْلُ ، ثُمَّ إِسْرَافِيْلُ، ثُمَّ مَلَكُ المَوْتِ مَعَ جُنُودِهِ ، ثُمَّ أَدْخُلُوا عَلَيَّ فَوْجاً بَعْدَ فَوْجٍ ، فَصَلُوا عَلَيَّ، وَسَلِّمُوا تَسْلِيْماً)). قال الحاكم: فيه عبد المَلِك بن عبد الرّحمن؛ مجهولٌ ، وبقيّة رجاله ثقاتٌ . وروى ابن ماجه أنّهم لمّا فَرغوا من جَهازه يومَ الثّلاثاء وُضِع على سريره في بيته ، ثمّ دخَل النّاس أَرْسالاً؛ أيْ: قوماً بعد قوم، يُصَلّون عليه ، حتّى إذا فَرَغوا دخَلتِ النّساءُ، حتّى إذا فَرَغْنَ ؛ دخل الصِّبيانُ، ولم يَؤُمَّ النَّاسَ عليه أَحَدٌ ، وقد ٢٢٩ قَالُوا: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ ؛ أَيُدْفَنُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: نَعَمْ ، قَالُوا: أَيْنَ ؟ قَالَ : فِي الْمَكَانِ الَّذِي قَبَضَ اللهُ فِيهِ رُوحَهُ ، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَقْبِضْ رُوحَهُ إِلاَّ فِي مَكَانٍ طَيِّبٍ، فَعَلِّمُوا أَنْ قَدْ صَدَقَ . روي عن عليّ كَرَّم الله وجهه أنّه قال: لا يَؤُمُّ أحدُكم عليه، لأنّه إمامُكم حال حَيَاته ، وحالَ مماته . وورَد في بعض الرّوايات أنّه وَلِ أَوْصى على الوجه المذكورِ ، ولذا وقَع التّأخير في دَفنه، لأنّ الصّلاة على قبره وَِّ لا تجوز؛ قاله مُلّ علي قاري في (( جمع الوسائل )». قال الباجوري : وجُملةُ من صلّى عليه من الملائكة سِتُون ألْفاً ، ومن غيرهم ثلاثون ألفاً . انتهى . هذا أمرٌ تَوقيفيٌّ؛ يحتاج إلى دليلٍ . والله أعلم . ( قَالُوا: يَا صَاحِبَ رَسُوْلِ اللهِ؛ أَيُدْفَنُ رَسُوْلُ اللهِ وَّرِ؟ ) ؛ أيْ: أَوْ يُتْرَكُ بِلاَ دَفْنٍ ؟ لسلامته من الثَّغيُّر، أو لانتظارِ رَفعهِ إلى السّماء؟ ( قَالَ: نَعَمْ) ؛ أيْ : ٥٥ يُدْفَن في الأرض، لقوله تعالى ﴿﴿مِنْهَا خَقْتَكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا تُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه]، ولأنّه من سُنَنِ الأنبياء والمُرسَلِين (قَالُوا: أَيْنَ) يُدفَنُ ؟ كما تقدّم من الخلاف في دفنه . ( قَالَ: ) يُذْفَنُ ( فِي المَكَانِ الَّذِي قَبَضَ اللهُفِيْهِ رُوْحَهُ ، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَقِْضْ رُوْحَهُ إِلَّ فِيْ مَكَانٍ طَيِّبٍ ، فَعَلِمُوْا أَنْ ) ؛ أيْ : أنّه ( قَدْ صَدَقَ ) فيما قال . وورد مِثْل هذا عن أمير المؤمنين عليّ كَرّم الله وجهه ، فقد أَخرج ابنُ الجَوزيّ في ((الوفاء))؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لما قُبِضَ رسولُ الله وَي اختلفوا في دفنه ؟ فقال لي عليٍّ رضي الله عنه: إنّه ليس في الأرض بُقعةٌ أَكرمُ على الله من بُقْعَةٍ قَبَضَ فيها نَفْسَ نبيّه وَلِّ. قال الشّريف السَّمْهُوديّ: فهذا أَصلُ الإِجماع على تفضيل البُقعَةِ التي ضَمّت أعضاءَه على جميع الأرض ، حتّى من الكعبة !. انتهى . ٢٣٠ ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يُغَسِّلَهُ بَنُو أَبِهِ . وَأَجْتَمَعَ أَلْمُهَاجِرُونَ يَتَشَاوَرُونَ ، ( ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يُفَسِّلَهُ بَثُوْ أَبِيْهِ ) ؛ أيْ : أمرَ النَّاسَ أن يَمكِّنوا بني أبيه من غَسْله ، ولا يُنازِعوهم فيه ، ولذلك لم يقُل: أمَرَ بني أبيه أَنْ يُغَسّلوه ، مع أنّه الظّاهر؟ لأنّ المأمُورَ بالغَسْلِ همُ ؛ لا النَّاسُ . ومراده: بـ ((بني أبيه )): عَصَبَتُه من النَّسَب ، فَغَسّله عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، لخبر ابن سعد والبزّار والبَيهَقيّ وابن الجوزي في ((الواهيات))؛ عن عليّ قال: أوصاني النّبيّ وَِّ: ((أن لا يُغَسِّلَه أَحدٌ غيري، فإنّه لا يرى أحَدٌ عورتي إلا طُمِسَت عيناه)). زاد ((ابن سعد)): قال عليّ: فكان الفضْلُ وأسامةُ يُناوِلان الماءَ من وراء السِّتْر - وهما مَعصُوبا العين - قال عليّ: فما تناوَلْتُ عُضواً، إلا كأنَّما يُقَلّبه معي ثلاثون رَجُلاً ، حتّى فَرِغْتُ من غسله . وكان العبّاس وابنه الفضل يُعينَنِه، وقُثَم وأسامةُ وشقران ((مولاه وَِّ)) يَصُبُّون الماءَ وأعينُهُم معصوبةٌ من وراء السِّتر . ( وَاجْتَمَعَ المُهَاجِرُوْنَ يَتَشَاوَرُوْنَ ) في أمر الخلافة، والواو لمُطلق الجمع ، لأنّ القضيّةَ واقِعةٌ قبل الدَّفن، فقد ذَكَر الطَبَريّ(١) في ((الرّياض النَِّرة)): أنَّ الصَّحابة أجمعوا على أنّ نَصْبَ الإمام بعد انقِراض زَمَن النُّبُوة من واجبات الأحكام ، بل جعَلُوه أهَمَّ الواجباتِ، حيث اشتَغَلوا به عن دَفْنِ رسول الله وَله . وَوَاجِبٌ نَصْبُ إمَامٍ عَدْلِ بِالشَّرْعِ فَاعْلَمْ؛ لا بِحُكْمِ العَقْلِ واختلافُهم في التعيين لا يقدَح في الإجماع . ولتلكَ الأَهَميّة لمَّا تُؤُفِّي رسولُ اللهِ وَلّهِ قام أبو بكر خطيباً ؛ فقال : يا أيّها (١) هو المحب الطبري من علماء القرن السابع الهجري ، لا المؤرخ المفسر المحدث المشهور . وقد تقدمت ترجمته مع شيء عن عائلته في الجزء الثاني . ٢٣١ فَقَالُوا: اِنطَلِقْ(١) بِنَا إِلَى إِخْوَانِنَا مِنَ الأَنْصَارِ نُدْخِلْهُمْ مَعَنَا فِي هَذَا الأَمْرِ ، فَقَالَتِ الأَنْصَارُ : مِنَّا أَمِيرٌ ، وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ ، النّاس ؛ مَن كان يعبُد محمَّداً ؛ فإنّ محمَّداً قد مات! ومَن كان يعبدُ الله ؛ فإنّ الله حيٌّ لا يموت ، ولا بُدَّ لهذا الأمر مِمّن يقوم به ، فانظروا ، وهاتوا رأيكم ! فقالوا صَدَقْتَ . واجتَمع المهاجرون ، ( فَقَالُوا) لأبي بكر (: أَنْطَلِقْ بِنَا إِلَى إِخْوَانِنَا مِنَ الأَنَّصَارِ ) ولعلَّهم لم يطلُبُوا الأَنصار إلى مجلسهم !! خوفاً أن يمتَنِعُوا من الإِتيان إليهم ؛ فيحصُل اختلافٌ وفِتنةٌ ، وقوله : ( نُدْخِلْهُمْ) - بالجزم ؛ في جواب الأمر - ( مَعَنَا فِي هَذَا الأَمْرِ ) ؛ أي : التَّشاور في الخلافة ، وكان من جُملة القائلين : عمرُ رضي الله تعالى عنه حيثُ صرَّح بالعِلّة بقوله : مَخافةً إنْ فارقَنَاَ القومُ ؛ ولم تَكُن لهم بَيْعةٌ معَنا ، أنْ يُحدِثوا بعدنا بَيعةً ؟ فإمَّا أنْ نُبايعَهم على ما لا نرضى ، أو نُخالفَهم ؛ فیکون فسادٌ . ( فَقَالَتِ الأَنْصَارُ) - مُرَتّب على محذوف، والتّقدير: فانطلَقُوا إليهم - وهم مجتمعون في سقيفة بني ساعدة - فَتكَلَّموا معهم في شأن الخلافة ، فقال قائِلُهم الحُباب بن المنذر (: مِنَّا أَمِيْرٌ، وَمِنْكُمْ أَمِيْرٌ !! ) على عادتهم في الجاهلية ، قبل تقُّرِ الأحكام الإسلامية ، فإنّه كان لكلّ قبيلةٍ شيخٌ ورئيسٌ يَرجِعون إليه في أمورهم وسياستهم . ولهذا كانت الفِتنة مستمرَّةً فيهم إلى أن جاء النّبِي وَلِّ وأَلَّف بين قلوبهم ، وعفا الله عمّا سلَف من ذنوبهم . ولمّا قالوا ذلك ردّ عليهم أبو بكر الصّدّيقُ، وقال : نحن الأُمَراء ، وأنتم الوُزَراءُ، فكونوا معَنا واستدلّ بقوله تعالى ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ أ﴾ [الحشر] مع وَأَمْوَلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: أُوْلَكَ هُمُ الصَّادِقُونَ! (١) في ((وسائل الوصول)): اِنْطَلِقُوْا. ٢٣٢ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: مَنْ لَهُ مِثْلُ هَذِهِ الثَّلاَثَةِ؟ ﴿ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْهُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اَللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] مَنْ هُمَا؟. قَالَ : ثُمَّ بَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعَهُ ، وَبَايَعَهُ أُلنَّاسُ، بَيْعَةٌ حَسَنةً جَمِيلَةً . [التوبة] فقال لهم : قوله تعالى ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنَّقُوا اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصََّدِقِينَ نحن الصَّادقون ؛ فكونوا معنا . فأذعَنوا لقوله . واحتجَّ بحديث: (( الأَئِمَّةُ مِن قُرَيشٍ )) وهو حديث صحيحٌ ؛ وَرَدَ من طريقِ نحوِ أربعينَ صحابياً . وفي رواية أحمد والطََّرانيّ؛ عن عقبة بن عبد بلفظ: (( الخِلافةُ لِقُرَيْشِ )) . واستُغْنِيَ بهذا عن الرَّدّ عليهم بالدَّليل العقلي؛ وهو أنّ تَعَدُّدَ الأمير يُفضي إلى التَّعارُض والتّناقض ؛ فلا يتمّ النّظام ، ولا يلتئم الكلام . ( فَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ: مَنْ لَهُ ) أيْ : من ثبت له ( مِثْلُ هَذِهِ ) الفضائِل ( الثَّلاثَةِ ؟! ) التي ثبتَتْ لأبي بكر الصّدّيق رضي الله تعالى عنه ، وهو استفهامٌ إنكاريٌّ، قصدَ به الرَّدَّ على الأنصار، حيث تَوَهَّموا أنّ لهم حقاً في الخلافة ، وهذه الثّلاثة مذكورةٌ في قوله تعالى ( ﴿ثَانِى أَثْنَكِنِ إِذْهُمَا فِى الْغَارِ﴾) هذه الأُوْلى، والثَّانية قوله (﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ﴾) ، والثّالثة قوله (﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾) فبعد ما تلا عليهم عمرُ بن الخطّاب هذه الآية، قال: ( مَنْ هُمَا!؟) أي : مَنْ هذان الاثنان المذكوران في هذه الآية ؟ والاستفهامُ للتَّعظيم والتَّقریر !! ( قَالَ ) ؛ أي : الرّاوي ( ثُمَّ بَسَطَ ) أي: مَذَّ عمر رضي الله عنه ( يَدَهُ ) أي : كفَّه ( فَبَايَعَهُ ) ؛ أي : بايع عمرُ أَبا بكر الصّدّيق ( وَبَايَعَهُ النَّاسُ ) أيْ : الموجودون في ذلك المحل (بيعةً حسنةً جميلةً) لوقوعها عن ظهور واتفاق من أهل الحَلِّ والعَقْد ، ولم يحضُر هذه البيعةَ عليٌّ والزُّبِيرُ ؛ ظنًا منهما أنّ الشيخَين لم يعتبراهما في ٢٣٣ المُشاورة ؛ لعدَم اعتنائهما بهما ، مع أنّه ليس الأمرُ كذلك ؟ بل كان عذرهما في عَدَمِ التَّفتيش على مَن كان غائِباً في هذه الوقت عن هذا المجلس ، خوفُهما من الأنصار أنْ يعقِدوا البيعةَ لواحدٍ منهم؛ فَتَحصُلَ الفِتْنة ، مع ظَنُّهما أنّ جميعَ المُهاجرين خصوصاً عليّاً والزُّبِيرَ لا يكْرَهون خلافة أبي بكر . ولذلك قال عليٍّ والزُّبير: ما أغضَبَنا إلاّ أَنَّا أُخِّرْنا عن المَشُؤْرة، وأنَّا نرى أبا بكر أحقَّ النّاس بها ، وأنّه لصاحب الغار، وأنّا لنعرِف شرَفَه وخيْرَه ، ولقد أَمَره رسول الله ﴿ أنْ يُصَلِّي بالنّاس؛ وهو حيٌّ، وأَنّه رضِيَه لِدِيننا؛ أَفَلا نَرْضاه لدنيانا . ولمّا حَصَلَتْ تلك المُبَايَعةُ في سقيفة بني ساعدة يومَ الاثنين ؛ الّذي مات فيه النّيِوَ﴿ وأصبح يومُ الثلاثاء، واجتمع النّاس في المسجد النّبويّ بكثرةٍ وحضَر عليٍّ والزُّبِيرُ، وجلَس الصِّدِّيق على المِنبَر، وقام عُمَرُ، فتكَّلم قبلَه ، وحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال: إنّ الله تعالى قد جَمع أمْرَكم على خيرِكم؛ صاحبٍ رسولِ الله ◌ِّ وثاني اثنين إِذْ هما في الغار ، فقُوموا فبايِعُوه . فبايَعوه بيعةً عامَّةً ، حتَى عليٍّ والزُّبير بعد بيعة السَّقيفة . ثمّ تكلّم أبو بكر ، فحمد الله وأثْنى عليه ، ثمَ قال : أمّا بَعدُ ؛ أيّها النّاس قد وُلِّيت عليكم ، ولستُ بخيركم ، فإِنْ أَحسَنتُ فَأَعينوني ، وإن أَسْتُ فقوِّمونيْ ، الصّدقُ أمانةٌ ، والكذبُ خِيانةٌ ، والضَّعيفُ فيكم قويٌّ عندي حتَى أريح علیه حقَّه إن شاء الله تعالى ، والقَويُّ فيكم ضعيفٌ عندي ؛ حتّى آَخُذَ الحقَّ منه إنْ شاء الله ، ولا يدَعُ قومٌ الجهاد في سبيل الله ، إلّ ضربهم الله بالذُّلِّ ، ولا تَشِيعُ الفاحشةُ في قومِ قطّ إلّ عمَّهم الله تعالى بالبلاء ، أطيعوني ما أطعتُ الله ورسولَه، وإذا عصيت الله ورسولَه ؛ فلا طاعةً لي عليكم ، قُوموا إلى صلاتكم ؛ رَحِمَكُم الله . وأخرج موسى بن عقبة ؛ في (( مغازيه ))، والحاكم وصحّحه ؛ عن عبد الرحمن بن عوف قال : ٢٣٤ قَالَ الْبَاجُورِيُّ : ( الْفَضِيلَةُ الأُولَىَ: كَوْنُهُ أَحَدَ الِثْنَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْهُمَا فِى الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠]. الْفَضِيلَةُ الثَّانِيَةُ: إِثْبَاتُ الصُّحْبَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ﴾ [التوبة: ٤٠]. خطَب أبو بكر ؛ فقال : والله ما كنتُ حريصاً على الإمارة يوماً وليلة قَطُّ ، ولا كنتُ راغباً ، ولا سأَلتُها الله ؛ في سرٍّ ولا علانيةٍ ، ولكنّي أشفَقْتُ من الفِتنة ، ومالي في الإمارة من راحةٍ ، فلقد قُلِّدتُ أمراً عظيماً ؛ مالي به من طاقةٍ ولا يدٍ إلا بتقوية الله . ولما فَرَغوا من المبايعة يومَ الثلاثاء اشْتَغَلوا بتجهيزِهِ وَلِّ . ( قَالَ ) شيخ الإسلام؛ إبراهيم (البَاجُوْرِيُّ) - نِسبة إلى ((بَيْجُور)) قريةٌ بمصر ؛ من المَنُوفّة ، ويُقال لها : باجور ، ولعلّها لغةٌ فيها !! رحمه الله تعالى قال في تقرير الفضائل الثلاث الّتي ثَبَتَتْ للصِّدِّيق رضي الله تعالى عنه : ( الفَضِيْلَةُ الأُوْلَى: كَوْنُهُ أَحَدَ الاثْنَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَىْ) في سورة الثَّوبة ( ﴿ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْهُمَا فِى الْغَارِ﴾﴾ [٤٠/ التوبة] المعهودِ بمكّةَ وقتَ الهجرة وهو غار ثور ، إذ مَكَثا فيه ثلاثَ ليالٍ، فذكر في الآية أبا بكر الصِّدِّيق مع النّبيّ وَّهِ بضمير الَّثنية، وناهيك بذلك . ( الفَضِيْلَةُ الثَّانِيَةُ: إِثْبَاتُ الصُّحْبَةِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَىُ ﴿إِذْ يَقُولُ﴾ ) أي : النّبيّ وَِّ (﴿لِصَاحِبِهِ،﴾) أبي بكرِ الصِّدِّيق، وقد قال له لما رَأَى أقدَامَ المشركين : لو نَظَر أحدُهم تحتَ قدمَيه لأَبْصَرَنا؟! (﴿لَا تَحْزَنْ﴾ ) مقولُ قول النّبيّ ◌َّه، وكان الصِّدِّيق قد حَزِن على رسول الله وَّه؛ لا على نفسه؟ فقال له: يا رسولَ الله: إذا مثُّ أنا، فأنا رجُلٌ واحدٌ ، وإذا مِثَّ أنت ؛ هلكتِ الأُمَّةُ والدِّين !! ٢٣٥ فَسَمَّاهُ اللهُ (صَاحِبَهُ )، فَمَنْ أَنْكَرَ صُحْبَتَهُ .. كَفَرَ؛ لِمُعَارَضَتِهِ اُلْقُرْآنَ . اَلْفَضِيلَةُ الثَّالِثَةُ: إِثْبَاتُ الْمَعِيَّةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]. ﴿فَسَمَّاهُ اللهُ ((صَاحِبَهُ))) ولَمْ يُشَرِّف غيرَه من الصّحابة بتَنْصيصه على الصُّحبة ، (فَ) -لهذه الخُصوصية، قال العُلَماء: ( مَنْ أَنْكَرَ صُحْبَتَهُ كَفَرَ، لِمُعَارَضَتِهِ القُرْآنَ ) أيْ : لكون إنكار صُحبته يتضَمَّن إنكار الآي القرآنية ، بخلاف سائر الصَّحابة ، ولعلّ هذه الإضافة المشرَّفة بالكتاب ، صارت سبباً لصُحبته المستمِرَّة له في الحياة والمَمَات، والخُروج إلى العَرَصات ، والدُّخول في الجنَّات !! فبهذه الصُّحبة المخصُوصَة فارق الصِّدِّيقِ سَائِرَ الأَصحاب ، كما شَهِد به الكِتَابُ . ( الفَضِيْلَةُ الثَّالِثَةُ: إِثْبَاتُ المَعِيَّةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَىْ ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَثَا﴾) [٤٠/ التوبة] والمرادُ بالمعيّة: الولايةُ الدائِمةُ، الّتي لا يحومُ حَولَ صاحبها شَيءٌ من الحُزْن . وفي العدول عن ((معي)) إلى ((معنا)): دِلالةٌ واضحةٌ على اشتراكِ الصِّدِّيق معه في هذه المعيّة ، بخلاف قول موسى عليه الصّلاة والسّلام كما أخبر سبحانه عنه بقوله ﴿فَلَمَّا تَزََّ الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَبُ مُوسَىَ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴿ قَالَ كَلَّ إِنَّ مَعِىَ رَبِ سَيَهْدِينٍ זר [الشعراء] . وقد ذَكَرَتِ الصُّوفيَّةُ هنا شيئاً من النُّكَتِ العَلِيّة ؛ وهي : أنّ موسى عليه الصّلاة والسّلام كان في مَقام التَّرِقة، وأنّ نبيّنا وَّهِكان في حالة الجَمْعِيَّةِ الجامِعة، المُعَبَّر عنها ، بمقام (( جَمع الجَمْع)). فهذه المَعِيَّةُ المقرونة بالجمعية مُخْتَصَّةٌ بالصِّدِّيق ؛ دون الأصحاب . فانظُر إلى خُصوصيّته رضي الله عنه بهذه الأسرار ، مِن مُوافقتِه في الغار ، ومرافقتِهِ في الأَسفار ، وملازَمَتِه في موضع القَرار ؛ حياً وميتاً ، وخروجاً من القَبر ، ٢٣٦ فَثْبُوتُ هَذِهِ الْفَضَائِلِ لَهُ .. يُؤْذِنُ بِأَحَقِّيَّهِ بِالْخِلاَفَةِ ) . وَعَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: لَمَّا وَجَدَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كَرْبِ الْمَوْتِ مَا وَجَدَ .. قَالَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللهُ [ْتَعَالَى ] عَنْهَا: وَاكَرْبَاهُ ، فَقَالَ النَِّيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لاَ كَرْبَ عَلَى أَبِيكِ بَعْدَ الْيَوْمِ؛ ودُخولاً في الجنّة ؛ مقدَّماً على جميع الأبرار . ( فَثْبُوتُ هَذِهِ الفَضَائِلِ لَهُ) دليلٌ ظاهِرٌ على أَفْضَلِيَّتِه، وتقدُّمِه على سائر الصّحابة ، وذلك ( يُؤْذِنُ بِأَحَقَُِّّهِ بِالْخِلاَفَةِ ) وفي هذه القَضيَّة من الإشارة الخفيّة أنّه أَفضلُ المهاجرين، لأَنّ هِجْرتَه مقرونةٌ بهجرته وَله، بخلاف هجرة غيره ؛ مقدَّماً أو مؤَخَّراً . ومن المعلوم أنّ المهاجرين أفضلُ من الأنصار ، وقد أشار إليه سبحانه بقوله : ﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [١٠٠/ التوبة] . فهذا دليلٌ على أن الصِّدّيقِ أفضَلُ الأَصحابِ كما فَهِمه عمرُ بن الخطّاب رضيَ الله تعالى عنهم . أجمعين . ( وَ) أخرج البُخاريُّ بعضَه، وابن ماجه والتِّرْمِذِيّ في ((الشَّمائِل)) ؛ (عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُ؛ قَالَ: لَمَّا وَجَدَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ مِنْ كَرْبِ المَوْتِ ) أَيْ : شدّةَ سَكَراتِهِ ، لأنّه كان يُصيبُ جَسَدَه الشّريف الآلامُ البَشَرِيَّة ، ليزدادَ تَرْقيةً في المراتب العَليَّة، و ((من)) تَبَعيضيّةٌ، أو بيانيّةٌ، لقوَّة ( مَا وَجَدَ ، قَالَتْ فَاطِمَةُ ) الزَّهراء ( رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) - لمّا رأَتْ من شِدّة كَرْب أبيها - (: وَاكَرْبَاهُ !! ) - بألف الندبة، وفتح الكاف، وسكون الرّاء، وهاء ساكنةٍ في آخره للوقف - ، فقد حصَل لها من الثََّلُّم والتَّوَجُّع مِثلُ ما حصل لأبيها . ( فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ) تَسليةً لها (: ((لاَ كَزْبَ عَلَى أَبِيْكِ بَعْدَ اليَوْم !! ) ، لأنّ الكَرْب كان بسبب العَلائِقِ الجِسمانيّة ، وبعد اليَوم تنقطِعُ تلكَ العلائِقُ الحِسّيَةُ ، ٢٣٧ إِنَّهُ قَدْ حَضَرَ مِنْ أَبِكِ مَا لَيْسَ بِتَارِكِ مِنْهُ أَحَداً ، الْمُوَافَاةُ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ ». قَالَ الإِمَامُ الْغَزَالِيُّ فِي ((الإِحْيَاءِ)): (قَالَ أَبْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُ: دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ أُمَّنَاً عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا حِينَ دَنَا أَلْفِرَاقُ، فَنَظَرَ إِلَيْنَا، فَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ : للانتقالِ حينَيَذٍ إلى الحَضْرة القُدْسيّة، فَكَرْبُه سريعُ الزَّوال ؛ ينتقِلُ بعدَه إلى أحسن النَّعيم، ممّا لا عينٌ رَأَتْ، ولا أُذُنَّ سمِعَتْ، ولا خَطَر على قلب بشرٍ، فمِحَنُ الدُّنيا فانيةٌ ، ومِنَح الآخرة باقيةٌ . ( إِنَّهُ) ؛ أي : الحال والشَّأن ( قَدْ حَضَرَ مِنْ أَبِيْكِ ) ؛ أي : نزل به ( مَا) - أي: شيءٌ عظيم - ( لَيْسَ ) الله ( بِتَارِكِ مِنْهُ) من الوصول إليه ( أَحَداً ) وذلك الأمرُ العظيم، هو (: المُوَافَاةُ يَوْمَ القِيَامَةِ )) ) أي : الحضور ذلك اليوم المستَلِزِم للموت. والقَصْد تسليتُها ، بأنّه لا كَرْب عليه بَعْدَ اليَوم، وأمّا اليَومَ فقد حَضَره ما هو مُقَرَّرٌ عامّ لجميع الأنام ، فينبغي أن تَرضَيْ وتُسَلِّمي ؛ كذا قرره المناوي . ( قَالَ الإِمَامُ) حُجَّةُ الإسلامِ محمّد بنُ محمّد بن محمّدٍ: أبو حامد ( الغَزَالِيُّ ) - بتخفيف الزّاي؛ في المشهور - منسوبٌ إلى «غَزَالة »: قريةٌ من قرى طوس ، وحُكِيَ عن بعض أسباط الغَزالي: أنَّه أَخطأَ النّاسُ في تثقيلٍ جَدِّنا . وإنّما هو مُخَفَّفٌ رحمه الله تعالى . (فِي) كتاب ( ((الإِحْيَاءِ)))؛ أي: ((إحياء عُلوم الدِّين))؛ في ((رُبْع المُنجِیات ؛ کتاب ذِکر الموت » ( قَالَ ) عبد الله ( بنُ مَسعُوْدٍ ) الهُذَلَيّ (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: دَخَلْنَا عَلَىْ رَسُوْلِ اللهِنَّهِ فِيْ بَيْتِ أُمُّنَا عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا حِيْنَ دَنَا الفرَاقُ) للدّنيا (فَنَظَرَ إِلَيْنَا؛ فَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ وَِّهِ، ثُمَّ قَالَ: ٢٣٨ ((مَرْحَباً بِكُمْ، حَيَّاكُمُ اللهُ، آوَاكُمُ اللهُ، نَصَرَكُمُ اللهُ، وَأُوصِيكُمْ بِتَقوَى اللهِ ، وَأُوْصِي بِكُمُ اللهَ ، إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ؛ أَنْ لاَ تَعْلُوا عَلَى اللهِ فِي بِلاَدِهِ وَعِبَادِهِ، وَقَدْ دَنَا الأَجَلُ ، وَالْمُنْقَلَبُ إِلَى اللهِ، وَإِلَىْ سِدْرَةِ الْمُنْتُهَى، وَإِلَى جَنَّةِ الْمَأْوَىْ، وَإِلَى الْكَأْسِ الأَوْفَى، فَأَفْرَؤُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَعَلَى مَنْ دَخَلَ فِي دِينِكُمْ بَعْدِيَ مِنِيَ السَّلاَمَ وَرَحْمَةَ اللهِ )) . ((مَرْحَباً بِكُمْ ) - أيْ: لَقيتُم رَحْباً؛ أي: سَعةً - ( حَيَّاكُمُ اللهُ) - معناه: الدُّعاء لهم بالحياة في الطّاعة ، على ما هو اللّئقُ في مقام الدُّعاء - (آوَاكُمُ اللهُ) - بالمدّ والقَصْر ، والمدُّ أَشْهَرُ ، أي : ضَمَّكم إلى رَحمتِهِ ورضوانه ، وإلى ظِلِّ عرشه يومَ القيامة - ( نَصَرَكُمْ اللهُ) ؛ أي : أعانكم . ( وَأُوْصِيْكُمْ بِتَقْوَى اللهِ) ؛ أيْ : بمخافته ، والحذرِ من مُخالفته، ( وَأُوْصِيْ بِكُمُ اللهَ) ؛ أيْ : أستَخلِفُه عليكم، ( إِنِّيْ لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُّبِيْنٌ) بَيِّن الإنذار؛ ( أَنْ لاَ تَعْلُوْ) تَتَكَبَّروا (عَلَى اللهِ فِي بِلاَدِهِ) بتركِ ما أَمَرَكُم به ، وفِعْل ما نهاكم عنه ( وَعِبَادِهِ ) بظُلمهم ( وَقَذْ دَنَا): قَرُبَ (الأَجَلُ): الموت، ( وَالمُنْقَلَبُ ): الرُّجُوع (إِلَى اللهِ، وَإِلَىْ سِدْرَةِ المُنْتَهَىْ) الّتي ينتهي إليها عِلمُ الخلائق، ( وَإِلَىْ جَنَّةِ المَأْوَى): الإقامة، ( وَإِلَىُ الكَأْسِ الأَوْفَىْ، فَاقْرَأُوا عَلَىْ أَنْفُسِكُمْ وَعَلَى مَنْ دَخَلَ فِي دِيْنِكُمْ بَعْدِيَ مِنِّيَ السَّلاَمَ، وَرَحْمَةَ اللهِ)) ) أي : أَنَالَكُم الله رَحمتَه الّتي وَسِعَت كلَّ شيءٍ . قال في « شرح الإحياء » : قال العِراقيّ : رواه البزّار، وقال : هذا الكلام قد رُوِي [عن] مرَّةَ عن عبد الله من غير وَجه، وأسانيدها مُتَقَارِبةٌ . قال: وعبدُالرّحمن بن الأصبهانيّ لم يَسمَع هذا من مُرَّة، وإنَّما هو عَمِّي أخبره عن مرَّةَ، قال : ولا أَعلمُ أحداً رواه عن عبد الله غيرَ مُرَّ . قلتُ : ورُوِيَ من غيرِ ما وجهٍ ؛ رواه ابنُ سعد في ((الطّبَقَات)) من رِواية ابن ٢٣٩ وَرُوِيَ: أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ مَوْتِهِ: ((مَنْ لأُمَّتِي مِنْ بَعْدِي؟))، فَأَوْحَى اللهُ تَعَالَى إِلَى جِبْرِيلَ : أَنْ بَشِّرْ حَبِسِي أَنِّي لاَ أَخْذُلُهُ فِي أُنَتِهِ ، وَبَشِّرْهُ أَنَّهُ أَسْرَعُ النَّاسِ خُرُوجاً مِنَ الأَرْضِ إِذَا بُعِثُوا ، وَسَيِّدُهُمْ إِذَا جُمِعُوا ، عون ؛ عن ابن مسعود . ورَوَيْناه في (( مَشْيَخة القاضي أبي بكر الأنصاريّ)) من رواية الحسن العُرَني ؛ عن ابن مسعود ، ولكنّهما منقطعان وضعيفان ، والحسنُ العُرَنيُّ، إنّما يرويه عن مُرَّة، كما رواه ابنُ أبي الدُّنيا ، والطَّبَرانيّ في (( الأوسط )) . انتهى. ( ورُوِيَ ) بإسنادٍ ضعيفٍ ؛ في حديث طويلٍ جدّاً - كما قال العِراقيّ - رواه الطَبَرانيّ في (( الكبير)) من حديث جابر ؛ وابن عبّاس رضي الله تعالى عنهم. ( أَنَّه ◌ِ قَالَ لِجِبْرِيْلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ مَوْتِهِ: ((مَن لأُمَّتِيْ) المصطَفاة ( مِنْ بَعْدِيْ؟)). فَأَوْحَى اللهُ تَعَالَىْ إِلَىْ جِبْرِيْلَ) عليه السّلامِ ( أَنْ بَشِّرْ حَبِنِيْ، أَنِّي لاَ أَخْذُلُهُ فِي أُمَّتِهِ ، وَبَشِّرْهُ أَنَّهُ أَسْرَعُ النَّاسِ خُرُوْجاً مِنَ الأَرْضِ ) ؛ أيْ : من قبره . فقد روى مسلم ؛ عن أبي هُرَيْرة رضي الله تعالى عنه: (( أَنَا سيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ، وأَوَّلُ مَن يَنْشَقُّ عَنْهُ القَبْرُ، وَأَوّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّع)) . ورواه أبو داود أيضاً وغيره . ( إِذَا بُعِثُوا ) ؛ أي : أُثيروا من قبورهم ، وهذا من كمال عِناية ربّه به ، حيث منحَه هذا السَّبْقَ، ( وَسَيِّدُهُمْ إِذَا جُمِعُوْا) في أرض المَحشَرِ يومَ القيامةِ ويَظْهر سُؤْدُدُه لكلّ أحدٍ عِياناً . أخرج التِّرْمِذِيّ بَسَنَدٍ فيه راوٍ لَيِّنٌ؛ عن أنس رضي الله عنه: (( أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ خُرُوجاً ؛ إذا بُعِثُوا ، وَأَنَا خَطِيْيُهُمْ؛ إِذَا وَفَدُوا، وَأَنَا مُبَشِّرُهُمْ؛ إِذا أَيِسُوا، لِواءُ الحَمْدِ يَوْمَئِذٍ بِيَدِي، وَأَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ عَلَى رَبِّي؛ وَلَ فَخَرَ )). ٢٤٠