Indexed OCR Text

Pages 101-120

بيوت مكة. فقال الشَّافعي: هذا عندنا جائز، قال رسول الله وَله: ((فَهَلْ تَرَكَ لَنَا
عَقِيلٌ مِنْ دَارٍ !! )).
فقال إسحاق : أخبرنا يزيد بن هارون ؛ عن هشام ؛ عن الحسن أنَّه لم يكن
یری ذلك ! ، وعطاءٌ وطاووس لم یکونا یریان ذلك !!
فقال له الشّافعي : أنت الّذي تزعم أهلُ خراسان أنَّك فقيههم؟ !.
قال إسحاق : کذلك يزعمون ؟!
قال الشَّافعي : ما أحوجني أن يكون غيرُك في موضعك فكنت آمرُ بفرك أذنيه .
أنا أقول: ((قال رسول الله وَله؛ وأنت تقول: قال عطاء وطاووس والحسن
وإبراهيم؛ هؤلاء لا يرون ذلك))؟! وهل لأحد مع رسول الله وَ ل حجَّة؟.
ثمّ قال الشّافعي : قال الله تعالى ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَدِهِمْ﴾
[٥٩/ الحشر] أفتنسب الدّيار إلى مالكين ؛ أو غير مالكين؟.
قال إسحاق : إلى مالكين !.
قال الشافعي: فقول الله تعالى أصدق الأقاويل، وقد قال رسول الله وَّر: ((مَنْ
دَخَلَ دَارَ أَبِي سِفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ)) ؛ وقد اشترى عمر بن الخطاب رضي الله عنه دار
الحجلتين!؟ وذكر الشَّافعي جماعات من أصحاب رسول الله وَله .
فقال له إسحاق: ﴿سَوَآءُ الْعَكِّفُ فِيهِ وَآلْبَادِ﴾ [الحج/ ٥٢] !! فقال له الشّافعي:
فالمراد به المسجدُ خاصَّة ؛ وهو الّذي حول الكعبة ، ولو كان كما تزعم لكان
لا يجوز لأحد أن يَنشد في دور مكّة ضالَّة ، ولا تحبس فيها البدن ، ولا تلقى
الأرواث ، ولكن هذا في المسجد خاصّة !.
فسكت إسحاق ولم يتكلّم . فسكت الشّافعي عنه رضي الله تعالى عنهم
أجمعين ، ونفعنا بعلومهمْ آمين .
والحديث ذكره النّووي في (( الأربعين))؛ وقال : حديث صحيح رُوِّيناهُ في
كتاب (( الحجّة)) بإسناد صحيح .
١٠١

قال ابن حجر: كتاب ((الحجّة في اتباع المحجَّة)) في عقيدة أهل السنَّة لتضمُّنِه
ذكر أصول الدِّين على قواعد أهل الحديث ، وهو كتاب جيد نافع وقدره كـ((التنبيه))
مرة ونصفاً تقريباً ، ومؤلفه هو العلامة أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل
الأصبهاني الحافظ ؛ كذا قاله بعضهم ! وخالفه غيره ؛ فقال : إنَّهُ أبو الفتح نصر بن
إبراهيم المقدسي الشَّافعي ، الفقيه الزاهد نزيل دمشق . انتهى .
قال بعضهم: ورواه محيي السُّنَّة في ((المصابيح)) و((شرح السنة)) . انتهى.
قال ابن حجر: وهو على وٍجازته واختصاره يجمع ما في هذه (( الأربعين ))
وغيرها ؛ من دواوين السُّنَّةَ، وبيانه أنَّه وَلِّ إنَّما جاء بالحقِّ وصدَّق المُرسلين، وهذا
الحقّ إن فسِّر بالدّين شمل الإيمان والإسلام والنُّصح الله ورسوله ولكتابه ولأئمة
المسلمين وعامَّتهم ، والاستقامة ، وهذه أمور جامعة لا يبقى بعدها إلاَّ تفاصيلها ،
أو بالتّقوى فهي مشتملة على ما ذكرناه أيضاً ، فإذا كان كذلك ؛ كان هوى الإنسان
تبعاً لما جاء به النّبِيّ رَله من الدِّين والتَّقوى .
وعُلم من الحديث أنَّ مَن كان هواه تابعاً لجميع ما جاء به النّبيّ ◌ِ ﴿ كان مؤمناً
كاملاً ، وضدّه ؛ وهو من أعرض عن جميع ما جاء به النَّبيُّ ٹـ ومنه الإيمان - فهو
الكافر ؛ وأما من اتبع البعض ؛ فإن كان ما اتّبعه أصل الدّين ؛ وهو الإيمان ، وترك
ما سواه ؛ فهو الفاسق ، وعكسه المنافق ، واستمداد الحديث من قوله تعالى ﴿ فَلَاَ
وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [٦٥/ النساء] ... الآية، إذ فيها
غاية التعظيم لحقُّه وَِّ والتأذُب معه ، ووجوب محبته واتباعه فيما يأمر به من غير
توقُّف ؛ ولا تلعثم، ومِن ثَمَّ لم يكتف بالتّحكيم ، بل عقّبه بقوله ﴿ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِى
أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَا قَضَيْتَ﴾ ولم يكتف بهذا أيضاً، بل زاد التأكيد بقوله ﴿ وَيُسَلِّمُوا﴾
[٦٥/ النساء] ، ولم يكتفٍ به أيضاً ، بل زاد فيه فأتى بالمصدر الرافع لاحتمال التجوُّز ؛
﴾ [النساء]، وبهذا التسليم تكون النَّفْس مطمئنةً لحكمه ، منشرحةً
٦٥
فقال ﴿َسَلِيمًا
به ، لا توقف عندها فيه بوجه . انتهى .
١٠٢

٢٩٢ - ((لاَ يُؤْمِنُ عَبْدٌ .. حَتَّى يَكُونَ قَلْبُهُ وَلِسَانُهُ سَوَاءٌ)).
٢٩٢ - ((لاَ يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يَكُوْنَ قَلْبُهُ وَلِسَانُهُ سَوَاءً)) ) في كون ما يظهر على
لسانه هو ما يُكِنُّه قلبه ، من حسن معاملة الخلق والخالق .
والحديث ذكره في (( كشف الخفاء))، وقال : رواه الإمام أحمد ؛ عن أنس .
وفي الباب عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه . انتهى .
وذكره في (( كنوز الحقائق )) مرموزاً له برمز الإمام أحمد رحمه الله تعالى .
١٠٣

( حَرْفُ أَلْيَاءِ )
٢٩٣ -((يَا أَبْنَ آدَمَ؛ اِرْضَ مِنَ الدُّنْيَا .. بِأَلْقُوتِ؛ فَإِنَّ الْقُوتَ لِمَنْ
يَمُوتُ كَثِيرٌ)) .
٢٩٤ - ((يَا أَبَا بَكْرٍ؛ مَا ظَنُّكَ بِثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا ». قَالَهُ لَهُ فِي الْغَارِ.
( حَرْفُ اليَاءِ )
٢٩٣ - ( ((يَا أَبْنَ آدَمَ) المراد بـ ((ابن آدم)) الجنس ( ارْضَ مِنَ الدُّنْيَا
بِالْقُوْتِ ) ؛ أي : بما يسدُّ الرَّمق بغير زيادة على ذلك، قيل: سمِّي قوتاً ! لحصول
القوة منه ؛ ذلك لأن ما أحوجَ من الفقر مكروهٌ ، وما أبطرَ من الغنى مذمومٌ ،
والكفاف حالة متوسِّطة بين الفقر والغنى ، وخير الأمور أوساطها ، ولذلك سأله
المصطفىْ وَ﴿ بقوله: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمّدٍ قُوتاً)). ومعلوم أنَّه لا يسأل
[الله] إلّ أفضل الأحوال.
(فَإِنَّ القُوْتَ لِمَنْ يَمُوْتُ كَثِيْرٌ)) ) هذا مبالغة في التقلُّل من الدّنيا، وإلّ! فإن
الإنسان لا يستغني عن القوت ، إذ هو البُلغة ، وبه قوام البنية .
وأقطاب القوت : الكنُّ ، والكسوة ، والشِّبع ، والرِّيُّ ؛ فمن توفّرت له فهو
مكفيٍّ، كما جاء ذلك في حديث رواه التِّرمذي في ((الزُّهد))، والحاكم في (( الرِّقاق))
كلاهما ؛ عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه: ((لَيْسَ لابنِ آدَمَ حَقٌّ فِيمَا سِوَى هَذِهِ
الْخِصَالِ، بَيْتٌ يَسْكُنُهُ، وَثَوْبٌ يُوَارِي عَوْرَتَهْ، وَجِلْفُ الْخُبْزِ، وَالْمَاءُ )) قال التِّرمذي:
حسن صحيح ، وقال الحاكم: صحيح، وأَقْرَّهُ الذَّهَبِيُّ. وَاللهُأَعْلَم .
٢٩٤ - ( (( يَا أَبَا بَكْرٍ ) - الصِّدِّيقَ - ( مَا ظَنُكَ بِأَثْنَيْنِ ) - يعني : نفسه وأبا بكر -
( اللهُ ثَالِثُهُمَا) بالنُّصرة والإعانة. وفي رواية: ((أُسْكُتْ؛ يا أَبَا بَكْرٍ إِثْنَانِ اللهُ
ثَالِثُهِمًا)). وهذا (قَالَهُ) النَّبِيُّ ◌َّرِ (لَهُ) ؛ أي: لأَبِي بكْرِ الصِّدِّيق وهما ماكثان
( فِي الْغَارِ ) المعهود ؛ وهو غار ثور جبل من جبال مكّة بأسفلها ؛ على مسير
١٠٤

٢٩٥ - ((يَا أَبَا ذَرِّ؛ جَدِّدِ السَّفِينَةَ، فَإِنَّ الْبَحْرَ عَمِيقٌ)).
٢٩٦ - (( يَا أَنَسُ ؛ أَطِبْ كَسْبَكَ .. تُسْتَجَبْ دَعْوَتُكَ)).
ساعتين تقريباً ، وذلك في خروجهما متوجِّهَيْن إلى المدينة للهجرة ، ولمّا بعثت
قريش الطَّلب في آثارهما ؛ وكانا مختفيين في الغار المذكور ، ووصلت قريش إلى
باب الغار؛ قال سيدنا أبو بكر رضي الله تعالى عنه للنبيّ وٍَّ: لو أنَّ أحدهم نظر
تحت قدميه لأبصرنا! فقال المصطفىّ وَ ل﴿: ((ما ظَنُّكَ بِأَثْنَيَّنِ اَللهُ ثَالِثُهُمَا )) !
والحديث أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما ؛ عن أبي بكر الصديق رضي الله
تعالى عنه ؛ وفيه منقبة ظاهرة لسيّدنا أبي بكر الصدّيق رضي الله تعالى عنه .
٢٩٥ - ((يَا أَبَا ذَرِّ؛ جَدِّدِ السَّفِيْنَةَ) - أي: أكثر مِن الأَعمال الصَّالحة ما دمت
في هذه الحياة الدُّنيا - ( فَإِنَّ الْبَحْرَ عَمِيْقٌ))) يعني : يوم القيامة الّتي تُستقلُّ فيه
الأَعمال الصَّالحة لما اشتمل عليه من الهول ؛
فشبّه الأَعمال الصّالحة الكثيرة في تعاضدها ؛ إذ يتسبب عنها تخليص صاحبها
من الأَهوال ؛ بالسَّفينة الجديدة في قوَّتِها وتحمُّلها ما يطرأ عليها من مصادمات
وأَخطار المتسبِّب ذلك في نجاة ركابها .
وشبّهَ يوم القيامة وما اشتمل عليه من أهوال يشيب فيها الوليد ؛ بحيث لا ينجيه
من ذلك إلّ كثرة الأعمال الصَّالحة ؛ شبَّهه بالبحر العميق المحاط بالأخطار ، بحيث
لا ينجيه منه إلاَّ السّفينة السليمة الآلات ، القوية في المعدات ، أمّا غيرها ! فيخشى
عليه الوقوع في الهلاك . وهذا من أبدع الكلام وأحسن الاستعارة .
وهذا الحديث ذكره في ((كنوز الحقائق)) مرموزاً له برمز الدَّيلمي في ((الفردوس)).
٢٩٦ - ( ((يَا أَنَسُ ؛ أَطِبْ كَسْبَكَ ) - أي: مطعمك ، وكسوتك،
وتوابعهما ، وأهمُّها المطعم بأن يكون ذلك من حلال ، سليماً من الشُّبهة ، فإذا
فعلت ذلك ( تُسْتَجَبْ دَعْوَتُكَ)) ) أي : دعاؤك إن دعوت الله تعالى في أمر من
الأمور ، وحاجة من الحاجات .
١٠٥

٢٩٧ - ((يَا حَرْمَلَةُ؛ أَثْتِ الْمَعْرُوفَ وَأَجْتَنِبِ الْمُنْكَرَ )).
وهذا كقوله لسعد : ((أطِبْ طُعْمَتَكَ تُجَبْ دَعْوَتُكْ)). أمّا مَن كان مطعمه من
حرام ، وملبسه من حرام ، وغُذِي بالحرام فأنى يستجاب له !! .
والحديث ذكره في (( كنوز الحقائق)) مرموزاً له برمز الدّيلمي في ((الفردوس)).
٢٩٧ - ( ((يَا حَرْمَلَةُ) - بفتح المهملة وسكون الراء وفتح الميم - ابن عبد الله بن
إِياس - وربَّما نسب إلى جدّه فَظُنَّ أنَّه غيره - وهو التميمي العنبري الصحابي ، كان
من أهل الصُّفَّة ، ونزل البصرة ، قال : قلت يا رسول الله ؛ ما تأمرني به أعمل !!
فقال :
( إِثْتِ الْمَعْرُوْفَ) أي : افعله . والمعروف : ما عرفه الشَّرع، وهو الواجب
والمندوب، ( وَأَجْتَتِبِ الْمُنْكَرَ)))؛ أي: لا تقربه، والمنكر: ما أنكره الشَّرع،
وهو المكروه والحرام .
والحديث ذكره في (( كنوز الحقائق)) مرموزاً له برمز الطّيالسي.
وذكره في ((الجامع)) بلفظ: (( أَثْتِ الْمَعْرُوفَ، واجْتَنِبِ الْمُنْكَرَ ، وَانْظُرْ
مَا يُعْجِبُ أُذُنَكَ أَنْ يَقُولَ لَكَ الْقَوْمُ إِذَا قُمْتَ مِنْ عِنْدِهِمْ فَأْتِهِ . وَانْظُرِ الّذِي تَكْرَهُ أنْ
يَقُولَ لَكَ الْقَوْمُ إذَا قُمْتَ مِنْ عِنْدِهِمْ فَاجْتَنِبْهُ)).
ورمز له برمز البخاري في ((الأدب المفرد))، والبيهقي في ((شعب الإيمان))،
وابن سعد، والبغوي في ((معجمه))، والباوردي في (( معرفة الصحابة )) ؛ كلُّهم
عن حرملة المذكور وليس له غيره .
قال المناوي : يعني لا يعرف له رواية غير هذا الحديث .
ثُمَّ قال المناوي : وكلام الحافظ ابن حجر مصرّح بحسن الحديث ، فإنَّه قال :
حديثه - يعني حرملة - في ((الأدب المفرد)) للبخاري، ((ومسند الطيالسي))
وغيرهما بإسناد حسن . انتهى .
١٠٦

٢٩٨ - ((يَا حَبَّذَا كُلُّ نَاطِقٍ عَالِمٍ، وَكُلُّ مُسْتَمِعٍ وَاعٍ)) .
٢٩٩ - (( يَا حُذَيْفَةُ؛ عَلَيْكَ بِكِتَابِ اللهِ » .
٣٠٠ - (( يا عُبَادَةُ؛ اِسْمَعْ وَأَطِعْ فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ)).
٢٩٨ - ( يَا) للتنبيه ؛ أو للنّداء، والمنادى محذوف أي: يا قوم (حَبَّذًا):
كلمة مدح ركبت من كلمتين ((حبَّ)) فعل ماض، و(( ذا)) اسم إشارة، وأصله حُبِّبَ
- بضم الحاء - وهو مسند إلى اسم الإشارة إلّ أنهما جريا بعد التَّركيب مجرى الأمثال
الّتي لا تتغيَّر ؛ أي حُبَّ هذا الأمر المذكور في قوله
( كُلُّ نَاطِقٍ عَالِمٍ ) ؛ أي : متكلّم عن علم بما يتكلّم ، لا سيما إذا انضاف إلى
ذلك العملُ بما يعلمهُ وبما يقوله ، ( وَكُلُّ مُسْتَمِعٍ وَاعٍ ) ؛ أي : حافظ لما يسمعه من
العلم ، فإنَّ هذا هو الّذي يزداد علماً كلما طلعت عليه شمس يوم .
والحديث ذكره في (( كنوز الحقائق)) مرموزاً له برمز الدَّيلمي في ((الفردوس)).
٢٩٩ - ((يَا حُذَيْفَةُ) بنَ اليمان (عَلَيْكَ) اسم فعل بمعنى ((الزم))، وقوله
( بِكِتَابِ اللهِ))) ! بياء الجر، واستشكالُهُ بتعديته بنفسه في نحو ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾
[المائدة / ١٠٥] !! دفعه الرضيُّ بأن أسماء الأفعال ؛ وإن كان حكمها في التعدّي واللّزوم
حكمَ الأفعال التي هي بمعناها ؛ لكن كثيراً ما تزاد الباء في مفعولها ؛ نحو ((عليك
به)) لضعفها في العمل. انتهى (( مناوي)) .
أي : الزم تلاوة كتاب الله تعالى القرآن، وتدبّره، واتَّخذه إماماً وقائداً ، آمن
بمتشابهه ، واعتبر بأمثاله ، واعمل بأحكامه .
والحديث ذكره في (( كنوز الحقائق )) مرموزاً له برمز الإمام أحمد .
٣٠٠ - ( (يَا عُبَادَةٌ؛ اسْمَعْ وَأَطِعْ) أميرك في كلِّ ما يأمر به ؛ وإن شقَّ ما لم
يكن إثماً ، وجمع بينهما تأكيداً !! للاهتمام بالمقام ؛ أي: اسمع وأَطع على كل
حال ( فِي عُشْرِكَ) ؛ أي : ضيقك وشدَّتك ، ( وَيُشْرِكَ))) - بضمِّ أوَّله وسكون
١٠٧

٣٠١ - (( يَا عُقْبَةُ؛ صِلْ مَنْ قَطَعَكَ، وَأَعْطِ مَنْ حَرَمَكَ )).
٣٠٢ - ((يَا عَلِيُّ؛ لاَ تَرْجُ إِلاَّ رَبَّكَ، وَلاَ تَخَفْ إِلَّ ذَنْبَكَ)).
٣٠٣ - ((يَا عَمْرُو؛ نِعِمَّا بِالْمَالِ الصَّالِحِ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ » .
السِّين المهملة -: نقيض العسر ، يعني : في حال فقرك وغِناك.
والحديث ذكره المناوي في (( كنوز الحقائق)) مرموزاً له برمز الإمام أحمد .
٣٠١ - ( (يَا عُقْبَةُ؛ صِلْ مَنْ قَطَعَكَ ) من ذوي قرابتك وغيرهم، ( وَأَعْطِ مَنْ
حَرَمَكَ)) ) عطاءه أو موذَّته ، أو معروفه .
والحديث ذكره في (( كنوز الحقائق)) مرموزاً له برمز الإمام أحمد .
٣٠٢ - ( (يَا عَلِيُّ؛ لا تَرْجُ) في قضاء حاجتك ( إِلاَّ ربَّكَ )؛ لا غيره من
المخلوقين ، ( وَلاَ تَخَفْ ) أحداً ( إِلاَّ ذَنْبَكَ))) يعني ؛ إذا وقعتَ في الذَّنب فخف
أن يصيبك من الله شيء ؛ عقاباً لذنبك الَّذي ارتكبته .
والحديث ذكره المناوي في ((الكنوز)) مرموزاً له برمز الدّيلمي في
((الفردوس)).
٣٠٣ - ( (يَا عَمْرُو) بنَ العاص (؛ نِعِمَّا بِالْمَالِ) قال في ((النّهاية »: أصله
((نعم ما))؛ فأدغم وشدِّد، و((ما ) غير موصوفة ولا موصولة، كأنَّه قال : نِعْمَ
شيئاً المال ( الصَّالِحُ). والباء زائدة مثل زيادتها في ﴿ وَكَفَى ◌ِاللَّهِ حَسِبًا
﴾ [الأحزاب]
٣٠
انتهى .
( لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ ) الَّذي يقيم به أوده ، ويستعين به على آخرته .
والحديث ذكره في (( مجمع الزوائد » عن عمرو بن العاص قال : بعث إلي
رسول الله ﴿ فقال: ((خُذْ عَلَيْكَ ثِيَابَكَ وسِلاَحَكَ ثُمَّ اثْنِي))، - قالَ: فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ
يَتَوَضَّأُ فَصَغَّدَ فِيَّ الْبَصَرَ ثُمَّ طَأْطَاً؛ فقال: ((إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَكَ عَلَىُ جَيْشٍ
فَيُسَلِّمَكَ اللهُ وَيُغْنِمَكَ وَأَرْغَبُ لَكَ مِنَ الْمَالِ رَغْبَةً صَالِحَةً))، فَقُلْتُ : - يا رَسُولَ اللهِ
١٠٨

٣٠٤ - (( يَا عَمَّ رَسُولِ اللهِ؛ أَكْثِرْ مِنَ الدُّعَاءِ بِالْعَافِيَةِ))، قَالَهُ
لِلْعَبَّاس .
٣٠٥ - (( يَا فَاطِمَةُ؛ كُونِى لَهُ أَمَةً .. يَكُنْ لَكِ عَبْداً ».
مَا أَسْلَمْتُ مِنْ أَجْلِ الْمَالِ ، وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ رَغْبَةً فِي الإسْلاَمِ، وَأَنْ أَكُونَ مَعَ
رَسُولِ اللهِ وَوِ .
فقال: ((يا عَمْرُ ونِعِمَّا بِالْمَالِ الصَّالِحِ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ )) رواه أحمد ، وقال : كذا في
النّسخة ((نِعِمَّا )) بنصب النُّون وكسر العين ، وقال أبو عبيدة: بكسر النّون والعين .
ورواه الطَّراني في ((الأوسط)) و((الكبير)) وقال فيه: وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ رَغْبَةً فِي
الإِسْلاَمِ وأكُونَ مَعَ رَسُولِ اللهِنَّه. فقال: ((نَعْمَ وَنِعِمَا بِالْمَالِ الصَّالِحِ لِلْمَرْءِ
الصَّالِحِ )) . انتهى كلام ((مجمع الزوائد » .
٣٠٤ - ( يَا عَمَّ رَسُوْلِ اللهِ؛ أَكْثِرْ مِنَ الدُّعَاءِ بالْعَافِيَةِ)) ) أي : السَّلامة من
الشَّدائد والبلايا والمكاره الدُّنيوية والأخرويّة ، أي : أكثر من الدُّعاء بدوامها
واستمرارها عليك ، لأنَّها جامعة لأنواع خير الدّارين من الصِّحة في الدُّنيا ؛
والسَّلامة في العقبى، ومَن كملت له العافية علَّق قلبه بملاحظة مولاه ، وعوفي من
التَّعلّق بسواه .
قال الدّيلمي : وهذا ( قَالَهُ لِلْعَبَّاسِ ) عمِّه حين قال : يا رسول الله ؛ علمني
شيئاً أسأله الله . فذكره .
والحديث ذكره في (( الجامع )) مرموزاً له برمز الحاكم ؛ عن ابن عباس .
ورواه عنه الطَّبراني باللّفظ المزبور ، وفيه راوٍ ضعَّفه جمع ، وبقيَّةُ رجاله
ثقات . وذكره المناوي في ((الكنوز )) باللفظ المزبور .
٣٠٥ - ((يَا فَاطِمَةُ؛ كُونِي لَهُ) - أي: زوجها عَلِيّ - ( أَمَةً ) - أي: مطيعة
كالأمة المطيعة لسيّدها ــ ( يكُنْ لَكِ) - أي: بعلك ــ (عَبْداً))) موافقاً منقاداً ،
كالعبد الموافق لسيِّده في أغراضه .
١٠٩

٣٠٦ - (( يُبْصِرُ أَحَدُكُمُ الْقَذَىْ فِي عَيْنِ أَخِيهِ . . وَيَنْسَى الْجِذْعَ فِي
عَیْنِهِ )) .
٣٠٧- (( يَسِّرُوا
٣٠٦ - ( ( يُبْصِرُ أَحَدُكُمْ الْقَذَى ) - جمع : قذاة ، وهي ما يقع في العين والماء
والشَّراب من نحو تراب وتبن ووسخ - ( فِي عَيْنِ أَخِيْهِ ) - في الإسلام - ( وَيَنْسَىْ
الْجِذْعَ) - واحد : جذوع النَّخل - ( فِي عَيْنِهِ)) ) أي : في عين نفسه ، كأَنَّ الإِنسان
لنقصه وحبِّ نفسه يتوفّر على تدقيق النَّظر في عيب أخيه فيدركه مع خفائه ، فيعمى به
عن عيبٍ في نفسه ظاهر لا خفاء به .
وهذا مَثَل ضرب لمن يرى الصغير من عيوب النّاس ويعيِّرُهم به ، وفيه من
العيوب ما نسْبَتُه إليه كنسبة الجذع إلى القذاة ، وذلك من أقبح القبائح وأفضح
الفضائح ، فرحم الله مَن حفظ قلبه ولسانه ولزم شأنه ، وكفّ عن عرض أخيه ،
وأعرض عمّا لا يعنيه ، فمن حفظ هذه الوصيّة دامت سلامته وقلَّت ندامته ، فتسليم
الأحوال لأهلها أسلم ، والله أعلى وأعلم . ولله درُّ القائل :
وَيَعْمِىُ عنِ الْعَيْبِ الَّذِي هو فيهِ
أَرَىُ كلَّ إنسانٍ يَرَى عَيْبَ غَيْرِهِ
وَيُبْصِرُ عَيْباً كَائِناً بِأَخِيهِ
فَلَا خَيْرَ فيمَنْ لاَ يَرَىُ عَيْبَ نَفْسِهِ
والحديث ذكره في (( الجامع الصغير)) مرموزاً له برمز أبي نعيم في (( الحلية))؛
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه .
قال المناوي في (( شرحه )) : ورواه القضاعي ، وهو حديث حسن . انتهى .
وذكره في (( كشف الخفا )) وقال : رواه الإمام أحمد ؛ عن أبي هريرة ، وابنُ
أبي الدّنيا في ((المداراة))؛ عن بكر بن عبد الله المزني قال: ((إِذا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ
مُؤَكَّلاً بِذُنُوبِ النَّاسِ ، نَاسِياً لِذِنْبِهِ ، فَأَعْلَمُوا أَنَّه قَدْ مُكِرَبِهِ )) .
وروى الدّيلمي؛ عن أنس: ((طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ )) . انتهى.
٣٠٧ - ( ((يَسِّرُوْا) - بفتح فتشديد -؛ أي : خذوا بما فيه التَّيسير على النَّاس
١١٠

وَلاَ تُعَسِّرُوا ، وَبَشِّرُوا وَلاَ تُنَقِّرُوا)).
بذكر ما يؤلِّفُهم لقبول الموعظة في جميع الأيّام ، لئلا يثقل عليهم فينفروا ، وذلك
لأن التَّيسير في التعليم يورِّث قبول الطاعة ، ويرغُّب في العبادة ، ويسهل به العلم
والعمل .
( وَلاَ تُعَشِّرُوْا)؛ لا تشدِّدوا، أردفه بنفي التعْسير مع أنَّ الأمر بشيء نهيٌّ عن
ضده تصريحاً بما لزم ضمناً للتأكيد . ذكره الكرماني . وأولى منه قولُ جمع ( عقَّبه به
إيذاناً بأن مراده نفيُ التَّعسير رأساً ، ولو اقتصر على (( يسِّروا)» لصدق على كل من
يَسَّرِ مرَّة وعَسَّر كثيراً) ، كذا قرره أئمة هذا الشَّأن ، ومنهم النَّووي وغيره .
( وَبَشِّرُؤا) بفضل الله، وعظيم ثوابه ، وجزيل عطائه ، وسعة رحمته ،
وشمول عفوه ومغفرته ؛ من التَّبشير ، وهو إدخال السُّرور ، والبشارة : الإِخبار
بخبر سار .
وقوله (( بَشِّروا)) بعد قوله ((يَسِّروا)) فيه جناس خطيٌّ(١) ، ولم يكتف به ، بل
أردفه بقوله :
( وَلاَ تُتَقِّرُؤْا)) ) لما مرَّ وهو من التَّنفير ؛ أي: لا تذكروا شيئاً تنهزمون منه،
ولا تصدِّروا بما فيه الشِّدَّة .
وقابل(٢) به ((بَشِّروا)) مع أنَّ ضد البِشارَة النَّذَارَة !! لأن القصد من النفارة
التَّنفير ، فصرَّح بالمقصود منها .
وهذا الحديث - كما قاله الكرماني وغيره - من جوامع الكلم لاشتماله على الدُّنْيًا
وَالآخِرَةِ، لأن الدُّنيا دار العمل؛ والآخرة دار الجزاء، فأمر المصطفى بَّ فيما
يتعلق بالدّنيا بالتسهيل ، وفيما يتعلَّق بالآخرة بالوعد الجميل والإِخبار بالسُّرور ؛
تحقيقاً لكونه رحمة للعالمين في الدَّارين .
(١) وهو المسمَّى ((جناساً غير تامّ)) لعدم اتحاد نوع الحروف.
(٢) من المقابلة أحد أنواع علم البديع ؛ من علوم البلاغة ، وهي ذِكرُ المعنى وضدِّه.
١١١

٣٠٨ - ((الْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ تَدَعُ الدِّيَارَ بَلَفِعَ )).
وفيه الأمر بالتَّيْسير بسعة الرَّحمة والنَّهي عن التَّنفير بذكر التَّخويف ؛ أي : من
غير ضمِّه إلى التّبشير ، وتأليف من قرب عهده بالإسلام ، وترك التَّشديد عليه والأخذ
بالرّفق، وتحسين الظَّنِّ بالله لكن لا يجعل وعظه كلَّه رجاءً ، بل يشوبه بالخوف .
انتهىُ مُناوي على (( الجامع)).
والحديث ذكره في ((الجامع)) مرموزاً له برمز الإمام أحمد والبخاري ومسلم
والنَّسائي ؛ كلهم عن أنس رضي الله تعالى عنه .
قال المناوي . ورواه البخاري وغيره ؛ عن أبي موسى الأشعري ، وذكر أنَّه قال
ذلك له ولمعاذ لَمَّا بعثهما إلى اليمن، وَزَادَ - بعدما ذُكر هنا -: (( وَتَطَاوَعَا
وَلاَ تَخْتَلِفَا )).
قال أبو البقاء: وإنَّما قال ((يسِّروا)) بالجمع مع أنَّ المخَاطَبَ اثنان !! لأن
الاثنين جمعٌ في الحقيقة ، إذِ الجمعُ ضَمُّ شيءٍ إلى شيءٍ . أو يقال : إن الاثنين
أميران ، والأمير إذا قال شيئاً توقع قبول الأمر إلى الجمع ، أو أراد أمرهما وأمر من
يوليانه . انتهى .
٣٠٨ - ( ((الْيَمِيْنُ الفَاجِرَةُ) - أي: الكاذِبَة - (تَدَعُ) - أي: تترك - ( الدِّيَارَ
بَلَاقِعَ))) بفتح الباء واللاّم ، وكسر القاف ؛ جمع : بلقع ؛ وهي الأرض القفراء الّتي
لا شيء فيها .
يريد أن الحالف كاذباً يفتقر ، ويذهب ما في بيته من الرِّزق .
وقيل : هو أن يفرِّق الله شملَه ، ويغيِّر عليه ما أولاه من نعمه .
والحديث ذكره في (( الْمَوَاهِب))، وقال : رواه الديلمي في (( مسند الفردوس ))
من حديث أبي هريرة مرفوعاً، وذكره في ((الجامع)) بلفظ: ((لَيْسَ شَيْءٌ أُطِيْعَ اللهُ
فِيهِ أَعْجَلَ ثَواباً من صِلَةِ الرَّحِمِ ، وَلَيْسَ شَيءٌ أَعْجَلَ عِقاباً مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ ،
وَأَلْيَمِيْنُ الفَاجِرَةُ تَدَعُ الدِّيَارَ بَلَاقِعَ)) ورمزله برمز البيهقي في (( سننه))؛ عن أبي هريرة
١١٢

٣٠٩ - ((أَلْيَوْمَ .. الرِّهَانُ، وَغَداً .. السِّبَاقُ، وَالْغَايَةُ .. الْجَنَّةُ،
وَأَلْهَالِكُ .. مَنْ دَخَلَ النَّارَ )).
رضي الله تعالى عنه، وإسناده حسن ؛ كما في ((العزيزي)).
٣٠٩ - ( ((الْيَوْمَ) - أي: الدُّنيا - (الرِّهَانُ) - بكسر الرّاء - قال المجد :
المخاطرة والمسابقة على الخيل . انتهى . استعير للمسابقة على الأعمال في الدنيا ،
كما قال تعالى ﴿سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنٍَّ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾
[٢١/ الحديد] قال البيضاوي : سابقوا ؛ سارعوا مسارعةَ المتسابقين في المضمار.
(وَغَداً) - أي: يوم القيامة - ( السِّبَاقُ) - بالكسر - مصدر سابق مسابقة وسباقاً
بمعنى السَّبَق - بفَتْحَتَين -: ما يجعلُ من المال رهناً على المسابقة ، استعير للأعمال
التي يلقاها العاملون يومَ القيامة .
( وَالْغَايَةُ) التي يقع عليها الرِّهان (الجَنَّةُ) ، فيه حذفُ دلَّ عليه المذكورُ ؛
أَي: والنَّار. فالفائِزُ من دَخَلَ الجنَّةَ، (وَالهَالِكُ مَنْ دَخَلَ النَّارَ))).
والمعنى : الفائز من عمِلِ الأَعمال الصَّالحة ، وفعَلَ المأموراتِ ، واجتنب
المنهيَّت ؛ فدخل الجنَّةَ، فرُفِعتْ له فيها الدَّرجات ، والهالك من فعل المعاصي ،
فآل إِلى استحقاق دخول النَّار .
وحاصل معنى الحديث : أنَّ الدُّنيا بتمامها للنَّاس كيوم يَتسابق فيه المُتسابقون
على خيلهم إلى غايةٍ معلومةٍ لهم ، وقد جعلوا مالاً يأخذُه السَّابق غداً، فمَن عمِل
الصَّالحاتِ فازَ بذلك الجُعْلِ ؛ الذي هو الجنَّةَ ، بمقتضى الوعد الصادق . ومن عمِل
السِّيئات حُرِمِ الجُعْلَ واستحقَّ النَّار، بمتقضى الوعيد ما لم يُعْفَ عنه؛ إن كان
مسلماً . هذا ما ظهر لي ، ولم أَرَ أَحداً شرحه .
وبقيّة الحديث: (( أَنَا الأَوَّلُ، وَأَبُوْ بَكْرِ الْثَّانِيْ، وَعُمَرُ الْثَّالِثُ، والنَّاسُ بَعْدُ
عَلَىُ السَّبْقِ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ)). رواهُ الطَّبَرَانِيُّ، وابنُ عَدِيٍّ ، والخطيب ؛ عن ابنِ
عبَّاسٍ بتمامِه مرفوعاً، وفيه أَصرَمُ بنُ حَوْشَبِ : مُنكرُ الحديث . انتهى
((زرقاني)) .
١١٣

٣١٠ - (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ أَلاَ تَسْتَحْيُونَ؟! تَجْمَعُونَ مَا لاَ تَأْكُلُونَ ،
وَتَبْنُونَ مَا لاَتَسْكُنُونَ )) .
٣١١ - ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ أَفْشُوا السَّلاَمَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ،
وَصِلُوا الأَرْحَامَ، وصَلُّوا وَالنَّسُ نِيَامٌ .. تَدخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ » .
٣١٠ - ( (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)، قال ابن مالكِ في ((شرح الكافِيةِ)): إِذا قلتَ ((أَيُّها
الرَّجلُ)) فـ ((أَيُّها)) و((الرَّجلُ)) كَاسْمٍ واحد، و(( أَيّ)) مَدْعوٌّ، و((الرَّجلُ)): نَعتٌ
له ملازمٌ، لأَنَّ ((أَيُّ)) مبهَم لا يُستَعملُ بغير صلةٍ؛ إلاَّ في الجزاءِ والاستفهام.
و (( ها )) حرفُ تنبيهٍ، فإِذَا قُلتَ ((يا أَيُّها الرَّجلُ)) لَم يصحَّ في ((الرَّجلُ)) إِلَّ الرَّفعُ،
لأَنَّه المُنادَى حقيقةً، و((أَيُّ )) يُتوصَّل به إليه، وإِن قُصِد به مؤنَّثُ زِيدَت النَّاء ، نحو
﴿ يَّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَّةُ
١)﴾ [الفجر]. انتهى ((مناوي)).
( أَلَا تَسْتَحْيُوْنَ ) من الله تعالى !! ( تَجْمَعُوْنَ مَا لاَ تَأْكُلُوْنَ ) أي : ما يزيد على
كفايتكُم، ( وَتَبْتُوْنَ مَا لاَ تَسْكُنُوْنَ)) )؛ بل عن قريبٍ منه راحلون !!. أو المرادُ
ما يزيدُ على قدر حاجتكم .
٣١١ - ( (يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ أَفْشُوْا السَّلاَمَ) - بِقَطع الهمزة -، أي : انشُروه
وأَعلنوه بين من تعرِفونه، ومن لا تعرفونه مِن المسلمين الَّذين يُندَب عليهم السَّلام .
( وَأَطْعِمُوْا الطَّعَامَ) للبَرِّ والفاجرِ، أَي: تصَدَّقوا بما فَضَل عن حاجة مَن
تلزمكم نفقته . فالمُراد : بذْل الطَّعام والمال ونحوه ؛ لاخصوصُ إِطعام الطَّعام .
( وَصِلُوْا) بكسرِ الصَّادِ ؛ أَمرٌ من الصِّلة (الأَزْحَامَ) أي: أَحسنِوا إِلى أَقاربكم
بالقول والفعل .
(وَصَلُّوا) باللَّيل (وَالنَّاسُ نِيَامٌ) ، جملة حاليّة ، أَي : تهجَّدوا حالَ نوم غالب
النَّاس، والأَولىُ من اللَّيل السُّدُسُ الرَّابع والخامس، فإِذا فعلتم ما ذُكِرَ ؛ (تَدْخُلُوْا
الجَنََّ بِسَلَمٍ » ) ، أَي : مع سلامةٍ من الآفات الأُخرويَّة .
والمرادُ : أَنَّ فِعْلَ المذكورات من الأَسبابِ الموصِلةِ إِلى الجنَّةَ.
١١٤

٣١٢ - ((يَا مُعَاذُ))، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ :
((يَا مُعَاذُ))، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: (( يَا
مُعَاذُ))، قَالَ: لَبَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، (ثَلاَثًاً)، قَالَ: (( مَا
مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صِدْقاً مِنْ
قَلْبِهِ .. إِلاَّ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ )) .
والحديث أخرجه التّرمِذيُّ ؛ عن عبد الله بن سلام الإسرائيليِّ الصَّحابيّ الجليل
رضي الله تعالى عنه ؛ وقال : حديثٌ صحيحٌ .
٣١٢ - ((يَا مُعَاذُ))) أي: ابنَ جَبَلِ ( قَالَ: لَّيْكَ يَا رَسُوْلَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ)، اللَّبُّ
- بفتْحِ اللَّم -: معناه هنا الإِجابة، والسَّعْدُ: المُساعدة، كأَنَّه قال: لَبَّ لك وإِسعاداً
لك، ولكنَّهما تُنِيًّا على معنى التَّأكيد والتّكثير ، أي: إِجابةً بعدَ إِجابةٍ ، وإسعاداً بعد
إِسعادٍ. وقيل في أَصل ((لَبَّيْكَ)) واشتقاقِها غيرُ ذلك. انتهى (( فَتْحِ البَارِيْ)).
( قَالَ: ((يَا مُعَاذُ)). قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُوْلَ اللهِ وسَعْدَيْكَ. قَالَ: ((يَا مُعَاذُ))
قَالَ : لَّيْكَ يَا رَسُوْلَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، ثَلَاثاً ) أي: النَّاء والإِجابة قيلاً ثلاثاً. ( قَالَ )
أَي: النَّبِيُّ ◌َِّ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ
صِدْقاً مِنْ قَلْبِهِ) - متعلِّق بـ ((صدقاً))، أي: يشهد بلفظه، ويُصدِّق بقلبه ــ (إِلاَّ
حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ))) .
فإنْ قلت : إِنَّ ظاهر هذا يقتضي عدمَ دخولِ جميع مَن شهد الشَّهادتين النارَ ،
لما فيه من الثَّعميم والتَّأكيد ، وهو مصادِمٌ للأَدلّة القطعيَّة الدَّالَّة على دخول طائفةٍ من
عُصاة الموحِّدين النارَ ، ثمَّ يُخرَجُون بالشَّفاعة ؟
أُجيبَ : بأَنَّ هذا مقيّدٌ ١ - بمن قالها تائباً ثمَّ مات على ذلك. أَو أنَّ المُراد
بالتَّحريم هنا : تحريمُ الخلود ؛ لا أصل الدخول . أَو أنَّه خَرَجَ مَخْرِجَ الغالب ؛ إِذ
الغالب أنَّ الموحِّد يعمل الطّاعة، ويجتنبُ المعصية، أَو ٢ - من قال ذلك مؤدِّياً
حقّه وفرضه .
١١٥

قَالَ: يَا رَسَوْلَ اللهِ ؛ أَفَلاَ أُخْبِرُ بِهَا النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: ((إِذاً
يَتْكِلُوا ». فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ - عِنْدَ مَوْتِهِ - تَأَثُّماً. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ :
اَلْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .
قَوْلُهُ: (تَأَثُّماً) أَي : خَوْفاً مِنَ الإِثْمِ فِي كَثْمِ هَذَا الْعِلْمِ .
أَو المُرادُ : تحريمُ النَّار على اللِّسان النَّاطق بالشَّهادتين ، كتحريم مواضع السُّجود .
( قَالَ ) - أَي معاذ - (: يَا رَسُوْلَ اللهِ؛ أَفَلاَ) - بهمزة الاستفهام ، وفاء العطفِ
المحذوفِ معطوفُها ، والتَّقدير: أَقلتَ ذلك فلا - ( أُخْبِرُ بِهَا النَّاسَ فَيَسْتَبَشِرُوْا؟! )
نُصِبَ بحذف النُّون لوقوع الفاء بعد النَّي ؛ أو الاستفهام ، أو العَرْض ، وهي تنصب
في ◌َلِّ ذلك ، والتَّقدير : فَأَن يَستبشِروا .
(قَالَ) ◌َلِ: ((إِذاً) - أَيْ: إِنْ أَخبرتهم - ( يَتَّكِلُوْا))). بتشديد المثنَّة الفوقيّة ،
وكسر الكاف ، أَي : يعتمدوا على الشَّهادة المجرّدة، وهو جوابٌ وجزاءٌ ونصبٌ .
( فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ - عِنْدَ مَوْتِهِ -) - أْ: موت معاذ (تَأَثُّماً) - بِفَتْحِ المُثَنَّةِ
الفوقية؛ وفتح الهمزة؛ وتشديد المثلَّثة المضمومة؛ أَي: تجنّباً عن الإِثم - (رَوَاهُ
الشَّيْخَانِ: البُخَارِيُّ) في (( كتاب العلم ؛ بابٌ: من خصَّ بالعلم قوماً دون قوم)) .
( وَمَسْلِمٌ) واللَّفظ له في ((كتاب الإِيمان ؛ باب: الدّليل على أنَّ من مات على
التَّوحيد دخَل الجنَّةَ قطعاً)) ؛ كلاهما عن أَنَسِ بنِ مالكِ رَضِيَ اللهُ تعالى عنهُ أَنَّ نبيَّ
اللهِ وَ﴿ ومَعَاذُ بنُ جَبَلِ رَديفُه على الرَّحْل قال: ((يا مُعاذ ... )) فذكره.
( قَوْلُهُ: ((تَأَثْماً)))؛ بالتَّشديد. (أَيْ: خَوْفاً مِنَ ) الوقوع في ( الإِثْم فِي)
- أي : بسبب - ( كَتْم هَذَا العِلْم ) الَّذي أمر الله بتبليغه، حيثُ قالَ ﴿وَإِذْ أَخَّذَ اللَّهُ
مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [١٨٧/ آل عمران]، وليس فيه مخالفةٌ
لرسول الله وَ﴾ لأَنَّ نهيه مقيّدٌ بالاتّكال، إِذ كانوا حديثي عهد بالإِسلام ، فلما زال
القيد ، وصاروا حريصين على العبادة لم يبقَ نهيٌ ، أو أَنَّ النَّهي لم يكن للتَّحريم ،
بل للتَّنزيه، وإِلّ! لما كان يُخبِر به أصلاً. قال في ((الفتح)): وهذا أَوْجَهُ ، لكون
معاذٍ أَخَّر ذلك إلى وقت موته . والله أعلم .
١١٦

الْبَابُ الثَّامِنُ
فِي طِبِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَسِنِّهِ ، وَوَفَاتِهِ ، وَرُؤْيَتِهِ فِي أَلْمَنَامِ
وَفِيهِ ثَلاثَةُ فُصُولٍ
( الْبَابُ الثَّامِنُ )
من الکتاب
- وهو آخر الأبواب -
( فِيْ ) بيان الأحاديث الواردة في ( طِبِّهِ) ؛
بكسر الطَّاء : اسمُ مصدرٍ ، مِن طَبَّهُ طَباً - بالفتح -: إِذا دَاوَاهُ .
والمُراد: بيان ما يَتداوى به (وَلِي) من الأمراض البدنية .
( وَ) في بيان الأحاديث الواردة في ( سِنِّهِ)؛ أَي: مقدار عُمره الشَّريف ،
( وَوَفَاتِهِ )؛ أي: تمام أجله، ( وَرُؤْيَتِهِ ). الرُّؤية التي بالتَّاء تشمَل : رؤية البصر
في اليقظة ، ورؤية القلب ، ولهذا احتاج المصنّ إِلى تقييدها بقوله : ( فِي المَنَامِ )
أَمَّا الَّتي بالأَلِفِ ! فهي خاصَّةٌ برؤيةِ القلب في المنامِ . وقد تُستَعمَل في رؤية البصر
أيضاً .
ومذهبُ أَهلِ السُّنَّةِ أنَّ حقيقة الرُّؤيا اعتقاداتٌ يَخلُّقها الله في قلب النَّائِم ، كما
يخلقها في قلب اليقظان يفعل ما يشاء لا يَمنَعُه نومٌ ولا يقظةٌ .
( وَفِيْهِ) - أي: هذا الباب - (ثَلاَثَةُ فُصُوْلٍ ) ، سيأتي بيانُها .
١١٧

الْفَصْلُ الأَوَّلُ
فِي طِبِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اشْتَكَىُ . . نَفَثَ عَلَى نَفْسِهِ
بِالْمُعَوِّذَاتِ ، وَمَسَحَ عَنْهُ بِيَدِهِ .
( الفَصْلُ الأَوَّلُ )
من الباب الثّامن
(فِيْ) ذكر شيءٍ من الأحاديث الواردة في (طِبِّهِ وََّ)،
الَّذِي تطبَّب به ، والّذي وصفه لغيره .
قال ابنُ القيِّم : كان من هديه وَّرَ فعلُ التداوي في نفسه ، والأمرُ به لمن أَصابه
مرضٌ من أهله وأصحابه . انتهى .
وكان ◌َّه تارةً يَرْقِي بالطُّبِّ الرُّوحانيِّ، وتارةً بالجسمانيِّ؛ كالأَجزاءِ، وتارةً
بهما. انتهى (( حفني)) .
( كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ إِذَا أُشْتَكَىْ) ، أَي : مَرِض (نَفَثَ) - بالمثلَّثة -، أَي :
أَخرج الرِّيح من فمه مع شيءٍ من ريقهِ ( عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ ) - بالواو المشدَّدة -
أَي : المعوّذتين وسورة الإِخلاص ، ففيه تغليبٌ .
أَو المرادُ : الكلمات المعوِّذات بالله من الشَّيطان والأمراضِ ؛ أي : قرأها
ونَفَثَ الرِّيح على نفسه .
( وَمَسَحَ عَنْهُ بِيَدِهِ)؛ أَيْ: المحلَّ الَّذي تصل إِليه يده؛ وإنْ زَادَ على محلِّ
الوجَع .
قال الطُِّيُّ: الضَّمير في عنه راجعٌ إِلى ذلك النَّفْثِ ، والجارُّ والمجرورُ حالٌ ،
أَيْ : نَفَث على بعض جسده ، ثمَّ مسح بيده متجاوزاً عن ذلك النَّفث إِلى جميع أعضائه .
١١٨

قَوْلُهُ: (الْمُعَوِّذَاتِ ) يَعْنِي: الْمُعَوِّذَتَيْنِ، وَالإِخْلاَصَ.
وفائدة النَّفْث : التَّبِرُكُ بتلك الرُّطوبة؛ أَو الهواء الّذي ماسَّه الذِّكر، كما يُتَبرَّكُ
بِغُسَالةِ ما يُكتَب من الذِّكر ، وفيه تفاؤلٌ بزوالِ الأَلم وانفصاله ؛ كانْفِصال ذلك الرِّيق.
وخَصَّ المعوِّذات ! لما فيها من الاستعاذة مِن كلِّ مكروه ؛ جملةً وتفصيلاً ،
ففي الإِخلاص كمالُ التَّوحيد الاعتقاديِّ ، وفي الاستعاذة من شرِّ ما خلق ما يَعمُ
الأَشباح والأرواح. انتهى (( مناوي )) .
وبقيّة الحديث - كما في ((البخاريٌّ))؛ في آخر المغازي -: فَلَمَّا اشْتَكَى وَجَعَهُ
الَّذِيْ تُؤُفِّي فِيْهِ ؛ طَفِقْتُ أَنْفُثُ عَلَى نَفْسِهِ بِالمُعَوِّذَاتِ الَّتِي كَانَ يَنْفُثُ ، وَأَمْسَحُ بِيَدِ
اٌلْنَبِّ ◌َِّ عَنْهُ )) .
وفي رواية في ((الصَّحيحين)): وأَمسح بيدهِ رَجَاءَ بركتها .
والحديث ذكره في (( الجامع الصَّغيرِ)) مرموزاً له برمز متَّفق عليه - يعني رواه
البخاريُّ ومسلم - وبرمز أبي داود ، وابن ماجه ، زاد المناوي : والنَّسائي ؛ كلُّهم
عن عائشة رضي الله تعالى عنها .
فائدةٌ : قال القاضي : شهدتِ المباحث الطّبيَّة على أَنَّ الرِّيق له دخل في النَّفَع
وتبديلِ المزاج ، ولتراب الوطن تأثيرٌ في حفظ المزاج الأصليِّ ؛ ودفعٍ نكاية
المُغيِّرات ، ولهذا ذكروا في تدبير المسافر أَنَّه يستصحب ترابَ أَرضه إِن عجز عن
استصحاب مائها ، حتى إذا ورد غير الماء الَّذي تعوَّد شرْبَه ووافق مزاجَه ؛ جعل شيئاً
منه في سقايته ، ويشرب الماء من رأسه ليُحفَظ عن مضرَّة الماء الغريب ، ويأمن تغيُّر
مزاجه بسبب استنشاق الهواء المغاير للهواء المعتاد .
ثمَّ إِن الرُّقى والعزائِم لها آثار عجيبةٌ تتقاعد العقول عن الوصول إلى كُنهها .
انتھی ( مناوي )» .
و( قَوْلُهُ: الْمُعَوِّذَاتِ ) - بالواو المشدَّدة المكسورة - ( يَعْنِي: المُعَوِّذَتَيْنِ ) ﴿قُلّ
(٤)﴾ [الناس]، (وَالإِخْلاَصَ)
﴾ [الفلق]، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ
أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ
١١٩

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَشْتَكَى .. رَقَاهُ جِبْرِيلُ ؛ قَالَ :
بِأَسْمِ اللهِ يُبْرِيكَ، مِنْ كُلِّ دَاءٍ يَشْفِيكَ، وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ،
وَشَرِّكُلِّ ذِي عَيْنٍ .
ج﴾ [الإخلاص] ، فهو من باب التغليب . والله أَعلَم .
﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ
( وَ) أَخرِج مسلم في ((صحيحه))؛ عن عائشةَ - رضي الله تعالى عنها - أَنَّها
قالت : ( كَانَ) رسول الله (َِّ إِذَا أَشْتَكَىُ) - أي: مرِض - (رَقَاهُ جِبْرِيْلُ، قَالَ :
بِسْمِ اللهِ) - أي: ببركة اسمه - ( يُبْرِيْكَ)، أو أَنَّ لفظ (( باسم)) مقحم . أَي: الله
[الأعلى]، ولفظ ((اسم)) : عبارة عن
يُبْرِيكَ. من قبيل ﴿سَيِّجِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى
الكلمة الدَّالَّة على المسمَّى ، والمسمَّى هو مدلولُها، لكنَّه قد يُتَوَسَّع فيُوضَع الاسم
موضعَ المسمَّى مسامحةً . ذكره القرطبي. انتهى (( مناوي)) وغيره .
( مِنْ كُلِّ دَاءِ ) جارٌّ ومجرور متعلِّق بقوله ( يَشْفِيْكَ.
وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ ) أي : مُتَمنَّ زوالَ النِّعمة ، ( إِذَا حَسَدَ ) .
وخصّه بعد التَّعميم ! لخفاء شرِّه .
( وَشَرِّ كُلِّ ذِيْ عَيْنٍ ) ؛ من عطف الخاصِّ على العامِّ ، لأَن كلَّ عائِنٍ حاسدٌ ،
ولا عكسَ . فلمَّا كان الحاسد أَعمَّ ؛ كان تقديمُ الاستعاذة منه أَهمَّ . وهي سهام
تَخرج من نفس الحاسد والعائِن نحو المحسود والمعيون ؛ تُصيبه تارةً وتُخطئه
أُخرى، فإِن صادَقَتْه مكشوفاً لا وِقايةً عليه أَثَّرت فيه ولا بدَّ، وإِن صادَفَتْه حذِراً
شاكيَ السِّلاح ؛ لا منفذَ فيه للسِّهام خابت ، فهي بمنزلة الرَّمي الحِسِّيِّ ، لكن هذا
من النُُّوس والأرواح ، وذلك من الأَجسام والأشباح .
ولهذا قال ابن القيِّم : استعاذ من الحاسد! لأَنَّ روحه مُؤْذيةٌ للمحسود ؛ مؤَثِرةٌ
فيه أَثْراً بيِّناً لا يُنكِرِه إِلَّ مَن هو خارجٌ عن حقيقة الإِنسانيَّة . وهو أصل الإِصابة
بالعين ؛ فإِنَّ النَّفس الخبيثة الحاسدة تتكيّف بكيفيَّة خبيثةٍ ، تقابل المحسود ؛ فتُؤَثِّر
فيه بتلك الخاصِّيَّةِ .
والتّأْثير كما يكون بالاتِّصال قد يكون بالمقابلة ؛ وبالرُّؤية ، وبتوجُّه الرُّوح ؛
١٢٠