Indexed OCR Text

Pages 81-100

فقره ، ( مَجْبَنَةٌ ) أي : يجبن أباه عن الجهاد خشية ضيعته ، فكأنَّه أشار إلى التحذير
من النُّكول عن الجهاد ، والنَّفَقة بسبب الأَولاد ، بل يكتفى بحسن خلافة الله تعالى
فيُقْدِمِ ، ولا يُحجِم ، فمن طلب الولد للهوى عصى مولاه ، ودخل في قوله تعالى
﴿إِنَ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوَّا لَّكُمْ فَأَحْذَرُوهُمْ﴾ [١٤/ التغابن]، فالكامل
لا يطلب الولد إلاَّالله فيربِّه على طاعته، ويمتثل فيه أمر ربه ﴿ رَبَّنَاهَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا
وَذُرِيَِّنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾ [٧٤/ الفرقان] ( مَحْزَنَةٌ)) ) أي : يحمل أبويه على كثرة الحزن ،
لكونه إن مرض حزنا ، وإن طلب شيئاً لا قدرة لهما عليه حزنا ، فأكثر ما يفوت أبويه
من الفلاح والصّلاح بسببه ، فإن شبَّ وعقَّ ؛ فذلك الحزن الدائم ، والهمُّ السرمدي
اللازم .
سئل حكيم عن ولده ، فقال : ما أصنع بمن إن عاش كَدَّني وإن مات هَذَّني .
قال الماوردي : أخبر بهذا الحديث أن الحذر على الولد يُكسب هذه
الأوصاف ، ويحدث هذه الأخلاق ، وقد كره قوم طلب الولد ؛ كراهةً لهذه الحالة
الَّتي لا يقدر على دفعها من نفسه للزومها طبعاً ، وحدوثها حتماً . انتهى مناوي على
((الجامع )).
والحديث ذكره في ((الجامع الصغير)) بلفظ: ((إنَّ الْوَلَدَ مَبْخَلَةٌ مَجْنَبَةٌ)). ورمز
له برمز ابن ماجه عن يعلى بن مرة .
قال المناوي ؛ نقلاً عن الحافظ العراقي : إسناده صحيح . انتهى .
وذكره في ((الجامع)) أيضاً بلفظ: ((إنَّ الْوَلَدَ مَبْخَلَةٌ مَجْنبَّةٌ مَجْهَلَةُ مَحْزَنَةٌ »
ورمز له برمز الحاكم في (( الفضائل)) عن الأسود بن خلف ، من مسلمة الفتح رضي
الله تعالى عنه .
قال المناوي : قال الحاكم على شرط مسلم ، وأقره الذَّهبي . وقال الحافظ
العراقي: إسناده صحيح. انتهى. ورمز له أيضاً برمز الطَّبراني في (( الكبير)) عن
٨١

٢٧٠ - ((اَلْوَلَدُ .. لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ .. الْحَجَرُ)).
خولة بنت حكيم ، قال المناوي ؛ نقلاً عن الذّهبي : إسناده قوي .
وذكره في ((الجامع)) أيضاً بلفظ: (( الْوَلَدُ ثَمَرَةُ الْقَلْبِ، وإنَّهُ مَجْبَنَةٌ مَبْخَلَةٌ
مَحْزَنَةٌ))، ورمز له برمز أبي يعلى، زاد المناوي: وكذا البزار ؛ كلاهما عن
أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه .
قال المناوي : قال الزين العراقي - وتبعه الهيثمي - : فيه عطية العوفي وهو
ضعيف . انتهى ، وتقدم في الحديث الذي قبل هذا .
٢٧٠ - (الْوَلَدُ) - ذكر وأنثى، مفرد ومتعدد، تابع أو محكوم به - ( لِلْفِرَاشِ )
- أي : صاحبه ؛ زوجاً كان أو سيداً ، لأنّهما يفترشان المرأة بالاستحقاق ، لكن
السَّيد لا يلحق به الولد إلاّ إذا أقرَّ بالوطء (١) بخلاف الزَّوج فيلحق به من إمكان
الاجتماع بعد العقد ؛ وإن أنكر الوطء ؛ ومحلُّ كونه تابعا للفراش إذا لم ينفه
بلعان، وإلاَّ! انتفى. ومثل الزَّوج أو السيّد هنا واطىءٌ بشبهة ، وليس لزان في نَسَبه
حظٌّ، إنَّما حظُّه منه استحقاق الحدِّ كما قال : - (وَلِلْعَاهِرِ) -: الزَّاني، يقال
(عهر إلى المرأة ) ؛ إذا أتاها ليلا للفجور بها ، والعَهَر - بفتحتين - الزِّنا
- ( الْحَجَرُ)) ) أي : حظُّه ذلك، يعني: الخيبة والحرمان فيما ادعاه من النّسب،
لعدم اعتبار دعواه مع وجود الفراش للآخر. انتهى ؛ من الزرقاني وشروح ((الجامع
الصغير)) .
قال الزرقاني : وأوَّل من استلحق في الإسلام ولدَ الزِّنا معاويةُ ؛ استلحقَ في
خلافته زياد بن سميَّة أخاً ، لأنّ أباه كان زنى بها زمنَ كفره ؛ فجاءت به منه .
واستلحاقه خلاف إجماع المسلمين . انتهى . ونحوه في المناوي .
قال المناوي : وهذا الحديث قد مثل به أصحابنا في الأصول إلى أنَّ المقام
(١) بل بالنسب .
٨٢

٢٧١ - (( وَيْلٌ لِلشَّاكِّينَ فِي اُللهِ)).
الوارد على سبب خاصٍّ يعتبر عمومه ، وصورة السبب قطعيَّة الدُّخول فلا تخصُّ منه
باجتهاد كما فعله الحنفيّة ، فإنَّه وارد في ابن زمعة المختصم فيه عبد بن زمعة
وسعد بن أبي وقاص، فقال المصطفى وَّر: ((هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الْوَلَدُ
لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ».
والحديث ذكره في ((الجامع )) وغيره مرموزاً له برمز متفق ، وأبي داود ،
والنَّسائي ، وابن ماجه ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها . وبرمز الإمام أحمد ،
ومتفق عليه ، والتِّرمذي ، والنَّسائي ، وابن ماجه ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى
عنه . وبرمز أبي داود ؛ عن عثمان بن عفان . وبرمز النَّسائي ؛ عن ابن مسعود
وعبد الله بن الزُّبير . وبرمز ابن ماجه ؛ عن عمر بن الخطاب ، وعن أبي أمامة
الباهلي .
قال المناوي : وفي الباب عن غير هؤلاء أيضاً ؛ كما بيَّنه الحافظ في
((الفتح))، ونقل عن ابن عبد البر أنَّه جاء عن بضعة وعشرين صحابياً ، ثم زاد
عليه . انتهى .
وذكره السُّيوطي في ((الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة )).
٢٧١ - ( ((وَيْلٌ ) كلمة تقال لمن وقع في هلكة ؛ ولا يترحم عليه ، بخلاف
((ويح))؛ كذا في ((التنقيح))، ذكره المناوي. وقال في موضع آخر: ((ويل))
كلمة عذاب ، أو واد في جهنَّم ، أو صديد أهل النّار .
قال ابن جماعة : لم يَجِئْ في القرآن إلّ وعيداً لأهل الجرائم .
( لِلشَّاكِّيْنَ فِي اللهِ )) ) أي ؛ في وجوده ، أو في انفرداه بالألوهية ، أو كل وصف
يليق به تعالى ، كأن شكّ في قدرته أو علمه تعالى. انتهى (( عزيزي وحفني)) .
والحديث ذكره في (( كنوز الحقائق)) مرموزاً له برمز الدّيلمي في ((الفردوس)).
٨٣

( خَرْفُ اَللَّمِ أَلِفُ )
٢٧٢ - (((لَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ) .. كَنْزٌّ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَةِ)).
٢٧٣ - ((لاَ إِيمَانَ .. لِمَنْ لاَ أَمَانَةَ لَهُ)).
٢٧٤ - (( لاَ تَجْتَمِعُ أُمَّتِي .. عَلَى ضَلَاَلَةٍ )).
( حَرْفُ اَللَّمْ أَلِفْ )
٢٧٢ - ( ((لاَ إِلهَ) مستغن عن كلِّ ما سواه، ومفتقر إليه كلُّ ما عداه (إِلاَّ اللهُ)
بالرفع بدل من محلٌ (( لا)) مع اسمها ، وهو الرّفع بالابتداء عند سيبويه ، وجملة
كلمة التَّوحيد مبتدأ قصد لفظها ، والخبر ما بعدها . أي ؛ هذا اللَّفظ الَّذي هو كلمة
التوحيد ( كَنَّزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ)) ) أي ؛ ذخيرة من ذخائرها ، أو من محصلات
نفائسها ، والمعنى أنَّ قائلها يُحصِّل ثواباً نفيساً يُدَّخر له في الجنَّة .
والحديث ذكره المناوي في (( كنوز الحقائق)).
٢٧٣ - ( (لاَ إِيمَانَ) كامل ( لِمَنْ لاَ أَمَانَةً لَهُ)) ) فالأمانة لُبُّ الإيمان ، وهي منه
بمنزلة القلب من البدن ، والأمانة في الجوارح السبعة : العين ، والسمع ،
واللسان ، واليد ، والرجل ، والبطن ، والفرج . فمن ضيَّع جزءاً منها سقم إيمانه ،
وضعف بقدره. انتهى ((مناوي وزرقاني)).
وتمام الحديث: ((وَلاَ دِيْنَ لِمَنْ لاَ عَهْدَ لَهُ)). ذكره في ((المواهب))،
و((الجامع الصغير)). وقال: رواه الإمام أحمد، وأبو يعلى في ((مسنديهما))،
والبيهقي في ((الشعب))؛ عن أنس. قال الذَّهبي: وسنده قويٌّ. وصحَّحه ابن
حبَّان. انتهى زرقاني على ((المواهب)).
٢٧٤ - ( (لاَ تَجْتَمِعُ أُمَّتِي) أي؛ علماؤهم (عَلَىْ ضَلَاَلَةٍ)) ) لأنَّ العامَّة تأخذ
عنها دينها ، وإليها تفزع في النوازل ؛ فاقتضت حكمة الله ذلك .
والحديث ذكره في (( كنوز الحقائق)) وقال : أخرجه ابن أبي عاصم . انتهى .
٨٤

·
وهو في الترمذي ؛ عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما بلفظ: ((إنَّ اللهَ
تَعَالَى لاَ يَجْمَعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَاَلَةٍ ، وَيَدُ اللهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّارِ)).
ورواه عن ابن عمر أيضاً الضِّياء في ((المختارة)) بلفظ: ((إنَّ اللهَ لا يَجْمَعُ هَذِهِ
الأُمَّةَ عَلَى ضَلاَلَةٍ أَبَداً، وَإِنَّ يَدَ اللهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ؛ فَاتَّبِعُوا السَّوادَ الأَعْظَمَ، فَإِنَّهُ مَنْ
شَذَّشَذَّ فِي النَّارِ » .
قال ابن حجر رحمه الله تعالى في (( تخريج المختصر)) : حديث غريب ؛
أخرجه أبو نعيم في «الحلية)) واللالكائي في ((السُّنَّة))، ورجاله رجال الصحيح ؛
لكنَّه معلول ، فقد قال الحاكم : لو كان محفوظاً لحكمت بصخَّته على شرط
الصحيح ! لكن اختلف فيه على معتمر بن سليمان على سبعة أقوال ؛ فذكرها ،
وذلك مقتضى الاضطراب ، والمضطرب من أقسام الضعيف . انتهى مناوي على
((الجامع )) .
وذكره في ((الكشف )) بلفظ المصنّفٌّ ، وقال :
رواه الإِمام أحمد، والطبراني في ((الكبير))، وابن أبي خيثمة في ((تاريخه))؛
عن أبي نضرة الغفاري رفعه في حديث: (( سَألْتُ رَبِّي أنْ لاَ تَجْتَمِعَ أُمَّتِي عَلَى ضَلاَلَةٍ
فَأَعْطَانِهَا » .
والطَّبراني وحده، وابن أبي عاصم في (( السنَّة))؛ عن أبي مالك الأشعري
رفعه : ((إنَّ اللهَ تَعَالَى أَجَارَكُمْ مِنْ ثَلاثِ خِلاَلٍ: ١ - أَنْ لاَ يَدْعُوَ عَلَيْكُمْ نَبِيُكُمْ
فَتَهْلِكُوا جَمِيعاً، و٢ - أَنْ لاَ يَظْهَرَ أَهْلُ الْبَاطِلِ عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ، وَ ٣ - أَنْ
لاَ يَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلَاَلَةٍ ».
ورواه أبو نعيم والحاكم، وأعلَّه اللالكائي في ((السُّنَّةَ)) وابن منده .
ومن طريقه الضِّياء ؛ عن ابن عمر رفعه: ((إنَّ اللهَ لاَ يَجْمَعُ هَذِهِ الأُمَّةَ عَلَى
ضَلَاَلَةٍ أَبَداً ، وإنَّ يَدَ اللهِ مَعَ الْجَماعَةِ، فَاتَبِعُوا السَّوادَ الأَعْظَمَ، فَإِنَّ مَنْ شَذَّشَذَّ في
النَّارِ )). وكذا هو عند التِّرمذي، لكن بلفظ «أُمَّتِي)).
٨٥

٢٧٥ - ((لاَ تَخْتَلِفُوا .. فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ)).
٢٧٦ - (( لاَ تَسُبُوا الدُّنْيَا .. فَإِنَّهَا مَطِيَّةُ الْمُؤْمِنِ».
ورواه عبد بن حميد ، وابن ماجه ؛ عن أنس رفعه: ((إنَّ أُمَّتِي لاَ تَجْتَمِعُ عَلَى
ضَلَاَلَةٍ ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ الاخْتِلاَفَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوادِ الأَعْظَمِ » .
ورواه الحاكم؛ عن ابن عباس رفعه بلفظ: ((لاَ يَجْمَعُ اللهُ هَذِهِ الأُمَّةَ عَلَى
ضَلَاَلَةٍ ، وَيَدُ اللهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ » .
والجملة الثانية عند التِّرمذي وابن أبي عاصم ؛ عن ابن مسعود موقوفاً في
حديث: ((عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ اللهَ لاَ يَجْمَعُ هَذِهِ الأُمَّةَ عَلَى ضَلاَلَةٍ )) زاد غيره :
(( وَإِيَّاكُمْ وَالتَّلَؤُّنُ فِي دِينِ اللهِ » .
وبالجملة فالحديث مشهورُ المتن ، وله أسانيد كثيرة ، وشواهد عديدة في
المرفوع وغيره ؛ فمن الأول: ((أنُّمْ شُهَدَاءُ اللهِ في الأَرْضِ)) . ومن الثَّاني قول ابن
مسعود : إذا سئل أحدكم فلينظر في كتاب الله ، فإن لم يجده ! ففي سنَّة
رسول الله وَير، فإن لم يجده فيها! فلينظر فيما اجتمع عليه المسلمون ، وإلاّ!
فليجتهد . انتهى كلام (( الكشف )).
٢٧٥ - ( ((لاَ تَخْتَلِفُوْا) أي: لا يتقدم بعضكم على بعض في الصَّلاة (فَتَخْتَلِفَ )
بالنَّصب جواب النَّهي ( قُلُوْبُكُمْ)) ) أي: هواها وإرادتها، لأنَّ تقدُّم البعض على
البعض مظنَّة للكبر المفسد للقلوب ، وسببٌ لتأثّرها النَّشئ عن الحنق والضَّغائن ،
وفيه أنَّ القلب تابع للأعضاء ، فإذا اختلفت اختلف ، وإذا اختلف فسد ففسدت
الأعضاء ؛ لأنه رئيسها . انتهى شروح ((الجامع)).
والحديث أخرجه الإمام أحمد ومسلم والنَّسائي ؛ عن أبي مسعود : عقبة بن
عمرو البدري الأنصاري مرفوعاً . وأخرجه الإمام أحمد وأبو داود والتّرمذي ؛ عن
عبد الله بن مسعود الهذلي مرفوعاً . وأخرجه أبو داود والنَّسائي والإمام أحمد ؛ عن
البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه مرفوعاً .
٢٧٦ - ( ((لاَ تَسُبُّوْا الذُّنْيَا فَإِنَّهَا مَطِيَّةُ الْمُؤْمِنِ))) توصله إلى الآخرة لكونه يتزوَّد
٨٦

٢٧٧ - (( لاَ تَصْحَبْ .. إِلَّ مُؤْمِناً، وَلاَ يَأْكُلْ طَعَامَكَ .. إِلاَّ تَقِيٌّ)).
فيها أعمالاً صالحة . ذكره في (( كنوز الحقائق)) مرموزاً له برمز الدَّيلمي في
((الفردوس)) ؛ أي : عن ابن مسعود رضي الله عنه .
٢٧٧ - ( ((لاَ تَصْحَبْ إِلاَّ مُؤْمِناً) وكامل الإيمان أولى، لأنَّ الطِّباع سرّاقة ؛
ومن ثَمَّ قيل : صحبةُ الأخيار تورث الخير ، وصحبة الأشرار تورث الشرّ ؛ كالرّيح
إذا مرَّت على نتن حملت نتناً ، وإذا مرَّت على الطِّيب حملت طيباً .
وقال الشَّافعيُّ : ليس أحد إلّ له مُحبٌّ ومبغض ؛ فإذن لا بدَّ من ذلك فليكن
المرجع إلى أهل طاعة الله . ولذلك قيل :
وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ قَبِيلٍ وَلاَ بَلَدْ
وَلاَ يَصْحَبُ الإنْسانَ إلاَّ نَظِيرُهُ
وصحبة من لا يخاف الله لا تؤمَن غائلتها لتغيّره بتغيُّر الأعراض ، قال تعالى
(@)﴾ [الكهف] ، والطّبع يسرق
﴿وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَُّ عَن ذِكِْنَا وَأَنَّبَعَ هَوَئُهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا
من الطبع من حيث لا يدري .
والطَّبْعُ مِنْ عَادَتِهِ سَزَّاقُ
وَمَعَهُمْ قَدْ تَفْسُدُ الأخْلاَقُ
(وَلاَ يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلاَّ تَقِيٌّ)) ) لأنَّ المطاعمة توجب الألفة، وتؤدِّي إلى
الخلطة ، بل هي أوثق عرى المداخلة ، ومخالطة غير التقي تخلُّ بالدِّين ؛ وتوقع في
الشُّبه والمحظورات ، فكأنَّه ينهى عن مخالطة الفجَّار ، إذ لا يخلو عن فساد ، إما
بمتابعة في فعل ، أو مساومة في إغضاءٍ عن منكر ، فإن سلم من ذلك ولا يكاد !!
فلا تخطئه فتنة الغير به ، وليس المراد حرمان غير التَّقي من الإِحسان ، لأنَّ
المصطفى ﴿ أَطعم المشركين وأعطى المؤلفة للمئين ، بل يطعمه ولا يخالطه .
والحاصل : أنّ مقصود الحديث - كما أشار إليه الطِّيبي - النَّهي عن كسب
الحرام وتعاطي ما ينفر منه المثَّقي ، فالمعنى : لا تصاحب إلاّ مطيعاً ، ولا تخالل
إلّ تقيّاً. انتهى مناوي على ((الجامع)).
والحديث أخرجه الإمام أحمد والتِّرمذي وأبو داود وابن حبّان والحاكم ؛ عن
أبي سعيد الخدري ، وأسانيده صحيحة .
٨٧

٢٧٨ - ((لَاَ خَيْرَ .. فِي صُحْبَةٍ مَنْ لاَ يَرَى لَكَ مِثْلَ مَا تَرَىْ لَهُ )).
٢٧٨ - ( (لاَ خَيْرَ فِي صُحْبَةٍ مَنْ لاَ يَرَى لَكَ) أي : من الحقِّ (مِثْلَ مَا تَرَى
لَهُ))) بأن يكون عنده من الرغبة والمودَّة والنَّفْع مثل ما عندك له ، كما قال الشاعر :
إِذا كَانَ لاَ يُدْنِيكَ إلاَّ شَفَاعَةٌ فَلاَ خَيْرَ فِي وُدِّ يَكُونُ بِشَافِعٍ
فَمن لم یکن یری لك مثل ما ترى له ؛ فلا خير في صحبته .
قال المناوي : كجاهلٍ قَدَّمَه المالُ وَبذْلُ الرَّشوة في فضائل دينيَّة لحاكم ظالم
منعها أهلها وأعطاه مكافأة لرشوته ، فتصدّر وترأَّس وتنگّب حتی ان یری لأحد مثل
ما يرى له ، وتشبَّه بالظّلَمة في تبسُّطهم وملابسهم ومراكبهم .
قال بعضهم : وكأَنَّه يشير إلى تجنُّب صحبة المتكبِّرين المتعاظمين في دين أو
دنيا ، سواء كان فوقه أو دونه ، لأنَّه إن كان فوقه لم يعرف له حقَّ متابعته وخدمته ،
بل يراه حقّاً عليه ، وأَنَّه شرف بصحبته ، فإن صحبته في طلب الدِّين قطعك بكثرة
اشتغاله عن الله ، وإن صحبته للدّنیا منَّ علیك برزق الله . وإن کان دونك لم يعرف
لك حرمة ، بل يرى له حقًّا بصحبته لك، فإن صحبته في الدِّين كَدَّره عليك بسوء
معاشرته ، أو الدُّنيا لم تأمن من أَذِيَّته وخيانته . انتهى كلام المناوي .
والحديث ذكره في ((كشف الخفا))، وقال: رواه الدَّيلمي ؛ عن أنس رضي الله
عنه ، ورواه العسكري ؛ عن أنس رفعه بلفظ: ((الْمَرءُ عَلَى دِينٍ خَلِيلِهِ ، وَلاَ خَيْرَ فِي
صُحْبَةٍ مَن لَّ يَرَى لَكَ مِنَ الخَيْرِ - أَو: مِنَ الحَقِّ - مِثْلَ أَلَّذِي تَرَى لَهُ)) . ورواه ابن
عدي في (( كامله )) بسند ضعيف .
وروى اللَّيث عن مجاهد أنّه قال: كانوا يقولون (( لا خير في صحبة من لا يرى
لك من الحق ، مثل ما ترى له)).
ولأبي نعيم ؛ عن سهل بن سعد رفعه: (( لاَ تَصْحَبَنَّ أَحَداً لاَ يَرَى لَكَ مِنَ
الْفَضْلِ كَمَا تَرَى لَه ». انتهى ملخَّصاً .
وذكره المناوي في (( كنوز الحقائق)» مرموزاً له برمز ابن عدي .
٨٨

٢٧٩ - ((لاَ ضَرَرَ .. وَلاَ ضِرَارَ)).
٢٨٠ - ((لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ .. فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ)).
٢٧٩ - (((لاَ ضَرَرَ) أي: لا يضر الرّجُل أَخاه فينقصه شيئا من حقِّه
( وَلاَ ضِرَارَ ))) : فِعال بكسر أوَّله ؛ أي لا يجازي من ضرّه بإدخال الضَّرر عليه ؛ بل
يعفو . فالضَّرر فعلُ واحدٍ ، والضِّرار فعلُ اثنينٍ . أو : الضّرر ابتداء الفعل ،
والضِّرار الجزاء عليه ، والأوّل إلحاق مفسدة بالغير مطلقا ، والثَّاني إلحاق مفسدة
بالغير على وجه المقابلة ؛ أي : كل منهما يقصد ضرر صاحبه .
وفيه تحريم سائر أنواع الضَّرر إلّ بدليل، لأنَّ النَّكرة في سياق النَّفي تعمُّ . وفيه
حذف أصله ؛ لا لحوق أو إلحاق ، أو : لا فعل ضَررٍ أو ضرار بأحد في ديننا .
أي : لا يجوز شرعا إلّ لموجب خاصٌّ. انتهى ((مناوي)).
والحديث ذكره في (( كشف الخفا)) وغيره ؛ وقال: رواه مالك والشَّافعي. عن
يحيى المازنيِّ مرسلاً، والإمام أحمد وعبد الرَّزَّاق وابن ماجه والطَّبراني؛ عن ابن
عباس ، وفي سنده جابر الجعفي .
وأخرجه ابن أبي شيبة والدّار قطني عنه .
وفي الباب عن أبي سعيد وأبي هريرة وجابر وعائشة وغيرهم . انتهى .
وفي المناوي: الحديث حَسَّنه النووي في (( الأربعين ))، ورواه مالك مرسلاً ،
وله طرق يقوِّي بعضها بعضاً .
وقال العلائيُّ : للحديث شواهد ؛ ينتهي مجموعها إلى درجة الصحّة أو الحسن
المحتجّ به . انتهى .
٢٨٠ - ( ((لاَ طَاعَةً لِمَخْلُوْقٍ) من المخلوقين كائناً من كان؛ أباً أو أمَّا ، أو
زوجاً أو سيداً ( فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ ))) بل كلُّ حقِّ - وإنْ عظم - ساقط إذا جاء
حقُّ الله ، فهو خبرٌ بمعنى النهي ، أي : لا ينبغي ولا يستقيم ذلك .
٨٩

٢٨١ -(( لاَ عَقْلَ كَالتَّذِيرِ، وَلاَ وَرَعَ كَأَلْكَفِّ، وَلاَ حَسَبَ ..
كَحُسْنِ الْخُلُقِ » .
وتخصيص ذكر المخلوق والخالق !! يشعر بعِلِّيّة هذا الحكم(١).
قال الزّمَخْشَري : قال مسلمة بن عبد الملك لأبي حازم : ألستم أُمِرْتم بطاعتنا
بقوله تعالى ﴿وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [٥٩/ النساء] قال: أليس قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحقَّ
بقوله تعالى ﴿فَإِن تَنَزَعْثُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [٥٩/ النساء].
قال ابن الأثير : يريد طاعة ولاة الأمر إذا أَمروا بما فيه إثمٌ كقتل ونحوه .
وقيل : معنى الحديث : أنَّ الطّاعة لا تسلَمُ لصاحبها ، ولا تخلص إذا كانت
مشوبة بمعصية . والأوّل أشبه بمعنى الحديث . انتهى ((مناوي)) .
والحديث ذكره في ((كشف الخفا)) وغيره ؛ وقال : رواه الإمام أحمد ،
والحاكم ؛ عن عمران بن حصين . ورواه أبو داود والنَّسائي ؛ عن علي بلفظ :
((لاَ طَاعَةَ لأحَدٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ ، إِنَّما الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ )).
ورواه أحمد ؛ عن أنس بلفظ: ((لاَ طَاعَةَ لِمَنْ لَمْ يُطِعِ اللّهَ)). انتهى .
قال المناوي في حديث عمران : قال الهيثميُّ رجال أحمد رجالُ الصَّحيح ،
ورواه البغوي عن النَّاس ، وابن حبَّان؛ عن علي بلفظ: ((لاَ طَاعَةَ لِبَشَرٍ في
مَعْصِيةِ اللهِ )). وله شواهد في ((الصَّحيحين)). انتهى.
٢٨١ - ( ((لاَ عَقْلَ كَالتَّذْبِيْرِ) قال الطِّيبي: أراد بالتَّدبير العقل المطبوع.
وقال القيصري : هو خاطر الرُّوح العقلي ، وهو خاطر التَّدبير لأمر المملكة
الإنسانيّة ، فالنَّظر في جميع الخواطر الواردة عليه من جميع الجهات ، ومنه تؤخذ
الفهوم والعلوم الربَّانيَّةُ، وهذا الشَّخص هو الملك ، وإليه ترجع أمور المملكة ؛
فيختار ما أمره الشّرع أن يختار ويترك ما أمره الشّرع أن يتركه ، ويستحسن ما أَمره
الشَّرع أن يستحسنه ، ويستقبح ما أَمره الشَّرع أن يستقبحه ، وصفة خاطر هذا الملك
(١) أي: جعل الخَلق علَّة للطاعة من المخلوق لخالقه.
٩٠

٢٨٢ - ((لاَ فَقْرَ .. أَشَدُّ مِنَ الْجَهْلِ، وَلاَ مَالَ .. أَعَزُّ مِنَ الْعَقْلِ ،
وَلاَ وَحْشَةَ . . أَشَدُّ مِنَ الْعُجْبِ ».
التثبُّت والنَّظر في جميع ما يَرِد عليه من الخواطر ، فينفَّذ منها ما يجب تنفيذه ، ويردُّ
ما یجب ردُّه .
وخواطر هذا الجوهر الشَّريف ؛ وإن كثرت ترجع إلى ثلاثة أنواع: ١ - الأَمر
بالتنزُّه عن دنيٍّ الأخلاق والأعمال والأحوال ظاهراً وباطناً . و٢ - الأَمر بالاتصاف
بمحاسن الأخلاق والأعمال والأحوال وأعاليها كذلك. و٣ - الأمر بإعطاء جميع
أهل مملكته حقوقَهم وتنفيذ الأحكام الشّرعية فيهم .
( وَلاَ وَرَعَ كَالكَفِّ) أي : كفِّ اليد عن تناول ما يضطرب القلب في تحليله
وتحريمه .
( وَلاَ حَسَبَ ) أي ؛ ولا مجد ولا شرف (كَحُسْنِ الْخُلُقِ))) بالضم ، إذ به
صلاح الدُّنيا والآخرة .
والحديث ذكره في (( الجامع )) مرموزاً له برمز ابن ماجه ، أي ؛ وكذا ابن
حبَّان، والبيهقي في ((الشعب))؛ كلُّهم عن أبي ذرِّ الغفاري رضي الله تعالى عنه،
وإسناده ضعيف؛ كما في شروح ((الجامع)).
٢٨٢ - ( (لاَ فَقْرَ أَشَدُّ مِنَ الْجَهْلِ) بالعلم الشَّرعي، لأَنَّ العلم ميراث الأنبياء،
فمن حُرِمَه فهو الفقير على الحقيقة .
(وَلاَ مَالَ أَعَزُّ مِنَ الْعَقْلِ ) لأنَّ العقل دليل المؤمن ، إذ هو عقال لطبعه أَن يجري
بعجلته وجهله لتقدُّم العقل بين يدي كلِّ أَمر من فعل وترك ؛ مسترشداً به في عاقبته ،
استضاءة بنوره ، فمن أعطي العقل فقد حصل على خير كبير . ولله درُّ مَن قال :
(١)
٠٠٠٠
(١) فراغ في الأصل !!
٩١

٢٨٣ - ((لاَ يَجْنِي عَلَى أَلْمَرْءِ .. إِلَّ يَدُهُ)).
٢٨٤ - ((لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ .. أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِماً)).
( وَلاَ وَحْشَةَ أَشَدُّ مِنَ الْعُجْبِ)) ) الَّذي هو استعظام العمل غافلاً عن منَّة الله
تعالى فيه. والحديث ذكره في (( كشف الخفا)) بلفظ: ((لاَ فَقْرَ أَشَدُ مِنَ الْجَهْلِ،
وَلاَ مَالَ أكْثَرُ مِنَ الْعَقْلِ، وَلاَ وَحْشَةَ أوْحَشُ مِنَ الْعُجْبِ ، وَلاَ وَرَعَ كَالْكَفِّ عَنْ
مَحَارِمِ اللهِ ، وَلاَ حَسَبَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ وَلاَ عِبَادَةَ كَالتَّفَكُّرِ))، وقال : رواه ابن
ماجه ، والطَّبراني عن أبي ذرٍّ. وفي الباب عن عليٍّ بن أبي طالب . انتهى.
قال المناوي: أخرج في ((الشُّعب)) عن علي كرَّم الله وجهه: ((التَّوفِيقُ خَيْرُ
قَائِدٍ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ خَيْرُ قَرِينٍ ، وَالْعَقْلُ خَيْرُ صَاحبٍ، وَالأَدَبُ خَيْرُ مِيراثٍ ،
وَلا وَحْشَةَ أَشَدُّ مِنَ الْعُجْبِ )) قالوا: وذا من جوامع الكلم . انتهى .
٢٨٣ - ( ((لاَ يَجْنِي عَلَى الْمَرْءِ) أي: الرَّجُل، والمراد الإنسان فيشمل
المرأة ، أي لا يوصل إليه مكروهاً (إِلاَّ يَدُهُ)) ) لأَنَّه يذنب فيعاقَب من الله ؛ أو
الحاكم ، فكأنَّ المعاقِب لنفسه لتسبُبه في إيصال العقاب لها .
وخصَّ اليد !! لمباشرتها غالباً الجنايات. انتهى ((زرقاني)).
والحديث ذكره في ((المواهب))؛ وقال : رواه الشيخان ؛ أي : البخاري
ومسلم في حديث ، ولأحمد وابن ماجه ؛ من حديث عمرو بن الأحوص : إنَّه شهد
حجَّة الوداع، وفيه : ((لاَ يَجْنِي جَانٍ إلاَّ عَلَى نَفْسِهِ)) وَقَدْ أَرَادَ وَِّ بهذا أنَّه لا يؤخذ
إنسان بجناية غيره ؛ إنْ قتل أو جرح أو زنى ، وإنَّما يؤخذ بما جنته يده ، فيده هي
الّتي أَذَّته لذلك فهو إبطال لأمر الجاهليّةِ ، كانوا يقودون بالجناية مَن يجدونه ؛ من
الجاني وأقاربه ، الأقرب فالأقرب ، وعليه الآن أَهل الجفا من سكان البوادي
والجفاء . انتهى .
٢٨٤ - ( ((لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ) - بالتَّشديد أي: يفزِّع - ( مُسْلِماً))) وإن
كان هازلاً ؛ كإِشارته بسيف أوّ حديدة أَو أَفعى ، أو أخذٍ متاعه فيفزع لفقده ، لما في
٩٢

٢٨٥ - ((لاَ يَزَالُ الرِّجَالُ بِخَيْرٍ .. مَا لَمْ يُطِيعُوا النِّسَاءَ)).
٢٨٦ - ((لاَ يَشْكُرُ اللهَ .. مَنْ لاَ يَشْكُرُ النَّاسَ)).
ذلك من إدخال الأذى والضَّرر عليه، و((الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ
وَيَدِهِ)) .
والحديث ذكره في (( الجامع الصغير)) مرموزاً له برمز الإمام أحمد وأبي داود ؛
من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن رجال من الصّحابة : أنَّهم كانوا يسيرون
مع النَّبِي ◌َّهِ، فقام رجل منهم فانطلق بعضهم إلى حبل معه، فأخذه؛ ففزَّعه ...
فذكره رسول الله چر .
قال الزين العراقي بعد ما عزاه لأحمدَ والطَّبرانيُّ : حديث حسن .
وذكره في (( كشف الخفا)) ؛ وقال : رواه الطَّبراني وابن منيع ؛ عن التُّعمان بن
بشير .
وفي الباب عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم أجمعين . انتهى .
٢٨٥ - ( ((لاَ يَزَالُ الرِّجَالُ بِخَيْرٍ مَا لَمْ يُطِيْعُوا) أي : مدة عدم إطاعتهم
( النِّسَاءَ)))، فإذا أطاعوهنَّ قلَّ خيرهم ، وذلك من أشراط السّاعة .
والحديث ذكره في (( كنوز الحقائق )) مرموزاً له برمز الطَّبراني .
٢٨٦ - ( (لاَ يَشْكُرُ اللهَ مَنْ لاَ يَشْكُرُ النَّاسَ)) ) أي : من كان طبعه وعادته كفران
نعمة النَّاسِ وترك الشُّكر لمعروفهم كان عادته كفرانَ نِعَم الله وترك الشُّكر له .
قال الحافظ ابن حجر كابن العربي: فيه أربع روايات رفع ((اللهُ)) و((النَّاسُ))،
ونصبهما ، ورفع أحدهما ونصب الآخر .
وعلى رفعهما ؛ معناه : من لا يشكرُهُ النَّاس لا يشكرُهُ الله .
وعلى نصبهما معناه : من لا يشكر النَّاس بالثّناء بما أولوه لا يشكر الله ؛ فإنَّه أمر
بذلك عبيده ، أو من لا يشكر النّس كمن لا يشكرُ الله ، ومن شكرهم كمن شكره .
٩٣

٢٨٧ -((لاَ يُغْنِي حَذَرٌ .. مِنْ قَدَرٍ )).
وعلى رفع أحدهما ونصب الآخر معناه : لا يكون لله شاكراً إلا مَن كان شاكراً
للنّاس ، وشكر الله ثَناؤه على المحسن ، وإجراؤه النِّعم عليه بغير زوال .
قال الزّين العراقي : والمعروف المشهور في الرِّواية نصبُهما ، ويشهد له حديث
عبد الله بن أحمد: (( مَنْ لاَ يَشْكُرُ النَّاسَ لاَ يَشْكُرُ الله)). انتهى ((مناوي)).
والحديث ذكره في (( الكشف )) وقال : رواه الإمام أحمد بسند رجاله ثقات ؛
عن الأشعث بن قيس رفعه . وأبو داود والترمذي ؛ عن أبي هريرة مرفوعاً ،
وصححه الترمذي ؛ عن أبي هريرة . انتهى .
وذكره في ((الجامع)) بلفظ: (( مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النّاسَ لَمْ يَشْكُرِ الله » . ورمز له
برمز الإمام أحمد والترمذي والضِّياء في (( المختارة)) ؛ عن أبي سعيد الخدري .
قال المناوي : قال التّرمذي : حسن . وقال الهيثميّ : سند أحمد حسن .
ولأبي داود وابن حبَّان ونحوه ؛ من حديث أبي هريرة ، وقال: صحيح . انتهى.
وذكره في ((الجامع)) أيضاً بلفظ: ((التَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللهِ شُكْرٌ وَتَرْكُهُ كُفْرٌ ، وَمَنْ
لاَ يَشْكُرُ الْقَلِيلَ لاَ يَشْكُرُ الْكَثِيرَ، وَمَنْ لاَ يَشْكُرُ النَّاسَ لاَ يَشْكُرُ الله، وَالْجَمَاعَةُ بَرَكَةٌ
وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ)) ورمز له برمز البيهقي في (( شعب الإيمان)) ؛ عن النُّعمان بن بشير
رضي الله تعالى عنهما .
قال المناوي : فيه أبو عبد الرحمن الشَّامي أورده الذَّهبي في الضُّعفاء ، وقال
الأزدي : كذّاب . ورواه عنه أحمد بسند رجاله ثقات ، كما بيَّنه الهيثمي ، فكان
ينبغي للمؤلف - يعني السّيوطي - عزوه له . انتهى كلام المناوي رحمه الله تعالى .
٢٨٧ - ( ((لاَ يُغْنِي حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ))) وإنّما يستعمل العبد الحذر !! لأَنّه من
جملة الأسباب المأمور بمباشرتها ؛ فهو يحترز حسب الاستطاعة ؛ معتقداً أَنَّه
لا يدفع القضاء المبرم .
والحديث ذكره في (( كشف الخفا)) وقال: رواه الإمام أحمد ، والحاكم
٩٤

٢٨٨ - ((لاَ يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ .. مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ)).
وصحَّحه ؛ عن عائشة مرفوعاً . وأخرجه الدّيلمي ؛ عن عائشة ومعاذ بلفظ :
((لاَ يَنْفَعُ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ ، والدُّعاءُ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ )). انتهى .
وذكره في ((الجامع)) مرموزا له برمز الحاكم، في ((كتاب الدُّعاء))؛ عن
عائشة رضي الله تعالى عنها ، قال المناوي: وتمامه عند الحاكم ((وَالدُّعاءُ يَنْفَعُ مِمَّا
نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ ، وإِنَّ الْبَلاَءَ لَيَنْزِلُ فَيَتَلقَّهُ الذُّعَاءُ فَيَعْتَلِجانِ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ».
انتهى .
ثم قال المناوي: قال الحاكم: صحيح ، وتعقّبه الذَّهبي في (( التلخيص)) بأنَّ
زكريا بن منصور أحد رجاله مجمعٌ على ضعفه . انتهى .
وفي ((الميزان)): ضعَّفه ابن معين ووهَّاه أبو زرعة . وقال البخاري : منكر
الحديث ، وساق له هذا الخبر ، وقال ابن الجوزي : حديث لا يصحُّ . انتهى كلام
المناوي .
٢٨٨ - ( ((لاَ يُلْدَغُ) - بالمثنّة التحتيّة المضمومة واللام الساكنة وبالدَّال
المهملة المفتوحة والغين المعجمة - ( الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ ) - بضم الجيم فحاء مهملة -
(مَرَّتَيْنِ))) .
قال الشِّهاب الخفاجي : أريد بها التكرار ؛ كقوله تعالى ﴿فَرْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن
قُطُورٍ جَا ثُمَّ أَجْعِ الْصَرَ كََّنٍ﴾ [٤٣/ الملك] لكنَّه اقتصر على الأقل، لأَنَّ أنسبُ بالجزم.
انتهى .
قال المناوي :
روي ١ - برفع الغين المعجمة نفيٌ ؛ معناه المؤمن المتيقُّظ الحازم لا يؤتى من
قبل الغفلة فيخدعَ مرة بعد أخرى ، و٢ - بكسر الغين نهيٌ ؛ أي ؛ ليكن فطنا كيِّسا
لئلا يقع في مكروه بعد وقوعه فيه مرةً قبلها. وذا من جوامع كلمه وَّي الّتي لم يسبق
إليها .
٩٥

٢٨٩ - ((لاَ يَكُونُ الرَّجُلُ مِنَ الْمُتَّقِينَ .. حَتَّى يَدَعَ مَا لاَ بَأْسَ فِيهِ ،
حَذَراً مِمَّا بِهِ بَأْسٌ)) .
أراد به تنبيه المؤمن على عدم عوده لمحلِّ حصول مضرّة سبقت له فيه ، وكما أن
هذا مطلوب في أمر الدّنيا ؛ فكذا في أمور الآخرة ، فالمؤمن إذا أذنب ينبغي أن يتألّم
قلبه كاللّديغ ، ويضطَرب ولا يعود . انتهى .
وسبب الحديث أنَّ أبا عزة الجمحي(١) أُسر ببدر فمنَّ عليه رسول الله بَ لَه على أن
لا يهجوَه ، ولا يحرّض عليه؛ فغدر، ثم أُسِر بأحد ، فقال: يا رسول الله؛ غُلبت
أقلني ، فَقَالَ: ((لاَ أَدَعُكَ تَمْسَحُ عَارِضَيْكَ بِمَكَّةَ تَقُوْلُ ( خَدَعْتُ مُحَمَّداً مَرّتَيْنٍ ) !
وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لاَ يُلْدَغُ مِنْ جُحْرِ مَرَّتَيْنِ )) . ثم أمر بضرب عنقه، فصار الحديث مثلاً .
ولم يسمع ذلك قبل المصطفى والتر .
نعم ذكر الشِّهاب الخفاجي : أنَّ من حِكَم اليونان وأمثالهم قولهم : لا يُرمَى
العاقل بحجر مرتين . فانظر الفرق بين كلام النُُّوَّة وغيرها !!.
وفي ((العزيزي )) : قيل : المرادُ بالمؤمن في هذا الحديث الكاملُ الّذي أوقفته
معرفته على غوامض الأمور ، حتى صار يحذر مما سيقع ، وأمّا المؤمن المغفَّل !
فقد يلدغ مراراً من جُخْر .
وفيه أدب شريف أدَّب به النَّبِيُّ وَّهِ أَمَّته، ونبَّههم كيف يحذرون ممَّا يخافون
سوء عاقبته . انتهى .
والحديث ذكره في ((الجامع)) مرموزاً له برمز الإمام أحمد ، والشَّيخين :
البخاري ومسلم ، وأبي داود ، وابن ماجه كلُّهم ؛ عن أبي هريرة ، وبرمز الإمام
أحمد وابن ماجه كلاهما ؛ عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما .
٢٨٩ - ( (لاَ يَكُوْنُ الرَّجُلُ مِنَ الْمُتَّقِيْنَ) - أي: لا يبلغ العبد حقيقة التَّقوى -
(حَتَّى يَدَعَ مَا لاَ بَأْسَ فِيْهِ حَذَراً مِمَّا بِهِ بَأْسٌ )) ) أي: يترك فضول الحلال ؛ حذراً من
(١) وكان شاعراً .
٩٦

٢٩٠- (( لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ . . حَتَّى يُحِبَّ
الوقوع في الحرام ، ويسمّى هذا ورع المتَّقين . وهذه الدرجة الثانية من درجات
الورع .
قال عمر : كنّا ندع تسعة أعشار الحلال خوف الوقوع في الحرام .
وكان بعضهم يأخذ ما يأخذ بنقصان حبَّة ، ويعطي ما عليه بزيادة حبّة . ولذلك
أخذ عمر بن عبد العزيز بأنفه(١) من ريح المسك الذي لبيت المال ، وقال : هل
ينتفع إلاّ بریحه !!
ومن ذلك ترك النَّظر إلى تجمُّل أهل الدنيا ، فإنَّه يحرِّك داعية الرّغبة فيها . انتهى
(( عزيزي )) .
والحديث ذكره في ((الجامع)) بلفظ: (( لاَ يَبْلُغُ الْعَبْدُ أنْ يَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى
يَدَعَ مَا لاَ بَأْسَ بِهِ حَذَراً مِمَّا بِهِ بأسٌ)) ورمز له برمز التِّرمذي وابن ماجه والحاكم
كلهم ؛ عن عطية بن عروة السّعدي رضي الله تعالى عنه ، وقال التِّرمذي : حسن
غريب . انتهى بزيادة من المناوي .
٢٩٠ - ( ((لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ ) إيماناً كاملاً ؛ فالمراد بنفيه هنا نفيُ بلوغ حقيقته
ونهايته ، كخبر ((لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ)) ونفي اسم الشيء على معنى
نفي الكمال مستفيضٌ في كلامهم ، كقولهم : فلان ليس بإنسان . ولا يرد استلزامه
أنَّ فاعل ذلك يكمل إيمانه ؛ وإن ترك بقيّة الأَركان !! لأنَّ هذا ورد مورد المبالغة ،
ويستفاد من قوله وَ﴿ لأخيه المسلم ملاحظةُ بقية صفات المسلم . وصرَّح في رواية
ابن حبّان بالمراد، ولفظ ((لاَ يَبْلُغُ الْعَبْدُ حَقِيقَةَ الإيمانِ)) إذ معنى الحقيقةِ الكمال
ضرورة إن من لم يتَّصف بهذه الصِّفة لا يكون كافراً .
( حَتَّى يُحِبَّ) - بالنَّصب، لأنَّ ((حَتَى)) جارَّةٌ و((أَنْ)) بعدها مضمرة ،
(١) أي: يمسك بيده على أنفه لئلا يتمتع بريح المسك. ( عبد الجليل ).
٩٧

لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)).
ولا يجوز الرَّفع فتكون (( حتَّى )) عاطفة !! لفساد المعنى ، إذ عدمُ الإیمان لیس سببا
للمحبّة . ذكره الكرماني - ( لأَخِيْهِ) - المسلم كما زاده في رواية الإسماعيلي ولعلّه
غالبي ، فالمسلم ينبغي حبُّه للكافر الإسلام ، وما يترتب عليه من خير وأجر - ( مَا يُحِبُّ
لِنَفْسِهِ)) ) من الخير ؛ كما في رواية النَّسائي وابن منده والإسماعيلي والقضاعي ،
والمراد أن يحبَّ لأخيه من الخير نظيرَ ما حصل له من جهة لا يزاحمه فيها .
وليس المراد أن يحصل لأخيه ما حصل له مع سَلْبه عنه ، ولا مع بقائه بعينه ؛ إذ
قيام الجوهر أو العرض بمحلّين محال ، قال الكرماني : ومن الإيمان أيضا أن يبغض
لأخيه ما يبغض لنفسه من الشّر، ولم يذكره! لأنَّ حبَّ الشَّيء مستلزم لبغض
نقيضه ، فتركُ النصِّ عليه اكتفاءٌ . انتهى .
وذلك ليكون المؤمنون كنفس واحدة ، ومقصود الحديث انتظامُ أحوال المعاش
والمعاد ، والجري على قانون السَّداد ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ ﴾
[١٠٣/آل عمران] وعماد ذلك كلُّه وأساسه السَّلامة من الأدواء القلبيَّة ، فالحاسد يكره أن
يفوقه أَحد ، أَو يساويه في شيء ، والإيمان يقتضي المشاركة في كل خير ؛ من غير
أن ينقص على أحد من نصيب أحد شيء .
نعم ؛ ومن كمال الإيمان تمنِّي مثل فضائله الأخروية الّتي فاقه فيها غيره .
وقوله ﴿وَلَا تَكَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اَللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍِ﴾ [٣٢/ النساء] نهيٌّ عن الحسد
المذموم ، فإذا فاقه أحد في فضل ديني اجتهد في لحاقه ، وحزن على تقصيره ،
لا حسداً ؛ بل منافسة في الخير ، وغبطة. انتهى ((مناوي وزرقاني)).
قال ابن أبي زيد القيرواني المالكي : جماع آداب الخير تتفرع من أربعة أحاديث
(( لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ))، وَحَدِيثُ ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ
وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيراً أوْ لِيَصْمُتْ))، وحديث (( مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ المرءِ تَركُهُ
مَا لاَ يَعْنِيهِ))، وقوله للذي اختصر له في الوصية ((لاَ تَغْضَبْ)). انتهى عزيزي
كـ (( شرح مسلم)).
٩٨

٢٩١ - (( لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ .. حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ
والحديث ذكره في (( الجامع الصغير))، قال الزّرقاني :" أخرجه الشيخان :
البخاري ومسلم ، والتِّرمذي والنَّسائي وابن ماجه ؛ عن أنس رضي الله عنه .
لكن لفظ رواية مسلم: ((حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ - أو قال - جَارِهِ )) . ورواية البخاري
وغيره: ((لأَخِيهِ)) بلا شك. انتهى. ونحوه في ((الجامع الصغير)) مع المناوي
رحمهم الله تعالى .
٢٩١ - ( ((لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ) إيماناً كاملاً ( حَتَّى يَكُوْنَ هَوَاهُ ) ، بالقصر:
ما يهواه أي : تحبُّه نفسه وتميل إليه ، وجمعه أهواء ، والمعروف في استعمال
الهوى عند الإطلاق أنّه الميل إلى خلاف الحقِّ، وهذا هو الغالب، ومنه ﴿ وَلَا تَنَّع
اٌلْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾ [٢٦/ ص]، ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَةٌ
[النازعات] .
ومنه قول ابن دريد :
عَلَى هَوَاهُ عَقْلُهْ فَقَدْ نَجا
وَآَفَةُ الْعَقْلِ الْهَوَى فَمِنْ عَلاَ
وقول هشام بن عبد الملك :
إلىُ بَعْضِ مَا فِيهِ عَلَيْكَ مَقَالُ
إِذَا لَمْ تَكُنْ تَعْصِي الْهَوَىْ قَادَكَ الْهَوَى
وقول آخر :
فَإِذَا هَوَيْتَ فَقَدْ لَقِيْتَ هَوَانًا
وقول آخر :
إِنّ الْهَوَانَ هُوَ الْهَوَى قُصِرَ اسْمُهُ
نُونُ الْهَوَانِ مِنَ الْهَوَى مَسْرُوقَةٌ وَصَرِيعُ كُلِّ هَوَىّ صَرِيعُ هَوَانِ
وقد يطلق الهوى بمعنى مطلق الميل والمحبّة ؛ فيشمل الميل للحقِّ وغيره ،
ويطلب بمعنى محبّة الحقِّ خاصَّة ، والانقياد إليه ، ومنه ما في هذا الحديث ، ومنه
قول عائشة رضي الله عنها لما نزل قوله تعالى ﴿﴿ تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِىّ إِلَيْكَ مَن
٩٩

لِمَا جِئْتُ بِهِ » .
تَشَآءُ﴾ [٥١/ الأحزاب] قالت للنبيّ وَّ: ما أَرى ربك إلاَّ يسارع في هواكَ، وقولُ عمر
رضي الله عنه - في قصة المشاورة في أُسارى بدر - ((فهوي رسول الله وَالقر ما قاله
أبو بكر ولم يَهْوَ ما قلتُ)) ؛
فتبيَّن أنَّ للهوى ثلاثَ إطلاقات : ١ - الميل إلى خلاف الحقِّ، وهو الغالب.
و٢ - مطلق الميل الشّامل للحقِّ وغيره . و٣ - الميل إلى الحقِّ خاصَّة .
وهذا كلُّه في المقصور ؛ أمّا الممدود [الهواء] فهو الجرم الّذي بين السماء
والأرض ، وكلُّ متجوِّف ، وجمعه أَهوية .
( تَبَعاً لِمَا جِئْتُ بِهِ))) من هذه الشَّريعة المطهّرة الكاملة ، بأن يميل قلبه وطبعه
إليه ؛ كمَيْله لمحبوباته الدنيويّة الَّتي جُبِل على الميل إليها من غير مجاهدة وتصبُّر ،
بل يهواها كما يهوى المحبوبات المشتهيات ، إذ مَن أحبَّ شيئاً أتبعه هواه ، ومال
عن غيره إليه ، ومن ثَمَّ آثر التعبير بذلك، على نحو (( حتَّى يأتمر بكلِّ ما جئت به))
لأنَّ المأمورَ بالشيء قد يفعله اضطراراً . انتهى ؛ من شرح ابن حجر الهيتمي على
(( الأربعين النووية )).
وقال الإمام النَّووي رحمه الله تعالى : يعني أنَّ الشّخص يجب عليه أن يعرض
عمله على الكتاب والسنَّةً، ويخالف هواه، ويتَّبع ما جاء به النَّبِي وَ ◌ّر، وهذا نظير
قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُ: أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾
[٣٦/ الأحزاب] فليس لأحد مع الله عزّ وجلّ ورسولِهِ وَّهِ أمرٌ ولا هوىّ.
وعن إبراهيم بن محمد الكوفيّ قال : رأيت الشَّافعي بمكةَ يفتي النّاس ورأيت
إسحاق بن راهويه وأحمد ابن حنبل حاضرين ، فقال أحمدُ لإسحاق : تعالَ حتَّى
أُريَكِ رَجُلاً لَمْ تَرَ عيناكَ مثله ، فقال له إسحاق : لم تر عيناي مثله !! قال : نعم .
فجاء به فوقفه على الشَّافعي .
فذكر القصة إلى أن قال : ثمَّ تقدَّم إِسحاق إلى مجلس الشَّافعي فسأله عن كراء
١٠٠