Indexed OCR Text

Pages 41-60

وبين الظَّاهر والباطن ارتباطٌ ومناسبة، وقد بعث الله المصطفى وا له بالحكمة ،
الَّتي هي سنَّة ، وهي الشِّرعة والمنهاج الذي شرعه له ، فكان ممَّا شرعه له من
الأقوال والأفعال ما يباين سبيلَ المغضوب عليهم والضَّالِّين ، فأمر بمخالفتهم في
الهدي الظَّاهر في هذا الحديث ؛ وإن لم يظهر فيه مفسدة ، لأمور ؛
منها أنَّ المشاركة في الهدي الظَّاهر تؤثِّر تناسباً وتشاكلاً بين المتشابهين ، تعود
إلى موافقة ما في الأخلاق والأعمال ، وهذا أمر محسوس ، فإنَّ لابس ثياب العلماء
مثلاً ، يجد من نفسه نوع انضمام إليهم ؛ ولابس ثياب الجند المقاتلة مثلاً ، يجد من
نفسه نوعَ تخلُّق بأخلاقهم ، وتصير طبيعته منقادةً لذلك إلاَّ أن يمنعه مانع .
ومنها أنَّ المخالفة في الهدي الظَّاهر توجب مباينةً ومفارقة ؛ توجب الانقطاع
عن موجبات الغضب وأسباب الضَّلال ، والانعطاف على أهل الهدي والرِّضوان.
ومنها أنَّ مشاركتهم في الهدي الظَّاهر توجب الاختلاط الظَّاهر؛ حتَّى يرتفع
الثَّمييز ظاهراً بين المهديِّين المرضيِّين ، وبين المغضوب عليهم والضَّالين ... إلى
غير ذلك من الأسباب الحكميَّة الَّتي أشار إليها هذا الحديث وما أشبهه .
وقال ابن تيميّة : هذا الحديث أقلُّ أحواله أن يقتضي تحريمَ التشُّه بأهل
الكتاب !! وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم ، كما في قوله تعالى ﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّم
مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [٥١/ المائدة] .
وهو نظير قول ابن عمر (( ومن بنى بأرض المشركين وصنع نيروزهم ،
ومهرجانهم ، وتشبَّه بهم حتَّى يموتَ ؛ حشر يوم القيامة معهم )) فقد حُمِل هذا على
التشبّه المطلق ، فإِنَّه يوجب الكفر ، ويقتضي تحريم أبعاض ذلك .
وقد يحمل منهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه ؛ فإن كان كفراً ، أو
معصية ، أو شعاراً لها؛ كان حكمه كذلك. انتهى (( مناوي)).
والحديث ذكره في ((الكشف)) كـ((الجامع)) وقال : رواه أحمد وأبو داود
٤١

٢٢٩ - ((مَنْ تَعَلَّقَ بِشَيْءٍ .. وُكِلَ إِلَيْهِ».
والحاكم والطَّبراني في (( الكبير))؛ عن ابن عمر رفعه ، وفي سنده ضعيف كما في
((اللآلي)) و ((المقاصد)). لكن قال العراقي: سنده صحيح.
وله شاهد عند البزار ؛ عن حذيفة وأبي هريرة ، وعند أبي نعيم في (( تاريخ
أصبهان)) ؛ عن أنس ، وعند القضاعي ؛ عن طاووس مرسلاً، وصححه ابن
حبَّان .
وتقدَّم في ((إنَّما العِلْمُ بِالتَّعلُّم )) في أثر عن الحسن: قَلَّما تشبّه رجل بقوم إلّ
كان منهم . وقال النَّجم : قلت : روى العسكري عن حميد الطّويل ؛ قال : كان
الحسن يقول : إذا لم تكن حليماً فتحلّم ، وإذا لم تكن عالماً فتعلَّم ؛ فقلّما تشبَّه
رجل بقوم إلا كان منهم . انتهى .
٢٢٩ - ( ((مَنْ تَعَلَّقَ بِشَيْءٍ) - قال في ((النّهاية)): أي: مَن علَّق على نفسه
شيئاً من التَّعاويذ والثَّمائم وأشباهها ، معتقداً أنها تجلب نفعاً ، أو تدفع عنه ضُرّاً -
( وُكِلَ إِلَيْهِ))) أي: وكَّل الله شفاءه إلى ذلك الشَّيء فلا ينفع .
أما إذا اعتقد أنَّ الشِّفاء من الله تعالى حقيقة ، وأَنَّ هذا الدواء أو هذه التميمة
أسبابٌ عادية !! فلا بأس به ، إِذ الأسباب لا تنافي التّوَكُّل ؛ قاله الحفني .
وكذلك مَن علَّق شيئاً من أسماء الله الصريحة ، فهو جائز بل مطلوب محبوب ،
فإن من وُكِّل إلى أسماء الله أخذ الله بيده .
وأمَّا قول ابن العربي (( السنَّةُ في الأسماء والقرآن الذكرُ؛ دون التعليق)) !!
فممنوع. انتهى (( مناوي )).
والحديث ذكره في (( الجامع )) مرموزاً له برمز الإمام أحمد والترمذي والحاكم ؛
عن عبد الله بن عُلَيم - بالتصغير - الجهني، أبو سعيد الكوفي، أدرك المصطفى التي
ولم يره ، فروى عن عمر وغيره، وقد سمع كتابَ النّي ◌َّه إلى جهينة. انتهى
((مناوي )) .
٤٢

٢٣٠ - (( مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ .. تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ)).
٢٣٠ - ( ((مِنْ حُسْنِ) فائدة الإتيان به !! الإشارةُ إلى أنَّه لا عبرة بصور الأعمال
فعلاً وتركاً ، إِلاَّ إذا اتَّصفت بالحسن ، بأن وجدت شروط مكمّلاتها ؛ فضلاً عن
مصحِّحاتها ، وجعل ترك ما لا يعني من الحسن مبالغةَ ذلك ، لأنَّ الحسن من وصف
الملكات ؛ والترك عَدَميٌّ ، فوصفُه بوصف الملكات مبالغةٌ .
( إِسْلاَمِ المَرْءِ ) آثره على الإيمان !! لأنَّه الأَعمال الظّاهرة ، والفعل والترك إنَّما
يتعاقبان عليها ، لأَنَّها حركات اختيارية يتعاقبان فيها اختياراً ، وأمّا الباطنة الرّاجعة
للإِيمان ! فهي اضطرارية ؛ تابعة لما يخلقه الله تعالى في النُّفُوس ، ويوقعه فيها .
وهذا من المواضع الَّتي يجب فيها تقديم الخبر على المبتدأ ، لئلاّ يعود الضَّمير
فيه على المتأخِّر لفظاً ورتبة ، لما في المبتدأ من ضمير يعود على متعلَّق الخبر ؛ فهو
من باب ((على التّمرة مثلها زُبْداً))، فقوله: (( من حسن إسلام المرء)) ، خبر
مقدَّم ، والمبتدأ هو قوله ( تَزْكُهُ) - مصدرٌ مضاف لفاعله - ( مَا ) - أي : شيئاً ، أعمُّ
من أن يكون قولاً أو فعلاً - ( لاَ يَعْنِيْهِ))) بفتح أوله؛ من (( عناه الأمر))؛ إذا تعلقت
عنايته به ، وکان من غرضه وإرادته .
ومفهومه : أنَّ من قُبْح إسلام المرء أخذه فيما لا يعنيه .
والّذي ((لا يعني)) هو : الفضول كلُّه على اختلاف أنواعه .
والّذي ((يعني)) الإنسان من الأمور: ما تعلّق ١ - بضرورة حياته في معاشه ؛
مما يشبعه من جوع ، ويرويه من عطش ، ويستر عورته ، ويعفُّ فرجه ، ونحو ذلك
مما يدفع الضَّرورة ؛ دون ما فيه تلذُّذ وتنعُّم واستكثار .
و ٢ - سلامته في معاده، وهو الإِسلام والإِيمان والإِحسان، فإذا اقتصر على
ما يعنيه سلم من سائر الآفات ، وجميع الشرور ، والمخاصمات ، وكان ذلك من
الفوائد الدَّالَّة على حسن إسلامه ، ورسوخ إِيمانه ، وحقيقة تقواه ، ومجانبته
لهواه ، ومعاناةُ ما عداه ضياعٌ للوقت النَّفَيس ، الّذي لا يمكن أن يعوّض فائتُه فيما
٤٣

٢٣١- (( مَنْ رَتَعَ
لم يخلق لأجله . فمَن عَبَد الله على استحضار قربه من ربه ، أو قرب ربِّه منه ؛ فقد
حَسُنَ إِسلامه - كما مرَّ - .
وأخذ النَّووي من هذا الخبر : أنَّهُ يكره أَن يُسأَلَ الرّجل فيمَ ضرب امرأته .
قال بعضهم : وممَّا لا يعني العبد تعلُّمه ما لا يهمُّ من العلوم وتركه أهمَّ منه ،
كمن ترك تعلُّم العلم الذي فيه صلاح نفسه ، واشتغل بتعلُّم ما يصلح به غيره ، كعلم
الجدل ؛ ويقول في اعتذاره (( نيتي نفع النّاس ))، ولو كان صادقاً ؛ لبدأ باشتغاله بما
يصلح نفسه وقلبه ، من إخراج الصِّفات المذمومة ؛ من نحو حسد ورياء ، وكبر
وعجب، وتطاول على الأقران، ونحوها من المهلكات . انتهى («مناوي على
((الجامع))، ومن شرح ابن حجر على ((الأربعين النوويَّة)).
والحديث ذكره في ((الجامع))، و((الأربعين النووية))، و((كشف الخفا))؛
وقالوا : رواه الإمام أحمد ، والتُّرمذي ، وابن ماجه ، وأبو يعلى ؛ عن أبي هريرة
رضي الله عنه .
ورواه الإمام أحمد ، والطبراني ؛ عن الحسن بن علي . ورجالهما ثقات .
ورواه الحكيم في ((الكنى والألقاب))؛ عن أبي بكر، والشيرازيُّ؛ عن
أبي ذر، والعسكري ، والحاكم في ((تاريخ نيسابور)) ؛ عن علي بن أبي طالب ،
والطَّبرانيُّ في ((الأوسط))، عن زيد بن ثابت، وابن عساكر في ((التَّاريخ))؛ عن
أبي عبد الرحمن : الحارث بن هشام بن المغيرة المخزوميّ المكيّ رفعوه ، وقد
أوضحه السَّخاوي في تخريج أحاديث ((الأربعين النووية)).
قال المناوي على ((الجامع)): وأشار باستيعاب مخرجيه !! إلى تقوِّيه وردِّ زعم
جمع ضعَّفه ، ومن ثَمَّ حسَّنه النَّووي ، بل صخَحه ابن عبد البر ، وبذكره خمسةً من
الصَّحابة إلى ردِّ قول آخرين لا يصح إلاّ مرسلاً . انتهى .
٢٣١ - ( ((مَنْ رَتَعَ) بفتح المثناة الفوقية فيه وفي مضارعه ، أي : رعى مواشيه
٤٤

حَوْلَ الْحِمَى .. يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ )).
٢٣٢ - (( مَنْ رَضِيَ بِقِسْمَةِ اللهِ .. أُسْتَغْنَى)).
( حَوْلَ) - يعني جانب - ( الْحِمَى) - بكسر الحاء المهملة وفتح الميم مخففة ،
أي : المكان المحميَّ، والمراد به موضع الكلأ الذي مُنعَ منه الغير، وتُؤُعِّدَ من
رعى فيه - ( يُؤْشِكُ) - بكسر الشين مضارع ((أوشك)) بفتحِها أي: يقرب - ( أَنْ
يُوَاقِعَهُ)) ) ؛ أي : تأكل ماشيته منه ؛ فيعاقب .
شبَّه أخذ الشهوات بالراعي ، والمحارم بالحمى ، والشُّنْهات بما حوله ، فكما
أنّ الرَّاعي الخائف من عقوبة السلطان يُبْعِد ، لأنَّه يلزم من القرب منه الوقوعُ وإن کثر
الحذر ؛ فيعاقب ، كذلك حمى الله تعالى ؛ أي : محارمه الّتي حظرها لا ينبغي قرب
حماها ؛ فضلا عنها ، لغلبة الوقوع فيها حينئذ فيستحقُّ العقوبة ، وأنَّ الّذي ينبغي
تحرِّي البعد عنها ، وعمَّا يجرُّ إليها من الشُّبهات ما أمكن ، حتَّى يسلم من ورطتها .
ومن ثمَّ قال تعالى ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [١٨٧/ البقرة]، نهى عن المقاربة
حذراً من المواقعة ! والقصد إقامةُ البرهان على تجنُّب الشُّبهات ، لأنَّه لمّا كان حمى
الله لا يدركه إلاَّ ذو البصائر ؛ كان فيه نوعُ خفاء فضرب له المَثَل بالمحسوس ،
بخلاف حمى الملوك ، فإنَّه محسوس یحتَرِزُ عنه كلُّ بصير . انتهى ابن حجر ( شرح
الأربعين))، ومناوي على ((الجامع)).
وهذا قطعة من حديث أخرجه أهل الكتب السَِّّة : البخاري ، ومسلم ،
وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ؛ عن النُّعمان بن بشير رضي الله
تعالى عنهما ، وله فوائد جمَّة أُفردت بالتّأليف ، حتى قال بعضهم : إنَّه عليه نور
النُُّوة ، عظيم الموقع من الشَّريعة .
٢٣٢ - ( ((مَنْ رَضِيَ بِقِسْمَةِ اللهِ) - تعالى أي: قنع بما أعطاه الله تعالى ؛ ولم
يتضجَّر، ولم يتسخَّط ، وشكر الله - ( اسْتَغْنَى)) ) : اتَّصف بالغنىُ الحقيقي الَّذي
هو الغنى عن الشّيء ؛ لا به ، وهو القناعة المحمودة ، الّتي توجد في أفراد من
النَّاس ، فليحمد الله على ما أكرمه الله به .
٤٥

٢٣٣ - ((مَنْ رَضِيَ عَنِ اللهِ .. رَضِيَ اللهُ عَنْهُ)).
والحديث ذكره في (( الكنوز)) مرموزاً له برمز أبي الشيخ بن حيَّان.
٢٣٣ - ( (( مَنْ رَضِيَ عَنِ اللهِ ) ؛ بأن سلَّم لقضائه وقدره ، من ضيق عيش وبلاء
بدن ، وفَقْد ولد ؛ مثلاً، فلا يتسخَّط ولا يتشكَّى - (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ)) ) أي : أثابه
وأدخله الجنَّةَ ونعمه . قال الطِّيبي : ولعلوِّ هذه المرتبة التي هي الرِّضا من الجانبين
خصَّ الله كِرام الصَّحب بها ، حيث قال ﴿رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ [٨/ البينة].
قال بعضهم : رضا العبد عن الله: أنْ لا يختلج في سرِّه أدنى حزازة من وقوع
قضاءٍ من أقضيته ، بل يجد في قلبه لذلك بَرْدَ اليقين ، وثَلج الصُّدُورِ ، وشُهودَ
المصلحة ، وزيادةَ الطُّمأنينة .
ورضا الله عن العبد : تأمينُهُ من سخطه ، وإحلالُه دار كرامته .
وقال السهروردي : الرِّضا يحصل لانشراح القلب، وانفساحه ، وانشراح
القلب من نور اليقين ، فإذا تمكَّن النُّور من الباطن ؛ اتَّسع الصَّدر ، وانفتحت عين
البصيرة ، وعاين حُسْن تدبيرِ اللهِ ، فيُزع السُّخط والتَّضُّر، لأنّ انشراح الصَّدر ؛
يتضمن حلاوة الحب ، وفعل المحبوب ، بموقع الرِّضا عند المحبِّ الصَّادق، لأنَّ
المحبّ يرى أنَّ الفعلَ من المحبوب مرادهُ واختياره ، فيفنى في لذَّة اختيار المحبوب
عن اختيار نفسه .
وقال بعض العارفين : الرِّضا عن الله باب الله الأعظم وجنَّةَ الدُّنيا ولذّة
العارفين ، والرَّاضوان عن الله في الجنَّةُ ، وهم في الدُّنيا راضون عنه ؛ متلذِّذون
بمجاري أقضيته ، سليمةً صدورهم من الغل ، مطهّرةً قلوبهم عن الفساد ،
لا يتحاسدون ولا يتباغضون . انتهى مناوي على ((الجامع)».
والحديث ذكره في ((الجامع))، وقال: أخرجه ابن عساكر في (( تاريخه))،
عن عائشة رضي الله عنها .
٤٦

٢٣٤ - ((مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ .. فَهُوَ مُؤْمِنٌ)).
٢٣٤ - ( ((مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ) ؛ أي : فرح بها لكونه راجياً ثوابها موقناً بنفعها ،
( وَسَاءَتْهُ سَيََّتُهُ) ؛ أي: حصل له همٍّ وغمّ بارتكابها؛ (فَهُوَ مُؤْمِنٌ))) كامل
الإيمان ، لأنَّ هذا شأن من أيقن أنَّ الله تعالى لا يخفى عليه شيء ، وأَنَّه يجازيه
بعمله ، وأمَّا من لا يرى للحسنة فائدة ولا للمعصية آفة ؛ فذلك يكون من استحكام
الغفلة على قلبه ، فإيمانه ناقص ، ولهذا قال ابن مسعود - فيما خرَّجه الحكيم
الترمذي - :
بأنَّ الْمُؤْمِنَ إذَا أَذْنَبَ فَكَأَنَّهُ تَحْتَ صَخْرَةٍ يَخَافُ أَنْ تَقَعَ عَلَيْهِ فَتَقْتُلَه ، والْمَنافِقُ
يَرَىْ ذَنْبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ علىْ أَنْفِهِ .
فعلامة المؤمن أن تُوجعَه المعصية حتَّى يسهر ليله فيما حلَّ بقلبه من وجع
الذَّنب ، ويقع في العويل كالّذي فارق محبوبه من الخلق بموت أو غيره ، فيتفجَّع
لفراقه فيقع في النَّحيب .
نعم السُّرور بالحسنة مقيّد في أخبار أخر ؛ بأنَّ شرطه أن لا ينتهي إلى العجب
بها ، فيسرّ بما يرى من طاعته فيطمئنّ بأفعاله ؛ غافلاً عن منَّة الله فيها ، فيكون قد
انصرف عن الله إلى نفسه العاجزة الحقيرة الضَّعيفة الأمَّارة اللَّؤَّامة ، فيهلك . ولهذا
قال بعض العارفين : ذنب يوصل العبد إلى الله تعالى خير من عبادة تصرفه عنه ،
وخطيئة تُفْقِره إلى الله خير من طاعة تغنيه عن الله تعالى .
مَعْصِيةٌ أَوْرَثَتِ افْتِقَارَا خَيْرٌ مِنَ الطَّاعَةِ واسْتِكْبَارَا
والحديث ذكره المناوي في (( كنوز الحقائق))، والسيوطي في (( الجامع
الصغير)) مرموزاً له برمز الطَّبراني في (( الكبير))؛ عن أبي موسى الأشعري بإسناد
ضعيف .
ورواه الطَّبراني عن أبي أمامة باللَّفظ المذكور ، قال الهيثمي : رجاله رجال
الصحيح. وأَخرجه النَّسَائي في (( الكبرى)) باللفظ المزبور ؛ عن عمر ، فساق
٤٧

٢٣٥ - ((مَنْ صَمَتَ .. نَجَا )).
بإسناده إلى جابر بن سمرة: أنَّ عمر خطب النَّاس فقال: قال رسول الله وَهِ: ((مَنْ
سَرَّتْهُ ... )) الخ .
قال الحافظ العراقي في ((أماليه)): صحيح على شرط الشَّيخين.
وأخرجه أحمد في (( المسند)) بلفظ: ((مَنْ سَاءَتْهُ سَيََّتُهُ وَسَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ فَهُوُ
مُؤْمِنٌ)) قال - أعني العراقي -: حديث صحيح. انتهى مناوي على ((الجامع)).
٢٣٥ - ( ((مَنْ صَمَتَ)؛ أي : سكت عن النطق بما لا يعنيه ، أَي :
ما لا ثواب فيه، (نَجَا))) من العقاب والعتاب يوم المآب، ولذا قال وَلِّ: ((كُفَّ
عَنْكَ هَذَا، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاس ... )) الحديث، ولذا جُعِل للِّسان حبسان: الأسنان
والشَّفتان .
قال الغزالي: هذا من فصل الخطاب وجوامع كلمه وَله ، وجواهر حِكَمه ،
ولا يعرف ما تحت كلماته من بحار المعاني ؛ إلّ خواصُّ العلماء ، وذلك أنَّ خطر
اللُّسان عظيم، وآفاته كثيرة ؛ من نحو كذب ، وغيبة ، ونميمة ، ورياء ، ونفاق ،
وفحش ، ومراء ، وتزكية نفس ، وخوض في باطل ، ومع ذلك إنّ النَّفْس تميل إليها
لأنها سبَّاقة إلى اللِّسان، ولها حلاوة في القلب، وعليها بواعث من الطَّبع
والشَّيطان ، فالخائض فيها قلَّما يقدر على أن يلزم لسانه ، فيُطلقه فيما يُحِبُّ ،
ويكفَّه عما لا يُحِبُّ ، ففي الخوض خطر ، وفي الصَّمت سلامة ؛ مع ما فيه من جمع
الهمِّ ، ودوام الوقار ، وإفراغ الفكر للعبادة ، والذكر ، والسَّلامة من تبعات القول
في الدُّنيا ، ومن حسابه في الآخرة .
قال ابن حجر رحمه الله تعالى : الأحاديث الواردة في الصمت وفضله ؛
كـ (( مَنْ صَمَتَ نَجَا))، وحديث ابن أبي الدُّنيا بسند رجاله ثقات: «أَيْسَرُ الْعِبَادَةِ
الصَّمتُ)) !! لا تعارض حديث ابن عباس الَّذي جزم بقضيَّهِ الشَّيخُ في ((التَّنبيه)) من
النَّهي عن صمت يوم إلى اللَّيل ، لاختلاف المقاصد في ذلك ، فالصَّمت المرغَّب فيه
٤٨

٢٣٦ - (( مَنْ ضَمِنَ لِيْ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ، وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ ضَمِنْتُ لَهُ
عَلَى اللهِ الْجَنَّةَ )).
ترك الكلام الباطل ، وكذا المباح ؛ إن جرّ إليه ، والصَّمت المنهيُّ عنه ترك الكلام
في الحقِّ لمن يستطيعه ، وكذا المباح المستوي الطَّرفين . انتهى مناوي على
((الجامع الصغير)).
والحديث ذكره في (( الجامع الصغير )) مرموزاً له برمز الإِمام أحمد ، والتِّرمذي في
الزُّهد ؛ عن ابن عمرو بن العاص ، وقال : غريب لا نعرفه ، إلاَّ من حديث ابن لهيعة .
قال النَّووي في ((الأذكار)) بعد ما عزاه للتُّرمذي: إسناده ضعيف، وإِنَّما
ذكرته !! لأُبيّنه لكونه مشهوراً .
وقال الزَّين العراقي : سند التِّرمذي ضعيف ، وهو عند الطَّبراني بسند جيّد.
وقال المنذري : رواة الطَّبراني ثقاتٌ . انتهى . وقال ابن حجر : رواته ثقات .
انتهى مناوي على ((الجامع)).
٢٣٦ - ( ((مَنْ ضَمِنَ لِيَ) - من الضمان بمعنى الوفاء بترك المعصية ، فأطلق
الضَّمان وأراد لازمه وهو أداء الحقِّ الّذي عليه -
( مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ ) ؛ بفتح اللام وسكون المهملة ، والتَّثنيةِ : هما العظمان بجانبي
الفمّ ، وأراد بما بينهما اللِّسان وما يتأَتَّى به النُّطق.
( وَمَا بَيِّنَ رِجْلَيْهِ ) ؛ أي : الفرج، ترك التَّصريح به استهجاناً له واستحياءً ،
لأَنَّه كان أشدَّ حياء من العذراء في خِذْرها .
والمعنى : من أدَّىُ الحقَّ الّذي على لسانه ، من النُّطْق بما يجب عليه أو الصَّمت
عما لا يعنيه، وأَدَّى الحقَّ الَّذي على فرجه من وضعه في الحلال، وكفُّه عن الحرام .
( ضَمِنْتُ لَهُ عَلَى اللهِ الجَنَّةَ)) ) أي : دخوله إِياها ؛ قاله الحافظ وغيره .
وقال الدَّاودي أحمد بن نصر المالكي : المراد بما بين اللَّحيين الفمُ بتمامه ،
٤٩

فيتناول الأَقوال كلَّها والأكل والشُّرب وسائر ما يتأتَّى بالفم من النُّطْق ، والفعل ؛
کتقبيل وعضٍّ وشتم .
قال - أعني الدَّاودي -: ومن تحقَّظ من ذلك أمن من الشرِّ كلُّه، لأنَّه لم يبقَ إلاّ
السَّمع والبصر . قال الحافظ : وخفي عليه أنَّه بقي البطش باليدين ؛ وإنّما محمل
الحديث على أنَّ النُّطق باللّسان أصل في حصول كل مطلوب ، فإذا لم ينطق به إلاّ في
خيرِ سَلِم .
وقال ابن بطَّال : دلَّ الحديث على أنَّ أعظم البلايا علىُ المرء في الدُّنيا لسانُه
وفرجُه، فمن وُقي شرَّهما وقي أعظم الشَّرِّ . انتهى . يعني فخصَّهما بالذكر لذلك.
وقال الطّيبي أصل الكلام : مَن يحفظ ما بين لحييه من اللُّسان والفم فيما
لا يعنيه من الكلام والطّعام يدخل الجنَّةً، فأراد أَن يؤكِّد الوعد تأكيداً بليغاً ، فأبرزه
في صورة التَّمثيل ليشير بأنَّه واجب الأداء ؛ فشبّه صورة حفظ المؤمن نفسه ، بما
وجب عليه من أمر النَِّ وَه ونهِهِ، وشبَّه ما يترتَّب عليه من الْفوز بالجنَّةَ، وأَنَّه
واجب على الله تعالى بحسب الوعد أداؤه، وأنَّه وَّه هو الواسطة والشَّفيع بينه وبين
الله تعالى بصورة شخص له حقٌّ واجبُ الأَداء على آخر ، فيقوم به ضامن منًا يتكفَّل له
بأداء حقُّه ، وأدخل المشبّه في جنس صورة المشبّه به ، وجعله فرداً من أفراده ، ثمَّ
ترك المشبّه به ، وجعل القرينة الدَّالة عليه ما يستعمل فيه من الضَّمان ؛ ونحوه في
التمثيل ﴿﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَم بِأَنَ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾
[١١١/ التوبة] انتهى. شرح الزَّرقاني على ((المواهب))، وشروح ((الجامع الصغير)).
والحديث ذكره في ((كشف الخفا))، وفي (( المواهب)) وقالا : رواه جماعة ؛
منهم العسكري عن جابر بهذا اللّفظ مرفوعاً .
وأخرجه البخاري في ((الرِّقاق)) و((المحاربين))، والتِّرمذيّ في ((الزُّهد))؛
وقال : حسن صحيح غريب ؛ كلاهما عن سهل بن سعد السَّاعدي بلفظ :
٥٠

٢٣٧ - ((مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ .. وَرَّثَهُ اللهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)).
(( مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ)) . وفي لفظ عند
الطَّبراني بسند جيد ؛ عن أبي رافع: ((مَنْ تَوَكَّلَ لِي مَا بَيْنَ فُقْمَيْهِ وَرِجْلَيْهِ أَتَوَكَّلُ لَهُ
بِالْجَنَةِ ))، وفي لفظٍ آخر: ((مَنْ تَكَفَّلَ لِي تَكَفَّلْتُ لَهُ)). وتكلّم عليها العسكري.
وروى الترمذي وابن حبّان والحاكم ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه :
(( مَنْ وَقَاهُ اللهُ شَرَّ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَشَرَّ مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ)) ، وفي لفظ عنه
(((مَنْ حَفِظَ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ )) .
وللدّيلمي والبيهقي بسند ضعيف ؛ عن أنس رفعه :
((مَنْ وُقِيَ شَرَّ قَبْقَبِهِ وَذَبْذَبِهِ وَلَقْلَقِهِ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنّةٌ )) .
ولفظ الإِحياء ((فَقَدْ وُقِيَ ))؛ بدل ((وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةٌ)).
وفي الباب عن ابن عبّاس وآخرين .
((وقَبْقَبُهُ)) - بقافين مفتوحتين وموحدتين ؛ أولاهما ساكنة - : البطنُ؛ من
القبقبة ، وهي صوت يسمع من البطن .
((وَذَبْذَبُهُ)) - بذالين معجمتين مفتوحتين وموحَّدتين؛ أولاهما ساكنة - :
الذكر .
((ولَقْلَقُهُ)) - بلامين مفتوحتين وقافين؛ أولاهما ساكنة - : اللِّسان، ويجوز أن
يكون القبقية كنايةً عن أكل الحرام ؛ وفي هذا كلِّه تحذير عظيم من شهوتي البطن
والفرج، وأَنَّهما مهلكة ولا يقدر على كسر شهوتهما إلاَّ الصِّدِّيقون. انتهى ((كشف
الخفا))، وزرقاني على ((المواهب)).
٢٣٧ - ( (مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَرَّثَهُ اللهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)) ) أي : العلم اللَُّنِي،
الَّذي هو موهبة من الله ؛ يدرِكُ به العبد ما للنفس من الحظوظ ، وما للحقِّ من
الحقوق ، فيترك ما لها من الحظوظ ، ويقوم بما للحقِّ من الحقوق ، وهو معنى قول
٥١

البعض (( أراد به : إلهامه علم ما لم يتعلَّم من مزيد معرفة الله تعالى ، وخدع النَّفْس
والشَّيطان ، وغرور الدُّنيا وآفات العمل ؛ من نحو عُجْب ورياء وكِبر ، ورياضة
النَّفْس وتهذيبها ، وتحمُّل الصَّبر على مرِّ القضاء، والشُّكر على النَّعماء ، والثّقة بما
وعد ، والتَّوُّل عليه ، وتحمُّل أذى الخلق )).
وقد ثبت أنَّ دقائق علوم الصُّوفيَّة منحٌ إلهيّة ، ومواهب اختصاصيَّة ؛ لا تنال
بمعتاد الطلب .
فلزم مراعاة وجه تحصيل ذلك ؛ وهو ثلاث :
الأوَّل : العمل بما عَلِم على قدر الاستطاعة .
الثَّاني : اللجأ إلى الله تعالى على قدر الهمَّة.
الثَّالث : إطلاق النّظر في المعاني حال الرجوع لأهل السُّنَّةُ ، ليحصل الفهم
وينتفي الخطأ ، ويتيسَّر الفتح .
وقد أشار لذلك الجنيد بقوله : ما أخذنا التّصوُّف عن القيل والقال ، والمراء
والجدال ، بل عن الجوع والسَّهر ولزوم الأعمال .
قال الغزالي : من انكشف له ولو الشيء اليسير ؛ بطريق الإلهام والوقوع في
القلب من حيث لا يدري ؛ فقد صار عارفاً بصحَّة الطَّريق ، ومن لم ير ذلك من
نفسه ! فينبغي أن يؤمن به ، فإنّ درجة المعرفة عزيزة جداً .
ويشهد لذلك شواهد الشَّرعِ والتَّجارب والوقائع ، فكلُّ حكم يظهر في القلب
بالمواظبة على العبادة من غير تعلَّم ؛ فهو بطريق الكشف والإلهام .
وقال حجَّة الإسلام : يتعيَّن أَن يكون أكثر الاهتمام بعلم الباطن ، ومراقبة
القلب ، ومعرفة طريق الآخرة وسلوكه ، وصدق الرَّجاء في انكشاف ذلك من
المجاهدة والمراقبة ، فإنَّ المجاهدة تفضي إلى المشاهدة ، فجاهدْ تشاهدْ دقائق علم
القلوب ، وتنفجر منها ينابيع الحكمة من القلب .
٥٢

·
أما الكتب في التعليم فلا تفي بذلك ، بل الحكمة الخارجة عن الحصر والحدّ ،
إنَّما تنفتح بالمجاهدة ، قال : وكم من متعلم طال تعلُّمه ، ولم يقدر على مجاوزة
مسموعه بكلمة ، وكم من مقتصر على المهمِّ في التَّعلُّم ، ومتوفِّر على العمل ، ومراقبة
القلب ؛ فتح الله [ له ](١) من لطائف الحكم ما تحار فيه عقول ذوي الألباب . انتهى .
هذا؛ وقد سئل الشيخ عز الدين عن معنى قوله وَ ل ﴿(( مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَرَّتْهُ اللهُ
عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)) : وما العلم الَّذي إذا عمل به ورث؟ ، وما العلم الموروث؟ ،
وما صفة التَّوريث ؛ أهو العلم أو غيره ؟! فبعض النَّاس قال : إنَّما هذا مخصوص
بالعالم - يعني : أنَّه إذا عمل بعلمه وُرِّثَ ما لم يعلم، بأن يوفَّق ويُسدَّد إذا نظر في
الوقائع ۔ ، فهل يصحُّ هذا الكلام أم لا .
أجاب : معنى الحديث أنَّ مَن عمل بما يعلمه ، من واجبات الشّرع ومندوباته ،
واجتناب مكروهاته ومحرماته ؛ أورثه الله من العلم الإلهي ما لم يعلمه من ذلك ،
كقوله تعالى ﴿ وَلَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهَدِّيَّهُمْ سُبُّلْنَا﴾ [٦٩/ العنكبوت]. هذا هو الظَّاهر من
الحديث المتبادر إلى الفهم ، ولا يجوز حمله على أهل النَّظر في علوم الشّرع ، لأنَّ
ذلك تخصيصٌ للحديث بغير دليل ، وإذا حُمل على ظاهره وعمومه دخل فيه الفقهاء
وغيرهم . انتهى .
وقال الإمام مالك : علم الباطن لا يعرفه إلّ مَن عرف علم الظَّاهر ، فمن علم
الظَّاهر وعمل به فتح الله عليه علم الباطن ، ولا يكون ذلك إلاَّ مع فتح قلبه وتنويره .
وقال : ليس العلم بكثرة الرِّواية ، وإنَّما العلم نور يقذفه الله في القلب . يشير إلى
علم الباطن .
قال يحيى بن معاذ : التقى ابن أبي الحواري وأحمد بن حنبل ، فقال أحمد :
حدِّثنا بحكاية سمعتها من أُستاذك الدَّاراني . فقال: يا أَحمد ؛ قل : سبحان الله
وطوِّلها بلا عجب . قال : سبحان الله وطوَّلها بلا عجب .
(١) زيادة يقتضيها السياق.
٥٣

٢٣٨ - ((مَنْ غَشَّنَا .. فَلَيْسَ مِنَّاً)).
قال : سمعته يقول : إذا اعتقدت النَّفَس على ترك الآثام جالت في الملكوت ،
وعادت إلى ذلك العبد بطرائف الحكمة ؛ من غير أن يؤدي إليها عالِمٌ علماً .
فقام أَحمد وقعد (( ثلاثاً)) ؛ وقال : ما سمعت في الإسلام بحكاية أعجبَ من
هذه. ثمَّ ذكر حديث (( مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ أَوْرَثَهُ اللهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ )) .
قال التّونسيُّ : اجتمع العارف علي وفا والإمام البُلقيني ، فتكلَّم عليٍّ معه بعلوم
بهرت عقله . فقال البُلقيني : من أين لك هذا ؛ يا علي ! قال : من قوله تعالى
﴿وَأَنَّقُواْ اللّهُ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [٢٨٢/ البقرة] فأُسكت. انتهى. من شروح ((الجامع
الصغير)) .
والحديث ذكره في (( كنوز الحقائق )) ؛ مرموزاً له برمز الطَّبراني ، وذكره في
(( الكشف )) ، وقال : رواه أبو نعيم ؛ عن أنس رضي الله عنه .
٢٣٨ - (((مَنْ غَشَّنَا) - أي: لم ينصحنا وزيَّن لنا غير المصلحة - ( فَلَيْسَ
مِنَّا))) أي: ليس على طريقتنا ومنهاجنا، لأن طريقتنا الزُّهد في الدُّنيا ، والرَّغبة
عنها ، وعدم الرَّغبة والطّمع الباعثَيْن على الغشِ.
قال الطِّيبي: لم يرد نفيه عن الإسلام ، بل نفيَ خُلُقه عن أَخلاق المسلمين .
أي : ليس هو على سنَتنا وطريقتنا من مناصحة الإخوان ، كما يقول الإنسان لصاحبه
( أنا منك) يريد الموافقة والمتابعة ، قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام ﴿فَمَنْ تَّبِعَنِىِ
فَإِنَّهُ مِنِى﴾ [٣٦/ إبراهيم].
وهذا قاله ◌َُّ لمَّا مَرَّ على صُبْرة طعام فأدخل يده فيها؛ فابتلَّت أصابعه .
فقال: ((مَا هَذَا))! قال: أصابته السماء. قال: ((أَفَلاَ جَعَلْتَهُ فَوقَ الطَّعَامِ لِيَرَاهُ
النَّاسُ ))! فذكر الحديث .
رواه مسلم في ((صحيحه))؛ من حديث أبي هريرة بزيادة: ((وَمَنْ حَمَلَ عَلَيْنَاَ
السِّلاحَ فَلَيْسَ مِنَّا)). وفي رواية له أيضاً: ((مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنّي)).
٥٤

٢٣٩ - (( مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْراً .. فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلاَمِ».
وأخرجه العسكري بلفظ الثَّرجمة، وزاد (( قِيْلَ يا رَسولَ اللهِ ؛ مَا مَعْنَى لَيْسَ
مِنَّاً !! - قال - لَيْسَ مِثْلَنَا)). وعند أبي نعيم والطَّراني في ((الكبير)) و(( الصغير))
برجال ثقات ؛ عن ابن مسعود رفعه: (( مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّاً، وَالْمَكْرُ وَالْخِداعُ في
النَّار)) ؛ أي: صاحبهما يستحقُّ دخول النَّار إن لم يعف الله عنه ، لأن الداعي إلى
ذلك الحرص والشُّخُ والرغبة في الدُّنيا ، وذلك يجرُّ إلى النَّار. وأَخذ الذَّهبي أنَّ
الثلاثة من الكبائر، فعدَّها منها . وللدَّارقطني بسند ضعيف؛ عن أنس: ((مَنْ غَشَّ
أُمَّتِي فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ)) انتهى زرقاني على (( المواهب)).
٢٣٩ - ( ( مَن فَارَقَ) بقلبه ولسانه واعتقاده، أو ببدنه ولسانه (الْجَمَاعَةَ )
المعهودين ؛ وهم جماعة المسلمين .
قال العامريُّ في (( شرح الشهاب)): لفظ الجماعة ينصرف لجماعة المسلمين
لما اجتمع فيهم من جميل خصال الإسلام ، ومكارم الأخلاق ، وترقّي السَّابقين
منهم إلى درجة الإحسان ؛ وإن قلَّ عددهم، حتَّى لو اجتمع التَّقوى والإِحسان في
واحد كان هو الجماعة . انتهى .
( شِبْراً ) أي : قدر شبر . كنى به عن ترك السُّنَّة والتمسّك بالبدعة ؛ ولو بأدنى
نوع من أنواع الثَّرك ، أو بأقلِّ سبب من أسباب الفرقة ؛
( فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلاَمِ )) ) من عنقه ، أي : أَهمَلَ حدود الله وأوامره ونواهيه ،
وتركها بالكليّة. قال في (( النّهاية)): مفارقة الجماعة ترك السُّنَّةَ واتِّباع البدعة ،
والرِّبقة - في الأصل - : عروة تجعل في عنق البهيمة أو يدها ، تمسكها . فاستعارها
للإسلام ، يعني : ما يشدُّ به المسلم نفسه من عرى الإسلام ؛ أي : حدوده وأحكامه
وأوامره ونواهيه . انتهى .
والحديث ذكره في (( كنوز الحقائق)) مرموزاً له برمز الإمام أحمد ، وأبو داود
والحاكم ؛ عن أبي ذرٍّ .
٥٥

٢٤٠ - (( مَنْ كَثَّرَ سَوَادَ قَوْمٍ .. فَهُوَ مِنْهُمْ)).
وأخرجه الإمام أحمد؛ عن رجل من أصحاب النَّبِيِ ◌ّ قال: قال
رسول الله ◌َّهِ: ((وَأَنَا آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ إلى أن قال: ((فَمَنْ خَرَجَ مِنَ الْجَمَاعِةِ قَيْدَ شِبْرِ
فَقَدْ خَلَعَ رَبِقَةَ الإِسْلاَمِ مِنْ رَأْسِهِ )) الحديث ، ورجاله ثقات رجال الصَّحيح ، خلا
عليَّ بن إسحاق السَّلمي وهو ثقة. ورواه الطَّبراني باختصار؛ إلاَّ أنَّه قال ((مَنْ فَارَقَ
الْجَمَاعَةَ قَيْدَ قَوْسِ ، لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ صَلاةٌ وَلا صيامٌ ، وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ )).
ورواه الطَّبراني ؛ عن معاذ بن جبل قال :
قال رسول الله وَله: ((أَلاَ إِنَّ الْجَنَّةَ لاَ تَحِلُّ لِعَاصٍ - إلى أنْ قال - وَمَنْ خَرَجَ مِنَ
الْجَمَاعَةِ قِيْدَ شِبْرٍ مُتَعَمِّدَاً؛ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلامِ مِنْ عُنْقِهِ)) ... الحديث. وفي
سنده عمرو بن واقد وهو متروك .
وأخرجه الطَّبراني ؛ عن أبي الدَّرداء قال : قَامَ فينا رسول الله - إلى أنْ قال:
(( وَمَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ شِبْراً فَقَدْ خَلَعَ رِبِقَةَ الإسْلاَمِ مِنْ عُنُقِهِ)) ... الحديث ، وفي
سنده عمرو بن رُوَيْبه . وهو متروك .
وأخرجه البزَّار والطَّبراني في ((الأوسط))؛ عن ابن عبّاس قال: قال
رسول الله ﴿: «مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قِيَاسَ - أو قِيْدَ - شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلاَمِ مِنْ
عُنْقِهِ)) ... الحديث. وفي سنده خليد بن دعلج، وهو ضعيف؛ ذكره في (( مجمع
الزوائد » .
٢٤٠ - ( (مَنْ كَثَّرَ سَوَادَ قَوْم) ؛ بأن عاشرهم وناصرهم وسكن معهم ( فَهُوَ
مِنْهُمْ)) ) وإنْ لم يكن من قبيلتهم أوّ بلدهم ؛ يعني : أَنَّ له حكمَهم من صلاح وغيره ،
وفيه تلميح إلى مجانبة أعداء الله ومباعدتهم ، والتحرُّز عن مخالطتهم ، وعن التشبّه بهم
إذْ صدور ذلك من المسلم دالٌّ على ضعف إِيمانه ، لأنّ المشابهة والمشاكلة في
الأمور الظّاهرة توجب مشابهة ومشاكلةً في الأمور الباطنة ، والمشاركة في الهَذْي
الظَّاهر توجب مناسبة وائتلاف ؛ وإن بَعُد المكان والزَّمان ، وهذا أمر محسوس ،
٥٦

٢٤١ - (( مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ . . فَعَلِيِّ مَوْلاَهُ)).
فمرافقتهم ومساكنتهم - ولو قليلا - سببٌ ومظنة لاكتساب أخلاقهم وأفعالهم
المذمومة ، بل هي سبب لمشابهتهم في نفس الاعتقادات ، فيصير مُساكِنُ الكافر
مثلَه .
وأيضا المشاركة في الظَّاهر تورث نوع مودّة ومحبّة وموالاة في الباطن ، كما أنَّ
المحبَّة في الباطن تورِّث المشابهة ، وهذا مما يشهد به الحس ، فإن الرَّجلین إذا كانا
من بلد ؛ واجتمعا في دار غربة كان بينهما من المودّة والائتلاف أمر عظيم بموجب
الطبع ، وإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية تورِّث المحبَّة والموالاة ؛ فكيف
المشابهة في الأمور الدينية !! انتهى ((مناوي)).
والحديث ذكره في (( كشف الخفا)) ؛ وقال : رواه أبو يعلى ، وعلي بن معبد
في (( كتاب الطاعة)) أنَّ رجلا دعا ابن مسعود إلى وليمة ، فلما جاء ليدخل سمع
لهواً؛ فلم يدخل، فقيل له !! فقال: إني سمعت رسول الله وَ له يقول: ((مَنْ كَثَّرَ
سَوادَ قَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ، وَمَنْ رَضِيَ عَمَلَ قَوْمٍ كَانَ شَرِيْكَ مَنْ عَمِلَ )). وهكذا عند
الدَّيلمي بهذه الزيادة .
ولابن المبارك في (( الزُّهد )) ؛ عن أبي ذرٍّ نحوه موقوفا ، وشاهده حديث :
((مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ)) وتقدَّم. انتهى. وذكره في (( كنوز الحقائق)» مرموزاً له
برمز أبي يعلى .
٢٤١ - ( ((مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ) أي : وليُّه وناصره ( فَعَلِيٍّ مَوْلاَهُ ) ).
قال الشَّافعي: أراد بذلك وَلاء الإسلام ، لقوله تعالى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّاللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَءَامَنُواْ
وَأَنَّ الْكَفِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ
(10)﴾ [محمد] انتهى ((عزيزي)).
وخَصَّ سيدنا عليّا لمزيد علمه ، ودقائق مستنبطاته وفهمه ، وحسن سيرته ،
وصفاء سريرته ، وكرم شيمته ، ورسوخ قدمه .
قيل: سببه أنَّ أسامة قال لعلي: لستَ مولاي، إنَّما مولاي رسول الله وَّارٍ !.
٥٧

٢٤٢ - (( مَنْ لاَ يَرْحَمُ .. لاَ يُرْحَمُ)).
فقال النَّبِيِ وَّهِ: ((مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ ».
قال ابن حجر : حديثٌ كثيرُ الطُرق جداً استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد ؛
منها صحاح ، ومنها حسان ، وفي بعضها : قال ذلك يوم غدير خُمّ .
وزاد البزَّار في رواية: ((اللَّهُمَّ وَالٍ مَنْ وَالاَهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ، وَأَحِبَّ مَنْ
أَحَبَّهُ ، وَأَبْغِضْ مَنْ أَبْغَضَهُ، وانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ ، وَأَخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ » .
ولا حجَّة في ذلك على تفضيله على الشَّيخين ؛ كما هو مقرَّرٌ في محلِّه من فن
الأُصول. انتهى مناوي على ((الجامع)).
وذكره (( في كشف الخفا)) وقال : رواه الطَّبراني ، وأحمد ، والضياء في
((المختارة))؛ عن زيد بن أرقم وعليٍّ وثلاثين من الصَّحابة بلفظ: ((اللَّهُمَّ وَالٍ مَنْ
وَالاَهُ، وَعادٍ مَنْ عَادَاهُ )) . فالحديث متواتر ؛ أو مشهور . انتهى .
وذكره في ((الجامع الصغير))، وفي ((الأزهار المتناثرة في الأحاديث
المتواترة )) للجلال السُّيوطي رحمه الله تعالى .
٢٤٢ - (((مَن لاَ يَرْحَمُ) بالبناء للفاعل ( ((لاَ يُرْحَمُ))) بالبناء للمفعول ، أي :
مَن لا يكون من أهل الرَّحمة لا يرحمه الله ، أو من لا يرحم النَّاس بالإِحسان لا يثاب
﴾ [٦٠ / الرحمن] .
٦٠
من قبل الله ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَنُ
قال ابن أبي جمرة : يحتمل أن يكون المعنى : من لا يرحمُ نفسه بامتثال أوامر
الله تعالى واجتناب نواهيه ؛ لا يرحمه الله في الآخرة . انتهى .
وهو بالرَّفع فيها [ يَرْحَمُ؛ يُرْحَمُ](١) على الخبر ، وبالجزم [ يَرْحَمْ ،
يُرْحَمْ) (١) على أنَّ ((من)) موصولة أو شرطيّة ، ورفع الأول وجزم الثاني [ يَرْحَمُ ،
يُرْحَمْ](١) وعكسه [ يَرْحَمْ، يُرْحَمُ](١) .
(١) إضافة اقتضاها الإيضاح. (عبد الجليل).
٥٨

٢٤٣ - (( مَنْ لَمْ يَكُنْ ذِئْباً .. أَكَلَنْهُ الذِّثَابُ)).
٢٤٤ - ((مَنْ مَزَحَ .. أُسْتُخِفَّ بِهِ)).
قال ابن بطَّال : وفيه الحضُّ على استعمال الرَّحمة لجميع الخلق ، فيدخل
المؤمن والكافر والبهائم ، ويدخل في الرَّحمة التَّعاهدُ بالإطعام والسَّقي ، والتَّخفيف
من الحمل ، وترك التعدي بالضرب، انتهى شروح ((الجامع الصغير)).
والحديث أخرجه الشيخان وغيرهما ؛ عن أبي هريرة وجرير بن عبد الله البجلي
وغيرِهما : البخاري في (( كتاب الأدب ، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته))، وفي
((باب رحمة النَّاس والبهائم)) واللّفظ له ، ومسلم في كتاب الفضائل ؛ باب
رحمته وال الصِّبيان وتواضعه وفضل ذلك ... الخ
وهو حديث متواتر ذكره السّيوطي في (( الأزهار المتناثرة في الأحاديث
المتواترة )) عن عدَّة من الصَّحابة رضوان الله عليهم .
وسببه أنَّ النَّبِي بََّ قبَّل الحسين ، فقال الأقرع بن حابس: لي عشرة من الولد
ما قبَّلتُ منهم أحداً! فنظر إليه ... فذكر الحديث . انتهى.
وبمعناه حديث الرحمة المسلسل بالأولية، وهو قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: ((الرَّاحِمُونَ
يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ تَبَارَكَ وَتَعَالى، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّماءِ».
وقد ذكرت مَن أخرجه في رسالتي (( إعانة رب البرية على تراجم رجال الحديث
المسلسل بالأولية )) مع ذكر إسنادي المسلسل به ؛ فليراجع ذلك مَن شاءفيها . والله أعلم .
٢٤٣ - ( ((مَنْ لَمْ يَكُنْ ذِثْباً أَكَلَنْهُ الذِّثَابُ)) ) ؛ أخرجه الطَّراني في
((الأوسط ))؛ عن أنس رفعه بلفظ: (( يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ هُمْ ذِئَابٌ ، فَمَنْ لَمْ
يَكُنْ ذِئباً أَكَلَنْهُ الذِّئابُ » .
قال الحافظ الهيثمي في ((مجمع الزوائد » : وفيه من لم أعرفهم . انتهى .
٢٤٤ - ( ((مَنْ مَزَحَ أَسْتُخِفَّ بِهِ)) ) أَي: هان على النَّاس ، ونظروا إليه بعين
٥٩

٢٤٥ - (( مَنْ نُوقِشَ اَلْحِسَابَ ..
الاحتقار والهوان فاحفظ لسانك منه ، فإنَّه يسقط المهابة ، ويريق ماء الوجه ،
ويستجرُّ الوحشة، ويؤذي القلوب ، وهو مبدأ اللَّجاج والغضب والتَّضارب،
ومغرس الحقد في القلوب ، فإن مازَحَك غيرك ! فأعرض عنهم حتَّى يخوضوا في
حديث غيره ، وكن من الّذين إذا مَرُوا باللَّغو مروا كراماً . انتهى .
وقال في الأذكار : المزاح المنهيُّ عنه ما فيه إفراط ومداومة ، فإنَّه يورِّثُ
الضُّحك والقسوة ويشغل عن الذِّكر والفكر في مهمات الدِّين ؛ فيورِّث الحقد ،
ويسقط المهابة والوقار، وما سَلِيم من ذلك هو المباح الّذي كان المصطفى وله
يفعله ، فإنَّه إنَّما كان يفعله نادراً لمصلحة ، كموانسةٍ وتطييبٍ نفس المخاطب ،
وهذا لا منع منه قطعاً ، بل هو مستحبٌّ . انتهى .
والحديث ذكره في ((الكنوز)) مرموزاً له برمز ابن عساكر ، وذكره في (( الجامع
الصغير)) مرموزاً له برمز الدَّيلمي، في (( مسند الفردوس))؛ عن أنس رضي الله
عنه؛ لكن بلفظ: ((الصَّمْتُ سَيِّدُ اٌلأخْلاقِ، وَمَنْ مَزَحَ استُخِفَّ بِهِ » .
قال المناوي: وتمامه ((وَمَنْ حَمَلَ الأَمْرَ عَلَى الْقَضَاءِ اسْتَرَاحَ)). انتهى.
وفي كتاب (( كشف الخفا)) للعجلوني: الصَّواب أنَّه من قول عمر ، وأنَّ
الأحنف قال : قال لي عمر : يا أحنف ؛ من كَثُرَ ضَحِكُه قلَّت هيبته ، ومن مزح
استُخِفَّ به ، ومن أكثر من شيء عرف به ، ومن كثر كلامه كثر سَقَطه ، ومن كثر
سَقَطه قل حياؤه ، ومن قل حياؤه قل ورعه ، ومن قلَّ ورعه مات قلبه .
ورواه ابن عساكر وقال : غريب الإسناد والمتن عن أبي هريرة رضي الله عنه
بلفظ: (( مَنْ كَثُرَ ضَحِكُهُ اسْتُخِفَّ بِحَقُّهِ، وَمَنْ كَثُرَتْ دُعَابَتُهُ ذَهَبَتْ جَلَاَلَتَّهُ ، وَمَنْ
كَثُرَ مِزَاحُهُ ذَهَبَ وَقَارُهُ، وَمَنْ شَرِبَ الماءَ على الرِّيقِ ذَهَبَ بنصفٍ قُوَّتِهِ ، وَمَنْ كَثُرَ
كَلاَمُهُ كَثُرَتْ خَطَايَاهُ ، وَمَنْ كَثُرتْ خَطَايَاهُ فَالنَّارُ أوْلِى بِهِ )) . انتهى .
٢٤٥ - (((مَنْ نُوْقِشَ) بضم النُّون وكسر القاف ( الْحِسَابَ ) - بالنَّصب ؛ بنزع
٦٠