Indexed OCR Text

Pages 381-400

وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً)).
بلائهِ ، ثُمّ يخصّه بنعمة من نعمائه ، وما رأيت شيئاً من الامتحان إلاّ ورأيت معه أو
بعده من بَوَادر بِرّه ولطائف امتنانه سبحانه ما ينسيك ما أصابَكَ من طوارق الحَدَثان .
نَحْمَدُهُ عَلَى شُمولِ النَّعَمِ حَتّى لَقَدْ أَبْطَنَها في الأَلَمِ
والحكمة في ذلك : أن يعرف قدر النّعمة وشرف الكرامة ، فبمرارة الفِراق
يعرف حلاوة الوِصال ، وبحرارة الهجرانِ يدركُ راحة العِرفان ؛ فيحسن لمن نزل به
کرب أن يكون صابراً محتسباً ؛ راجيا سرعةَ الفرج مِمّا نزل به ، حسنَ الظّنّ بمولاه
في جميع أموره ، فالله سبحانه وتعالى أرحمُ به من كلّ راحم حتّى أمّه وأبيه ؛ إذ هو
سبحانه أرحم الراحمين ، وأكرم الأكرمين .
(وَأَنَّ مَعَ العُشْرِ يُسْراً ))) كما نطق به قوله تعالى ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ بُسْرًا ﴾ إِنَّ مَعَ الْعُمْرِ
يُسْرَا﴾﴾ [الانشراح]، وقال تعالى ﴿سَيَجْعَلُ اَللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرَا﴾﴾ [الطلاق].
وتنوين (( يسراً)) للتعظيم مبالغة، و((اليسر)) هو السهولة ، ومنه اليسار للغنى،
لأنّه تسهل به الأمور ، واليد اليسرى لأنّ الأمور تسهل بمعاونتها لليمنى ، والعسر :
نقيضه .
فإن قلتَ : النّصر والفَرَج ، واليُسر بعد الصَّبر ، والكرب والعسر ؛ لأنّهما
يتواردان على المحل بالتناوب ؛ فما معنى الاصطحاب المستفاد من (( مَعَ ))؟
فالجواب : أنّ المقصود المبالغةُ في معاقبة أحدهما الآخر واتصاله به ، حتّى
جعله كالمقارن له ، وزيادة في التسلية والتنفيس .
فإن قلتَ: كيف الجمع بين قوله تعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ
الْعُسْرَ﴾ [١٨٥/ البقرة] وبين قوله تعالى ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُتْرًا ﴾﴾ [الانشراح]، فإنّ الآية
الأُولى تدلّ على عدم إرادة العسر ، وما لا يريده الله تعالى لا يكون ولا يقع ؛
إجماعاً من أهل السنة ، والآية الثانية تدلّ على وقوع العسر قطعاً ؟
فالجواب: أنّ المراد بـ ((العسر)) في الآية الأولى : العسر في الأحكام
٣٨١

والتكاليف الشاقّة، بدليل قوله تعالى ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [٧٨/ الحج].
وقوله تعالى ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [٢٨٦/ البقرة]، وقوله عليه الصلاة
والسلام : ((بعثت بالحنيفِيّة السمحةِ)) مع أنّ صدر الآية يدلّ على ذلك ، وهو قوله
تعالى ﴿ وَمَن كَانَ مَرِ يضَّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَنَّامٍ أُخَرَّ﴾ [١٨٥/ البقرة]. وأمّا الآية
الثانية فالمراد بالعسر فيها العسر في العوارض الدنيويَّة ؛ كضيق الأرزاق ، وتوالي
المِحَن والفِتَن ، وأخذ الأموال ظلماً .
وقد ذكر الله تعالى اليسر في القرآن مرتين ، وذكر العسر مرتين . لكن عند
العرب أن المعرفة إذا أعيدت معرفة توحدت ؛ لأنّ اللام الثانية للعهد ، وإذا أعيدت
النكرةُ نكرةً تعدّدت ، فالعسر ذكر مرتين معرفاً ، فهو عسر واحد ، واليسر ذكر مرتين
منكراً فكان اثنين .
فلهذا قال وَ لي: ((لن يغلب عسر يسرين)). أخرجه الحاكم عن الحسن البصري
مرسلاً .
وعن أنس رضي الله تعالى عنه أنّ النبيّ وَّر قال: ((لو جاء العسر فدخل هذا
الجُحْرَ لجاء اليُسر حتى يدخل عليه فيخرجه)) . أخرجه البزار وابن أبي حاتم ،
واللفظ له .
وما أحسن قول القائل :
يُسْرانِ وَعْدَاً لَيْس فِيه خِلاَفُ
لاَ تَجْزَعَنّ لِعُسْرَةٍ مِنْ بَعْدِهَا
للهِ في أعْطَافِها أَلْطَافُ
كَمْ عُسْرَةٍ ضَاقَ الفَتَى لِنُزُولِهَا
وقال الشاعر :
فَفَكِّرْ فِي ((أَلَمْ نَشْرَحْ»
إِذَا اشْتَدّتْ بِكَ البَلْوى
فَعُسْرٌ بَيْنَ يُسْرَيْنِ
إِذَا فَكَّرْتَهُ تَفْرَحْ
والحديث أخرجه عبد بن حميد في (( مسنده)) عن ابن عباس رضي الله تعالى
٣٨٢

٨٦ - (( تَعِسَ عَبْدُ الزَّوْجَةِ)).
٨٧ - ((تَمَسَّكُوا بِالْعُزْوَةِ الْوُثْقَى؛ قَوْلُ: (لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ) )).
٨٨- ((تَهَادَوْا تَحَابُّوا».
عنهما، وسنده ضعيف. وأخرجه الطبراني في (( الكبير ))، والعسكري في
((الأمثال)) كلاهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما .
٨٦ - ((تَعِسَ عَبْدُ الزَّوْجَةِ))) لم أقف على مَن رواه .
٨٧ - ((تَمَسَّكُوْا بِالْعُزْوَةِ الوُثْقَىْ) ؛ أي: العُقْدَة المُحكَمةِ الّتي لا انقطاع
ولا زوال لها حتّى تؤدِّيَهُ إلى الجنّةِ، وهي (: قَوْلُ: ( لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) ))) ؛ أي : مع
قرينتها محمّد رسولُ اللهِ ، بأن تعتقدوا ما تضمَّنته من التّوحيد وعموم الرّسالة لنبيّنا
محمدٍ رَّي، و((العروة)) في الأصل: موضع شدّ اليدِ، وأصل المادّة تدلّ على
التّعلّق، ومنه : عَرَوْتَه إذا ألْمَمتَ به متعلقاً به ، واعتراه الهَمّ : تعلّق به .
و (( الوثقى)) فُعلى للتفضيل؛ تأنيث الأوثق ، كفُضلى تأنيث الأفضل ، وجمعها
على: وُثَق، نحو: كُبْرِى وكُبَر. وأمّا (( وُتُقَ)) بضمتين : فجمع وثيق .
والكلام إمّا من باب التمثيل مبنيّ على تشبيه الهيئة العقلية المنتزعة من ملازمة
الاعتقاد الحقّ بالهيئة الحسيّة المنتزعة من التمشُّك بالحبلِ المُحكَمٍ ، وإمّا من باب
الاستعارة المفردة ، حيث استعيرت العروة الوثقى للاعتقاد الحق . انتهى
(( جمل)).
والحديث ذكره المناوي في (( كنوز الحقائق )» مرموزاً له برمز الديلمي في « مسند
الفردوس))، وقد روى الطبراني في (( الدعاء)) عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
قال: ((العُروَةُ الوُثْقَى هِي شَهَادَةُ أنْ لاَ إلهَ إلّ اللهُ)). انتهى ((شرح الإحياء)).
٨٨ - ((تَهَادَوْا) - بفتح الدال المهملة - ؛ أي: ليهد بعضكم لبعض
( تَحَابُّوْا))) ؛ أي: يحبّ بعضكم بعضاً ، لأنّ الهديّة خلُق من أخلاق الإسلام دلّت
٣٨٣

عليه الأنبياء ، وحثّ عليه خُلُق الأولياء ، وهي تؤلِّف القلوب ، وتنفي البغضاء من
الصدور .
قال الغزالي : قبولُ الهدية سُنّة ، لكن الأولى ترك ما فيه مِنّة ، فإن كان البعض
تعظم منّته دون البعض ردّ ما تعظم مِنْته . انتهى .
ويسنُّ المكافأةُ عن الهديّة بردّ مثلها أو زيادة إن قدر على ذلك ، ولا يكلّف نفسه
ما لا يطيق . والتهادي : تفاعل ، فيكون من الجانبين .
وينبغي للمُهدي أن يقصد بالهدية امتثالَ أمر الشارع وما نَدَبَ لأجله ، ولا يقصد
بذلك الدنيا . قال حسّان رضي الله عنه :
إِنّ الهَدَايا تِجَارَاتُ اللّئَامِ وَمَا.
يَبْغِي الکرامُ لِمَا يُهْدُونَ مِنْ ثَمَنِ
والحديث ذكره في الجامع الصغير مرموزاً له برمز أبي يعلى الموصلي في مسنده
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، وقال المناوي : أخرجه النسائي في الكنى
وسلطان المحدثين البخاري في الأدب المفرد ، قال الزين العراقي : والسند جيد ،
وقال ابن حجر : سنده حسن . انتهى وذكره في المقاصد والكشف وأطالا في
تخريجه وبيان اختلاف ألفاظه بالزيادة والنقص فراجعه إن شئت .
٣٨٤

( حَرْفُ النَّاءِ )
٨٩- («ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ .. وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: ١ - أَنْ يَكُونَ اللهُ
وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ،
( حَرْفُ النَّاءِ )
٨٩ - ((ثَلاَثٌ) ؛ نكرة ، وهي صفة لموصوف محذوف، ومن ثَمّ وقعت
مبتدأً ؛ أي : خصال ثلاث ، والخبر جملة ، قوله : (مَنْ كُنَّ) ؛ أي : حصلن
(فِيهِ وَجَدَ ) ؛ أي : أصاب ( حَلاَوَةَ الإِيْمَانِ ) ؛ أي: التلذُّذ بالطاعة وتحمُّل المشقة
في رضا الله ورسوله ، وإيثار ذلك على عرض الدنيا .
وهذا استعارة بالكناية ؛ شبّه الإيمان بنحو العَسل للجهة الجامِعَة ، وهو
الالتذاذ ؛ فأطلق المشبّه وأضاف إليه ما هو من خصائص المشبّه بِهِ ولوازمه ، وهو
الحلاوة على جهة التخييل . وادّعى بعض الصّوفيّة أنّها حلاوة حِسيّة ، لأنّ القلب
السليم من أمراض الغفلة والهوى يَجد طَعْم الإيمانِ كذوقِ الفَمِ طَعْمَ العَسَل . ذكره
المناوي رحمه الله تعالى .
(١ - أَنْ يَكُوْنَ اللهُ وَرَسُوْلُهُ أَحَبَّ ) ؛ أي : كون الله ورسوله في محبته إيّاهما
أكثر محبّةً ( إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا) مِن نفس وأهْل ومالٍ وكلّ شيءٍ .
قال النووي: وعبّر بِـ ((مَا)) دون ((من))! لعمومها(١)، وجمْعُه بين اسم الله
ورسوله في ضمير لا ينافيهِ إِنكارهُ [َّي] على الخطيب: ((ومن يعصهما)) !! لأنّ
المراد في الخُطب الإيضاح لا الرمز ، وهنا المطلوب إيجاز اللّفظ ليحفظ .
وأولى منه قول البيضاوي : ثَنَّى الضمير هنا إيماءً إلى أنّ المعتبر هو المجموع
المركب من المحبّتين لا كلّ واحدة ؛ فإنّها وحدها لاغية . وأَمَر بالإفراد في حديث
(١) للعاقل وغيره .
٣٨٥

٢ - وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلَّ للهِ،
الخطيب ؛ إِشعاراً بأنّ كلّ واحد من العصيانين مستقلٌ باستلزام الغَواية إذِ العطف في
تقدير التكرار ، والأصل استقلال كلّ من المعطوفين في الحكم . انتهى .
ومحبّة العبد ربّه بفعل طاعته وترك مخالفته ، وكذلك محبَّةُ رَسُوله .
ومحبّة العبد ربّه تنقسم باعتبار سببها والباعث عليها إلى قسمين :
أحدهما : ينشأ عن مشاهدة الإحسان ومطالعة الآلاء والنظر في النّعَمِ ، فإن
الإحسان سبب لميل النفس إلى حُبّ من أحسن إليها ، والقلوب جبلت على حُبِّ من
أحسن إليها ، ولا إحسان أعظم من إحسان الربّ تقدّس، وهذا القسم يدخل فيه كلّ
أحد .
والثاني : يتعلَّق بالخواصّ ؛ وهي محبّة الجلال والجمال ولا شيءَ أكمل
ولا أجمل منه ، فلا يحدّ كماله ، ولا يوصف جلاله ، ولا ينعت جماله .
وأسباب محبة النبيّ وَ﴿ كثيرة منها : أنّه أنقذنا به من النار ، وأوجب لنا باتباعه
الفلاح الأبديّ والنعيم السرمديّ .
( وَ ٢ - أَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لهِ ) ؛ أي : لا يحبّه لغرض ، إلا لغرض
رِضا الله حتى تكون محبّته لأبويه ؛ لكونه سبحانه أمر بالإحسان إليهما ، ومحبته
لولده لكونه ینفعه في الدعاء الصالح له .
وهكذا ذكره المناوي في (( شرح الجامع )).
وفي (( النصائح الدينية)) للحبيب الولي السيد عبد الله الحداد رحمه الله تعالى.
آمين :
فإذا أحبّ الإنسانُ الإنسانَ وألِفَه وصاحبه ؛ لأنّه يحبّ الله ويعمل بطاعته ؛ كان
ذلك من المحبة في الله .
وإذا أحبّه وصحبه ؛ لأنّه يعينه على دينه ويساعده على طاعة ربّه ؛ فقد أحبه
في الله .
٣٨٦

٣- وَأَنْ يَكْرَةَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ - بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ - كَمَا يَكْرَهُ أَنْ
يُلْقَى فِي النَّارِ )) .
وإذا أحبّه وصحبه ؛ لأنه يعينه على دنياه الّتي يستعين بها على أخراه ؛ فقد أحبّه
في الله تعالى .
وإذا أحبّه وصحبه ؛ لأنه وجد طبعه يميل إليه ونفسه تأنس به ، أو لأنّه يعينه
على دنياه وأسباب معاشه الّتي يتمتع بها ؛ فتلك محبّة طبيعية ليست من المحبة لله في
شيءٍ ، وتلك صحبة نفسانيّة اقتضاها ميلُ الطّبع ، ولكنّها مباحة ، ولعلّها لا تخلو
من خير إن شاء الله تعالى .
وأمّا إذا أحبّه وصحبه ؛ لأنّه يعينه على المعصية والظلم ويساعده على أسباب
الفِسق والمنكر ؛ فتلك محبّة وصحبة مذمومة قبيحة ، وهي في سبيل الشيطان ،
وليست من الله في شيءٍ ، وهي التي تنقلب في الآخرة عداوة ، وربما انقلبت في
الدنيا قبل الآخرة. قال الله تعالى ﴿اَلْأَخِلََّةُ يَوْمَيِمٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ إِلَّا
[الزخرف] انتهى كلام الحداد .
٦٧
اٌلْمُتَّقِينَ
(وَ ٣ - أَنْ يَكْرَةَ أَنْ يَعُوْدَ فِي الكُفْرِ ) ؛ أي : يصير إليه ، واستعمال العود بمعنى
الصيرورة غير عزيز . ( بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ) ؛ أي : نجّاه ( مِنْهُ) بالإسلام ؛ إن كان
كافراً، وبأن خلقه من أمّة الإجابة؛ إن كان مسلماً أصالةً. قاله: (( الحفني على
الجامع ))
( كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى) - بالبناء للمفعول - ( فِي أَلنَّارِ ))) لثبوت إيمانه ، وتمُّنه
في جنانه .
والحديث أخرجه الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم في (( كتاب الإيمان))،
والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه .
قال النووي رحمه الله تعالى : هذا حديث عظيم ، أصل من أصول الإسلام .
٣٨٧

٩٠ - (( ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ حَاسَبَهُ اللهُ حِسَابًاً يَسِيراً ، وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ
بِرَحْمَتِهِ : ١ - تُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، ٢ - وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ، ٣ - وَتَصِلُ
مَنْ قَطَعَكَ )) .
٩١ - (( ثَلاَثٌ مُنْجِيَاتٌ: ١- خَشْيَةُ اللهِ تَعَالَىْ فِي السِّرِّ وَالْعَلَاَنِيَةِ ،
٩٠ - ((ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيْهِ حَاسَبَهُ اللهُ حِسَاباً يَسِيْراً) يوم القيامة ، فلا يناقشه ،
ولا يشدّد عليه، ولا يطيل وقوفه. (وَأَدْخَلَهُ الجَنَّةَ) مع السابقين (بِرَحْمَتِهِ )؛
أي : بإحسانه تعالى ، وإن كان عمله لا يبلِّغه ذلك لقلته .
(١ - تُعْطِيْ مَنْ حَرَمَكَ ): إِعطاءه أو مودته أو معروفه .
(وَ ٢ - تَعْفُوْ عَمَنْ ظَلَمَكَ ) في نفس أو مال أو عرض .
( وَ ٣ - تَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ))) مِن ذَوي قرابتك وغيرهم.
والحديث أخرجه أبو بكر بن أبي الدنيا القرشي في كتاب ((ذم الغضب )) ،
والطبراني في ((الأوسط))، والحاكم في (( التفسير))؛ من حديث سليمان بن داود
اليمامي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله تعالى
عنه . قال الحاكم : صحيح، وردّه الذهبي ، فقال : سليمان ضعيف ، وفي
((الميزان)) : قال البخاري : سليمان منكر الحديث ، قال : ومن قلتُ فيه : منكر
الحديث لا تحلّ رواية حديثه ، ثم ساق له أخباراً هذا منها ، وقال العلائي : فيه
سليمان ؛ ضعفه غير واحد . وقال الهيثمي : فيه سليمان متروك . انتهى
((مناوي)).
٩١ - ((ثَلاثٌ مُنْجِبَاتٌ) للعبد في الدنيا والآخرة :
(١ - خَشْيَةُ اللهِ)؛ أي: خوفه ( تَعَالَى فِي السِّرِّ وَالعَلَاَنِيَةِ ) فهذا أكمل من
خوفه في العلن فقط ، أو في السّرّ فقط إلّ إذا كان عالماً يقتدى به فأظهر الخشية لهذا
٣٨٨

٢ - وَالْعَدْلُ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ ، ٣- وَالْقَصْدُ فِي الْفَقْرِ وَأَلْغِنَى.
وَثَلاَثٌ مُهْلِكَاتٌ: ١ - هَوَىّ مُتَّبَعٌ، ٢- وَشُخّ مُطَاعٌ ، ٣- وَإِعْجَابُ
الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ » .
القصد ، أو خاف من الإظهار الرياء ؛ فالأمور بمقاصدها .
( وَ ٢ - العَدْلُ) ؛ العادل: من لا يميل به الهوى فيجورُ في الحكم (فِي ) ؛
حال ( الرِّضَا وَالْغَضَبِ) كما قال تعالى ﴿أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [٨/ المائدة]، وقال
تعالى ﴿كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ﴾ [١٣٥/ النساء].
( وَ ٣ - القَصْدُ)؛ أي: التوسط ( فِي) الإنفاق في حال ( أُلفَقْرٍ وَالْغِنَى ) ؛
فلا يقتِّر جدّاً لفقره، ولا يُسرف لغناه، بل يتوسّط. قال تعالى ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ
يُسْرِقُواْ وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامَا ﴾ [الفرقان].
( وَثَلاَثٌ مُهْلِكَاتٌ ) ؛ أي : موقعات لفاعلهن في الهلاك .
(١ - هَوَىّ) - بالقصر - ( مُتَبَعٌ) - بالتشديد ، وفتح الموحدة -: يعني اتباع
هوى النفس دائماً ، فكلّما مال إلى شهوة أتاها وحرص على غيرها ، فهذا هواه موقع
له في الرّدى دنيا وأخرى . أمّا مطاوعة الهوى في بعض الأوقات مع الرجوع إليه
تعالى عقب ذلك ! فليست من المهلكات .
( وَ ٢ - شُخٌ)؛ أي: بخل ( مُطَاعٌ) وهو: أنْ يُطيعه صاحبه في منع الحقوق
الّتي أوجبها الله عليه في ماله .
وقيّد الشُّحَّ بالمُطاع ! لأنّه إنّما يكون مهلكاً إذا كان مطاعاً ؛ أمّا لو كان موجوداً
في النفس غير مطاع فلا يكون كذلك ، لأنّه مِن لوازم النّفس .
( وَ ٣ - إِعْجَابُ المَرْءِ بِنَفْسِهِ)))؛ أي: ملاحظته إيّاها بعين الكمال مع نسيان
نعمة الله تعالى ، وتحسينه فعل نفسه على غيره ؛ وإن كان قبيحاً ، بأن يرى فعل نفسه
خيراً من فعل غيره ، وكثيراً ما يقع ذلك في أهل العلم ، وقد قال أهل الله تعالى :
٣٨٩

لا يتمُّ حالُ العبد إلاّ إذا رأى نفسه دون كلِّ مخلوق .
وما وقع لبعض أهل الله تعالى مِنْ التكلم بكلام يقتضي الإعجاب !! فهو من
أهل الأحوال في حال السّرّ والغَيْبة ؛ بحيث لو استيقظوا لتابوا من ذلك ، كما نتوب
من الذّنوب . ومن الكُمَّل في حال شهود وحدة الوجود والاشتغال بهِ عَن كلّ
ما سواه ؛ فيكون من التحدّث بنعمة الله تعالى ؛ لا عجباً وافتخاراً . قاله الحفني
على ((الجامع )) .
والحديث ذكره في ((الجامع الصغير))، وقال: أخرجه أبو الشيخ في
((التوبيخ))، والبزار، وأبو نعيم، والبيهقي، والطبراني في ((الأوسط)) كلهم عن
أنس رضي الله تعالى عنه . قال الحافظ العراقي : سنده ضعيف . انتهى مناوي على
(( الجامع )) .
٣٩٠

(حَرْفُ الْجِيمِ)
٩٢ - (( الْجَارُ قَبْلَ الدَّارِ، وَالرَّفِيقُ قَبْلَ الطَّرِيقِ)).
( حَرْفُ الجِيْمِ )
٩٢ - ((أَلْجَارُ)؛ أي: التمسوا الجارَ الصّالح ( قَبْلَ) شِرَاء (الدَّارِ ) ؛ والدار
مؤنثة ، وقد سئل عن ذلك العلامة عبد الملك العصامي المكي رحمه الله تعالى :
وهذا نصّ السؤال :
ومَنْ لَدَيْهِ يَنَالُ القَصْدَ طَالِبُهُ
مَاذَا يَقُولُ إِمامُ العَصْرِ سَيّدُنا
في قَوْلِنَا مَثَلاً (( في الدّارِ صَاحِبُهُ)»
في الدّارِ : هَلْ جَائِزٌ تَذْكِيرُ عَائِدِهَا
يكونُ موصوفُهُ إِسْماً يُطَالِبُهُ
أوْ كُنْيُةً إِنْ أَرَادَ الحَذْفَ كاتِبُهُ
إِلاَّ وَأَنْتَ عَلَى الْتّمْيِيزِ نَاصِبُهُ
وَمَنْ إِيَانَةَ هَمْزِ ابْنٍ أَرَادَ فهل
أمْ كونُه عَلَماً كافٍ ولو لَقَباً
أَفِدْ ، فَمَا قَدْ رَأَيْنا الحَنَّ مُنْخَفِضاً
فأجاب بما نَصّهُ :
يَا فَاضِلاً لَمْ يَزَلْ يَهدِي الفَرائِدَ مِنْ
تأنيثُكَ الدَّارَ حَتْمٌ لاَ سَبِيْلَ إلى التّـ
وَالابْنُ مَوْصُوفَه عَمِّمْ فإِنْ لَقَباً
هَذا جَوَابِي فَاعْذِرْ إنْ تَرَى خَلَلاً
لاَ زِلْتَ تَاجاً لِهَامَاتِ الهُدىُ عَلَماً
عُلُومِهِ وَتُروِّينا سَحَائِبُهُ
ـذْكِيْرِ فَامْنَعْ إذاً ((في الدّارِ صَاحِبُهُ))
أو كنيةً فَارْتِكَابُ الحَذْفِ وَاجِبُهُ
فَمَصْدَرُ العَجْزِ وَالتّقْصِيرِ كَائِبُهُ
فِي العِلْمِ يَحْوِي بِكَ التّحْقِيقَ طَالِبُهُ
( وَ) التمسوا (الرَّفِيْقَ )؛ الذي تحصل به المعاونة والمرافقة على قطع السّفر
( قَبْلَ ) السلوك في ( الطَّرِيْقِ))) وَكُلِّ مِنْ ((الجار)) و(( الرّفِيقِ )) يجوز نصبُه ورفعُه ؛
فنصبه بفعل مقدّر ؛ أي : التمس أو اتّخِذ . ورفعه بالابتداء والله أعلم .
والحديث أخرجه الخطيب في ((الجامع )) عن عليٍّ ورافعٍ بن خديجٍ بأسانيد
ضعيفة، وتمامه: ((والزَّادَ قَبْلَ الرَّحِيلِ)).
٣٩١

٩٣ - ((الْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ، وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ)).
ورواه العسكري في ((الأمثال)) عن عليّ قال: خطب رسول الله وَّه وذكر حديثاً
طويلاً في آخره: (( الجارُ ثُمّ الدَّار، والرَّفِيقُ ثُمّ الطّرِيقُ))
ورواه الطبراني في ((الكبير)) وابن أبي خيثمة، والعسكري في (( الأمثال)) عن
رافع بن خديج بلفظ : ((الْتَمِسُوا الرّفِيقَ قَبْلَ الطرِيقِ ، والجَارَ قَبْلِ الدَّارِ)).
ورواه القضاعي بلفظ: ((الْتَمِسُوا الجارَ قَبْلِ شِرَاءِ الدَّارِ ، والرَّفيقَ قبلَ الطّرِيقِ)»
وكلها ضعيفة، لكن بانضمامها يقوى الحديث ؛ فيصير حسناً. قاله في (( الكشف))
للعجلونيّ .
٩٣ - («الجَماعَةُ رَحْمَةٌ) ؛ أي : لزوم جماعة المسلمين موصِل إلى الرحمة ،
أو سبب للرحمة . ( وَالفُرْقَةُ ) عن جماعة المسلمين بأن لا ينصرهم ببدنه أو اعتقاده
(عَذَابٌ))) ؛ أي : سبب للعذاب ، لأنّه تعالى جمع المؤمنين على معرفة واحدة ،
وشريعة واحدة ؛ ليألَفَ بعضهم بعضاً بالله وفي الله ؛ فيكونون كرجل واحد على
عدوّهم ، فمن انفرد عن حِزْب الرّحمن انفرد به الشّيطانُ، وأوقعه فيما يؤدِّيه إلى
عذابِ النيرانِ .
قال العامريّ في ((شرح الشهاب)): لفظ الجماعة ينصرف لجماعة المسلمين
لِمَا اجتمع فيهم من جميل خصال الإسلام، ومكارم الأخلاق ، وتَرَقِّي السابقين
منهم إلى دَرَجة الإحسان ؛ وإن قَلّ عددُهم ، حتّى لو اجتمع التقوى والإحسان
اللّذان معهما الرحمة في واحد كان هو الجماعة ، فالرحمة في متابعته ، والعذابُ في
مخالفته . انتهى .
والحديث أخرجه عبد الله بن أحمد في ((زوائد المسند))، والقضاعي في
((مسند الشهاب)) عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما قال: قال
رسولُ الله ◌ِ ر على المنبر: ((الجماعة .. )) ... الخ.
قال الزركشي - بعد عزوه لأحمد والطبراني -: فيه [أبو وكيع الجراح بن مليح](١) ؛ قال
(١) في الأصل: (الجراح بن وكيع). والله أعلم.
٣٩٢

٩٤ - (( جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَآَقٍ ».
الدار قطني: ليس بشيءٍ. وقال السّيوطيّ في (( الدرر)) سنده ضعيف.
وقال السخاوي : سنده ضعيف ؛ لكن له شواهد ،
منها : ما روى الترمذي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما رفعه: (( يَدُ اللهِ
عَلَى الجَمَاعَةِ ، اتّبِعُوا السّوَادَ الأَعْظَمَ، فإنَّ مَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّارِ )) .
ومنها : ما روى الطبراني عن أسامة بن شريك رفعه : يَدُ اللهِ عَلَى الجَمَاعَةِ ،
فإِنْ شَذَّ الشّاةُّ مِنْهم اخْتَطَفَتْهُ الشَّيَاطِيْنُ » ... الحديث.
ومنها ما رواه أيضاً؛ عن عَرْفَجة رفعه: (( يَدُ اللهِ مَعَ الجَمَاعَةِ، والشَّيْطَانُ مَعَ
مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ يَرْكُضُ)) . ومنها ما رواه الديلمي ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى
عنه مرفوعاً: ((الشَّيْطَانُ يَهِمُّ بِأَلوَاحِدٍ وَآلاثْنَيَّنِ، فَإِذَا كَانُوا ثَلاَثَةَ لَمْ يَهِمَّ بِهِمْ)).
انتهى مناوي على ((الجامع الصغير))، مع زيادة من ((كشف الخفاء ومزيل الإلباس))
للعجلوني رحمهم الله . آمين .
٩٤ - ((جَفَّ القَلَمُ بِمَا أَنْتَ لاَقٍ))) ؛ أي: نَفَذ المقدور بما كُتب في اللوح
المحفوظ ؛ فبقيَ القلم الذي كتب به جافاً لا مداد فيه ، لفراغ ما كتب به .
قال القاضي عياض : کتاب الله ولوحُه وقلمه من غیب علمه الذي نؤمن به ونكلُ
علمَه إليه . وهذا اللفظ لم يوجد في كلام العرب ، بل هو من الألفاظ التي لم يهتد
إليها البلغاءُ ، بل اقتضتها الفصاحة النبوية .
وهذا الحديثُ رواه البخاري ، والنسائي ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه
قال : قلتُ : يا رسول الله ، إني رجل شاب وأنا أخاف على نفسي العَنَت ، ولا أجد
ما أتزوَّج به النساء ، فأذن لي أختصيَ . فسكت عَنِّي ، ثم قلت مثل ذلك ؛
فسكت، ثم قلتُ مثل ذلك ؛ فقال النبي ◌َّهِ: ((يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؛ جَفَّ القَلَمُ بِمَا أَنْتَ
لاَقٍ فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ ، أَوْذَرْ )) .
ورواه الطبراني في ((الكبير)) عن ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ: (( جَفَّ
٣٩٣

٩٥ - ((الْجَنَّةُ تَحْتَ أَقْدَامِ الأُمَّهَاتِ )).
القَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ)» وهو حسن . ورواه القضاعي ؛ عن ابن مسعود رضي الله تعالى
عنه : سمعتُ النبيَِّ يقول: ((جَفَّ القَلَمُ بِالشَّقِيِّ وَالسَّعِيْدِ، وَفُرِغَ مِنْ أَرْبَعِ : مِنَ
الخَلْقِ، وَالخُلُقِ، وَالأَجَلِ، وَالرِّزْقِ )) وكذا رواه الديلمي ؛ عن ابن مسعود بلفظ
(( جَرَى القَلَمُ بِمَا حُكِمَ )) .
٩٥ - ( ((الجَنَّةُ تَحْتَ أَقْدَامِ الأُمَّهَاتِ))) يعني : التواضع لهنَّ وترضِّيهن
وإِطاعتهن في خدمتهِنَّ، وعدمَ مخالفتهن إلا فيما حَظَرَه الشرع سببٌ لدخول
الجنة ، وتمام الحديث: (( مَنْ شِئْنَ أَدْخَلْنَ، وَمَنْ شِئْنَ أَخْرَجْنَ ».
قال العامري : المراد أنَّه يكون في برِّها وخدمتها كالتراب تحت قدميها ؛ مقدِّماً
لها على هواه ، مؤثراً بِرَّها على بِرِّ كلِّ عباد الله ، لتحتُّلها شدائد حمله ورضاعه
وتربيته . انتهى .
فينبغي التواضع جداً للأُمَّهات حتی یکون کالتراب الذي تحت أقدامهنَّ ليدخل
الجنة مع السابقين ، لأن لها ثلثي البرِّ .
قال بعض الصوفية : هذا الحديث له ظاهر وباطن ، وحقٌّ وحقيقة ، لأن
المصطفى وَل ﴿ أوتي جوامع الكلم فقوله ((الجنة)) ... الخ
ظاهرُه : أن الأُمَّهات يُلْتَمَس رضاهنَّ المبلِّغ إلى الجنة بالتواضع لهنَّ، وإلقاء
النّفْس تحت أقدامِهِنَّ ، والتذلُل لهنَّ .
والحقيقة فيه : أنَّ أُمَّهات المؤمنين هنَّ معه عليه الصلاة والسلام أزواجه في
أعلى درجة في الجنة ، والخَلْقُ كلُّهم تحت تلك الدرجة ، فانتهاء رؤوس الخلق في
رفعة درجاتهم في الجنة ؛ وآخرُ مقام لهم في الرفعة : أوَّلُ مقام أقدام أُمَّهات
المؤمنين ، فحيث انتهى الخلق فَهُنَّ ثَمَّ ابتداءُ درجاتِهِنَّ ، فالجنة كلها تحت
أقدامهن . وهذا قاله لمن أراد الغزو معه؛ وله أمّ تمنعه، فقال: ((اِلْزَمْهَا ... ثم
ذكره .
٣٩٤

٩٦ - ((الْجَنَّةُ تَحْتَ ظِلَاَلِ السُّيُوفِ)).
قال الذهبي: فيه أن عقوق الأمهات من الكبائر وهو إِجماع. انتهى ((مناوي)).
والحديث أخرجه الخطيب في ((جامعه))، والقضاعي في ((مسند الشهاب))؛
عن أنس رفعه ، وهو منكر لأن في سنده مجهولين .
وذكره الخطيب أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما وضعفه .
قال في ((المقاصد)): وقد عزاه الديلمي لمسلم عن أنس فليُظَر !! ومثله في
((الدرر)) انتهى (( كشف الخفا)).
وفي المناوي على (( الجامع)): أنه أخرجه النسائي وابن ماجه ، وكذا الإمام
أحمد والحاكم وصححه . ومثله في (( كشف الخفا)) ؛ قال : عن معاوية بن جاهمة
السلمي رضي الله عنه .
٩٦ - ((الْجَنَُّ تَحْتَ ظِلاَلٍ) - وفي رواية للبخاري: تَحْتَ بَارِقَةِ - (أُلُُّوْفٍ))) ؛
أي : الجهاد مآله الجنة ، يعني : أنَّ ظلال السُّيوفِ والضرب بها في سبيل الله تعالى
سببٌ للفوز بظلالٍ بساتين الجَنَّةً ونعيمِها .
وفي ((النّهاية )): هو كنايةٌ عن الدُّنُوُّ من الضَّربِ في الجهاد حتى يعلوه السَّيفُ
ويصير ظِلُّه عليه؛ وَخَصَّ السُّيوفَ! لكونها أعظمَ آلاتِ الحربِ وأنفعَها إذْ ذاكَ .
والحديث رواه الحاكم في ((المستدرك)) في ((الجهاد ))؛ عن أبي موسى
الأشعري رضي الله عنه ؛ وقال : صحيح على شرط مسلم ، وأقرَّهُ الذَّهبي.
وفي رواية للبخاري؛ عن ابن أبي أوفى مرفوعاً بلفظ: ((إِعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ
ظِلالِ السُّيُوف)). ورواه مسلم في ((المغازي))؛ عن أبي موسى بلفظ: أنَّه قَالَ
بِحَضْرَةِ العَدُوِّ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إنَّ أَبْوَابَ الجَنَّهِ تَحْتَ ظِلَاَلِ السُّيوفِ ».
فَقَامَ رَجُلٌ رَثُ الهَيْئَةِ، فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسى؛ أَنْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ وَلِّ يقولُ
هذا؟ قال : نعم . قال : فرجع إلى أصحابه ؛ فقال: أقرأ عليكم السلام ؛ ثمَّ كَسَرَ
جَفْنَ سَيْفِهِ وَأَلْقَاهُ، ثُمَّ مشى بِسَيْفِهِ إلى العدوِّ، فضربَ به حتى قُتِلَ. وأخرجه
أَبو داود في (( الجهاد )).
٣٩٥

( حَرْفُ أَلْحَاءِ )
٩٧ - (( حُبُّ الدُّنْيَا .. رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ)).
( حَرْفُ الحَاءِ )
٩٧ - ((حُبُّ الدُّنْيَا) ؛ أي : تَعَلُّقُ القَلْبِ بها ، والانهماك في تحصيلها بأي
وجه كان ، كالمكاسينَ والتجَّارِ الَّذين يحلفون كذباً لترويج السلعةِ .
( رَأْسُ كُلِّ خَطِيْئَةٍ ))) بشاهد التجربة والمشاهدة ، فإِنَّ حُبَّها يوقع في الشُّبُهاتِ
ثم في المكروهات ، ثم في المحرمات ، وطالما أوقع في الكفر ، بل جميع الأُمم
المكذِّبة لأنبيائهم إِنما حملهم على كفرهم حبُّ الدنيا ، فكل خطيئةٍ في العالم أصلُها
حبُّ الدنيا ، ولا تنسَ خطيئَةَ الأبوين ، فإِن سببها حبُّ الخلود في الدنيا ؛ ولا تنس
خطيئة إِبليسَ ، فإِن سببها حب الرِّياسة التي هي شرٍّ مِنْ حبِّ لدنيا ، وكُفْرُ فِرْعَونَ
وهامانَ وجنودهما ... فَحُبُّ الدُّنيا هو الذي عَمَرَ النَّار بأهلها، ويُغْضُها هُوَ الذي
عَمَر الْجَنَّةَ بأهلها ، ومِنْ ثَمَّ قِيلَ : الدُّنيا خمر الشَّيْطانِ ، فمن شرب منها لم يُفق من
سكرتها إلاَّ في عسكر الموتى ، خاسراً نادماً .
نعم ؛ إذا أحبَّ جمع الدنيا لصرفها في مصارفها كإطعام الجائع ؛ فهو محمود
لا خطيئة، فضلاً عن كونه رأس كل خطيئة، ولذا ورد: ((نِعْمَتِ الدُّنيا مَطِيَّةُ
المؤمنِ، بِهَا يَصِلُ إِلَى الْخَيْرِ وَيَنْجُو مِنَ الشَّرِّ))، وهذه نصيحة منه وَّةٍ لأُمَّتَه.
وإلاَّ! فكل واحد لا غنى له عن الدنيا ، ولو لم يحبّ الناسُ الدنيا هلك العالَم وبَطَلَ
المَعَاشُ، إلاّ أنَّهُ علمِنَِّ أَن حُبَّ الدنيا مهلك؛ وأنَّ ذِكْرَ كَوْنِهِ مهلكاً لا يَنْزِعُ الحُبَّ
مِنْ قلب الأكثر ، إلاَّ الأقلين الذين لا تخرب الدنيا بتركهم ؛ فلم يترك النصح ؛
وَذَكَرَ ما في حب الدنيا من الخطر ، ولم يترك ذكره ؛ خوفاً من أن يُتْرَكَ ثقةً
بالشهوات المهلكة التي سلَّطها الله على عباده ليسوقَهم بها إلى جهنَّمَ تصديقاً لقوله
﴿ وَلَكِنْ حَّ الْقَوْلُ مِنِى﴾ [١٣/ السجدة]. الآية
٣٩٦

تنبيه : أخذ بعضهم من الحديث أنَّه ينبغي أن لا يؤخذ العلم إلاَّ عن أَقلِّ الناس
رغبةً في الدنيا ، فإنه أَنْورُ قلباً وأقلُّ إشكالاتٍ في الدِّينِ ؛ فكيف يؤخذ علمٌ عمَّن
جمع في قلبه رأس خطيئاتِ الوجودِ !! كيف وذلك يمنع من دخول حضرة الله
وحضرة رسوله ؟! فإنَّ حضرتَه تعالى كلامُه وحضرة رسوله كلامُه ، ومن لم يتخلَّق
بأخلاق صاحب الکلام لا یمکنه دخولُ حضرته ؛ ولو في صلاته ، إذ لا يفهم أحد
عن أَعلى صفة إلاَّ إِن صَلُحَ لِمُجَالَسَتِهِ ؛ فمن زَهِدَ في الدنيا كما زهد فيها
المصطفى وَل﴿ه؛ فَقَدْ أُهَّلَ لفهم كلامه، ولو رغب فيها كغالب الفقهاء! لا يُؤَمَّل
لذلك، ولا يفهم مراد الشارع إلاَّ إنْ فسر له بكلام مغلق قلق ضيق ؛ كذا في ((إرشاد
الطالبين)).
قال : وسمعت نصرانيّاً يقول لفقيه : كيف يزعم عُلماؤكم أَنَّهم ورثةُ نبيِّهم ؛
وهم يرغبون فيما زهد فيه رُهبانُنا ؟! قال : كيف ؟. قال: لأنَّهم يَأخذونَ في إقامة
شِعار دينهم ؛ من تدريسٍ وخَطابة وإِمامةٍ ونحوها عَرَضاً من الدنيا ؛ ولو مُنِعُوهُ
لعطّلوها ، وجميع الرُّهبان يقومون بأمر ديننا مجّاناً . فانظر قوَّة يقين أصحابنا
وضعف يقين أصحابكم ، فلو صدقوا ربّهم أنَّ ما عنده خيرٌ وأبقى ؛ لزهدوا في الدنيا
کما زهد فیھا نبُهم والرهبان .
وشكا بعضهم كثرةَ خواطرِ الشَّيطان ؛ فقال : طلِّقْ بنتَه يهجر زيارتَك ، وهي
الدنيا ، تريد أن يقطع رَحمَهُ لأجلك . قال : هو يأتي من لا دُنيا عنده ، قال : إن لم
تكن عنده ؟؛ فهو خاطب لها ، ومَن خطب بنتَ رجل فتح باب مودَّته ؛ وإن لم
يدخل بها .
وكان الرّبيعُ بن خُثَيم يقولُ : أَخْرِجوا حُبَّ الدنيا من قلوبكم يدخلها حبُّ
الآخرة. انتهى. مناوي على ((الجامع الصغير)).
والحديث رواه البيقهي في (( شعب الإيمان))؛ عن الحسن البصري مرسلاً ؛ ثم
قال - أَعني البيهقي -: ولا أصل له من حديث النَّبِي ◌َّر .
٣٩٧

٩٨ - ((اَلْحُبُّ فِي اللهِ وَالْبُغْضُ فِي اللهِ مِنْ أَفْضَلِ الأَعْمَالِ ».
قال الحافظ الزَّين العراقي : ومراسيل الحسن عندهم شبهُ الرِّيح ، ومثل به في
(( شرح الألفية )) للموضوع من كلام الحكماء ، وقال : هو من كلام مالك بن دينار ؛
كما رواه ابن أبي الدنيا ، أو من كلام عيسى ، كما رواه البيهقي في ((الزهد »،
وأبو نعيم في (( الحلية))، أو من قول سعيد بن سعود ؛ كما ذكره ابن يونس في
(( تاريخ مصر)) .
وجزم ابن تيمية بأنه من قول جُنْدُبَ البَجَلِي ، وعَدَّ ابنُ الجَوزي الحديثَ في
الموضوعاتِ ، وتعقّبه الحافظ ابن حجر بأن ابن المديني أثنى على مراسيل الحسن ،
والإِسناد إليه حسن . وأورده الديلمي من حديث علي وبيَّض لسنده . وقال ابن
الغرس : الحديث ضعيفٌ .
وللديلمي؛ عن أبي هريرة رفعه: «أَعْظَمُ الآفَاتِ تُصِيبُ أُمَّتِي: حُبُّهُمُ الدُّنْيَا ،
وَجَمْعُهُمُ الذَّنَنِيرَ وَالدَّرَاهِمَ، لَاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِمَّنْ جَمَعَها إلاَّ مَنْ سَلَّطَهُ الله عَلى
هَلَكَتِهَا فِي الحَقِّ)) انتهى مناوي على (( الجامع))، و(( كشف الخفا)) للعجلوني ،
رحمهما الله تعالى . آمين .
٩٨ - ((الحُبُّ فِي اللهِ) ؛ أي: في ذات الله، لا لِشَوْبِ رِياءٍ ولا هَوىّ ،
( وَالْبُغْضُ فِي اللّهِ مِنْ أَفْضَلِ الأَعْمَالِ))). قال الطيبي: ((في)) هنا بمعنى اللام في
الحديث الآخر (( مَنْ أَحَبَّ اللهِ))؛ إشارة إلى الإِخلاص، لكن ((في)) هنا أبلغ ،
أي: الحب في جهته ووجهه، كقوله تعالى ﴿ وَالَّذِيِنَ جَهَدُواْ فِنَا لَنَهَدِيَنَّهُمْ سُبُلَاً﴾
[٦٩/ العنكبوت] . أي : في حقنا ، ومن أجلنا ، ولوجهنا خالصاً .
فيمِن أفضل الأعمال أن يحبَّ الرجل للإيمان والعرفان ، لا لحظ نفساني
كإِحسان ، وأن يكرهه للكفر والعصيان ؛ لا لإيذائه له .
والحاصل : أن لا يكون معاملته مع الخلق إلا لله ؛
ومن البغض في الله بغضُ النفسِ الأمّارة بالسُّوءِ وأعداءِ الدّين ، وبغضهما
٣٩٨

٩٩ - (( حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ)).
مخالفةُ أمرهما ، والمجاهدة مع النَّفَس بحبسها في طاعة الله تعالى بما أَمر ونهى ،
ومع أعدائه تعالى بالمصابرة معهم والمرابطة لأجلهم .
وهذا الحديث مَن تدبّره وقف على سلوك طريق الله وفناءِ السالك في الله .
قال ابن رسلان : فيه دليل على أنه يجب أن يكونَ للرجل أعداء يبغضهم في
الله ؛ كما يكون له أصدقاء يُحِبُّهُمْ في الله: بيانه أنَّك إذا أَحْببتَ إنساناً لأنه مطيع للهِ
ومحبوبٌ عند الله ، فإن عصاه فلا بدَّ أن تبغضه ؛ لأنه عاص للهِ وممقوت عند اللهِ ،
فمن أحبَّ لِسَبَبٍ فبالضرورة يبغض لضدّه ؛ وهذان وصفان متلازمان لا ينفصل
أَحَدُهما عن الآخر، وهو مطَّردٌ في الحب والبغض في العادات ، والله أعلم .
انتهى. من ((شروح الجامع الصغير)).
والحديث ذكره في ((كنوز الحقائق)) باللَّفظ الذي أورده المصنف معزواً
لأبي داود .
وذكره في ((الجامع الصَّغير)) بلفظ: (( أفْضَلُ الأَعْمَالِ الحُبُّ في اللهِ وَالُغْضُ فِي
اللهِ )) . مَعْزُوّاً لأبي داود ؛ من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه ، وهو الموافق
لما في (( سنن أبي داود ))، لكن في سنده راوٍ لم يُسَمَّ .
٩٩ - ((حُبُّكَ الشَّيْءَ) - بلام ودونها روايتان - ( يُعْمِيْ ) عن عيوب
المحبوب ، ( وَيُصِمُّ ))) عن سماعها ، فلا تبصر قبيحَ فعله ، ولا تسمع فيه نهيَ
ناصح ، بل ترى قبيحه حسناً وتسمع منه الجفا قولاً جميلاً ، وهذا شامل لِمحبّة
النَّفْسِ ، فإِذا أَحبَّ الشخصُ نفسه وفِعْلَها ؛ رضي بكل أَفعال نفسه ، وأثْنَى على
نفسه ، فلا يرى لنفسه فعلاً سَيِّاً ، وهذا من سوء الحال . أُنظر قول سيِّدنا يوسفَ
عليه الصلاة والسلام: ﴿﴿ وَمَآ أُبَرُِّ نَفْسِىَّ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَارَةٌ بِالسُّوْءِ﴾ [٥٣/ يوسف] فما بالك
بغيره !! فالحبُّ لَذَّةٌ تعمي عن رؤية غير المحبوب ، وتُصِمُّه عن سماع العذل فيه ،
وَالمحبة إذا استولت على القلب سلبته عن صفاته ، ولذا قال بعض الشُّعراء :
٣٩٩

١٠٠ - (( أَلْحَرْبُ خُدْعَةٌ ».
وَعَيْنُ الرِّضَا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ كَمَا أنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِي المَسَاوِيَا
وهذا الحديث ذكره في ((الجامع الصغير)) ؛ مرموزاً له برمز الإمام أحمد
والبخاري في ((التاريخ))، وأبي داود في ((الأدب)) عن أبي الدرداء مرفوعاً
وموقوفاً ، قال الحافظ العراقيُّ : وإسناده ضعيف . وقال الزركشي : روي من طرق
في كلِّ منها مقال. وقال السيوطي في ((الدرر)) : الوقف أشبه .
وقال في ((المقاصد)): رواه أبو داود والعسكري ؛ عن أبي الدرداء مرفوعاً
وموقوفاً ، والوقف أشبه ؛ وفي سنده ابن أبي مريم ، ورواه أحمد ؛ عن ابن
أبي مريم ؛ فوقفه ، والرفع أكثر . ولم يصب الصَّغاني حيث حكم عليه بالوضع .
وكذا قال العراقي : إن ابن أبي مريم لم يتهمه أحد بكذب ، إنما سُرِق له حُلِيٍّ
فَأَنْكَرَ عَقْلَهُ ! وقال الحافظ ابن حجر - تبعا للعراقي -: ويكفينا سكوت أبي داود
عليه . فليس بموضوع ، ولا شديد الضعف ؛ فهو حسن . انتهى .
وقال القاري - بعد أن ذكر ما تقدم -: فالحديث ؛ إما صحيحٌ لذاته أو لغيره ،
مرتقي عن درجة الحسن لذاته إلى [الصحة] لصحة معناه ؛ وإنْ لم يثبت مبناه .
انتهى. من المناوي على ((الجامع)) و(( كشف الخفاء)) للعجلوني .
١٠٠ - ((الحَرْبُ خَذْعَةٌ))) ؛ بفتح الخاء المعجمة وإسكان الدال المهملة ،
وهي أشهر اللغات وأفصحها ، حتى قال ثعلب وغيره: هي لغة النَّبِيِّ وَّر، وهي المرَّة
الواحدة من الخداع ، أي: الحرب خدعة واحدة ؛ مَن تيسرت له حُقَّ له الظَّفر .
أو المعنى : أنها تَخْدع أهلها ؛ من وصف الفاعل باسم المصدر ، أو أنَّها
وصف للمفعول ، كهذا الدرهم ضربُ الأمير ؛ أي : مضروبهُ .
وفيها لغة ثانية : [ خُذْعة ] بضم الخاء وإسكان الدال ، ومعناها أنها تخدع
الرِّجال ؛ أي: هي محلُّ الخداع وموضعه؛ وفيها لغة ثالثة: [ خُدَعة ] بضمِّ الخاء
[الهمزة] . والمعنى : إنَّها تخدع
وفتح الدالِ ، صيغةُ مبالغةٍ: كـ ﴿هُمَزَقِ لُمَّزَقٍ
٤٠٠