Indexed OCR Text
Pages 61-80
فَلاَ تُرْتَجُ حَتَّى يُصَلَّى الظُّهْرُ، فَأُحِبُّ أَنْ يَصْعَدَ لِي فِي تِلْكَ السَّاعَةِ خَيْرٌ)) ؛ قُلْتُ: أَفِي كُلِّهِنَّ قِرَاءَةٌ؟ قَالَ: ((نَعَمْ))، قُلْتُ: هَلْ فِيهِنَّ تَسْلِيمٌ فَاصِلٌ؟ قَالَ: ((لاَ)). يستحبُّ أن يصلِّي بعد نصف النهار ، فقالت عائشة رضي الله عنها : يا رسولَ اللهِ ؛ أراك تستحبُّ الصلاة هذه الساعة؟! فقال: ((تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ ، وَيَنظُرُ اللهُ إِلَى خَلْقِهِ بِالرَّحْمَةِ، وَهِيَ صَلاَةٌ كَانَ يُحَافِظُ عَلَيْهَا آدَمُ وَنُوحٌ وَإِبْرَاهِيْمُ وَمُوسَى وَعِيْسَى عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ )). انتهى ((مُلأَّ علي قاري)). ( فَلاَ تُرْتَجُ ) - بضمٌّ التاء الأولى ، وفتح الثانية ؛ بينهما راء ساكنة وآخره جيم مخففة -؛ أي: لا تغلق ( حَتَّى يُصَلَّى الظُّهْرُ)؛ أي : صلاة الظهر. (فَأُحِبُّ أَنْ يَصْعَدَ ) - بفتح أوله ويجوز ضتُّه - أي: يطلع ويرفع ( لِي فِي تِلْكَ السَّاعَةِ خَيْرٌ))) أي : عملُ خيرٍ من النوافل ؛ زيادة على ما كتب ليدلَّ على كمال العبودية . واستشكل هذا بأن الملائكة الحفظة لا يصعدون إِلاَّ بعد صلاة الصبح ، ويَنْعُد أنَّ العمل يصعد قبل صعودهم !! وقد يُرادُ بالصعودِ القبولُ . ( قُلْتُ) أي : - للنبي ◌ََّ ـ (: أَفِي كُلِّهِنَّ قِرَاءَةٌ؟! ) ؛ أي : قراءةُ سورةٍ غيرِ الفاتحة، وإلاَّ! فالنفلُ لا يصحُّ بدون الفاتحة ، كما هو معلوم . ( قَالَ: ((نَعَمْ)). قُلْتُ: هَلْ فِيْهِنَّ تَسْلِيْمٌ فَاصِلٌ؟) ، أي : بين الركعيتن الأوليين والركعتين الأُخريين! ( قَالَ: ((لاَ))) . أَنْ ليس فيهن تسليم فاصل . وبهذا استَدَلَّ مَن جعل صلاة النهار أربعاً أربعاً . ويمكن أن يقال : المرادُ ليس فيهن تسليمٌ واجب ، فلا ينافي أنَّ الأفضل مثنى مثنى ؛ ليلاً ونهاراً ، لخبر أبي داود وغيره: ((صَلاَةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى)). وبه قال الأئمة الثلاثة. وقال أبو حنيفة : الأفضلُ أربعاً أربعاً مطلقاً ، ووافقه صاحباه في النهار ؛ دون الليل . وهذا الحديث وما في معناه حجَّةٌ لهم. انتهى « مناوي وباجوري)) . ٦١ وَمَعْنَى (لاَ تُرْتَجُ ) : لاَ تُغْلَقُ . وَعَنْ أُمِّ هَانِىءٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ ... وَسَلَّمَ دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَاغْتَسَلَ ، فَسَبَّحَ - أَي : صَلَّى (وَمَعْنَى ((لاَ تُرْتَجُ))) - بضم المثناة الفوقية الأولى وفتح الثانية وتخفيف الجيم - (لاَ تُغْلَقُ)؛ ذكره شُرَّاح ((الشمائل)). ( وَ) أخرج البخاريُّ، ومسلم، و((الموطأ))، وأبو داود ، والنسائي، والترمذي في ((الجامع)) و((الشمائل))، وابن ماجه - باختلاف في الألفاظ - : كلُّهم ( عَنْ أُمِّ هَانِىءٍ) - بالهمزة - : فاختة بنت أبي طالب (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا؛ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِنَِّ دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَّةَ) لا يعارِضُه روايةُ الشيخين وغيرهما عنها قالت: ذهبتُ إلى رسول الله وَّ عامَ الفتح ؛ فوجدته يغتسل وفاطمةُ ابنته تستره بثوب ... الحديث . لاحتمال تعدُّد الواقعة ؛ فمَرَّة كان في بيتها ، ومرَّة ذهبت له ، أو كان في بيتها في ناحية عنها وعنده فاطمة ، فمجيئها له لا ينفي كونَه في بيتها ، وكان ذهابُها إليه لشكوى أخيها عليٍّ ، إذْ أراد أن يقتل من أجارته . لكن وقع في «الموطأ)) ومسلم؛ من طريق أبي مرة ؛ عن أمّ هانىء (( أنَّها ذهبت إلى النبي ◌َلقر؛ وهو بأعلى مكة، فوجدته يغتسل)). ويُجمعُ بينهما بأن ذلك تكرّر منه . ويحتمل أن يكون نزل في بيتها بأعلى مگَّة ؛ وكانت هي في بيتٍ آخرَ بمكَّة ، فجاءت إليه فوجدته يغتسل . فيصحُّ القولان . فعلى هذا يكونُ لها بيتان أحدُهما كان ◌ٍَّ سكن فيه، والآخر سُكْناها ، فالإضافة باعتبار مالكيَّتِها. انتهى. (( جمع الوسائل ومناوي)). ( فَأَغْتَسَلَ ) أخذ منه الشافعية أنَّه يسنُّ لمن دخل مكة أن يغتسل أوَّل يومٍ لصلاة الضحى؛ تأسِّياً به وَله. (فَسَبَّحَ؛ أَي: صلى)؛ من باب تسمية الكلِّ باسم ٦٢ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ - مَا رَأَيْتُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى صَلاَةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالشُّجُودَ . البعض ، لاشتمال الصلاة على التسبيح ، وقد يُطلَق التسبيحُ على صلاة التطوّع على أنَّ روايةَ ((الصحيحين)): فصلَّى (ثَمَانِ ) منسوب إلى الثُّمن، لأنَّه الجزء الذي صيَّ السبعةَ ثمانيةً؛ فهو ثُمُنها ، ثم فتحوا أوَّله ، لأنَّهم يغيِّرُون في النسبة ، وحذفوا منها إحدى ياءي النسب وعوَّضوا منها الألف ، وقد تحذَف منه الياء ، ويكتفى بكسر النون، أو يفتح تخفيفاً . كذا حقَّقه العلاَّمة الكرماني. انتهى. (( مناوي ومُلاًّ علي قاری )) ( رَكَعَاتٍ ) زاد ابن خزيمة في روايته ؛ عن أمّ هانىء: (( فَسَلَّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ )) وفيه ردٌّ على من تمسّك به في صلاتِها موصولةً ، سواء صلَّى ثمان ركعات ؛ أو أقل . ولمسلم أنَّه ◌ِيَّهِ صلَّى في بيتها عامَ الفتح ثمان ركعات في ثوب واحد ؛ قد خالف بين طرفيه (: مَا رَأَيْتُهُ)، أي: النبي (وَّهِ صَلَّى صَلاَةً قَطُ ) ؛ أي : أبداً ( أَخَفَّ مِنْهَا) أي: من تلك الصلاة التي صلاً ها وَيٍ . زاد في رواية مسلم : لاَ أَدْرِيْ أَقِيامه فيها أطولُ ؛ أَم ركوعُه ؛ أم سجوده !! . ولا يؤخذ من هذا الحديث ندبُ التخفيف في صلاة الضحى ؛ خلافاً لمن أخذه ، لأنَّه لا يدلُّ على أَنَّه واظب على ذلك ، بخلافه في سنة الفجر . بل ثبت أنَّه طَوَّل في صلاة الضحى ؛ كما رواه ابن أبي شيبة . وإنَّما خفَّفَها يوم الفتح !! لاشتغاله بمهمَّاته . ( غَيْرَ أَنَّهُ) - نصبٌ على الاستثناء -، ولعلَّه لما كان ينشأ من قولها (( ما رأيتُه صلَّى صلاةً قطُّ أخفّ منها )) توهّم أنه لم يُتمَّ الركوع والسجود ؛ دَفَعت ذلك التوهُّم بأنَّه ◌َّهِ (كَانَ يُتِمُّ الرُّكُوْعَ وَأَلُّجُوْدَ) يعني: لا يخفِّفُهما جدّاً ، وإلاَّ فهو يتمُّ سائر الأركان مع التخفيف . ٦٣ [وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالىُ عَنْهُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَفَّ النَّاسِ صَلَةٌ فِي تَمَامٍ](١) . وَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اُللَّيْبِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَفَّ النَّاسِ صَلاَةٌ عَلَى النَّاسِ ، وَأَطْوَلَ النَّاسِ صَلَاَةً لِنَفْسِهِ . ( وَ) أخرج الإِمام مسلم في ((صحيحه))، والترمذيُّ، والنّسائي (عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) قال: (كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَ أَخَفَّ النَّاسِ ) - لفظ رواية مسلم : ((مِنْ أَخفِّ الناس)) - (صَلاَةً) إذا صلَّى إماماً؛ لا منفرداً، كما صرَّح به الحديثُ الآتي عَقِبَه . ( فِي تَمَامِ ) للأركان . قيَّد به !! دفعاً لتوهُم مَن يفهم أنَّه ينقص منها حيث عبَّر بـ ((أخفّ)). قال ابن تيمية : فالتخفيفُ الذي كان يفعلُه هو تخفيفُ القيام والقعود ؛ وإن كان يتمُّ الركوع والسجود ويطيلُهما ؛ فلذلك صارت صلاتُه قريباً من السواء . وقال بعضهم : محمولٌ على بعض الأحوال ، وإلاَّ !! فقد ثبت عنه التطويلُ أيضاً جدّاً أحياناً، وفي رواية لمسلم أيضاً: كان يؤجِز في الصلاة ويتمُّ. انتهى ((مناوي)). ( وَ) أخرج الإمام أحمد، وأبو يعلى بإسناد جيد؛ ( عَنْ أَبِي وَاقِدٍ ) - بقاف مهملة - ( اللَّيْئِيِّ ) بمثلثة بعد التحتية ، واسمُه : الحارثُ بن مالك المديني ، شهد بدراً (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ) قال : ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَلِ أَخَفَّ النَّاسِ صَلاَةٌ عَلَى النَّاسِ ) - يعني : المقتدين به - ( وَأَطْوَلَ النَّاسِ صَلَةً لِنَفْسِهِ ) ، مالم يَعرِضْ ما يقتضي التخفيف ؛ كما فعل في قصَّةٍ بكاء الصبي ونحوه . (١) إضافة من الشارحٍ. ٦٤ وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلاَةِ فِي بَيِّي ، وَالصَّلاَةِ فِي الْمَسْجِدِ؟ قَالَ: ((قَدْ تَرَى مَا أَقْرَبَ بَيْتِيَ مِنَ الْمَسْجِدِ ، فَلَأَنْ أُصْلِّيَ فِي بَيِّتِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ ؛ إِلَّ أَنْ تَكُونَ صَلَةً مَكْتُوبَةً)) ؛ وفيه - كالذي قبلَه - أنَّه يندب للإمام التخفيفُ من غير تركِ شيءٍ من الأبعاض والهيئات ، لكن لا بأس بالتطويل برضاهم ؛ إن انحصروا ، كما استفيد من حديث آخر . انتھی « مناوي )» . ( وَ) أخرج ابن ماجه، والترمذي في ((الشمائل)) ؛ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدٍ ) الأنصاري الحرامي - وقيل : القرشي الأموي - عمّ حرام بن حكيم ، صحابِيٌّ ؛ نُقُل أنه شهد فتح القادسية ، وكان يومئذ على مقدِّمة الجيش . روی عنه حرام بن حکیم وخالد بن معدان . وزعم الخطيب : أن حرام بن حكيم هذا هو حرام بن معاوية الأنصاري ، وأنَّهما متَّحدان !! وقد فَرَّق بينهما البخاريُّ ، والدارقطني ، والعسكري وغيرهم . انتهى ((إصابة)). (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُوْلَ اللهِنَّهِ عَنِ الصَّلاَةِ فِي بَيْتِي ؛ وَالصَّلاَةِ فِي أُلمَسْجِدِ ؟! ) ؛ أي : أَيُّهما أفضل، والمراد صلاة النفل ( قَالَ: ((قَدْ ): للتحقيق ( تَرَى) : الرؤية بصرية ، والخطاب لعبد الله بن سعد ( مَا أَقْرَبَ بَيِّتِي مِنَ المَسْجِدِ ) أي : قد ترى كأقرب بيتي من المسجد ( فَلأَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيّتِي) الفاء: فصيحة، و(( أن)) مصدرية ؛ أي : إذا كنتَ ترى ذلك ؛ فَلَصلاتي في بيتي مع كمال قربه من المسجد ( أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُصَلِّيَ ) ؛ أي : من صلاتي ( فِي المَسْجِدِ ) أي : لتحصُل البركة للهيت وأهلِه ، ولتنزل الملائكة ، وليذهب عنه الشيطان - كما سيأتي - . (إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ ) الصلاةُ (صَلاَةً مَكْتُوْبَةً )) ) ؛ أي : مفروضة، فإِنَّ الأحبّ إليَّ ٦٥ أَيْ : لِتَحْصُلَ الْبَرَكَةُ لِلْبَيْتِ وَأَهْلِهِ، وَتَنْزِلَ الْمَلاَئِكَةُ، وَلِيَذْهَبَ عَنْهُ الشَّيْطَانُ . وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ .. بَكَّرَ بِالصَّلاَةِ، وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ . . أَبْرَدَ بِالصَّلاَةِ. ٢ صلاتُها في المسجد ، لأنها من شعائر الإسلام ، وقول ( أَيْ : لِتَحْصُلَ البَرَكَةُ لِلْبَيْتِ وَأَهْلِهِ ) ؛ أي : بصلاة النفل فيه، ( وَتَنْزِلَ اُلمَلاَئِكَةُ) لاستماع القرآن، (وَلِيَذْهَبَ عَنْهُ الشَّيْطَانُ ) ؛ بسبب وجود العبادة وعدمِ الغفلة . ومعنى الحديث : أنَّ معَ كمال قُرْب بيتي من المسجد صَلاَتي في بيتي أَحبُّ إليَّ مِن صلاتي في المسجد إلَّ المكتوبةَ. وهو معنى حديث ((الصحيحين)): ((أَفْضَلُ الصَّلاَةِ صَلَةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ المَكْتُوبَةَ)). وفي ((الصحيحين)): ((اجْعَلُوا مِنْ صَلاَتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ، وَلاَ تَتَّخِذُوهَا قُبُوراً )) . وكذلك يستثنى من النفل ما تسنُّ فيه الجماعة ، والضحى ، وسنّةُ الطواف ، والإحرام ، والاستخارة .. وغير ذلك ممَّا هو مبيَّنٌ في الفروع. انتهى (( مناوي )). ( وَ) أخرج البخاري والنَّسائيُّ؛ (عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ إِذَا أَشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلاَةِ ) ؛ أي : بصلاةِ الظهر ، يعني صلاَّها في أوَّلِ وقتها ، وكلُّ مَن أسرع إلى شيءٍ فقد بكَّر إليه . ( وَإِذَا أَشْتَدَّ الحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلاَةِ ) ؛ أي : دخل بها في البرد، بأن يؤخِّرَها إلى أن يصيرَ للحيطان ظلُّ فيه يمشي قاصدُ الجماعة . قال المناويُّ : قال الإمام البخاريُّ : يعني هنا صلاة الجمعة ؛ قياساً على الظهر ، لا بالنصِّ ؛ لأن أكثر الأحاديث تدلُّ على الإبراد بالظهر ، وعلى التبكير بالجمعة مطلقاً، وقوله - أعني البخاري - (( يعني الجمعة )) !! يحتمل كونُهُ قولَ التابعي مما فهم ، وكونه مِن تفقُّهِهِ ؛ فترجَّح عنده إلحاقاً بالظهر ، لأنها إما ظهرٌ ٦٦ وزيادة، أو بَدَل عن الظهر، لكنَّ الأصحَّ من مذهب الشافعي عدمُ الإبراد بها. انتهى. وإنَّما يسنُّ الإبرادُ عند الشافعية بشروط : ١ - كونه بصلاة الظهر ، و ٢ - كونه في الحرِّ الشديد، و٣ - كونه بالبلدِ الحارِّ، و٤ - كونه لمن يصلِّي جماعة ، و ٥ - كونها تُقام في موضع بعيدٍ بأن يكون في مجيئه مشقَّة تذهب الخشوع ؛ أو كمالَه، و ٦ - كونهم يمشون إليها في الشمس . فلا يسنُّ الإبراد بالجمعة ، ولا في غَيْرِ شدَّة الحرِّ ؛ ولو بقطر حار ، ولا في قطر بارد ؛ أو معتدل ؛ وإن اتفق فيه شدَّة حرٍّ ، ولا لمن يصلي منفرداً . لكن اعتمد في ((التحفة)) و((النهاية)) وغيرِهما: أنَّه يسنُّ الإبراد لمنفردٍ يريد الصلاة في المسجد ، ولا يسنُّ الإبراد لمن يأتي من قُرب ، أو من بُعْد ، لكن يجدُ ظلاً يمشي فيه ، إذ ليس في ذلك كبيرُ مشقَّة . وإذا سُنَّ الإبراد بالشروط المذكورة سُنَّ التأخير إلى حصول الظلِّ الذي يقي طالب الجماعة من الشمس ؛ وغايتُه نصف الوقت . وهذا أحد المسائل المستثناة من قولهم (( كُلُّ عبادة مؤقَّتَةٌ فالأفضل تعجيلُها أوَّلَ الوقت)) ، واستثنوا من ذلك فصولاً ؛ منها : الإبراد المذكور بشرطه ، ومنها : صلاةُ الضخَى أَوَّل وقتها طلوع الشمس ، ويسنُّ تأخيرُها لربع النهار ، ومنها : صلاة العيدين ؛ يسنُّ تأخيرها لارتفاع الشمس ، ومنها : الفطرةُ أوَّل وقتها غروب شمس ليلة العيد ويسنُّ تأخيرها ليوم العيد ، ورمي جمرة العقبة وطواف الإفاضة والحلقُ كلُّها يدخل وقتها بنصف ليلة النحر ، ويستحبُّ تأخيرها ليوم النحر . وقد نظم هذه المستثنياتِ الحافظُ السيوطي رحمه الله تعالى ؛ فقال : مَا عَدَا سَبْعَةً أنَا المُسْتَقْرِي أَوَّلُ الوَقْتِ فِي الْعِبَادَةِ أَوْلَئُ حَيْثُ الابْرَادُ سَائِغٌ بِالْحَرِّ الضُّحَىْ الْعِيْدُ فِطْرَةٌ ثُمَّ ظُهْرٌ بَعْدَ حَجِّ وَرَمْيُّ يَوْمِ النَّحْرِ وَطَوَافُ الحَجِيْجِ ثُمَّ حِلاَقٌ ٦٧ وَعَنِ أَبْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَ يَكُونُ فِي الْمُصَلِّينَ إِلاَّ كَانَ أَكْثَرَهُمْ صَلاَةٌ ، وَلاَ يَكُونُ فِي الذَّاكِرِينَ إِلاَّ كَانَ أَكْثَرَهُمْ ذِكْراً . وَعَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَزَبَهُ - وَفِي رِوَايَةٍ : حَزَنَهُ -أَمْرٌ . . صَلَّى ؛ ( وَ) أخرج أبو نعيم في ((أماليه الحديثية))، والخطيبُ، وابنُ عساكر في ((تاريخه)»: كلُّهم؛ (عَنِ أَبْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) - وإسناده حَسَن ؛ كما في العزيزي - قال : ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِ لاَ يَكُوْنُ فِي المُصَلِّيْنَ إِلَّ كَانَ أَكْثَرَهُمْ صَلَاةً ، وَلاَ يَكُوْنُ فِي الذَّاكِرِيْنَ إِلَّ كَانَ أَكْثَرَهُمْ ذِكْراً) كيف ؛ وهو أعلمُ الناس بالله ، وأعرفُهم به !! ولهذا قام في الصلاة حتَّى تورَّمت قدماه . ( وَ) أخرج الإمام أحمد، وأبو داود ؛ وسكت عليه ( عَنْ حُذَيْفَةَ ) بن اليمان ( رَضِي اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) وعن والده(١) - وهو حديث صحيح؛ كما في العزيزي - قال : ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ إِذَا حَزَبَهُ) - بحاء مهملة وزاي فموحدة مفتوحة مخففة - أي: هجم عليه، أو نزل به. ( وَفِي رِوَايَةٍ: حَزَنَهُ) - بنون - ( أَمْرٌ ) أي : أوقعه في الحزن ، يقال : حزنني الأمرُ، وأَحزنني الأمرُ ؛ فأنا محزون . ولا يقال ((مُحْزَن )). (صَلَّى ) ، لأن الصلاةَ معينة على دفع جميع النوائب بإعانة الخالق الذي قصد بها الإقبال عليه والتقرّب إليه . (١) يجدر التنبيه أن والده ليس اسمه ((اليمان))! وإنما هو لقب له ((هامش الأصل)). واسمه العَلَم : حُسَيْل . ٦٨ أَيْ: إِذَا نَزَلَ بِهِ هَمٌّ ، وَأَصَابَهُ غَمٌّ . وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَزَلَ مَنْزِلاً .. لَمْ يَرْتَحِلْ مِنْهُ حَتَّى يُصَلِّيَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ . ومنه أَخذ بعضهم ندبَ صلاةِ المصيبة ؛ وهي ركعتان عَقِبَها ، وكان ابنُ عبَّاس يفعل ذلك، ويقول: نفعل ما أمرنا الله به بقوله ﴿ وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ﴾ [١٥٣/ البقرة]. فينبغي لمن نزل به غمٌّ أن يشتغل بخدمة مولاه؛ من صلاة وذكر ونحوهما، فإنَّه تعالى يفرِّجُه عنه. انتهى شروح ((الجامع الصغير )). قال في (( النهاية )): معنى إذا حَزَبه أمر : ( أَيْ : إذا نَزَلَ بِهِ هَمٌّ ) ؛ هو الكرب يحصل بسبب ما يتوقَّع حصولُه من أذى ، (وَأَصَابَهُ غَمٌّ) الكرب : يحصل للقلب بسبب ما حصل من الأذى ، وقيل : هما بمعنىّ واحدٍ ، وقال بالفرق بينهما القاضي عياضٌ وغيره . انتهى شرح ((القاموس )) . ( وَ) أخرج البيهقيُّ في ((سنته))؛ (عَنْ أَنَسٍ ) أي : ابن مالك خادمٍ رسول الله وَّهِ (رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْه ) قال : ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ إِذَا نَزَلَ مَنْزِلاً) في سفره - لنحو استراحة ؛ أو قيلولة؛ أو تعريسٍ - ( لَمْ يَرْتَحِلْ مِنْهُ حَتَّى يُصَلِّيَ فِيْهِ رَكْعَتَيَّنِ ) ؛ أي : نفلاً غير الفريضة . ويحتمل أنَّ المراد به ركعتا الفرض ؛ أي : الظهر مثلا مقصورةً . قال المناوي : قال الحافظ ابن حجر : حديثٌ صحيحُ السندِ معلولُ المتن ؛ خرَّجه أبو داود والنسائي وابن خزيمة بلفظ ((الظهر ركعتين))، فظهر أَنَّ في رواية الأوَّل وَهَماً ؛ أو سقوطاً . والتقدير : حتى يصلِّي الظهر ركعتين. وقد جاء صريحاً في (( الصحيحين)) . انتهى كلام المناوي رحمه الله تعالى. ( وَ) أخرج الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم في ((الصلاة)) - وقال: على شرطهما؛ وأقرَّه الذهبي، وقال العزيزي: إسناده صحيح - : كلُّهم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : ٦٩ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ أَنْ يَلِيَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ فِي الصَّلاَةِ ؛ لِيَحْفَظُوا عَنْهُ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يُفَارِقُ مُصَلَّهُ سِوَاكُهُ وَمُشْطُهُ . وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ ، ( كَانَ) رسولُ الله (ِّهِ يُحِبُّ أَنْ يَلِيَهُ أَلمُهَاجِرُوْنَ وَالأَنْصَارُ فِي الصَّلاَةِ ) . قال ابن حجر : وحبُّ المصطفى وَلّ للشيء !! إما بإخباره للصحابي بذلك ، وإما بالقرائن ( لِيَحْفَظُوْا عَنْهُ) كيفيةَ الصلاة المشتملةِ على فروض وأبعاض وهيئات ؛ فيرشدون الجاهل وينبِّهون الغافل . ( وَ) في ((كنوز الحقائق)) للمناوي قال: (كَانَ وَ لاَ يُفَارِقُ مُصَلاَّهُ ) موضع صلاته ( سِوَاكُهُ) ؛ أي: آلة السواك (وَمُشْطُهُ) . ورمز له برَمز الطبراني. ( وَرَوَىْ أَلْإِمَامُ) الحافظُ أبو عبد الله ( أَحْمَدُ ) بن محمد بن حنبل الشيباني المروزي البغداديُّ ، الإمامُ البارعُ المجمعُ على جلالته وإمامته ، وورعه وزهادته ، وحفظه ووفور علمه ، وسيادته . خَرَج من مرو حَمْلاً ، وولد ببغداد ، ونشأ بها إلى أن توفِّيَ بها ، ودخل مكَّة والمدينة المنورة ، والشام ، واليمن ، والكوفة ، والبصرة ، والجزيرة . سمع سفيان بن عيينة ، ويحيى القطَّان ، ووكيعاً، وابنَ مهدي ، وعبد الرزاق ، وخلائق . وروى عنه شيخُه عبد الرزاق ، وعلي بن المديني ، والبخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، وأبو زرعة الرازي ، وبقي بن مَخْلَد الأندلسي ، وخلائق قال أبو حاتم: كان أحمد ابن حنبل بارعَ الفهم بمعرفة صحيح الحديث وسقيمه . وكانت ولادتُه في شهر ربيع الأول سنة : أربع وستين ومائة ، وتوفي في ضَحْوَةٍ يوم الجمعة الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة : إحدى وأربعين ومائتين ، ودفن ببغداد ، وقبرُه مشهور معروف يتبرَّك به رحمه الله تعالى . ٧٠ وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُودَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَبْنُ مَاجَهْ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَنْصَرَفَ مِنْ صَلاَتِهِ .. أُسْتَغْفَرَ ( ثَلَاثاً ) ، ثُمَّ قَالَ : ( وَ) الإمام ( مُسْلِمُ) بن الحجاج في ((كتاب الصلاة))، ( وَ) الإِمام (أَبُو دَاوُدَ) سليمانُ بن الأشعث السجستاني في ((الصلاة)) أيضاً ( وَ) الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة ( التِّزْ مِذِيُّ) نسبة إلى ((ترمز)): مدينة قديمة على طرف نهر بلخ الذي يقال له ((جيحون)) وتقدَّمت ترجمته. ( و) الإِمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار ( النَّسَائِيُّ) - بفتح النون والسين المهملة المخفَّفة - ؛ بعدها ألف ممدودة ؛ أو مقصورة ؛ منسوبٌ إلى (( نَسَا )) مدينة بخراسان ، قال بعضهم : وَالنَّسَئِيُّ نِسْبَةٌ لِنَسٍَ مَدِيْنَةٌ فِي الوَزْنِ مِثْلُ سَبَإٍ ( وَ) الإِمام أبو عبد الله محمد بن يزيد الربعي ((مَولاهم)) القزوينيُّ المعروف بلقب ( أَبْنِ مَاجَهْ) ؛ بسكون الهاء وصلاً ووقفاً لأنه اسم أعجمي، و((ماجه )) لقب يزيد والد محمَّد؛ لا جدُّه كما في (( القاموس))، وقد تقدَّمت ترجمته . كلُّهم رَوَوْه عن ثوبان مولى المصطفى وَِّ: (أَنَّ رَسُوْلَ اَللهِ وَِّ كَانَ إِذَا أُنْصَرَفَ مِنْ صَلاَتِهِ ) ؛ أي : سلَّم منها ( أَسْتَغْفَرَ ) ؛ أي : طلب المغفرة من ربّه تعالى ( ثَلَاثاً) من المرَّات. زاد البزَّار في روايته: ((ومسح جبهته بيده اليمنى)). قيل للأوزاعي - وهو أحد رواة الحديث - : كيف الاستغفار ؟ قال : يقول ((أستغفر الله .. أستغفر الله)). قال الشيخُ أبو الحسن الشاذليُّ رحمه الله تعالى : استغفاره عقب الفراغ من الصلاة استغفارٌ من رؤية الصلاة ، أو للتشريع ؛ تعليماً لأمته ، ويحتمل أن يكون لهما . ( ثُمَّ قَالَ ) ؛ بعد الاستغفار، والظاهر أنَّ التراخيَ المستفادَ من (( ثُمَّ )) غيرُ مراد ٧١ ((اللَّهُمَّ؛ أَنْتَ السَّلاَمُ، وَمِنْكَ السَّلاَمُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَاَلِ وَاْلإِكْرَامِ » . هنا: ( ((اللَّهُمَّ؛ أَنْتَ السَّلاَمُ) - أي: المختصُّ بالتنزُّه عن النقائص والعيوب لا غيرك ــ (وَمِنْكَ السَّلاَمُ) ؛ أي: الأمان والسلامة من النقائص لمن أرَدْتَ له ذلك. (تَبَارَكْتَ)؛ أي: تعظَّمتَ وتمجَّدت ( يَا ذَا أَلجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ)))، لا تستعملُ هذه الكلمة في غير الله تعالى. انتهى عزيزي على ((الجامع)). ٧١ الْفَصْلُ الثَّانِ فِي صِفَةٍ صَوْمِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بن شَقِيقٍ [رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى] قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةً رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا عَنْ صِيَامِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَتْ: كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ ( الْفَصْلُ الثَّانِ ) من الباب السادس (فِي) بيان ما ورد في (صِفَةِ صَوْمِهِ وََّ ) والصوم والصيام كلاهما مصدرٌ لـ ((صام))، فهما بمعنىّ واحدٍ . وهو - لغة -: الإمساك؛ ولو عن الكلام ومنه ﴿ إِنِّ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا ﴾ [٢٦/ مريم] أي : إمساكاً عن الكلام . و - شرعاً -: الإمساك عن المفطّرات جميع النَّهار بنيَّة . والمراد به هنا ما يشمل الفرض والنفل . روى البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي في (( الجامع)) و((الشمائل)) - وهذا لفظه ـ: كلُّهم يروونه ( عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ شَقِيْقٍ ) العُقَيلي - مصغراً - تقدَّمت ترجمته قريباً! ( قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهَا عَنْ صِيَامِ رَسُوْلِ اللهِ وَلِّ! ) ؛ أي : هل كان يديمُ الصيامَ أم لا؟! وهل كان يُقلُّ منه؛ أو يكثر؟ وهل كان يَخُصُّ شهراً كاملاً بالصوم ؛ أم لا !؟ إلى غير ذلك مما يعرَف ممَّا يأتي . ( قَالَتْ: كَانَ يَصُوْمُ) - أي: يتابع صوم النفل - ( حَتَّى نَقُوْلَ ) - بالنون ؛ أي : نحن في أنفسنا ، أو : يقول بعضُنا لبعض ، وهذا هو الرواية ؛ كما قاله ٧٣ قَدْ صَامَ رَ أَيْ: دَاوَمَ الصَّوْمَ - فَلاَ يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ أَفْطَرَ - أَيْ : دَاوَمَ الإِفْطَارَ - فَلاَ يَصُومُ . قَالَتْ: وَمَا صَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْراً كَامِلاً مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ .. إِلَّ رَمَضَانَ . وَسُئِلَ أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنْ صَوْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: كَانَ يَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَرَى القُسطلاَني - (قَدْ صَامَ) قال الباجوري: ( أَيْ: دَاوَمَ الصَّوْمَ فَلاَ يُفْطِرُ ) . انتهى . ( وَ) كان (يُفْطِرُ)؛ أي: يداوم الفطر ( حَتَّىُ نَقُوْلَ) - بالنون ؛ أي : نحن في أنفسنا، أو : يقول بعضنا لبعض - ( قَدْ أَفْطَرَ ) قال الباجوري : ( أَيْ : دَاوَمَ الإِفْطَارَ فَلاَ يَصُوْمُ) . انتهى . (قَالَتْ) - أي عائشة - (: وَمَا صَامَ رَسُوْلُ اللهِنَِّ شَهْراً كَامِلاً) مقتضاه أنَّه لم يصم شعبان كلَّه ، لكن في الرواية الآتية عن أمِّ سَلَمة أنَّه صامه كلَّه !! ويجمع بينهما بحمل الكلِّ على المُعظَم ، حتى جاء في كلام العرب : إذا صام أكثر الشهر يقال صامَ الشهر كلَّه ، أو أنَّه صامه كلَّه في سنة وصامَ بعضه في سنة أخرى . ( مُنْذُ قَدِمَ المَدِيْنَةَ) ، قد يفهم منه أنَّه كان يصوم شهراً كاملاً قبل قدومه المدينة ، ويمكن أنَّها قيَّدته بذلك !! لأن الأحكام إنَّما تتابعت وكثرت حينئذٍ ، مع أنَّ رمضان لم يفرض إلاَّ في المدينة في السنة الثانية من الهجرة . ( إِلَّ رَمَضَانَ ) سُمِّي بذلك !! لأنه حالَ وضع اسمه على مسمَّاه وافق الرَّمَض ؛ وهو شِدَّةُ الحرِّ فسُمِّي بـ ((رمضان))، أو لأنه يُرِضُ الذنوبَ؛ أي يذهبها . ( وَ) أخرج البخاريُّ، والترمذيُّ في ((الجامع)) و((الشمائل)) - واللفظُ له - : أنَّه ( سُئِلَ أَنَسِرٌ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنْ صَوْمِ التَِّّ ◌َِّ ؛ فَقَالَ : كَانَ يَصُوْمُ مِنَ الشَّهْرِ ) أي: كان يكثر الصومَ في الشهر ( حَتَّى نَرَى) - بالنون ٧٤ أَنْ لاَ يُرِيدَ أَنْ يُفْطِرَ مِنْهُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَرَى أَنْ لاَ يُرِيدَ أَنْ يَصُومَ مِنْهُ شَيْئاً، وَكُنْتَ لا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيِلِ مُصَلِّياً إِلاَّ رَأَيْتَهُ مُصَلِّياً ، وَلاَ نَائِماً إِلاَّ رَأَيْتَهُ نَائِماً. التي للجمع ، أو [ ترى ] بالتاء التي للمخاطب؛ مبنياً للفاعل، أو [ يَرى ] بالياء التي للغائب ؛ مبنياً للفاعل، أو [ يُرى ] للمفعول ، فالروايات أربعٌ - أي : نظنُ ( أَنْ لاَ يُرِيْدَ ) - بنصب الفعل على كون ((أن)) مصدرية ، وبالرفع على كونها مخفَّفة من الثقيلة - ( أَنْ يُفْطِرَ مِنْهُ) ؛ أي : من الشهر . ( وَيُفْطِرُ ) أي : يكثر الفطر ( حَتَّى نَرَى) برواياته السابقةِ ( أَنْ لاَ يُرِيْدُ أَنْ يَصُوْمَ مِنْهُ شَيْئاً ، وَكُنْتَ) - بفتح التاء على الخطاب - ( لاَ تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّاً ؛ إِلَّ رَأَيْتَهُ مُصَلِّياً؛ وَلاَ نَائِماً؛ إِلاَّ رَأَيْتَهُ نَائِماً) ؛ أي : أنَّ صلاته ونومه كان يختلف بالليل ، لأنه ما كان يعيِّن بعض الليل للصلاة وبعضه للنوم ، بل وقتُ صلاته في بعض الليالي وقتُ نومه في بعضٍ آخرَ ، وعكسه ، فكان لا يرتِّبُ لتهجُّده وقتاً معيناً ، بل بحسب ما تيسّر له من القيام . ولا يُشكلُ عليه قولُ عائشةَ ((كان إذا صلَّى صلاةً داوم عليها))، وقولُها (( كان عمله دِئْمة)) !! لأن اختلافَ وقت التهجُّد تارةً في أوّل الليل ؛ وأخرى في آخره ! لا ينافي مداومة العمل ، كما أنَّ صلاة الفرض تارةً تكون في أوَّل الوقت ، وتارة في آخره ، مع صدقِ المداومةِ عليه ؛ كما قاله مُلاًّ علي قاري . وإنَّما ذكر الصلاة في الجواب ؛ مع أنَّ المسؤول عنه ليسٍ إِلاَّ الصوم !! إشارة إلى أنَّه ينبغي للسائل أن يعتنيَ بالصلاة أيضاً . والحاصل: أنَّ صومَه وصلاتَهُ وَل ◌َه كانا على غايةِ الاعتدال ، فلا إفراط فيهما ؛ ولا تفريط . انتهى (باجوري)» . ( وَ) أخرج النسائي، والترمذي؛ في ((الجامع)) و((الشمائل)) - وقال: إسناده صحيح على شرط الشيخين ؛ كما قال ابن حجر - كلُّهم ؛ ٧٥ وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إِلَّ شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ . وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ فِي شَعْبَانَ ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّ قَلِيلاً ، بَلْ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ . ( عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهَا؛ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َهِ يَصُوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إِلَّ شَعْبَانَ) ، سمِّي بذلك !! لتشقُّبهم في المفازات بعد أن يخرج رجب ، وقيل : لتشقُّبهم في طلب الماء . وقيل غير ذلك . ( وَرَمَضَانَ ) مقتضى هذا الحديث أنَّه صام شعبان كلَّه ، وهو معارض لما سبق من أنَّه ما صام شهراً كاملاً غير رمضان ، وتقدّم الجواب عن ذلك بأن المراد بالكلِّ الأكثر ، فإنّه وقع في رواية مسلم ((كان يصوم شعبان كلَّه، كان يصومُه إلاَّ قليلاً)). قال النووي : الثاني مفسِّرٌ للأول، وبيان أن قولَها ((كلَّه)) أي: غالبه . فلعلَّ أم سلمة لم تعتبر الإفطار القليل ؛ وحكمت عليه بالتتابع لقلَّتِهِ جداً . ( وَ) أخرج البخاري، ومسلم، وأبو داود ، والنسائي، والترمذي في ((الجامع )) و((الشمائل » - وهذا لفظها - :. (عَنْ ) أُمّ المؤمنين (عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا؛ قَالَتْ: لَمْ أَرَ رَسُوْلَ اللهِ وَهـ يَصُوْمُ فِي شَهْرٍ ) من الأشهر ( أَكْثَرَ ) ؛ مفعول مطلق ، وهو صفة لمحذوف : أي : صياماً أكثر ( مِنْ صِيَّامِهِ فِي شَعْبَانَ) . والمعنى أنَّه كان يصوم في شعبان وغيره ، وكان صيامُه في شعبانَ تطوُّعاً أكثرَ من صيامه في ما سواه . ( كَانَ يَصُوْمُ شَعْبَانَ إِلاَّ قَلِيْلاً، بَلْ كَانَ يَصُوْمُهُ كُلَّهُ ) الإضرابُ بظاهره ينافي حديثَها السابق أوَّل الباب ، فاحتيج للتوفيق بأنها أرادت صومَه كلَّه في سنين ، فسنةً يصوم من أوَّله ، وسنّةً من آخره ، وسنة من وَسَطه ، فصوم كلِّه مبالغةٌ في قلَّة ما كان ٧٦ يفطره، وليس على حقيقته، فكلمة (( بل)) للإضراب ظاهراً ، وللمبالغة في كثرة الصوم باطناً ، لئلا يتوهّم أن ما كان يفطره ؛ وإن كان قليلاً لكن له وَقْعٌ كَثُلُثِهِ ، فنبَّهت عائشة رضي الله عنها بهذا الإضراب على أنه لم يفطر منه إلاَّ ما لا وقع له ؛ كيوم أو يومين أو ثلاثة ، بحيث يُظَنّ أنَّه صامه كلَّه ، وفي الواقع لم يصمه كلَّه ؛ خوفَ وجوبه . واعتُرضَ بأن ((كلَّ)) المضافةَ إلى الضمير تتعيَّن للتأكيد، والتأكيدُ بـ ((كلّ)) لدفع توهُّم عدم الشمول تجوُّزاً ؛ فكيف يحمل المؤكَّد بها على الشمول مجازاً !! واعتُذِرَ بأنَّ التأكيد بها قد يقع لغير دفع المجاز ، وهو ؛ وإن كان فيه ما فيه ؛ لكن ضرورة التوفيق بين أطراف الأخبار تُخْوجُ إلى إخراج بعض الألفاظ عن ظاهرها . وأوضح من ذلك في التوفيق : ما ذكره ابن عبد البرِّ أنَّ أول أمره كان يصوم أكثره، وآخرَه كان يصوم كلَّه. وإنما آثر المصطفىُ وََّ شعبان على المُحرَّم ؛ مع أنَّه أفضلُ للصوم بعد رمضان - كما في مسلم ؛ عن أبي هريرة مرفوعاً: ((أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ صَوْمُ شَهْرِ اللهِ المُحَرَّم )» -!! لأن شعبان لما اكتنفه شهران عظيمان اشتغل الناس بهما ؛ فصار مغفولاً عنه ، مع ما انضم لذلك من رفع الأعمال فيه ، أي : رفع جملة أعمال السَّنَّةَ . أو أنَّه لم يعلم فضل صوم المحرم إلاَّ في آخرِ حياته قبل التمكّن من صومه ! أو أَنَّه كان يعرض له عذرٌ يمنعه من إكثار الصوم في المحرم كمرض أو سفر ! أو أنَّه كان يشتغل عن صوم ثلاثة أيَّام من كلٌّ شهر ؛ فتجتمع ، فيقضيها في شعبان ، كما في خبر الطبراني ؛ عن عائشة رضي الله عنها ((كان يصوم ثلاثة أيَّام من كل شهر ))، فربما أخَّر تلك حتَّى يَجتمع عليه صومُ السنة ؛ فيصوم شعبان !! أو أَنَّه كان يخصُّ شعبان بالصيام تعظيماً لرمضان ، فيكون بمنزلة تقديم السنن الرواتب في الصلوات قبل المكتوبات . ويؤيده حديثٌ غريب عند الترمذي؛ أنَّه سُئل ◌ََّ: أيُّ الصوم أفضلُ بعد ٧٧ وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ مِنْ غُرَّةِ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ، وَقَلَّمَا كَانَ يُفْطِرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ . رمضان؟! قال: ((شَعْبَانُ لِتَعْظِيْمِ رَمَضَانَ)). انتهى شروح ((الشمائل)). ( وَ) أخرج أبو داود؛ بدون قوله ((وقلما ... إلى آخره))، والنسائي، وابن ماجه ، والترمذي في ((الجامع)) و((الشمائل))؛ وقال: حسن غريب - قال الحافظ العراقيُّ: وقد صحَّحه أبو حاتم ، وابن حبان ، وابن خزيمة ، وابن عبد البرِّ ، وکان الترمذي اقتصر على تحسينه للخلاف في رفعہ ۔ !! کلُّهم ؛ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُوْدٍ ) الهذلي ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُوْلُ اُللهِ وَهِ يَصُوْمُ مِنْ غُرَّةِ) - بضم الغين المعجمة وتشديد الراء ؛ أي: أوَّل ــ ( كُلِّ شَهْرٍ ) والمرادُ هنا أوائله، لأن الغُرَّة أوَّلُ يوم من الشهر. ( ثَلاَثَةَ أَيَّام ) ؛ افتتاحاً للشهر بما يحصل صومُ كلُّه، إذ الحسنة بعشر أمثالها، فقد ورد في الخبر: (( صَوْمُ ثَلاَثَةٍ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ )) أي : كصومه . قال العراقي : ولا منافاة بين هذا الخبر وخبرِ عائشة الآتي (( أنَّه لم يكن يبالي من أيِّ أيَّام الشهر يصوم))، لأن هذا الراوي حَدَّث بغالب ما أَطَّلع عليه من أحواله فحدَّث بما عرف ، وعائشة اطلعت على ما لم يطلع عليه . ( وَقَلَّمَا كَانَ يُفْطِرُ) ؛ أي: قلَّ إفطاره ( يَوْمَ الجُمُعَةِ ) ، بل كان كثيراً ما يصومه ، لكنه يضمُّه إلى الخميس ؛ أو السبت ، فلا يخالف حديثَ النهي عن إفراده بالصوم ، لأن النهي محمولٌ على ما إذا لم يصم يوماً قبلَه ؛ أو بعدَه ، فإفراد الجمعة مكروه ، لأنه يوم عيد تتعلَّق به وظائف كثيرة دينية ، والصوم يُضعِف عنها ، بخلاف ما لو ضُمَّ لغيره ، ففضيلة المضموم له جابرةٌ لما فات بسبب الضعف . هذا قُصَارى ما قاله علماء الشافعية ؛ جمعاً بين الأدلة . والتأويل بأن صوم الجمعة من خصائصه !! يحتاجُ لدليل . ٧٨ وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَرَّىَ صَوْمَ الإِثْنَيَّنِ وَالْخَمِيسِ . وقال في (( جمع الوسائل )): وفيه دليل لأبي حنيفة ومالك حيث ذهبا إلى أن صوم يوم الجمعة وحْدَه حسنٌ، فقد قال مالك في ((الموطأ)): لم أسمع أحداً من أهل العلم والفقه ممَّن يُقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة ، وصيامُه حسن !! وقد رأيت بعض أهل العلم يصومُه ؛ وأراه كان يتحرَّاه !. انتهى كلامه . وعند جمهور الشافعية يكره إفراد يوم الجمعة بالصوم ، إلاَّ أن يوافِقَ عادة له ؛ متمسِّكين بظاهر ما ثبت في ((الصحيحين)) ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله وٍَّ: ((لاَ يَصُومُ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمْعَةِ إِلاَّ أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ)) فتأويلُ الحديث عندهم: أنَّه كان يصومه منضمّاً إلى ما قبله [ أو ] إلى ما بعده . أو أنَّه مختصٌّ برسول الله وم طهر كالوصال - على ما قاله المظهري -. ويؤيده قولُه (( لاَ يَصُومُ أَحَدُكُمْ ... )) المُشْعِرُ بتخصيص الأُمَّة رحمة عليهم. لكنه - كما قال الحافظ ابن حجر - ليس بجيِّد ، لأن الاختصاص لا يثبت بالاحتمال ، ولم يبلغ مالكاً النهيُ عن صوم يوم الجمعة فاستحسنه ، وأطال في ((مُوَطَّئِهِ)) وهو ؛ وإن كان معذوراً لكن السنَّةً مقدَّمة على ما رآه هو وغيرُه . انتهى. ( وَ) أخرج الترمذي؛ في ((الجامع)) و((الشمائل))، والنسائيُّ، وابن ماجه - وإسناده حسن؛ كما في ((العزيزي)) -: (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهَا ؛ قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ ◌َلِ يَتَحَرَّىَ صَوْمَ الاثْنَيْنِ ) - بهمزة وصل ؛ أي : صوم يوم الاثنين - ( وَأَلْخَمِيْسِ ) ؛ تحرَّاه : تعمَّده ، أو : طلب ما هو الأحرى بالاستعمال ، فالمعنى على الأول : يتعمّدُ صومَهما ؛ فيصبر عن الصوم منتظراً لهما ، وعلى الثاني ! معناه : يجتهد في إيقاع الصوم فيهما ، لأن الأعمال تعرض فيهما ؛ كما في الخبر الآتي، ولأنَّه سبحانه وتعالى يغفرُ فيهما لكلِّ مسلم إلاَّ المتهاجرَيْن أي : المتقاطعين ٧٩ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَوْمَ الإِثْنَيَّنِ وَالْخَمِيسِ ، فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ)). حيث يَحْرُم التقاطع . رواه الإمام أحمدُ ، وسيأتي . قال المناوي: واستشكل استعمالُ (( الاثنين)) بالياء مع تصريحهم بأن المثنى والملحق به يلزم الألف ؛ إذا جعل علماً وأُعرب بالحركة !! وأُجيب بأنَّ عائشة رضي الله تعالى عنها من أهل اللسان ؛ فيُستدَلُّ بنطقها على أنه لغةٌ . وفيه ندبُ صوم الاثنين والخميس ، وتحرِّي صومهما ، وهو حجَّةٌ على مالك في كراهته لتحرّي شيء من أيَّام الأسبوع للصيام . انتهى . ( وَ) أخرج الترمذيُّ في ((الجامع)) و((الشمائل))؛ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالىْ عَنْهُ؛ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ: (( تُعْرَضُ الأَعْمَالُ ) ؛ أي : أعمال الناس . وهذا عرض إجمالي ، فلا ينافي أنَّها تعرض كلَّ يوم وليلة ؛ كما في حديث مسلم: ((رُفِعَ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ » . ولا يُنافي أَنَّها تعرض ليلةَ النصف من شعبان ، وليلةَ القدر !! لأنَّه عرضٌ لأعمال السنة ؛ وذاك عرض لأعمال الأسبوع . فالعرض ثلاثة أقسام : ١ - عرضٌ لعمل اليوم والليلة ؛ وهو تفصيلي ، و٢ - عرضٌ لعمل الأسبوع، و٣ - عرض لعَمَل السَّنة . وهما إجماليان. وحكمة تكرير العرض : إِظهارُ شرف العاملين بين الملأ الأعلى ، وإلاّ! فهو تعالى غنيٌّ عن العرض ، لأنه أعلم بعباده من الملائكة . ( يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَالخَمِيْسِ ) عَلى اللهِ تَعَالى؛ كما في ((جامع الترمذي))، وعند النسائي ((عَلَى رَبِّ الْعَالَمِيْنَ)) (فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي) فيهما؛ ( وَأَنَا صَائِمٌ ) جملةٌ حالية من فاعِلِ (( فأحب))، والفاءُ لسببية السابق للاحق . ٨٠