Indexed OCR Text
Pages 661-680
فَإِذَا لَقِيَّهُ حِبْرِيلُ .. كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ . أي : يقرَؤُه عليه عن ظهر قلب . أي : يعرضُ عليه بعضَه ؛ أو معظمه، لأنَّ أَوَّل رمضان من البعثة لم يكنِ نزلَ من القرآن إلاَّ بعضه، ثمَّ كذلك كلُّ رمضان بعدَه إلى الأخير، فكان نَزَل كلُّه إِلاَّ ما تأخّر نزولُه بعد رمضان المذكور ، وكانت في سنة عشرٍ إلى أن توفِّيَ رسول الله بَّهِ، وممَّا نزل في تلك المدَّة قولُه تعالى ﴿ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [٣/ المائدة] .. الآية، فإنَّها نزلت في يوم عرفة بالاتفاق ، ففيه إطلاق القرآن على بعضه ؛ وعلى معظمه !!. وقد روى الإمام أحمد ، وأبو داود ، والطبرانيُّ أَنَّ الذي جمع عليه عثمان الناس يوافق العرضة الأخيرة ( فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيْلُ ) لاسيَّما عند قراءة التنزيل ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِوَ أَجْوَدَ بِالخَيْرِ ) أي : أسخى ببذل الخير للخير ( مِنَ الرَّيْحِ المُرْسَلَةِ ) - بفتح السين - بالمطر ، فإنَّها ينشأ عنها جودٌ كثير، لأنها تنشر السحاب وتملؤه ماءً، ثم تبسطُها لتعمَّ الأرض فينصبُّ ماؤها عليها ، فيحيا به الموات ، ويخرج به النبات . وتعبيره بـ (( أفعل )) التفضيل نصٌّ في كونه أعظمَ جوداً منها ، لأن الغالب عليها أن تأتي بالمطر ، وربَّما خَلَت عنه ؛ وهو لا ينفكُ عن العطاء والجود . وبالجملة ؛ فقد فَضَلَ جودهُ على جود الناس ، ثمّ فضل جودُه في رمضان على جودِه في غيره ، ثم جودُه في ليالي رمضان عند لقاءٍ جبريل على جوده في غيره ، ثم شَبَّهَه بالريح المرسلة في التعميم والسرعة . فإن قيل: ما الحكمةُ في تخصيص الليل المذكور في رواية (( الصحيحين)) بمعارضة القرآن ؛ دون النهار !! ؟ فالجواب : هو أن المقصود من التلاوة الحضورُ والفهم ، ومظنّةُ ذلك الليلُ ، ٦٦١ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأْلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((مَا عِنْدِي شَيْءٌ ، وَلَكِنِ ابْتَعْ عَلَيَّ ؛ بخلاف النهار ؛ فإنَّ فيه من الشواغل والعوارض ما لا يخفى، ولعلَّه ◌َّ كان يقسم ما نزل من القرآن في كلِّ سنةٍ أجزاءً على ليالي رمضان ؛ فيقرأ كلَّ ليلة جزءاً منه في جزء من الليلة ، ويترك بقيّةً ليلته لما سوى ذلك من تهجُّد وراحة وتعهُّد أهله !!. ويحتمل أنَّه كان يعيد ذلك الجزء مراراً بحسب تعدُّد الحروف المنزَّل بها القرآن. انتهى ؛ ذكره في ((زاد المسلم)). وهذا حديثٌ عظيمٌ لاشتماله على ذكر أفضلِ الملائكة ، إلى أفضل الخلق ، بأفضل كلام ، من أفضل متكلِّم ، في أفضل وقت . ويؤخذ منه ندبُ إكثار الجود في رمضان ، ومزيد الإِنفاق على المحتاجين فيه ، والتوسعة على عياله وأقاربه ومحبِّه ، وخصوصاً عند ملاقاةِ الصالحين ، وعقب مفارقتهم ؛ شكراً لنعمة الاجتماع بهم ، وندبِ مدارسته القرآن . وفيه أنَّ صحبة الصالحين مؤثّرة في دين الرجل وعلمه ، ولذلك قالوا : لقاءُ أهل الخير عمارةُ القلوب. انتهى « مناوي، وباجوري ، وغيرهما )). ( وَ) أخرج الترمذيُّ في ((الشمائل)) بسنده ( عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ رَجُلاً ) لم يسمَّ؛ ( جَاءَ إِلَى النَّبِّ ◌َهِ فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ ) أي : شيئاً من الدنيا؛ ( فَقَّالَ النَّبِيُّ ◌َ: (( مَا عِنْدِيْ شَيْءٌ) موجودٌ أعطيه لك، ( وَلَكِنِ أَبْتَعْ) - روي بموحّدة ساكنة بعد همزة الوصل ، ففوقية مفتوحة وعين مهملة - أي : إِشتر ما تحتاجُه بدَين يكون عليَّ أَداؤه ، فالابتياع بمعنى الاشتراء . وروي ((أَتْبِعْ عَلَيَّ)) - بتقديم التاء الفوقية على الموخَّدة - أي: أَحِلْ (عَلَيَّ ) - بتشديد المثناة - ، قال الزمخشري : أتبعتُ فلاناً على فلان : أحلتُه ، ومنه خبر : ((إِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَىْ مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ )) انتهى . ٦٦٢ فَإِذَا جَاءَنِي شَيْءٌ .. قَضَيْتُهُ)). فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ [قَدْ أَعْطَيْتَهُ]، فَمَا كَلَّفَكَ اللهُ مَا لاَ تَقْدِرُ عَلَيْهِ . فَكَرِهَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلَ عُمَرَ . وفي رواية البَزَّار؛ عن عمر: فقال: (( ما عِنْدِي شَيْءٌ أُعْطِيْكَ ، وَلَكِنْ اُسْتَقْرِضْ حَتَّى يَأْتِيَنَا شَيْءٌ فَنُعْطِيَكَ)). فلا مانع من تفسير (( أَبْتَعْ)) أو ((أَتْبَعْ)): بـ ((استقرض)) تجوُّزاً؛ لرواية البزار ، إذ الحديث واحدٌ . وليس بضمانٍ ! بل وعدٌ منه . ووعدُه ملتزَم الوفاء ، إذ وعد الكريم دينٌ . ولذا صحَّ أَنَّه لما توفِّيَ نادَى الصدِّيقُ لما جاءه مالُ البحرين : مَنْ كان له عند رسول اللهَ وَّ﴿ عِدَةٌ؛ أو دين فليأتِنَا. فجاء جابرٌ ؛ وقال: إنَّه وَعَدني كذا. فأعطاه له ... الحديثُ في ((الصحيح)). ( فَإِذَا جَاءَنِيْ شَيْ ءٌ ) من باب الله كَفَيْءٍ وغنيمة ( قَضَيْتُهُ)) ) عنك . وهذا غايةُ الكرم ونهايةُ الجود . (فَقَالَ) الرَّاوي (عُمَرُ) وكان الظاهر أن يقول: ((فقلتُ))، إلاَّ أن يقال (( إنَّه من قبيل الالتفات على مذهب بعضِهم))! (: يَا رَسُوْلَ اللهِ؛ قَدْ أَعْطَيْتَهُ ) أي : هذا السائل قبل هذا !! فلا حاجةَ إلى أن تَعِدَه بالإعطاء بَعْدَ ذلك؟! أو: قد أعطيتَه الميسورَ من القول ؛ وهو قولك ((مَا عِنْدِيْ شَيْءٌ ) ؛ فلا حاجة إلى أن تلتزم له شيئاً في ذِمَّتِك . وقوله ( فَمَا كَلَّفَكَ اللهُ) الفاء للتعليل ؛ لما يستفاد من قوله ((قَدْ أَعطيتَهُ))، فكأَنَّه قال : لا تفعل ذلك ، لأنَّ اللهَ ما كلَّفك ( مَا لاَ تَقْدِرُ عَلَيْهِ )؛ من أمره بالشِّراء ووعده بالقضاء . ( فَكَرِهَ وَّلِ قَوْلَ عُمَرَ ) ، أي : بدا في وجهه الشريف أثرُ عدم رضاه به ، لأنَّ فيه كسرَ خاطر السائل ، ولأنَّ مثله لا يُعَدُّ تكليفاً لما لا يقدر عليه ، لما عوَّده اللهُ من فيضٍ نعمه . ٦٦٣ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ أَنْفِقْ وَلاَ تَخَفْ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلاَلاً . فَتَبَّمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعُرِفَ فِي وَجْهِهِ الْبِشْرُ لِقَوْلِ الأَنْصَارِيِّ، ثُمَّ قَالَ: ((بِهَذَا أُمِرْتُ)). (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ ) كان حاضراً حين رأى كراهةَ المصطفى لذلك (: يَا رَسُوْلَ اللهِ؛ أَنْفِقْ ) - بفتح الهمزة -: أمرٌ من الإنفاق، ( وَلاَ تَخَفْ مِنْ ذِيْ العَرْشِ إِقْلاَلاً )؛ أي: افتقاراً من ((أَقَلَّ)) بمعنى: افتقر . وإن كان في الأصل بمعنى : صار ذا قلة . وما أحسن من (( ذِي العرش)) في هذا المقام !! أي : لا تخف ؛ أي : يضيِّعُ مثلَك مَنْ هو مدبِّر الأمر من السماء إلى الأرض !!. قال البرهان في ((المقتفي)): هذا الرَّجل لا أعرفه. وفي حفظي أَنَّه بلال، لكنه مهاجري ؛ لا أنصاري ، فيكون قد قال ذلك بلالٌ والأنصاريُّ ، أو الذي فيه ذکرُ بلالٍ قصَّةٌ أخرى ؛ المأمور فيها بالإنفاق بلال !! روى الطبرانيُّ، والبزَّار ؛ عن ابن مسعود: دخل النبي ◌َّ على بلال وعنده صُبْرَةٌ من تمر ؛ فقال: (( مَا هُذَا يَا بِلالُ)). قال: يا رسول الله ؛ ذخرته لك ولضيفانك. قال : ((أَمَا تَخْشَىْ أَنْ يَفُورَ لَهَا بُخَارٌ مِنْ جَهَنَّمَ؛ أَنْفِقْ يَا بِلاَلُ، وَلاَ تَخْشَ مِنْ ذِي العَرْشِ إِقْلاَلا)) . انتهى . فما في حفظه إنما هو في هذه القصة ؛ فلا يصحُّ تفسیر المبهم بـ ( بلال )) لوجهين . ( فَنَّمَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ ) فَرَحاً بقول الأنصاري، (وَعُرِفَ فِي وَجْهِهِ اُلِشْرُ ) - بكسر الباء - أي : الطلاقةُ والبشاشة ( لِقَوْلِ الأَنْصَارِيِّ ) المارِّ ( ثُمَّ قَالَ) أي: نَِّ ((بِهَذَا) أي : الإنفاق من غير مخافةٍ فقرٍ ( أُمِرْتُ))) بنحو ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفٌُ﴾ [٣٩/سبا] لا بقول عمر !! فقدَّم الظرف ! ليفيد قصر القلب ردّاً لاعتماد عمر . وإنَّما فعل ذلك !! للمصلحة الداعية لذلك كالاستئلاف ونحوه . ٦٦٤ وفيه أَنَّ الانفاق مأمورٌ به في كلِّ حالٍ دعت المصلحة إليه ، ولو بنحو استدانةٍ ، فإن عجز فَبِعِدَةٍ . والعِدَةُ : إِنفاق لأنها التزام النفقة ؛ عند بعض الأئمّة . وقد استشكل هذا الحديثُ بأنَّ الله تعالى قال ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُفِكَ﴾ [٢٩/ الإسراء] الاية . وأجاب القاضي أبو يعلى بأن المراد بهذا الخطاب غيرُه وَِّ؛ وغيرُ خلَّص المؤمنين الذين كانوا ينفقون جميعَ ما عندهم عن طيب قلب لتوكُّلهم وثقتهم بما عند الله ، أَمَّا من كان ليس كذلك يتحسَّر على ما ذهب منه !! فالمحمودُ منهم التوسُّط ؛ وهم الذين إذا أنفقوا لم يُسرفوا ولم يقتروا ، لأنَّهم لا صبرَ لهم على الفاقة ، ولذا صَعُب عليهِ وََّ كلامُ عمر لمَّا راعى ظاهر الحال ، وأمره بصيانة المال ؛ شفقةً على النبي ◌َّيه لعلمه بكثرة السائلين له وتهافتهم عليه. والأنصاريُّ راعى حاله وَلّره، فلذا سرَّه كلامُه. فقوله ((بِهُذَا أُمِرْتُ)) إشارة إلى أَنَّه أَمرٌ خاصٌ به وبمن يمشي علىُ قَدَمه انتهى. من ((شرح الشفاء)) للخفاجي، ومن شرح الزرقاني على ((المواهب)). قال ابن القيِّم رحمه الله تعالى : ومما ينبغي التنبُّه له أَنَّ كلَّ خصلة من خصال الفضل قد أحلَّ الله نبيّه في أعلاها وخصَّه بذِرْوة سَنَمها ، ثم تقاسمت الفِرَق فضائلَه ، فكلٌّ احتجَّ على مطلوبه بشيء منها ؛ فإذا احتجَّ الغزاة بهديه في الجهاد على أنَّهم أفضل ؛ احتجَّ الفقهاءُ على مثل ما احتجَّ به أُولئك . وإذا أحتجَّ الزُّهاد به على فضلهم ؛ احتجَّ به ولاةُ الأمور علىْ طَوْلهم . وإذا احتجَّ به الفقير الصابر ؛ احتجَّ به الغني الشاكر . وإذا احتجَّ به العُبَّاد على فضلِ نفلهم ؛ احتجَّ به العارفون على فضل المعرفة . وإذا احتجَّ به المتواضعون وأهلُ الحلم ؛ احتجَّ به أرباب العزِّ والقهر للمُبْطلين والغلظة عليهم والبطش بهم . ٦٦٥ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَاءَهُ مَالٌ .. لَمْ يُبَتْهُ، وَلَمْ يُقَيِّلْهُ ؛ أَيْ: إِذَا جَاءَهُ آخِرَ النَّهَارِ .. لَمْ يُمْسِكْهُ إِلَى اللَّيْلِ، أَوْ أَوَّلَ النَّهَارِ .. لَمْ يُمْسِكْهُ إِلَى وَقْتِ الْقَيْلُوْلَةِ ، بَلْ يُعَجِّلُ قِسْمَتَهُ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْخَى النَّاسِ ، وإذا احتج به أرباب الوقار والهيبة ؛ احتجَّ به أرباب حسن الخلق والمزاح المباح ... وهكذا . وسرُّ ذلك أَنَّه بعث لصلاح الدنيا والدين . انتهى. نقله المُنَاوي على (( الشمائل )) وهو كلامٌ نفيس . ( وَ) أخرج البيهقيُّ في (( سننه))، والخطيب؛ عن أبي محمد الحسن بن محمد بن علي مرسلاً ، وهو حديث حسن - كما قال العزيزي - ( كَانَ ) رسول الله (بِّهِ إِذَا جَاءَهُ مَالٌ) ؛ من نحو فَيْءٍ أو غنيمة (لَمْ يُبَّْهُ) عنده ، ( وَلَمْ يُقَيِّلْهُ) - بالتشديد فيهما - قال العزيزي : ( أَيْ: إِذَا جَاءَهُ آخِرَ النَّهَارِ لَمْ يُمْسِكْهُ إِلَى اللَّيْلِ، أَوْ) جاءه ( أَوَّلَ النَّهَارِ لَمْ يُمْسِكْهُ إِلَى وَقْتِ القَيْلُوْلَةِ ) : نصف النهار ( بَلْ يُعَجِّلُ قِسْمَتَهُ) تعجيلاً للخير ، إذ كان هديه يدعو إلى تعجيل الإحسان والصدقة والمعروف ، ولذلك كان أشرح الخلق صدراً ، وأطيبَهم نفساً ، وأنعمهم قلباً ، فإنَّ للصدقة والبذل تأثيراً عجيباً في شرح الصدر. انتهى ((مناوي)). ( وَ) في ((الإحياء)) و((كشف الغمة)): (كَانَ بِّ أَسْخَى النَّاسِ) : أي أكثرهم سخاءً . قال الحافظ العراقي: رواه الطبرانيُّ في ((الأوسط))؛ من حديث أنس : ((فُضِّلْتُ عَلَى النَّاسِ بِأَرْبَعِ: بِالسَّخَاءِ وَالشَّجَاعَةِ ... الحديث. ورجاله ثقاتٌ. وقال صاحب ((الميزان )): إنَّه منكر . وفي ((الصحيحين))؛ من حديثه: كان ◌َّ أجودَ الناس . واتفقا عليه ؛ من حديث ابن عبّاس . انتهى . ٦٦٦ لاَ يَبِيتُ عِنْدَهُ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ ، وَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُعْطِیهِ لَهُ، وَفَجَأَهُ اللَّيْلُ .. لَمْ يَأْوِ إِلَى مَنْزِلِهِ حَتَّى يَبْرَأَ مِنْهُ إِلَى مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ . قلت : وفي حديث آخر سنده ضعيف : (( أَنَا أَجْوَدُ بَنِي آدَمَ)) وَهُوَ بِلاَ رَيْبٍ أَجْوَدُهُمْ مُطْلَقاً ، كما أنَّه أكملُهم في سائر الأوصاف ، ولأن جودَه لله تعالى في إظهار دينه ، بل كان بجميع أنواع الجود ؛ من بذل العلم ، والمال ، وبذل نفسه لله تعالى في إظهار دينه ، وهداية عباده ، وإيصال النفع إليهم بكلِّ طريق ؛ من إطعام جائعهم، ووعظ جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وتحمُّل أثقالهم، وكان جودُه ◌َليّ كُّه لله تعالى ، وفي ابتغاء مرضاته . ( لاَ يَبِيْتُ عِنْدَهُ دِيْنَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ ، وَإِنْ فَضَلَ ) أي: بقي ( شَيْءٌ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُعْطِيْهِ لَهُ، وَفَجَأَهُ اللَّيْلُ ) أي : أتاه فَجَأَةَ (لَمْ يَأْوِ إِلَى مَنْزِلِهِ حَتَّى يَبْرَأَ مِنْهُ إِلَى مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ ) . قال الحافظ العراقيُّ : رواه أبو داود ؛ من حديث بلال في حديث طويل فيه : أهدى صاحب فَدَك لرسول الله بَّل أربعَ قلائِص ، وكانت عليهنَّ كسوة وطعام ، وباع بلال ذلك ووفّىُ دينه، ورسول الله ◌ِوَ ﴿ قاعدٌ في المسجد وحدَه، وفيه قال: (( فَضَلَ شيءٍ ؟)) . قلتُ: نعم ، ديناران . قال: (( أَنْظُرْ أَنْ تُرِيْحَنِي مِنْهُما، فَلَسْتُ بِدَاخِلٍ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِي حَتَّى تُرِيْحَنِيْ مِنْهُمَا » . فلم يأتنا أحدٌ ، فبات في المسجد حتَّى أصبح ، وظلَّ في المسجد اليوم الثاني حتّى إذا كان في آخر النهار جاء راكبان ؛ فانطلقتُ بهما فَكَسَوْتُهما وأطعمتهما ، حَتَّى إذا صلَّى العَتَمة؛ دعاني، فقال: (( مَا فَعَلَ الَّذِي قِبَلَكِ )» ؟. فقلت : قد أراحك اللهُ منه ، فكبّر وحَمِد الله ؛ شفقةً من أن يدركَه الموتُ ؛ وعنده ذلك ، ثم اتبعه حثَى جاء أزواجه ... الحديث . وللبخاريٍّ من حديث عقبةَ بنِ الحارث: ((ذَكَرْتُ ؛ وَأَنَا فِي الصَّلاَةِ تِبْراً ٦٦٧ وَأَتَاهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ ، فَأَعْطَاهُ غَنَماً سَدَّتْ مَا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ وَقَالَ: أَسْلِمُوا، فَإِنَّ مُحَمَّداً يُعْطِي عَطَاءَ مَنْ لاَ يَخْشَى الْفَقْرَ . وَأَعْطَىْ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنَّةً مِنَ الإِبِلِ . فَكَرِهْتُ أَنْ يُمْسِيَ وَيَبِيْتَ عِنْدَنَا فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ » . ولأبي عبيد في ((غريبه))؛ من حديث الحسن بن محمد مرسلاً: كان لا يُقَيِّل مالاً عنده؛ ولا يُبيُِّّه. انتهى شرح ((الإحياء)). (وَأَتَاهُ وَِّ رَجُلٌ)، هو: صفوان بن أمية - كما قال غيرُ واحد ــ ( فَسَأَلَهُ ) شيئاً من العطاء ، ( فَأَعْطَاهُ غَنَماً) كثيرة، ولكثرتها ( سَدَّتْ مَا بَيْنَ جَبَلَيْنِ ) لسَعَة جوده وسماحة نفسه، ( فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ)؛ وهم قريش، ( وَقَالَ: ) يا قوم ( أَسْلِمُوْا، فَإِنَّ مُحَمَّداً يُعْطِيْ عَطَاءَ مَنْ لاَ يَخْشَىْ أَلْفَقْرَ ) . وذلك آيَةُ نبوّته . وفي رواية : من لا يخشى الفاقة. وهي : الفقرُ، أو : أشدُّ الفقر. رواه مسلم ؛ من حديث أنس رضي الله عنه . ویرحم الله أبا عبد الله محمد بن جابر حيث قال : أَعْطَىْ وَلَوْ كَثُرَ الأَنَامُ وَدَامُوا هُذَا الَّذِي لاَ يَتَّقِي فَقْراً إِذَا فَتَحَيَّرَتْ لِعَطَائِهِ آلاَوْهَامُ وَادٍ مِنَ الأَنْعَامِ أَغْطَىْ آَمِلاً ( وَأَعْطَىْ غَيْرَ وَاحِدٍ ) أي: كثيراً من المؤلَّفة ( مِائَةً مِنَ الإِبِلٍ ) ؛ كأبي سفيان بن حرب ، وابنيه : معاوية ويزيد ، ومع كلِّ واحد منهم أربعين أوقية ، وكحكيم بن حزام، والحارث بن هشام وغيرهم ... والذين أعطاهم وَليل مائة من الإبل ناسٌ كثير ؛ قد عَدَّهم البرهان الحلبي ، وقال : إنَّهم يبلغون ستِّين من المؤلّفة قلوبهم ، وكذا ذكر الشيخُ قاسمٌ في (( تخريج أحاديث الشفا)) ذكر ذلك الخفاجي في ((نسيم الرياض)) . قال شيخنا الشيخ حسن المَشَّاط عافاه الله تعالى في ((إنارة الدجى)) ما نصّه : أعطى حكيم بن حزام مائة من الإبل ، ثم سأله مائةً أخرى ؛ فأعطاه . ٦٦٨ وأعطى النضر بن الحارث بن كَلَدة مائة من الإبل . وأعطى أُسيد بن جارية الثقفي مائة من الإبل . وأعطى العلاء بن جارية الثقفي خمسين بعيراً . وأعطى مخرمة بن نوفل خمسين بعيراً . وأعطى الحارث بن هشام مائة من الإبل . وأعطى سعيد بن يربوع خمسين من الإبل . وأعطى صفوان بن أُميّة مائة من الإبل . وأعطى قيس بن عدي مائة من الإبل . وأعطى عثمان بن وهب خمسين من الإبل . وأعطى سهيل بن عمرو مائة من الإبل . وأعطى حُويطب بن عبد العُزَّى مائة من الإبل . وأعطى هشام بن عمرو العامريَّ خمسين من الإبل . وأعطى الأقرع بن حابس التميمي مائة من الإبل . وأعطى عُيَيْنةَ بن حصن مائة من الإبل . وأعطى مالك بن عوف مائة من الإبل . وأعطى العباس بن مرداس أربعين من الإبل ؛ فقال في ذلك شعراً ؛ فأعطاه مائة من الإبل ، ويقال : خمسين . انتهى . وقد أشار إلى ذلك العلامة أحمد بن محمد البدوي الشنقيطي، في (( نظم المغازي )) حيث قال : يَوْمَئِذٍ لَهُ وَلَمْ تُجَمْجِمٍ أَعْطَىُ عَطَايا شَهِدَتْ بِأَلْكَرَمِ مِنْ سَيْبِ رَبِّ ذِي عِنَايَةٍ بِهِ وَكَيْفَ لاَ وَمُسْتَمِدُ سَيْبِهِ ٦٦٩ وَأَعْطَى صَفْوَانَ مِنَةً ثُمَّ مِنَّةً ثُمَّ مِئَّةً . إِذْ مَلَأَتْ رُحْبَ الفَضَا مِن النَّعَمْ أُعْطَى عَطَايَا أَخْجَلَتْ دُلْحَ الدِّيَمْ زُهَاءَ أَلْفَي نَاقَةٍ مِنْهَا وَمَا مَلأَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ غَنَمَا (وَأَعْطَى صَفْوَانَ ) بِنَ أُمَيَّةَ بنِ خلف بن وهب بن قدامة بن جُمَح القرشي الجُمَحي المكيّ ، صحابيٍّ من المؤلّفَة . أسلم يوم الفتح، وشهد حُنَيناً والطائف؛ وهو مشركٌ، فلما أعطاه وَّ ما ذكر قال : أشهد بالله ؛ ما طابت بهذا إِلاَّ نفس نَبِيٍّ، فأسلم وحَسُن إسلامه . روى له مسلمٌ، وأصحاب ((السنن))، وعلَّق له البخاريُّ . ومات أيّام قتل عثمان ، وقيل سنة : إحدى - أو اثنتين - وأربعين . ( مِائَةً ) من الإبل ( ثُمَّ مِائَةً ثُمَّ مِائَةً ) . كذا قال ملاعلي قاري . وقال في (( شرح الإِحياء )): أعطى صفوان بنَ أُميَّة يوم حُنَين مائةً من الغنم ؛ ثمَّ مائة ، ثمَّ مائة حتى صار أحبَّ الناس إليه بعدما كان أَبغضَهم إليه ، فكان ذلك سبباً لحُسْن إسلامه. لكن في شرح الخفاجي على (( الشفاء))، وشرح الزرقاني على ((المواهب )) تَرَك هذه المئاتِ الثلاثَ بدون تفسير ؛ هل هي من الإبل ، أو الغنم ؟! فليحرر . قال الزرقاني: والحكمة في كونه وَل﴿ لم يُعطِها دفعةً واحدة: أنَّ هذا العطاء دواءٌ لدائه ، والحكيم لا يعطي الدواءَ دفعةً واحدة ، لأنه أقرب للشفاءِ . انتهى . قال في (( شرح الإحياء)): روى مسلمٌ ، والترمذي ؛ من طريق سعيد بن المسيّب ؛ عن صفوان بن أمية قال: والله؛ لقد أعطاني النبي ◌َُّ وإِنَّه لأبْغَضُ الناس إليَّ ، فما زال يعطيني حتَّى إِنَّه لأحبُّ الناس إليَّ !! انتهى . ولقد أَحسنَ ابن جابر حيث قال : وَوَجْهِهِ بَيْنَ مُنْهَلٌ وَمُنْسَجِمٍ يُزْوىُ حَدِيْثُ النَّدَى وَالِشْرِ عَنْ يَدِهِ بَحْرٌ، وَمِنْ فَمِهِ دُرٌّ لِمُنْتَظِمٍ مِنْ وَجْهِ أَحْمَدَ لِي بَدْرٌ ، وَمِنْ يَدِهِ ٦٧٠ وَهَذِهِ كَانَتْ حَالَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ، وَقَدْ قَالَ لَهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ : وَأَلْمُزْنُ مِنْ كُلِّ هَامِي الْوَدْقِ مُرْتَكِمٍ يمِّمْ نَبِيّاً يُبَارِي الرِّيْحُ أَنْمُلَهُ لَمْ تَلْقَ أَعْظَمَ بَحْرٍ مِنْهُ إِنْ تَعُمِ لَو عَامَتِ الْفُلْكُ فِيْمَا فَاضَ مِنْ يَدِهِ بِهِ وَدَعْ كُلَّ طَامِي المَوْجِ مُلْتَطِمٍ يُحِيْطُ كَفَّاهُ بِالْبَحْرِ الْمُحِيْطِ فَلُذْ كُلَّ الأَنَامِ وَرَوَّتْ قَلْبَ كُلِّ ظَمِي لَوْ لَمْ تُحِطْ كَفُّهُ بِالبَحْرِ مَا شَمِلَتْ فسبحانَ مَنْ أَطلع أنوار الجمال من أُفُق جبينه ، وأنشأ أمطار السحائب من غمائم يمينه . قال القاضي عياضٌ في (( الشفاء)): (وَهَذِهِ)، أي : الخَصْلة والسجيّة في الكرم والعطاء ( كَانَتْ حَالَهُ بَِّ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ) نبيّاً ؛ أو يرسل. ( وَقَدْ قَالَ لَهُ وَرَقَةُ ) - بواو وراء مهملة مفتوحتين وقاف آخره تاءٌ مربوطة - ( بْنُ نَوْفَلِ ) بن أسد بن عبد العُزَّى . وكان من أعقلِ أهل زمانه وأعلمِهم ، شاعرٌ بليغ متألَّةٌ ، وكان يقرأ ويكتب الكتب القديمة بالعربية والعبرانية، ويتألَّه ويتعبَّد ؛ ولذا سُمِّي ((القِسّ))، وتهوَّد في أَوَّل أمره ؛ ثم تنصَّر ، وهو ابنُ عمِّ خديجةَ أمِّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها . وله أشعار كثيرة في التوحيد ولترقُّبه لم يكن له عقب ، وورد في الحديث : ((لا تَسُبُّوا وَرَقَةَ، فَإِنِّي رَأَيْتُ لَهُ جُبَّةً أَوْ جُبَّتَيْنِ )) - يعني بذلك - ما ورد من طريق آخر أنَّه ◌َ ◌ّر رآه في منامه في الجنَّةً وَعَلیه حُلَّة خضراء ؛ أو بيضاء ، أو نحوه كثياب من حریر وحُلَّة من سندس . وكان حيّاً في ابتداء الوحي إلى أن تنبَّ رسول الله وَّه واجتمع بالنبي ◌َّه وآمن به ؛ كما في أوَّل البخاري ، وقال : لئن أدركتُ زمانك لأنصرَنَّك نَصْراً مؤزَّراً وكان ◌َ﴿ إِذ ذاك نبيّاً؛ ولم يُؤْمَر بالدَّعوة. ومات ورقةُ بعد نبؤَّته بَّهِ وقبل رسالته، ولذا قالوا: إنَّه أَوَّل مَن آمن بالنبي ◌ِّيه من الرجال ، وهو ثانٍ بالنسبة لخديجة رضي الله تعالى عنها وصحابي ، ولذا عرَّفوا الصحابي بأنَّه: مَن اجتمع بالنبي ◌َّ مؤمناً به. ولم يقولوا (( بالرَّسول))، وهذا ممَّا ٦٧١ إِنَّكَ تَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ ، ينبغي التنبُّه له. وفي ((نظم السيرة)) للحافظ العراقي في ذكر وَرَقة : وَكَانَ بَرّاً صَادِقاً مُوَاتِيَا فَهُوَ الَّذِي آمَنَ بَعْدُ ثَانِيا وَالصَّادِقُ المَصْدُوقُ قَالَ: إِنَّهْ رَأَى لَهُ تَخَطُّطاً فِي الْجَنَّهُ وهذا المذكورُ من أَنَّه صحابيٌّ هو الصحيح . وقيل : إنه ليس بصحابي ، لأنه لم يرَ النبي ◌َّهُ؛ ولم يؤمِن به بعد بعثته، وعليه جماعةٌ محقِّقون، والأكثرُ من أصحابنا على أنه صحابيٌّ . انتهى ((خفاجي)) . ( إِنَّكَ تَحْمِلُ الكَلَّ ) - بفتح الكاف وتشديد اللام - أي : الثقيل ؛ من العيال واليتيم ومَنِ لا قدرة له من ضعيف الحال ، أي : فيما بين قومه ، وفي التنزيل ﴿وَهُوَ كَلُّ عَلَى مَوْلَئُهُ﴾ [٧٦/ النحل] أي: ثقيل في المؤنة ضعيف في الصنعة؛ قاله ملا علي قاري . ( وَتَكْسِبُ ) - بفتح التاء وكسر السين المهملة - وهي أكثر الروايات وأصخُها. قال النَّووي : فتح التاءِ هو الصحيحُ المشهور ، ورُوي بضمِّها . ( المَعْدُوْمَ) - بالواو في النسخ المعتبرة - وهو : الشيء الذي لا وجود له . والمراد أَنَّك تعطي الناس الفقراء ما لا يجدونه عند غيرك ، لما فيك من مكارم الأخلاق . وما ذكره المصنف؛ من أنَّ هذا من كلام وَرَقةَ هو ما في (( الشفاء)» للقاضي عياض ، واعترضه شُرَّاحُه؛ فقال الخفاجي؛ نقلاً عن السيوطي: إِنَّ القائلَ له وَلـ هذا إنَّما هو خديجةُ رضي الله تعالى عنها ؛ في قصة مكالمتها لورقةَ في شأن النبيِ وَِّ، لَمَّا رأى جبريل عليه الصلاة والسلام في أوَّلِ أمره وخافَ على نفسه منه، وكذا أعترض عليه الشيخ قاسمٌ في ((تخريجه)) أيضاً ؛ فقال : لا أعلم هذا مِن قول ورقة رضي الله عنه . والذي في (( صحيح البخاري)) وغيرِهِ : أنَّه من قول خديجة رضي الله تعالى عنها . ٦٧٢ وَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: أَبْشِرْ؛ فَوَ اَللهِ لاَ يُخْزِيكَ اللهُ أَبَداً ، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ ، وما قيل : من (( أنَّ القاضي(١) جليلُ القدر؛ لا يخفى عليه مثلُه ، ولا يبعد صدورُه من ورقة !! )) لا يجدي نفعاً مع نقل ((الصحيحين)) خلافه، وليس مثلُه محلّ بحث ، ولكلٍّ صارم نَبِّوة ، ولكلِّ جوادٍ كَبْوة . انتهى . ( وَ) المصنِّفُ رحمه الله تعالى نقل ما في ((الشفاء)) وأردفَه بما في (( الصحيحين )) ؛ وهو : ( قَالَتْ لَهُ خَدِيْجَةُ) أم المؤمنين (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا) حين قال لها ◌َِّةٍ لَمَّا رأى جبريل عليه الصلاة والسلام: ((لَقَدْ خَشِيْتُ عَلَى نَفْسِي)) أي: الهلاك من شدَّة الرُّعب !! أو تعبيرِهم إِيَّه ، فأرادت خديجةُ رضي الله عنها دَفْعَ ذلك الذي خشيه ؛ فقالت له : ( أَبْشِرْ؛ فَوَاللهِ لاَ يُخْزِيْكَ اللهُ أَبَداً ) يُخزيك - بضمِّ أوَّله والخاء المعجمة والزاي المكسورة ، ثم الياء السَّاكنة - مِن الخزي ؛ وهو : الفضيحة والهوان ، وفي رواية : يحزنك - بالحاء المهملة والنون ، ويجوز فتح الياء في أَوَّله وضمُّها - وكلاهما صحيح . ثمَّ استدلَّت خديجة على ما أَقسمتْ عليه من نفي ذلك أبداً بأمر استقرائي ، ووصفته بأصولِ مكارم الأخلاق ، لأن الإحسان إِمَّا إلى الأقارب ، أو إلى الأجانب ، وإمَّا بالبدن ، أو بالمال، وإمَّا على مَن يستقلُّ بأمره ، أو من لا يستقلُّ . وذلك کلُّه مجموعٌ فیما وصفته به في قولها : ( إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ ) صلةُ الرحم : هي الإحسان إلى الأقارب على حسب حال الواصل والموصول ، فتارة تكونُ بالمال ، وتارة بالخدمة ، وتارة بالزيارة والسَّلام .. وغير ذلك . ( وَتَحْمِلُ أَلكَلَّ ) - بفتح الكاف وتشديد اللاَّم - مصدر بمعنى الكَلال ؛ وهو : (١) أي : عياض رحمه الله تعالى. ٦٧٣ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ . الإِعياء ، وفُشِّر بالثِّقَل، فقيل: إنه لازمُ معناه، وهو المناسب للحَمْل ، لأنَّه لا يقال «حَمَل الإِعياء)». وحَمْلُ الكَلِّ هو كقول العرب في المدح: هو حَمَّال أَثْقالٍ . أي : يحمل ثِقْل غيره من الضعفاء والعيال ، وإعانة الخلق بالإنفاق عليهم وإطعامهم وإعطائهم كلَّ ما يحتاجون إليه ، وكفالة الأيتام وغيره من وجوه البر . ( وَتَكْسِبُ) - بفتح أوله ويضمُّ، وبكسر السين المهملة - ( المَعْدُوْمَ) - بالواو ، والمعنى : تُكسِب غيرَك المالَ المعدوم ؛ أي تعطيه ، واختاره النوويُّ . وقيل : تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك من مكارم الأخلاق. انتهى ((ملاعلي قاري)) . ( وَتَقْرِيْ ) - بفتح التاء المثنَّة الفوقية - ( الضَّيْفَ) أي : تحسن إليه ، يقال قريتُ الضيف أقرِيِهِ قِرَىّ - بِكَسْرِ القَافِ - مقصور . وقَرَاءً بفتح القاف والمدِّ ، ويقال للطعام الذي يضيفه به قِرىّ مقصورٌ ، ويقال لفاعله : قارِ مثل قضى ؛ فهو قاضٍ انتھی « نووي )). ( وَتُعِيْنُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ ) النوائب : جمع نائبة ؛ وهي الحادثة ، وإنَّما قالت نوائب الحق !! لأن النائبة قد تكون في الخير ، وقد تكون في الشرِّ ، قال لبيد : نَوَائِبُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرِّ كِلاَهُمَا فَلاَ أَلْخَيْرُ مَمْدُودٌ ؛ وَلاَ الشَّرُ لاَزِبُ قال العلماء رحمهم الله تعالى : معنى كلام خديجةَ رضي الله تعالى عنها : أنَّك لا يصيبك مكروهٌ ، لما جعل الله فيك من مكارم الأخلاق ؛ وكرم الشمائل . وذكرتْ ضُرُوباً من ذلك . وفي هذا دلالة على أن مكارم الأخلاق وخصالَ الخير سببُ السلامة من مصارع السوء . وقد روى أبو نعيم ما يؤيِّده وهو قولُهُ وََّ: ((صَنَائِعُ المَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ)). ٦٧٤ وَ( الْكَلُّ) هُنَا: الثَّقَلُ مِنْ كُلِّ مَا يُتَكَلَّفُ؛ كَمَا فِي (( لِسَانِ الْعَرَبِ)). وَأَعْطَى الْعَبَّاسَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ مَا لَمْ يُطِقْ حَمْلَهُ . وفيه مدحُ الإنسان في وجهه في بعض الأحوال لمصلحةٍ . وفيه تأنيسُ مَن حصلت له مَخَافةٌ من أَمْرٍ ، وتبشيره ، وذكرُ أسباب السلامة له . وفيه أعظمُ دليل وأبلغُ حَجَّة على كمال خديجة رضي الله تعالى عنها ، وجزالة رأيها، وقوَّة نفسها، وثبات قلبها، وعُظْم فقهها. والله أعلم. انتهى (( شرح مسلم )) مع زيادة . ( وَأَلكَلُّ ) - بفتح الكاف وتشديد اللام - له معانٍ كثيرةٌ ، لكن المراد ( هُنَا ) في حديث خديجة : ( الثِّقَلُ مِنْ كُلِّ مَا يُتَكَلَّفُ ) يعني : مما فيه كُلفة ( كَمَا ) ذكره ابن منظور ( فِي ((لِسَانِ العَرَب)))، وابنُ الأثير في ((النهاية))، والزَّبيديُّ في (( شرح القاموس))؛ وهو من الكَلال وهو الإِعياء . قال الإمام النَّوَويُّ: ويدخلُ في حمل الكَلِّ الإنفاقُ على الضعيف واليتيم والعيال وغير ذلك . انتهى . ( وَأَعْطِىْ) عمَّه ( أُلعَبَّاسَ) بنَ عبد المطلب (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، مَا) أي: شيئاً ( لَمْ يُطِقْ حَمْلَهُ) من الإِطاقة ، أي : ما لم يقدر على حمله وحدَه مع قوَّته . روى البخاريُّ في مواضع؛ من حديث أنس رضي الله تعالى عنه: أنَّهَ وَّلِ أُتي بمال من البحرين ؛ فقال: ((أُنْثُرُوهُ)) يعني: صبُّوه في المسجد ، وكان أكثرَ مال أُتي به وَّهَ، فخرج إلى المسجد؛ ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاءَ فجلس إليه ، فما كان يرى أحداً إلاَّ أعطاه منه ، إذ جاء العبَّاس ؛ فقال : يا رسول الله ؛ أعطني، فإنِّي فاديت نفسي وفاديت عقيلاً. فقال له: ((خُذْ)) . فحَثًا في ثوبه ، ثم ذهب يُقِلُّهُ؛ فلم يستطع . فقال يا رسول الله ؛ مُرْ بعضَهم يرفعُه عليَّ ؟ قال : ((لا)). قال: فأرفعه أنتَ عليَّ. فقال: ((لا)). فنثر منه، ثمَّ ذهب يُقلُّه فلم يستطع؛ فقال: يا رسول الله؛ مُرْ بعضَهم يرفعُه عليَّ. قال: ((لا)). قال: فأرفعه أنتَ عليَّ. قال: ((لا)) فنَثَر منه، ثمَّ احتمله فألقاه على كاهله فانطلق ، فما ٦٧٥ وَحُمِلَ إِلَيْهِ تِسْعُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، فَوُضِعَتْ عَلَى حَصِيرٍ ، ثُمَّ قَامَ إِلَيْهَا يَقْسِمُهَا ، فَمَا رَدَّ سَائِلاً حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا . وَلَمَّا قَفَلَ مِنْ هُنَيْنِ زال ◌َّهُ يتبعه بصره حتى خَفِيَ علينا !! عَجَباً من حرصه ، فما قام عليه الصلاة والسلام وثَمَّ منها درهمٌ !! وفي رواية: ثم انطلق؛ وهو يقول: ((إنَّما أَخَذْتَ مَا وَعَدَ اللهُ، فَقَدْ أَنْجَزَ))! يشير إلى قوله تعالى ﴿إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًاً مِّمَّاً أُخِذَ مِنكُمْ﴾ [٧٠/ الأنفال] . قال ابن كثير : كان العبَّاس شديداً طويلاً نبيلاً ، قلَّما احتمل شيئاً يقارب أربعين ألفاً . ( وَ) روى الترمذيُّ أَنَّهَ وَّرِ (حُمِلَ) - بصيغة المجهول - أي: أُتي ( إِلَيْهِ تِسْعُوْنَ ) - بمثناة فوقية قبل السين - وفي رواية أبي الحسن بن الضحاك في ((شمائله))؛ من حديث الحسن مرسلاً: ثمانون ( أَلْفَ دِرْهَمٍ ) . وأخرجه ابن الجوزي في ((الوفاء))؛ وقال : سبعون ألفاً - بتقديم السين على الموحدة - ويوافقه قول الصرصري في مديحه ؛ حيث قال : سَبْعُونَ أَلْفاً فَضَّهَا فِي مَجْلِسٍ لَمْ يَبْقَ مِنْهَا عِنْدَهُ فَلْسَانِ ( فَوُضِعَتْ ) - بصيغة المجهول - أي: سكبت ونُثُرت ( عَلَى حَصِيْرٍ ) أي : خصفة ( ثُمَّ قَامَ إِلَيْهَا ) ، لعل المراد : شرع ( يَقْسِمُهَا ) ، أو أخذ يقسمها ؛ بأن أَمَر به ؛ وإن لم يقم بالفعل ، ولا باشر القَسْم بيده . ( فَمَا رَدَّ سَائِلاً) ، لا يؤخذ منه أَنَّه لم يعطِ إلاَّ مَن سأله ! بل يصدق بذلك ، وبإعطاء من عَلِمَ حاجته فيدفع له إِن كان عنده بلا سؤال ، أو يبعث إليه ( حَتَّىُ فَرَغَ مِنْهَا ) غايةٌ لقوله ((يقسمها )). ( وَ) في ((الإحياء)): أَنَّه ( لَمَّا قَفَلَ) بَّهِ؛ أي: رجع ( مِنْ) غزوة ( حُنَيْنٍ ) - بضم الحاء المهملة فنونين بينهما مثنَّاة تحتية مصغّراً -: وادٍ بين مكَّة والطائف ، ٦٧٦ وَجَاءَتِ الأَعْرَابُ وهو مذكَّر منصرفٌ، وقد يؤنَّثُ على معنى البقعة ؛ قاله في ((المصباح)). وقال ابن بليهد النَّجدي في كتابه (( صحيح الأخبار عما في بلاد العرب من الآثار )) : حُنَيَّنٌ موضع قد أعيانا الوقوف على حقيقته . ومن كُتَّاب هذا العصر مَن قال : إنَّه عين الشرائع ؛ يعني الموضع المسمَّى بـ ((الشرائع)) أنَّها هي عينُ حنين ، وهذا قريبٌ من الصواب ، فإن لم تكن عين حنين ؛ فهي قريبةٌ منها في الوادي الذي يقع عن ((الشرائع)) جنوباً ، لأنَّه قريبٌ من ((ذي المجاز)) الذي ذكر في آخر رواية السُّهَيْلي (( يعني الكلام الذي نقله ابن بليهد المذكور نفسه عنه حيث قال )) : وحنين قريبٌ من مكة . وقيل : هو وادٍ بالطائف . وقيل : واد بجنب (( ذي المجاز)) . انتهى كلام ابن بليهد . قال في ((المصباح)): وقِصَّة حُنَيَّنِ أنَّ النبي ◌َّ فتح مكة في رمضان سنة ثمانٍ ، ثمَّ خرج منها لقتال هَوَازن وثقيف ، وقد بقيت أيَّام من رمضان ؛ فسار إلى حُنَين ، فلما التقى الجمعان أنكشف المسلمون ، ثمَّ أمدَّهم الله بنَصْره فعطفوا ، وقاتلوا المشركين فهزموهم ، وغنموا أموالهم وعيالهم ، ثم سار المشركون إلى أَوطاس ؛ فمنهم من سار على نخلة اليمانية ، ومنهم من سَلَك الثنايا وتبعت خيل رسول الله وَ ل﴿ من سَلَك نخلة !. ويقال : إنه عليه الصلاة والسلام أقام عليها يوماً وليلة ، ثمَّ سار إلى أوطاس فقاتلهم بقيّة شؤَّال ، فلما أهلَّ ذُو القعدة تَرَك القتال ، لأنَّه شهر حرام ، ورحل راجعاً فنزل الجِعْرَانة وقسم بها غنائم أوطاس وحُنَين ، ويقال : كانت ستَّةَ آلاف سَبْي - كما سيأتي - انتهى . ( وَجَاءَتِ الأَعْرَابُ ) - بفتح الهمزة - هم: أهل البدو، الواحد أَعرابيٌّ بالفتح أيضاً ، وهو : الذي يكون صاحب نُجْعَة وارتياد للكلأ. قال الأزهري : سواء كان من العرب أم من مواليهم . قال : فمن نزل البادية وجاور البادين وظَعَن بَعْنِهم ؛ فهم أعراب ، ومن نزل بلادَ الريف ؛ واستوطن ٦٧٧ يَسْأَلُونَهُ حَتَّى أَضْطَرُّوهُ إِلَى شَجَرَةٍ فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ، فَوَقَفَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: ((أَعْطُونِي رِدَائِي؛ لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هَذِهِ اُلْعِضَاهِ نَعَماً .. لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لاَ تَجِدُونِي بَخِيلاً، وَلا كَذَّاباً، وَلاَ جَبَاناً )). وَ( الْعِضَاهُ): شَجَرٌ لَهُ شَوْكٌ، وَأَحِدُهَا: عِضَاهَةٌ . المدن والقرى العربية وغيرها ممن ينتمي إلى العرب فهم عَرَب ؛ وإن لم يكونوا فصحاءَ ؛ كذا في (( المصباح)). ( يَسْأَلُوْنَهُ) أي: يطلبون منه أن يعطيهم الغنائم وكَثُرُوا حولَه وَلَه وازدحموا ( حَتَّى أَضْطَرُّوْهُ إِلَى شَجَرَةٍ فَخَطِفَتْ) - بكسر الطاء المهملة - من باب فهم ، وفيه لغةٌ . من باب ضرب . والخطف : الاستلاب بسرعة ( ردَاءَهُ فَوَقَفَ رَسُوْلُ اُللهِنَّهَ) حينئذٍ. (وَقَالَ: ((أَعْطُوْنِي رِدَائِيْ؛ لَوْ كَانَ لِيْ عَدَهُ هَذِهِ الْعِضَاءِ ) - هي: من أشجار البادية - ( نَعَماً ) أي: إِيلاً ( لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لاَ تَجِدُوْنِيْ بَخِيْلاً، وَلاَ كَذَّاباً؛ وَلاَ جَبَاناً))) الجبان : ضعيفُ القلب . قال الحافظ العراقيُّ : رواه البخاريُّ ؛ من حديث جُبير بن مطعم . قلت: ولفظُه: بينما أنا مع النبي ◌ٍَّ؛ ومعه الناس مقبلاً من حُنَين عَلِقت برسول الله ◌َ﴿ الأعرابُ يسألونه حتَّى اضطروه إلى سَمُرة ... فذكره. وفيه: ((وَلا كَذُوباً )) بدل («كَذَّاباً)). ورواه البيهقي في ((الدلائل))؛ من حديث عمرو بن شُعَيْب عن أبيه عَن جَدِّه ؛ بلفظ المصنف. انتهى ((شرح الإِحياء)). ( وَالعِضَاهُ) - بالعين المهملة والضاد المعجمة فألف فهاء آخره ؛ بِزِنَّةِ كِتَاب ، والهاء أصلية - وهو ( شَجَرٌ لَهُ شَوْكٌ) كالطلح والعوسج . واستثنىُ بعضُهم القَتَاد والسِّدْر، فلم يجعله من العِضاهِ، (وَاحِدُهَا عِضَاهَةٌ ) وعِضَهَةٌ وعِضَةٌ بحذف الهاء الأصلية كما حذفت من الشفة . ٦٧٨ وَرَدَّ عَلَى هَوَازِنَ سَبَايَاهَا، وَكَانُوا سِتَّةَ آلآفِ. وَفِي (( الْمَوَاهِبِ )) : ( ذَكَرَ أَبْنُ فَارِسٍ ( وَ) في ((الشفاء)): أنه بَِّ (رَدَّ عَلَى هَوَازِنَ): اسم قبيلة منسوبةٍ لهوازنَ بن أسلم ، وكان يسكن حُنَيناً ؛ وهو موضع سُمِّي بحُنَيْن بن نابه بن مهلاييل ، وغزوته تسمَّى ((غزوة حنين))، و((غزوة هوازن))، وكانت في شوال ؛ أو في رمضان . وأمرُها معروفٌ مفصّل في السِّيَر . ولما غزاهم وحاز غنائمهم قَدِم وفدهم على رسول الله وَّر؛ وهم أربعة عشر رجلاً؛ رئيسهم زهيرُ بن صرفة، وفيهم أبو برقان عمُّ رسول الله وَّرَ من الرَّضاع ، فسألوه أن يمنَّ عليهم بما أخذه منهم ؛ لما بينهم وبينه من مناسبة الرضاعة ، فقال لهم : (( أَبْنَاؤُكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ أَحبُّ إِلَيْكُمْ أَمْ أَمْوَالُكُم؟! )). قالوا: ماكُنَّا نعدِل بالأحساب شيئاً !!. فردّ على هوازن ( سَبَايَاهَا) بعد مفاوضة جرت، إذ قال ◌َ: (( أَمَّا مَا كَانَ لِيْ وَلِبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبٍ؛ فَهُوَ لَكُمْ، وَمَا لِلنَّاسِ يُسْأَلُ مِنْهُمْ)). فقال : المهاجرون والأنصار: ما كان لنا؛ فهو لرسول الله بَّر. وقال جماعة من المؤلَّفة: أمَّا ما لَنَا !! فلا، فأخذه ◌َّرَ منهم قرضاً على أن يعوِّضَهم عنه مِن أوَّل مالٍ يجيءُ، فسلَّموهم جميعاً ( وَكَانُوْا سِنَّةَ آلآفِ ) نفسٍ من النِّساء والذرِّيَّة غيرِ الأموال التي من غنائمهم ، وكانت أربعةً وعشرين ألفاً من الإبل ، وأكثرَ من أربعينَ ألفَ شاةٍ من الغنم، وأربعةَ آلافٍ أُوقِيَّةٍ من الفِضَّة . والأُوفِيَّةُ : أربعون درهماً. ( وَ) قال العلاَّمة شهاب الدين القُسْطُلأَّني شكر الله مسعاه ؛ ( فِي ) كتابه ( ((المَوَاهِبٍ ) اللَّدُنّة بالمنح المحمدية)): (ذَكَرَ) العلاَّمةُ الإمام أبو الحسين: أحمدُ ( بْنُ فَارِسٍ ) بن زكريا بن محمَّد بن حبيب الرازي اللُّغَويّ . كان إماماً في علوم شتى ؛ وخصوصاً اللغة فإنَّه أتقنها ، وألّف كتابه ((المجمل))، وهو على اختصاره جَمَع شيئاً كثيراً . ٦٧٩ فِي كِتَابِهِ فِي ((أَسْمَاءِ النَِّيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )): أَنَّهُ فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ ؛ فَأَنْشَدَتْ شِعْراً تُذَكِّرُهُ أَيَّامَ رَضَاعَتِهِ فِي هَوَازِنَ، فَرَذَّ عَلَيْهِمْ مَا أَخَذَ وَأَعْطَاهُمْ عَطَاءً كَثِراً حَتَّى قُوَّمَ مَا أَعْطَاهُمْ ذَلِكَ أَلْيَوْمَ ، فَكَانَ خَمْسَ مِئَةٍ أَلْفِ أَلْفٍ . وأصله من قزوين وأقام مدَّة في همذان ، ثم انتقل إلى الرّي ، وإليها نسبتُه ، وأخذ عنه البديعُ الهَمَذاني ، والصاحب ابن عبّاد وغيرُهما من أعيان البيان . وله مؤلّفات عديدةٌ؛ منها ((مقاييس اللغة)) طبع في ستّة أجزاء، و((الصاحبي في علم العربية)) طُبع، أُلِّف لخزانة الصاحب بن عباد، و((الفصيح))، و((تمام الفصيح))، و((فقه اللغة))، و((النيروز)) خَطِّ، و((الإِتْبَاعِ والمزاوجة)» طبع ، و((الحماسة المحدثة))، و((متخَيَّر الألفاظ))، و(( ذمّ الخطأ في الشعر)) خط، و((اللامات)) خط، و(( كتاب الثلاثة)) خط ؛ في الكلمات المكوّنة من ثلاث حروف متماثلة. وكتاب ((أسماء النبي ◌ٍَّ))، وكتاب ((أوجز السِّيَّر لخير البشر)) طُبع في ثمان صفحات، و((جامع التأويل في تفسير القرآن)) أربع مجلدات ، وله كتاب (( حلية الفقهاء))، وله شعر حسن . وكانت ولادته سنة : تسع وعشرين وثلثمائة هجرية ، ووفاته سنة : خمس وتسعين وثلثمائة . والله أعلم رحمه الله تعالى . ( فِي كِتَابِهِ ) المؤلّف ( فِي (( أَسْمَاءِ النَّبِّ وَّةِ))؛ أَنَّهُ فِي يَوْم حُنَيْنٍ جَاءَتْهُ أَمْرَأَةٌ فَأَنْشَدَتْ شِعْراً تُذَكِّرُهُ أَيَّامَ رَضَاعَتِهِ فِي هَوَازِنَ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ مَا أَخَذَ ) من النساء والبنين . ونُسِب إليه !! لأنه الأمير . ( وَأَعْطَاهُمْ ) عطفُ تفسير ؛ أي: كان المردود ( عَطَاءً كَثِيْراً) ، لأنَّه لم يكن معه مالٌ غير المأخوذ من الغنيمة ، وسُمّي المردودُ عطاءً !! لمِلْك الغانمین له ( حَتَّى قُوِّمَ) - بالبناء للمفعول - ( مَا) أي: الذي ( أَعْطَاهُمْ ذَلِكَ أَلْيَوْمَ ؛ فَكَانَ خَمْسَمِائَةٍ أَلْفِ أَلْفٍ) من السبايا بتكرير لفظ ((ألف)) ((مرتين))، وهو عبارة عن خمسمائة ٦٨٠