Indexed OCR Text
Pages 521-540
وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَوْماً عِنْدَ رَسُولِ اللهِ : صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا، إِذْ أُنِيَ بِصَحْفَةِ خُبْزٍ وَلَحْمٍ مِنْ بَيْتِ أُمّ سَلَمَةَ، فَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: ((ضَعُوا أَيْدِيَّكُمْ))، فَوَضَعَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [يَدَهُ]، وَوَضَعْنَا أَيْدِيَنَا، فَأَكَلْنَا وَعَائِشَةُ تَصْنَعُ طَعَاماً عَجَّلَتْهُ، وَقَدْ رَأَتْ الصَّحْفَةَ أَلَّتِي أُتِيَ بِهَا، فَلَمَّا فَرَغَتْ مِنْ طَعَامِهَا .. جَاءَتْ بِهِ فَوَضَعَتْهُ ، وَرَفَعَتْ صَحْفَةَ أُمّ سَلَمَةَ فَكَسَرَتْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((كُلُوا بِأَسْمِ اللهِ؛ غَارَتْ أُمُّكُمْ)) . وهذا من مزيد لُطْفه ؛ حتَّى لا تتشَوَّش . وروى الإمام أحمدُ عنها: خرجتُ مع رسول الله وَلَّ في بعْض أسفاره ؛ وأنا جارية لم أحملِ اللَّحمَ؛ ولم أَبْدُن، فقال للناس: ((تَقَدَّمُوا)) . فتقدَّموا ، ثم قال: ((تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ)). فسابقْتُهُ فسبقْتُه؛ فسكتَ عنّي، حتَّى حملتُ اللَّحمَ وبَدُنْت وسمنت؛ خرجت معه في بعْض أسفاره ؛ فقال للناس: ((تَقَدَّمُوا)). ثمَّ قال: ((تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ)) فسبقني، فجعلَ يضحك ويقول: ((هَذِهِ بِتِلْكَ )) . ( وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّهُمْ كَانُوْا يَوْماً عِنْدَ رَسُوْلِ اللهِ وَّهِ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا؛ إِذْ أُنِيَ بِصَحْفَةٍ ) : إناء كالقصعة المبسوطة ونحوها ، جمعها صِحَاف ( خُبْزٍ وَلَحْمٍ مِنْ بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ؛ فَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُوْلِ اللهِ وَلـ فَقَالَ: ((ضَعُوْا أَيْدِيَّكُمْ)) ) للأكل . ( فَوَضَعَ نَبِيُّ اَللهِنَّهِ [يَدَهُ] وَوَضَعْنَا أَيْدِيَنَا فَأَكَلْنَا !! وَعَائِشَةُ تَصْنَعُ طَعَاماً عَجَّلَتْهُ ) أسرعت به . ( وَ) الحال أنَّها (قَدْ رَأَتِ الصَّحْفَةَ الَّتِي أُنِيَ ) - على صيغة المبني للمجهول - أي : جيء ( بِهَا ) من بيت أُمِّ سلمة . ( فَلَمَّا فَرَغَتْ مِنْ طَعَامِهَا جَاءَتْ بِهِ فَوَضَعَتْهُ، وَرَفَعَتْ صَحْفَةً أُمِّ سَلَمَةً فِكَسَرَتْهَا. فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ: ((كُلُوْا بِأَسْمِ اللهِ) من صحفة عائشة (غَارَتْ أُمُّكُمْ)) ) هي كاسرة الصحفة عائشة أمُّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها . ٥٢١ ثُمَّ أَعْطَى صَحْفَتَهَا أُمَّ سَلَمَةَ ؛ فَقَالَ: ((طَعَامٌ مَكَانَ طَعَامِ ، وَإِنَاءٌ مَكَانَ إِنَاءٍ)). رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي ((الصَّغِيرِ)). وَهُوَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ: كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ بَعْضٍ نِسَائِهِ ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ ، وأبعد الداودي ؛ فقال : هي سارةُ زوج الخليل . وأنَّه أراد لا تعجبوا مما وقع من هذه من الغيرة ؛ فقد غارت تلك التي قبلها !! ورُدَّ - مع بُعْده - بأن المخاطَبِيْن ليسوا من أولاد سارة ، إذ ليسوا من بني إسرائيل !!. ( ثُمَّ أَعْطَىْ صَحْفَتَهَا أُمَّ سَلَمَةَ؛ فَقَالَ: ((طَعَامٌ مَكَانَ طَعَامٍ، وَإِنَاءٌ مَكَانَ إِناءٍ)) . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي ) (( معجمه ( الصَّغِيْرِ))). وعزاه في ((الفتح)) و(( المقدمة )) له في ((الأوسط))، (وَهُوَ) أي: حديث أنس (عِنْدَ الْبُخَارِيِّ) في ((المظالم)) و ((الأطعمة)) ( بِلَفْظِ : كَانَ وَِّ عِنْدَ بَعْضٍ نِسَائِهِ ) هي عائشة ؛ كما في الترمذي وغيره ، ولا خلافَ في ذلك! ( فَأَرْسَلَتْ إِحْدَىْ أُمَّهَاتِ أَلْمُؤْمِنِيْنَ ) هي : صفيّةُ ؛ كما رواه أبو داود والنسائيُّ من حديث عائشة . أو : حفصة ؛ كما رواه الدارقطني ؛ من حديث أنس وابنٍ ماجه عن عائشة . أو: أمُّ سلمة ؛ كما رواه الطبراني في ((الأوسط)) عن أنس وإسناده أصحُّ من إسناد الدار قطني. وساقه بسندٍ صحيح ؛ وهو أصحُّ ما ورد في ذلك . ويحتمل التعدُّد !!. وحكى ابنُ حزمٍ في (( المحلَّى)) أنَّ المرسلة زينب بنت جحش ؛ ذكره الحافظ ، وتبعه القُسْطُلاَنِيُّ ، ففي جزم السيوطي بالأخير شيءٌ . ( بِصَحْفَةٍ) هذا لفظ البخاري في ((الأطعمة))، ولفظه في (( المظالم)) بقَصْعة - بفتح القاف ـ ( فِيْهَا طَعَامٌ) أي: حَيْس ؛ كما في ((المحلَّى)) لابن حزم . ويأتي ٥٢٢ فَضَرَبَتِ الَّتِي فِي بَيْتِهَا يَدَ أَلْخَادِمِ، فَسَقَطَتِ الصَّحْفَةُ فَأَنْفَلَقَتْ ، فَجَمَعَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِلَقَ الصَّخَفَةِ ، ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ وَيَقُولُ: ((غَارَتْ أُمُكُمْ)) ، ثُمَّ حَبَسَ أَلْخَادِمَ، حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ أَلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا، فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا ، وَأَمْسَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ . روايةُ ((يلتقط اللحم))، فيحتمل أن اتَّحدت القِصَّة؛ أَنَّه كان فوق الحيس ، قال الشاعر : التَّمْرُ وَالسَّمْنُ جَمِيْعاً وَالأَقِطْ الْخَيْسُ إِلاَّ أَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِطْ مع خادم ( فَضَرَبَتِ الَّتِي [النَّبِيُّ]) ◌ِِّ ( فِي بَيْتِهَا ) هي عائشةُ على جميع الأقوال ( يَدَ الخَادِمِ ) لم يسمَّ ؛ قاله الحافظ ابن حجر . ( فَسَقَطَتِ الصَّحْفَةُ؛ فَأَنْفَلَقَتْ، فَجَمَعَ نَّهِ فِلَقَ الصَّحْفَةِ ) ؛ جمع فِلْقَةٍ ؛ كقطعة وقِطَع: وزناً ومعنى. ( ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيْهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ ؛ وَيَقُوْلُ) مبدياً لعُذْرها (: ((غَارَتْ أُّكُمْ)) ) عائشة . ( ثُمَّ حَبَسَ الخَادِمَ ) : منعه من العود إلى سيِّدته التي أرسلته ( حَتَّى أُنِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ أَِّي هُوَ فِي بَيّتِهَا، فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ ) الَّتي لا كسر فيها ( إِلَى ) الخادمِ ليوصِلَها إلىْ ( أَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا، وَأَمْسَكَ المَكْسُوْرَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ ) ؛ عقاباً لها. فإن قيل : القصعة متقوَّمة فكيف ضَمَّنها بالمثل ؛ لا بالقيمة ؟! أجاب البيهقيُّ بأَنَّ القصعتين كانتا للنبيِّ وَ ◌ّرفي بيت زوجتيه، فعاقبَ الكاسرةَ - بجعل - المكسورةَ في بيتها ، وجعل الصحيحةَ في بيت صاحبتها ، ولم يكن هناك تضمينٌ . وقد روى الإمام أحمد ، وأبو داود ، والنَّسائيُّ : قالت عائشة رضي الله تعالى ٥٢٣ وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: أَتَيْتُ النَِّيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَخَزِيرَةٍ طَبَخْتُهَا لَهُ ، وَقُلْتُ لِسَوْدَةَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا ؛ فَقُلْتُ لَهَا : كُلِي ، فَأَبَتْ ، فَقُلْتُ لَهَا: كُلِي ، فَأَبَتْ ، فَقُلْتُ لَهَا : لَتَأْكُلِينَ ، أَوْ لِأُلَطِّخَنَّ بِهَا وَجْهَكِ ، فَأَبَتْ ، فَوَضَعْتُ يَدِي فِي الْخَزِيرَةِ فَلَطَخْتُ بِهَا وَجْهَهَا ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . عنها : ما رأيتُ صانعةً طعاماً مثل صَفِيَّة ؛ أهدت إلى النبي ◌َّهِ إِناءً من طعام ، فما ملكتُ نفسي أن كسرتُه !! فقلت: يا رسول الله؛ ما كفَّرته؟ قال: ((إِناءٌ كَإِنَاءِ ، وَطَعَامٌ كَطَعَامِ )) ففي هذه الرواية : المُرْسِلة صفيّةُ، فيخالف روايةَ الطَّبراني أنَّها أم سلمة !! إن لم يحمل على التعدُّد . وعند غيرِ أحمد ، وأبي داود ، والنسائي : فأخذتُ القصعةَ من بين يديه فضربتُ بها وكسرتُها ، فقام النبيُّ ◌َّهَ يلتقطُ اللَّحم والطعام؛ وهو يقول ((غَارَتْ أُمُّكُمْ)). فلم يُثَرِّبْ عليها ◌َِّ، ووسع خُلُقه الشريف آثارَ طفحاتٍ غَيْرَتها ، ولم يتأثَّر من فعلها ذلك بحضوره وحضورِ أصحابه ؛ لمزيد حلمه وعلمه بما تؤدِّي إليه الغَيْرة ، وقضى عليها بحكم الله في التقاصِّ بجعل المكسورة عندها ودفع الصحيحةِ لضَرَّتها . ( وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهَا: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌َّهُ بِخَزِيْرَةٍ ) - بخاءٍ وزاي معجمتين ؛ فياءٌ مثناة، فراءٌ فتاء تأنيث - ( طَبَخْتُهَا لَهُ، وَقُلْتُ لِسَوْدَةَ ) أمِّ المؤمنين ( وَلَِّيُّ وَّهَ بَيْنِيْ وَبَيْنَهَا؛ فَقُلْتُ لَهَا: كُلِيْ. فَأَبَتْ، فَقُلْتُ لَهَا : كُلِيْ . فَأَبَتْ. فَقُلْتُ لَهَا : لَتَأْكُلِيْنَ ؛ أَوْ لأُلَطِّخَنَّ بِهَا وَجْهَكِ !! فَأَبَتْ . فَوَضَعْتُ يَدِيْ فِي أُلخَزِيْرَةِ فَلَطَخْتُ بِهَا وَجْهَهَا) - بالتخفيف [ لَطَّخَتْ] وتشدَّدُ مبالغة . ( فَضَحِكَ رَسُوْلُ الهِنََّ)، فوضع فخذَه لها؛ وقال السودةَ: ((أُلْطُخِي وَجْهَهَا قِصَاصاً)). فلَطَخت به وجهي. فضحك رسول الله بََّ ... الحديثَ رواه ابنُ غيلان ؛ من حديث الهاشمي . ٥٢٤ وَ( الْخَزِيرَةُ ) : لَحْمٌ يُقْطَعُ قِطَعاً صِغَاراً ، وَيُصَبُّ عَلَيْهِ مَاءٌ كَثِرٌ ، فَإِذَا نَضِجَ ذُرَّ عَلَيْهِ الدَّقِيقُ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا غَضِبَتْ عَائِشَةُ .. عَرَكَ بِأَنْفِهَا وَقَالَ : ((يَا عُوَيْشُ؛ قُولِي: اللَّهُمَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ أَغْفِرْ لِي ذَنْبِي ، وَأَذْهِبْ غَيْظَ قَلْبِي ، وَأَجِرْنِي مِنْ مُضِلَتِ الْفِتَنِ)) . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُنِيَ بِهَدِيَّةٍ قَالَ: ((إِذْهَبُوا بِهَا إِلَى بَيْتِ فُلاَنَةٍ ، فَإِنَّا كَانَتْ صَدِيقَةً لِخَدِيجَةَ وأخرجه المُلاَّ في (( سيرته))؛ ذكره في ((المواهب)) قال: ( وَأَلْخَزِيْرَةُ: لَحْمٌ يُقْطَعُ قِطَعاً صِغَاراً، وَيُصَبُّ عَلَيْهِ مَاءٌ كَثِيْرٌ، فَإِذَا نَضِجَ ) : استوى ( ذُرَّ عَلَيْهِ الدَّقِيْقُ ) ، فإن لم يكن فيها لحمٌّ ؛ فهي عصيدة ؛ قاله الجوهري وغيره ، وكذا ذكره ابن السِّكِّيت ؛ وزاد : من لحم بات ليلة . وقال ابن فارس : دقيقٌ يخلط بشحم. وقيل: غير ذلك، كما ذكره القُسْطُلاَّني في (( المواهب)). ( وَ) أخرج ابن السُّنِّيِّ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : ( كَانَ بَّهِ إِذَا غَضِبَتْ عَائِشَةُ عَرَكَ بِأَنْفِهَا) - بزيادة المؤَّحدة - ( وَقَالَ) ؛ ملاطفاً لها (: ((يَا عُوَيْشُ) - منادى مصغّر مرّمٌ، فيجوز ضقُّه وفتحُه على لغةِ (( مَن ينتظر )) وعلى التمام - ( قُوْلِيْ: ( اللَّهُمَّ؛ رَبَّ مُحَمَّدٍ ◌ِغْفِرْ لِيْ ذَنْبِيْ، وَأَذْهِبْ) - بهمزة القطع - (غَيْظَ قَلْبِيْ ، وَأَجِرْنِيْ مِنْ مُضِلَّتِ الفِتَنِ .) ؛ أي: الفتن المُضِلَّة ، أي الموقعة في الضلال ، فمن قال ذلك بصدق وإخلاص ذهب غضبه لوقته ، وحفظ من الضلال والوَبال . ( وَ) أخرج البخاريُّ في (( الأدب المفرد))؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : ( كَانَ ) النبيُّ (بَّهِ إِذَا أُنِيَ ) - مبنيٌّ للمجهول - أي: أتاه أحد ( بِهَدِيَّةٍ ؛ قَالَ: ((إِذْهَبُوْا بِهَا إِلَى بَيْتِ فُلَنَةٍ ) لم يسمِّها الرواةُ ، ( فَإِنَّهَا كَانَتْ صَدِيْقَةٌ لِخَدِيْجَةَ ٥٢٥ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا - إِنَّهَا كَانَتْ تُحِبُّ خَدِيجَةَ)). وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَىْ أَمْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا ، وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ فَيُهْدِيهَا إِلَى خَلَائِلِهَا، وَأَسْتَأَذَنَتْ عَلَيْهِ أُخْتُهَا .. - رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهَا -) وفي رواية : ( إِنَّهَا كَانَتْ تُحِبُّ خَدِيْجَةَ))). وفيه الحثُّ على البرِّ والصِّلة وحسن العهد . ( وَ) أخرج البخاريُّ ومسلمٌ وغيرهما ( عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا ؛ قَالَتْ : مَا غِرْتُ) - بكسر العَين المعجمة وسكون الراء - ( عَلَىْ أَمْرَأَةٍ ) أي : من نساء النبيِ وَّهِ (مَا غِرْتُ)؛ أي: كَغَيْرَتِي (عَلَى خَدِيْجَةَ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا - لِمَا كُنْتُ ) لعلة لِغَيْرَتها أي: لأجل كوني دائماً ( أَسْمَعُهُ)؛ أي: أسمع النبي ◌َّ- ( يَذْكُرُهَا ) أي: ذكراً جميلاً وثناء جزيلاً . قال الطبريُّ وغيره : الغَيرةُ من النساء مسموحٌ لهنَّ ومفسوخ في أخلاقهن لما جُبلن عليه ، وإنَّهن لا يملكن عندها أنفسَهُنَّ. ولهذا لم يزجر النبي ◌َِّ عائشةَ، ولا ردَّ عليها عذرَها ، لما عَلِم من فطرتها وشِدَّة غَيرتِها . قال الزبيدي : والعامّة تكسرها والصوابُ فتحها . انتهى (( ملا علي قاري رحمه الله تعالى)) . ( وَإِنْ) - بكسر الهمزة وسكون النون؛ على أنَّ ((إِن)) مخفَّفة من الثقيلة ، واسمها ضميرُ الشأنِ محذوفٌ؛ أي : وإنَّه عليه الصلاة والسلام ( كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ ) - بفتح اللام - وهي المسماة بـ ((الفارقة))، نحو قوله تعالى ﴿وَإِن كَانَتْ لَكِيرَةً ﴾ [١٤٣/ البقرة] (فَيُّهْدِيْهَا) - بضمِّ الياء - أي: فيرسلها هديّة (إِلَى خَلاَئِلِهَا) - بالخاء المعجمة - جمع : خليلة ؛ أي صدائقها لكلِّ واحدة منها قطعةٌ . (وَأَسْتَأْذَنَتْ عَلَيْهِ أُخْتُهَا) أي: طلبت الإذن في الدخول له وَّل أخت خديجة ؛ ٥٢٦ فَأَرْتَاحَ لَهَا (١)، وَدَخَلَتْ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ فَهَشَ لَهَا وَأَحْسَنَ السُّؤَالَ عَنْهَا ، فَلَمَّا خَرَجَتْ قَالَ: (( إِنَّهَا كَانَتْ تَأْتِيْنَا أَيَّامَ خَدِيجَةَ، وَإِنَّ حُسْنَ اَلْعَهْدِ مِنَ الإِيمَانِ )). وهي هالة بنت خويلد بن أسد أمُّ أبي العاصي بن الربيع ((زوج زينب بنته وََّ))، واسمه : لقيط بن الربيع ، وهالةُ ذكرها ابن منده، وأبو نعيم في (( الصحابة)). ( فَأَرْتَاحَ [لَهَا])؛ أي: حصلت له وَّه راحة، إذ دخلت عليه وأظهر البشر والسرور برؤيتها ، ( وَدَخَلَتْ عَلَيْهِ أَمْرَأَةٌ ) أي : أخرى في وقت آخر ( فَهَشَّ لَهَا ) - بتشديد الشين المعجمة - أي: فرح بها واستبشر، ( وَأَحْسَنَ السُّؤَالَ عَنْهَا ) بقوله ((كَيْفَ أَنْتُمْ .. ؟ كَيْفَ حَالُكُمْ ... ؟ كَيْفَ كُنْتُم بَعْدَنَا)» ؟ (فَلَمَّا خَرَجَتْ ) من عنده ( قَالَ: ((إِنَّهَا كَانَتْ تَأْتِيْنَا أَيَّامَ خَدِيْجَةَ ) أي : في زمانها فلنا بها معرفةٌ قديمة ، (وَإِنَّ حُسْنَ العَهْدِ ) قال السَّخَاوي : ينصرف لغةً إلى وجوه ؛ أحدها : الحفظ والرعاية ، وهو المراد هنا . أي : الوفاء والحفظ ، ورعاية العهود القديمة ، ورعاية من يُحبّك أو يحبُّ مَن يحبُّك ( مِنَ الإِيْمَانِ))) أي : من أخلاق أهله وخصالهم ، أو من شُعب الإيمان ومقتضياته ، لأن من كمال الإيمان موذَّةً عبادِ الله ومحبَّتهم . وهذا الحديث رواه الحاكم في ((مستدركه)) في ((كتاب الإيمان))؛ عن عائشة مرفوعاً، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين؛ وليس له علَّةٌ. وأقرَّه الذَّهبيُّ. ومن طريق الحاكِم رواه الدَّيلميُّ، من حديث الصَّغَاني ؛ عن أبي عاصم ؛ قال : حذَّثنا رستم ؛ عن ابن أبي مُلَيْكة ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها ؛ قالت : جاءت عجوزٌ إلى النبيِّ وَ ﴿ وهو عندي، فقال لها: ((مَنْ أَنْتِ ))؟! فقالت جَثَّامةٌ المُزَنِيَّة . قال: ((أَنْتِ حَسَّانَةَ، كَيْفَ أَنْتُمْ ... ؟ كَيْفَ حَالُكُمْ ... ؟ كَيْفَ كُنْتُمْ بَعْدَنا؟)) . قالت: بخير ، بأبي أنت وأُمّي ؛ يا رسول الله . فلما خرجتْ ؛ قلتُ : يا رسول الله؛ تُقبلُ على هذه العجوز هذا الإقبال !! قال: ((إِنَّا كَانَتْ تَأْتِيْنَا زَمَنَ (١) في ((وسائل الوصول)): إِلَيْهَا. ٥٢٧ قَالَ الْقُسْطُلاَّنِيُّ: (وَهَكَذَا كَانَتْ أَحْوَالُهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ مَعَ أَزْوَاجِهِ ، لاَ يَأْخُذُ عَلَيْهِنَّ وَيَعْذِرُهُنَّ، وَإِنْ أَقَامَ عَلَيْهِنَّ قِسْطَاسَ عَدْلٍ أَقَامَهُ مِنْ غَيْرِ قَلَقِ ، وَلاَ غَضَبٍ وَبِأَلْجُمْلَةِ: فَمَنْ تَأَّلَ سِيرَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ مَعَ أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْفُقَرَاءِ ، وَأَلأَيْتَامِ ، وَالأَرَامِلِ ، وَالأَضْيَافِ ، وَأَلْمَسَاكِينِ .. عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَ مِنْ رِقَّةِ الْقَّلْبِ وَلِينِهِ الْغَايَةَ الَّتِي لَ مَرْمَى وَرَاءَهَا لِمَخْلُوقٍ ، وَإِنَّهُ كَانَ يُشَدِّدُ فِي حُدُودِ اللهِ وَحُقُوقِهِ وَدِينِهِ ؛ حَتَّى قَطَعَ يَدَ أُلسَّارِقِ ... إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ ) . خِدِيْجَةَ ، وَإِنَّ حُسْنَ الْعَهْدِ مِنَ الإِيْمَانِ ». ( قَالَ) العلاَّمة الشِّهابُ (القُسْطُلاَِّيُّ) في (( المواهب)» عقب الكلام على حديث عائشة رضي الله عنها في كسر الصحفة السابق !! ولو ذكره المصنف هناك كان أولی ؟! ( وَهَكَذَا كَانَتْ أَحْوَالُهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ مَعَ أَزْوَاجِهِ ؛ لاَ يَأْخُذُ عَلَيْهِنَّ وَيَعْذِرُهُنَّ) - بكسر الذال -: يرفع عنهن اللَّوم . ( وَإِنْ أَقَامَ عَلَيْهِنَّ قِسْطَاسَ ) : ميزانَ ( عَدْلٍ ؛ أَقَامَهُ مِنْ غَيْرِ قَلَقٍ وَلاَ غَضَبٍ ) كما هو الواقع من غيره كثيراً . ( وَبِالْجُمْلَةِ ؛ فَمَنْ تَأَمَّلَ سِيْرَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ مَعَ أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ ؛ مِنَ الفُقَرَاءِ ، وَالأَيْتَامِ ، وَالأَرَامِلِ، وَالأَضْيَافِ ، وَأَلْمَسَاكِيْنِ؛ عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَ مِنْ رِقَّةِ القَلْبِ وَلِيْنِهِ أُلغَابَّةَ الَّتِي لاَ مَزْمَىْ وَرَاءَهَا لِمَخْلُوْقٍ ) ، أي: لا يصل أحد بعدَه إليها ( وَإِنَّهُ كَانَ يُشَدِّدُ فِي حُدُوْدِ اللهِ وَحُقُوْقِهِ وَدِيْنِهِ؛ حَتَّى قَطَعَ يَدَ اُلسَّارِقِ ... إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ) كحدٍّ الزاني. انتهى كلام ((المواهب)). ٥٢٨ اَلْفَضْلُ الثَّالِثُ فِي صِفَةٍ أَمَانَتِهِ صَلَّى الهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِدْقِهِ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آمَنَ النَّاسِ ، وَأَصْدَقَهُمْ لَهْجَةً مُنْذُ كَانَ . قَالَ تَعَالَى: ﴿قُطَاعِ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ٢١]. أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . (الْفَصْلُ الثَّالِثُ ) ؛ من الباب الخامس (فِي ) ما ورد في ( صِفَةٍ أَمَانَتِهِ وَّر) في كلِّ شيء يحفظه قولاً كان ؛ أو فعلاً ؛ أو غير ذلك مما يجعل عنده ، وكونه موثوقاً به في أموال الناس وأحوالهم . ( وَ) في ما ورد في (صِدْقِهِ) وََّ، وهو: مطابقة خبره للواقع. قال في (( الشفاء)): ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِوَ﴿ آمَنَ النَّاسِ ) - بهمزة ممدودة - أي: أكثرهم وأعظمهم أمانة وأمْناً ؛ من أن يقع منه خيانة ، ( وَأَصْدَقَهُمْ لَهْجَةً ) أي : منطقاً أي : أكثرهم صدقاً ( مُنْذُ كَانَ ) أي : مِن ابتداءِ ما وُجد ، لما جُبل عليه من الأخلاق الحسنة ، وقد أعترف له بذلك محادُّوه وعِدَاه . ( قَالَ ) الله ( تَعَالىُ) في حقه ( ﴿قُطَاعٍ﴾) - أي: مكرَّم - ( ﴿فَمَّ) ) - بفتح الثاء ؛ أي : عند الملأ الأعلى والحضرة العُليا - (﴿أَمِينٍ﴾) . موصوف بالأمانة في دعوى النبوة ووحي الرسالة . ( أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِيْنَ عَلَىْ أَنَّهُ) أي: المراد بـ ((المطاع الأمين)) (مُحَمَّدٌ وَلَ) وكثيرٌ منهم على أنَّه جبريل عليه الصلاة والسلام ؛ كما يشهد به سياقُ النظم القرآني ولذا ارتضاهُ المحقّقُون . ٥٢٩ وَكَانَتْ تُسَمِّيهِ قُرَيْشٌ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ : ( الأَمِينَ ) . وَلَمَّا أَخْتَلَفُوا عِنْدَ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ فِيمَنْ يَضَعُ الْحَجَرَ .. حَكَّمُوا أَوَّلَ دَاخِلٍ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلٌ ، وَذَلِكَ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ ، فَقَالُوا: (هَذَا مُحَمَّدٌ اُلأَمِينُ .. قَدْ رَضِينَا بِهِ ) . ( وَكَانَتْ تُسَمِّيْهِ قُرَيْشٌ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ ) أي: ظهورها ودعوتها ( ((أَلأَمِيْنَ)))، لأمانته وصدق قوله في جمیع أحواله . قال ابن إسحاق: كان مَُّ يسمَّى ((الأمين)) بما جَمَعَ الله له من الأخلاق الصالحة . قال الخفاجي : وهذا حديثٌ صحيح ، رواه أحمد في (( مسنده )) ، والحاكم ، والطبرانيُّ ؛ عن علي كرم الله وجهه . ( وَلَمَّا أَخْتَلَفُوْا ) ؛ أي : قريش ( عِنْدَ بِنَاءِ الكَعْبَةِ ) حين أُجمرت فطارت شرارة ؛ فاحترقت الكعبة فهدموها ، وأرادوا تجديد بنائها فوقع خلافهم ( فِيْمَنْ يَضَعُ الحَجَرَ ) الأسود في موضعه الأصليِّ قبل هدمه، وكلٌّ يقول (( أنا وأتباعي نضعه)) ؛ افتخاراً بوضعه ، لأنه الركن الأعظم في ذلك المقام الأفخم ، وكاد أن يقع بينهم القتال ، لكثرة منازعة الرجال . (حَكَّمُوْا ) - بفتح الحاء المهملة ، وتشديد الكاف - فعلٌ ماضٍ ، وهو جواب ((لمّا )) أي: ارتضوا بأن يكون الحاكمُ في ذلك ( أَوَّلَ دَاخِلٍ عَلَيْهِمْ) لدفع النزاع عنهم . ( فَإِذَا بِالشَِّيِّ نَِّ دَاخِلٌ) ((إذا)) فجائية ، أي : فاجأهم دخولُه عليهم بغتةً من غير طلب ولا ميعاد منهم، ( وَذَلِكَ قَبْلَ) دعوى ( نُبُّوَّتِهِ ) وظهور رسالته ◌ِّرِ؛ وهو ابن خمسٍ وثلاثين سنة، (فَقَالُوْا) مقرِّين له بوصف أمانته (: هَذَا مُحَمَّدٌ الأَمِيْنُ .. قَدْ رَضِيْنَا بِهِ ) حَكَماً في هذه القضية ، فلما انتهى إليهم ذكروا له ذلك ، ٥٣٠ وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((وَاللهِ إِنِّي لأَمِينٌ فِي السَّمَاءِ ، أَمِينٌ فِي الأَرْضِ )) . وَوَرَدَ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ لاَ نُكَذِّبُكَ ، وَمَا أَنْتَ فِينَ بِمُكَذَّبٍ ، وَلَكِنْ نُكَذِّبُ بِمَا جِئْتَ بِهِ . فَأَنْزَلَ اللهُ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِعَايَتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]. ففرش ◌َّ﴿ رداءَه المبارك، ووضع الحجر عليه، وأمر كلَّ رئيس أن يأخذ بطرف منه، وهو آخذ من تحته، فلما فعلوا ذلك وحملوه إلى قرب موضعه أخذه وَ # بيده الشريفة فوضعه في ركن البيت ، ثم بنى عليه ، فكان شرفُ الوضع له . (وَقَالَ بَِّ) فيما رواه ابن أبي شيبة في ((مصنَّه)) عن أبي رافع (: ((واللهِ؛ إِنِّي لأَمِيْنٌ فِي السَّمَاءِ ) ؛ أي : عند الله وملائكته المقرَّبين ( أَمِيْنٌ فِي الأَرْضِ)) ) عند المؤمنين وغيرهم من المجرمين ، لكمال أمانته وظهور ديانته ، وعدم خلفه في وعده ، وتحقُّق صدقه ؛ يعني أنَّه مشهورٌ بذلك بين الملأ الأعلى وبين أهل الأرض . وفيه دليلٌ على جوازٍ مدح الإنسان نفسه ، مؤكّداً بالقَسَم ؛ إذا دعت الحاجة إلى إظهار ذلك . ( وَوَرَدَ) فيما رواه الترمذيُّ، والحاكمُ عن عليٍّ رضيَ الله تعالى عنه ( أَنَّ أَبَّا جَهْلِ ) لعنه الله ( قَالَ لِلنَِّيِّ وَّرِ: إِنَّا لاَ تُكَذِّبُكَ) - بالتشديد، و[ لا نُكْذِبُك ] بالتخفيف - أي: لا ننسبك إلى الكذب ، ( وَمَا أَنْتَ فِيْنَا بِمُكَذَّبٍ ) لثبوت صدقك ، ( وَلَكِنْ نُكَذِّبُ) بالتشديد لا غير ( بِمَا جِئْتَ بِهِ ) ؛ من القرآن والإيمان بالتوحيد والبعث ونحو ذلك ، فدَلَّت هذه المناقضةُ الظاهرة على أن كُفْرَ أكثرِهم كان عِناداً . ([ فَأَنْزَلَ اللهُ) فيما قاله، وهو سبب نزول هذه الآية (﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ ﴾ [٣٣/ الأنعام]) بالتشديد، وقرأ نافع والكسائي [( لا يُكْذِبُوْنَكَ﴾] بالتخفيف (أُلآيَةَ ]) [الأنعام] أي : أي : اقرأ الآية، وتمامها ﴿ وَلَكِنَّ الظَّلِينَ بِعَايَتِ اَللَّهِ يَجْحَدُونَ ينكرونه ، فتكذيبهم في الحقيقة راجعٌ إلى ربهم ، ففيه وعيد أكید وتهديد شديد لهم ، وتسلیةٌ له ێِ . ٥٣١ وَقِيلَ : إِنَّ الأَخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ لَقِيَ أَبَا جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَالَ لَهُ : يَا أَبَا اُلْحَكَمِ ؛ لَيْسَ هُنَا غَيْرِي وَغَيْرُكَ يَسْمَعُ كَلاَمَنَا، تُخْبِرُنِي عَنْ مُحَمَّدٍ : صَادِقٌ ، أَمْ كَاذِبٌ؟ وروى أبو ميسرةَ أنَّه ◌َ لَّ مَّ بأبي جهل وأصحابه ؛ فقالوا : واللهِ يا محمد ؛ ما نكذبك ، وإنَّك عندنا لصادقٌ ، ولكنَّا نكذِّبُ بما جئتَ به ... فنزلت هذه الآية انتهى خفاجي على ((الشفاء)). وفي ((المواهب)): رويَ أنَّ أبا جهلٍ لقي النبيَّ ◌َِّ في بعض فِجَاج مكَّة فصافحه . فقيل له : تصافحه !؟ فقال : والله ؛ إنّي لأعلمُ أَنَّه نبي ، ولكن متى كنا تبعاً لبني عبد مناف !! فأنزل الله الآية ﴿ فَإَِهُمْ لَا يُكَذِبُونَكَ﴾ رواه ابن أبي حاتم . وَقِيْلَ : أي روي ؛ كما أخرجه ابن إسحاق ، والبيهقيُّ ؛ عن الزُّهريِّ، وكذا ابن جرير ؛ عن السُّدِّي ، والطبرانيُّ في (( الأوسط)): ( إِنَّ الأَخْتَسَ ) - بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة وفتح النون وآخره سين مهملة؛ بزنة (( أفْعَل)) التفضيل: صحابيٍّ كما صَرَّح به الخفاجيُّ؛ في (( شرح الشِّفاء))، وقال الزرقاني على ((المواهب)): إنَّه أسلم بعد ذلك . وقال الخفاجيُّ: اسمه أَبِيُّ ( بْنُ شَرِيْقٍ ) - بفتح الشين المعجمة وكسر الراء وقاف آخره ؛ على وزن (( فعيل)) ابن ثعلبة الثقفي ، قتل يوم بدر كافراً - يعني شريقاً -؛ قاله الخفاجي . ( لَقِيَ أَبَا جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ ) ، وكان يوم جُمُعةٍ السنة الثانية من الهجرة في سابعَ عشر رمضان ؛ ( فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الحَكَم) - بفتحتين - كنيتُه في الجاهلية، فغيَّرها النبيِ وَل وكَنَّاه ((أبا جهل)) ؛ قاله العلاَّمة ملاعلي قاري . ( لَيْسَ هُنَا غَيْرِي وَغَيْرُكَ) أي: أحد ( يَسْمَعُ كَلاَمَنَا) أي : فيما بيننا ، ( تُخْبِرُنِيْ) خبرٌ معناه أمر، أي : أخبرني ( عَنْ مُحَمَّدٍ ) أي : عن وصفه ؛ (: صَادِقٌ أُمْ كَاذِبٌ؟ ) - يعني: أصادقاً؛ فحذفت الهمزة تخفيفاً . ٥٣٢ فَقَالَ أَبُو جَهْلِ : وَاللهِ إِنَّ مُحَمَّداً لَصَادِقٌ، وَمَا كَذَبَ مُحَمَّدٌ قَطُّ . وَسَأَلَ هِرَقْلُ عَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا سُفْيَانَ فَقَالَ: هَلْ كُنْتُمْ تَّهِمُونَهُ . ( فَقَالَ أَبُو جَهْلِ: وَالهِ ؛ إِنَّ مُحَمَّداً لَصَادِقٌ ) أي : لموصوف بالصدق . ( وَمَا كَذَبَ مُحَمَّدٌ قَطُّ ) اعترافٌ بالحقِّ . وهذا يدلُّ علىْ أَنَّهم لا يعتقدون كَذِبه . ورُوي أَنَّ أبا جهل قال ؛ بعد قولِهِ ((وما كذب محمَّدٌ)): ولكن إذا ذَهَب بنو قصيٍّ باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة ؛ فماذا يكون لسائر قريش !! ؟ وهذا يدلُّ على أنَّه ما منعه عن توحيد الله إلاَّ طلبُ الجاه !!. (وَسَأَلَ هِرَقْلُ ) - بكسر الهاء وفتح الراء وإسكان القاف ؛ على المشهور - لا ينصرف للعلمية والعُجْمة، وهذا اسمُه العلم، وأمَّا قيصر !! فهو لقبُ كلِّ من ملك الروم(١)؛ وقد هلك على كفره . وحكى الجوهري وغيرُه في ضبطه [مِزْقِل ] سكون الراء بين كسرتين ، وضُبِط [ هُزْقُل ] بضمَّتين بينهما ساكن. (عَنْهُ) أي: عن النبيِّ (وَ أَبَا سُفْيَانَ): صخرَ بن حرب بن أُمَيّة القرشي الأموي . أسلم يوم الفتح؛ فكان من المؤلّفة قلوبُهم ، ثم حَسُن إسلامه ، وكان رئيسَ قريش ، وأكثرهم مالاً ، وتوفي سنة : أربع وثلاثين ؛ وعمره ثمان وثمانون سنة في المدينة المنورة ، وقصَّة أبي سفيان مع هرقل مشهورةٌ مرويّة في ((الصحيحين)) مفصّلةٌ في أَوَّل باب في (( البخاري)) ؛ وفيها : ( فَقَالَ) أي : هرقل مخاطِباً لأبي سفيان ومَن معه (: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُوْنَهُ ) (١) فيه نظر !! والمعروف أنه لقب ملك الروم أيضاً كما ((قيصر))، ولكن ((هرقل)) خاصٌّ بملك الشام من قِبَلِهم ؛ أي فهو عامل الروم على الشام . فاعلمه . ٥٣٣ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قَالَ : لاَ . وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ لِقُرَيْشٍ : قَدْ كَانَ مُحَمَّدٌ فِيكُمْ غُلاَمَاً حدثاً ؛ - بتشديد التاء المثنّاة الثانية - ( بِالكَذِبِ ) أي : هل كنتم تنسبونه إلى الكذب ؛ ولو بالتهمة ؛ بناءً على المَظِنَّة ( قَبْلَ أَنْ يَقُوْلَ مَا قَالَ ) من دعوى النبوّة والرِّسالة!؟ وإنَّما سألهم عن توقُّم الكذب ؛ ولم يقل ((هل علمتم وتحققتم)) !! لأنَّه يُعلم من انتفاءِ التوهُّم انتفاءُ غيرهٍ بالطريق الأَوْلى . وهذا السؤالُ يدلُّ على كمال عقل هرقل ؛ ومعرفته بصفة الأنبياء ، لكنه لم ينفعه علمُه حيث لم يقترن بعمله ، إذ هلك كافراً على نصرانيته بالقسطنطينية سنة : عشرين بعد فتح عمر رضي الله عنه بلاده . ( قَالَ ) أي أبو سفيان (: لاَ) أي: لا نتَّهِمُه بالكذب قبل ذلك . فقال هرقل : قد عرفتُ أنَّه لم يكن لِيَدَعَ الكذب على الناس ويكذبَ على الله !!. ( وَقَالَ النَّضْرُ ) - بنون مفتوحة فضاد معجمة ساكنة وراء مهملة آخره ـ ( ابْنُ الحَارِثِ ) بنِ علقمة بن كَلَدة - بفتح الكاف - ابن عبد مناف القرشي . وكان شديدَ العداوة للنبي وَّر، أُخِذ أسيراً ببدر؛ فأمر النبيُّ نَّه عليّاً رضي الله عنه فقتله كافراً صبراً بالصّفراء عقب الواقعة . وأمَّا النُّضَير - بالتصغير -! فهو أخوه ، وكان من المؤلَّفةِ، وأُعطيَ يوم حنين مائة من الإبل !! فاحذر أن يَتَصَخَّفَ عليك ؛ كما توهَّم الحلبي !! قاله ملاعلي قاري رحمه الله تعالى . ( لِقُرَيْشٍ ) في حديث رواه ابن إسحاق ، والبيهقيُّ ؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما (: قَدْ كَانَ مُحَمَّدٌ فِيْكُمْ غُلاَماً حَدَثاً ) - بفتحتين -. ٥٣٤ أَرْضَاكُمْ فِيكُمْ ، وَأَصْدَقَكُمْ حَدِيثاً، وَأَعْظَمَكُمْ أَمَانَةً، حَتَّى إِذَا رَأَنْتُمْ فِي صُدْغَيْهِ الشَّيْبَ وَجَاءَكُمْ بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ .. قُلْتُمْ سَاحِرٌ؟! لاَ وَاَللهِ مَا هُوَ بِسَاحِرٍ . قال الجوهري : حدثٌ : شابٌّ ، فإن ذكرتَ السنَّ ؛ قلتَ : حديثَ السنِّ من الحدوث ، لقُرْب عهده بالوجود ( أَرْضَاكُمْ فِيْكُمْ ) أي : ترضون أفعاله وأحواله ، ( وَأَصْدَقَكُمْ حَدِيْئاً) أي: قولاً ووعداً. ( وَأَعْظَمَكُمْ أَمَانَةً .) هذه شهادة العدوِّ؛ فما بالك بغيره !! ؟ ... والفضلُ ما شهدت به الأعداء. ( حَتَّى إِذَا رَأَيْتُمْ فِي صُدْغَيْهِ) - بضم فسكون -: ما بين لحظ العين والأذن ( الشَّيْبَ ) أي : بياض الشعر ، لأن الشعر الذي فيه من أعلى العِذار وجانب الرأس كثيراً ما يبدو فيه الشيب قبلَ غيره، فكَنَّى بذلك عن تمام رجولته وكمالٍ عقله وَّل بمجاوزته سِنَّ الشباب ، وهذا أشدُّ في الإنكار عليهم . ( وَجَاءَكُمْ بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ ) أي : بما أظهر لكم من الحقِّ وكلام الصِّدق ؛ ( قُلْتُمْ) في حقِّه: إنه ( سَاحِرٌ) في غيبته وحضوره ؟! ( لاَ وَاَللهِ؛ مَا هُوَ بِسَاحِرٍ !! ) وهذا منه غاية الإنصاف ، ولكن غَلَبَ عليه الشقاءُ ؛ فقتل صبراً بالصفراء كافراً منصرفَه ◌َ ل من بدر ، كما ذكره الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها ؛ قاله الخَفَاجيُّ على ((الشفاء ». قال : والَّذي قال ((إِنَّه ساحرٌ)) الوليدُ بن المغيرة، وسبب قولِ النَّضر المذكورِ أنَّ أبا جهل لمَّا أراد أن يرضخ رأَس رسول الله وَّهِ بحجر فتَمَثَّلَ له جبريلُ عليه الصَّلاة والسلام ؛ في صورة فَحْل ، فَفَرَّ هارباً ويَبِسَتْ يده على الحجر . فلما سَمِع ذلك النَّضرُ ؛ قال : يا معشرَ قريش .. والله ؛ قد نزل بكم أَمْرٌ ؛ ٥٣٥ وَفِي حَدِيثٍ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - فِي وَصْفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَأَلسَّلامُ - : أَصْدَقُ النَّاسِ لَهْجَةً . ما أَتَيتم فيه بحيلة بَعْدُ !! قد كان فيكم محمَّدٌ .... إلى قوله .. ما هو بساحر ؛ وقد رأينا السَّحَرة نَفْتَهُم وعَقْدَهم !! وقُلتُم : إنَّه كاهِنٌ ، والله ما هو بكاهن ؛ وقد رأينا الكَهَنة ؛ وسمعنا سَجْعَهم !! وقلتم شاعرٌ ؛ واللهِ ما هو بشاعر !! وقد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه: هَزَجِه وَرَجَزه !! وقلتُمْ: مجنونٌ !! لا والله ما هو بمجنون ، فما هو بخنقه ؛ ولا تخليط ؛ ولا وسوسة فانظروا في شأنكم ، فإنَّهُ والله قد نزل بكم أمرٌ عظيم !؟ ( وَفِي حَدِيْثٍ عَلِيٍّ ) بنِ أبي طالب كرَّم اللهُ وجهَه و(رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ؛ فِي وَصْفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلامُ : أَصْدَقُ النَّاسِ لَهْجَةً ) أي : لساناً وبياناً . رواه الترمذيُّ في (( شمائله )). وقد تقدَّم . ٥٣٦ اَلْفَصْلُ الرَّابعُ فِي صِفَةِ حَيَائِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِزَاحِهِ ( الْفَصْلُ الرَّابِعُ ) من الباب الخامس ( فِي) بيانِ ما ورد في ( صِفَةٍ حَيَائِهِ وَ ). والحياءُ - هنا - بالمدِّ، وأمَّا بالقصر !! فهو بمعنى المَطَر ، وكلاهما مأخوذٌ من الحياة، لأنَّ أحَدهما فيه حياةُ الأرض ، والآخر فيه حياةُ القلب . والممدودُ معناه - في اللغة -: تغيُّر وانكسارٌ يعتري الإنسان من خوف ما يُعاب به ، أو يعاتب عليه . ومعناه - في الشرع -: خُلُق يبعث ؛ أي : يحمل مَن قام به على اجتناب القبيح ، ويمنع من التقصير في حقِّ ذي الحقِّ ؛ وهو اللهُ تعالى في حقِّ عباده ، والصديقِ في حقِّ صديقه ، والسيِّدِ فِي حقِّ عبده ... إلى غير ذلك. ولذا جَاء في الحديث: ((الْحَيَاءُ مِنَ الإِيْمَانِ))، و: ((الحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ)) ، و: ((الْحَيَاءُ لاَ يَأْتِي إِلاَّ بِخَيْرٍ)) . وعلى حسب حياة القلب تكون فيه قوَّة خُلُق الحياء ، وقلَّةُ الحياء من موت القلب والروح ، وكُلَّما كان القلبُ حيّاً ؛ كان الحياءُ أتمَّ، ولذا كان تمامُ الحياءِ في المصطفىُّ ◌َّه، إذ لا قلبَ أحيا مِن قلبه ؛ قاله الزرقاني على ((المواهب)) العلاَّمة القُسْطُلأَّني . وقال في ((المواهب)) أيضاً: وللحياءِ أقسامٌ ثمانية يطول استقصاؤها ؛ منها : حياء الكرم ؛ كحيائه وَّر من القوم الذين دعاهم إلى وليمة زينبَ؛ وطوّلوا عنده المقام، واستحيا أن يقول لهم ((انصرفوا)). ومنها حياءُ المحبِّ من محبوبِه ؛ حتَّی إذا خطر على قلبه في حال غيبته هاج الحياءُ من قلبه وأحسّ به في وجهه ، فلا يدري ما سببُه !. ٥٣٧ ومنها حياءُ العبوديّة ؛ وهو حياءٌ يمتزجُ بين محبَّة وخوف ومشاهدةِ عدمٍ صلاحيَّة عبوديَّته لمعبوده ؛ وأنَّ قَدْرَه أعلى وأجلُّ منها ، فعبودِيَّتُه لَهُ توجب استحياءً منه لا محالة . ومنها حياء المرء نفسه ، وهو حياءُ النفوس الشريفة الرفيعة من رضاها لنفسها بالنقص وقَنَعِها بالدُّون ، فيجد نفسَه مستحيياً من نفسه حتَّى كأنَّ له نفسين يستحي بإحداهما من الأخرى ، وهذا أكملُ ما يكون من الحياء . فإنَّ العبدَ إذا استحيا من نفسه ؛ فهو بأن يستحيَ من غيره أجدرُ . انتهى . (وَمِزَاحِهِ) - بكسر أوله - مصدرُ ((مازحه))؛ فهو بمعنى الممازحة ، يقال : مازحه ممازحةً ومِزاحاً ؛ كقاتلهُ مقاتلة وقتالا . والمُزاح - بالضمِّ - مصدرٌ سَمَاعيٌّ ، والقياس الكسرُ ؛ لقول ابن مالك : لِفَاعَلَ الفِعَالُ وَالْمُفَاعَلَةْ وهو الانبساط مع الغير ؛ من غير إيذاء له ، وبه فارقَ الاستهزاءَ والسُّخْرية . وإنَّما كانِّهِ يمزح !! لأَنَّه كان له المهابةُ العُظمىُ ، فلو لم يمازح الناس لَمَا أطاقوا الاجتماع به والتلقِّي عنه . ولذا سُئِل بعض السلف عن مزاحه ؛ فقال : كانت له مهابة ، فلذا كان ينبسط مع الناس بالمداعبة والطلاقة والبشاشة . وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنَّه وَّ كان يمزَحُ؛ ويقول: ((إِنَّ اللهَ لا يُؤَاخِذُ المَزَّاحَ الصَّادِقَ فِي مِزَاحِهِ » . لكن لا ينبغي المداومةُ عليه، لأنَّه يتولَّد عنه الضَّحِكُ ، ويتولَّد عن الضَّحِك قسوةُ القلب ، ويشغل عن ذكر الله تعالى ؛ وعن الفِكر في مهمات الدِّين ، ويَؤُول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء ، لأنه يوجب الحقد ويُسقط المهابةَ، فالإفراطُ فيه منهيٌّ عنه، والمباحُ : ما سَلِم من هذه الأمور، بل إنْ كان لتطبيبٍ نفس المخاطب ومؤانسته؛ كما كان ◌َّر يفعله على نُدُورٍ ؛ فهو سنة . وما أحسن قولَ الإمام الشافعي رحمه الله : ٥٣٨ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اُللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا . بِجِدٍّ وَعَلِّلْهُ بِشَيْءٍ مِنَ المَزْحِ أفِدْ طَبْعَكَ المَكْدُودَ بِالْجِدِّ رَاحَةً بِمِقْدَارِ مَا يُعْطَى الطَّعَامُ مِنَ الْمِلْحِ !! وَلْكِنْ إِذا أَعْطَيْتَهُ المَزْحَ فَلْيَكُنْ انتهى ؛ من الباجوري على ((الشمائل)). (عَنْ أَبِي سَعِيْدٍ الْخُذْرِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) - فيما أخرجه البخاريُّ في ((الصفة النبوية)) و((الأدب))، ومسلم في ((الفضائل))، وابن ماجه في ((الزهد ))، والترمذي في ((الشمائل))؛ (قَالَ ) أي أبو سعيد (: كَانَ رَسُوْلُ اللهِهِ أَشَدَّ حَيَاءٌ) - نصب على التمييز - (مِنَ العَذْرَاءِ) - بفتح العين المهملة وسكون الذال المعجمة والمد - هي البِكْرُ ذات العُذْرة . سمِّيَت بذلك !! لأنَّ عُذْرَتها ؛ وهي جلدةُ البكارة باقيةٌ . وجمعُ العذراء : عَذَارَى - بفتح الراء ، و [ عَذَارِي ] بكسرها -. والعذراء والبِكرُ مترادفان لغةً ، وأمَّا شرعاً : فالعذراءُ أخصُّ من البكر ، لأنَّها مَن لم تزل عُذْرَتُها بشيء ، والبكر مَن لم تَزُل بكارتها بوطءٍ ؛ ولو أزيلت بسَقْطة وَحِدَّةِ حيض ونحوهما . أي : كان حياؤه أبلغَ من حياءِ البنت البكرِ حالَ كونها كائنة . ( فِي خِذْرِهَا ) ، أو الكائنة في خدرها ، فهو حالٌ على الأوَّل ؛ صفةٌ على الثاني . والخِذْر - بكسر الخاء المعجمة ؛ وسكون الدال المهملة -: ستر يُجعل لها إذا شَبَّت وترعرعت لتنفردَ فيه، فمعنى قوله ((في خِذْرها)) ؛ أي : في سِتْرها ، وهو تتميم للفائدة ، فإنَّ العذراء إذا كانت متربَِّة في سترها تكون أشدَّ حياءً ؛ لتستُرها حتَّى عن كثير من النساء ، بخلافها إذا كانت في غيرِ بيتها ، لاختلاطها مع غيرها ، أو كانت داخلةً خارجة، فإنَّها حينئذ تكون قليلةَ الحياء؛ قاله في (( جمع الوسائل )). ٥٣٩ وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيْئاً . . عُرِفَ فِي وَجْهِهِ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ النَّاسِ حَيَاءً ، لاَ يُثَبِّتُ بَصَرَهُ فِي وَجْهِ أَحَدٍ . ومحلُّ وجود الحياء منه : في غير حدود الله ، ولهذا قال للذي اعترف بالزِّنًا : (( أَنِكْتَها )) ؟ لا يكنِّي؛ كما في ((الصحيح)) في (( كتاب الحدود )). ولشِدَّة حيائه وَ ﴿ كان يغتسل من وراء الحجرات ، وما رأى أحدٌ عورته قطُّ . أخرجه البزَّار بسند حسن ؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما ؛ قاله الباجوريُّ، والزرقاني. زاد البخاري من وجه آخر، و(( الشمائل)): ( وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيْئاً عُرِفَ فِي وَجْهِهِ ) لأنَّ وجهه كالشمس والقمر ، فإذا كره شيئاً كَسَا وجهَه ظلٌّ ؛ كالغيم على النَّرین ، فكان لغایة حیائه لا يصرِّحُ بكراهته ، بل إنَّما يُعرف في وجهه ، وكذا العذراء في خِذْرها لا تصرِّح بكراهة الشيء ، بل يعرف ذلك في وجهها غالباً ، وبهذا ظهر وجهُ ارتباط هذه الجملة بالَّتي قبلها . انتهى (( مناوي ، وملا علي قاري )) رحمهما الله تعالى . ( وَ) في ((الإحياء)): (كَانَ وَّلِ أَشَدَّ النَّاسِ حَيَاءً). قال في ((المواهب)): قال القرطبي ؛ أي: في (( شرح مسلم )): الحياءُ المكتسبُ : هو الذي جعله الشارع من الإيمان ، وهو المكلَّف به ؛ دون الغَرِيزي ، غير أنَّ مَن كان فيه غريزةٌ منه ؛ فإنَّها تُعينه على المكتسب حتَّى يكاد يكون غريزة ؛ قال : وكان ◌َّ﴿ قد جُمِع له النوعان؛ فكان في الغريزي أشدَّ حياءً من العذراء في خِدْرها. وقال القاضي عياضٌ في ((الشِّفاء)): ورويَ عنه وَّ أَنَّه كان من حيائه ( لاَ يُثَبِّتُ ) - بضمِّ أوَّله رباعيٌّ ؛ لا بفتحها ثلاثي، لإيهامه العجز - ( بَصَرَهُ ) أي : لا يديم نظره ( فِي وَجْهِ أَحَدٍ )، ولا يتأمَّلُه لاستيلاء الحياءِ عليه . فإثبات البصر بمعنى : إطالة النظر من غير تخلُّل إِغماض الجفن ونحوِه ؛ حتَّى كأنَّ بصره صار قارّاً في المرئيِّ . ٥٤٠