Indexed OCR Text

Pages 461-480

قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ: كَانَ الْخَادِمُ إِذَا أَغْضَبَهُ .. يَقُولُ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَوْلاَ خَشْيَةُ الْقِصَاصِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ..
لأَوْ جَعْتُكَ بِهَذَا السِّوَاكِ )).
وَلَمَّا كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشُجَّ وَجْهُهُ
الكافرَ ، وما قتل بيده أحداً غيره !! بل قال ابن تيمية : لا نعلمُه ضرب بيده أحداً
غيره . انتهى .
(قَالَ أَنَسٌ رَضِي اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: كَانَ الْخَادِمُ إِذا أَغْضَبَهُ يَقُوْلُ وَِّ: (( لَوْلاَ خَشْيَةُ
القِصَاصِ يَوْمَ القِيَامَةِ لأَوْجَعْتُكَ بِهِذَا أُلسِّوَاكِ))). ذكره الشعراني في (( كشف
الغُمَّة )).
( وَ) في ((الشفاء)) و ((المواهب)): رُوي أَنَّ النبيِ وَ (لَمَّا كُسِرَتْ)
- بصيغة المجهول؛ يعني: شطبت ــ (رَبَاعِيَتُهُ بَّر) اليُمنى السفلى وذهبت منها
فَلْقة ،
وهي - بفتح الراء وخِفَّة الموحّدة والمثناة التحتية المفتوحة ؛ بوزن ثمانية -:
السنُّ التي بين الثنية والنّاب . وللإنسان ثنايا أربع، ورباعيات أربع ، وأنيابٌ
أربعة ، وأضراس عشرون .
وكان الذي كَسَرها عتبةُ بن أبي وقَّاص وجَرَح شفته السفلى .
( وَشُجَّ وَجْهُهُ) - بصيغة المجهول - شجَّه عبد الله بن شهاب الزُّهري ؛ قاله
العلامة ملا علي القاري .
وقال الزرقاني : إن الَّذي شجَّ وجهَه عبد الله بن قَمِئة ، ونقل الخفاجيُّ ؛ عن
(( سيرة ابن هشام)) وغيره: أَنْ عتبة بن أبي وقَّاص رماه وَّهَ فَكَسر رَباعِيّه اليمنى
السفلى ، وجرح شفته السُّفلى ، وأن عبد الله بن شهاب الزهري شجَّ وجهه
الشريف ، وأنَّ ابنَ قَمِئة ضربه بالسيف على شِقِّه الأيمن وجَرَح وجنتَه ؛ فَدَخلت
٤٦١

يَّوْمَ أُحُدٍ .. شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِهِ شَدِيداً، وَقَالُوا: لَوْ دَعَوْتَ
عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: ((إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ لَغَاناً؛ وَلَاكِنْ بُعِثْتُ دَاعِياً وَرَحْمَةً ،
حلقتان من المغفر في وجنته الشريفة فنزعهما أبو عبيدة بن الجَرَّاح حتى سقطت
ثَنِيَّه .
وقد اختلف في إسلام عتبةَ بن أبي وقَّاص ؟! والصحيحُ أَنَّه لم يسلم ، وابن
شهاب أسلم . وأَمَّا ابن قَمِئة! فَنَطحه كبشٌ فقتله ، أو فألقاه من شاهق فَهَلك ، ولم
يولد أحد من نسل عتبةَ إِلاَّ أبخرَ أَهتَمَ . فَسَرى خِزْيُه لِعَقِبه . انتهى .
ذكره الخفاجي والقاري في ((شرحيهما))؛ على ((الشفا)) رحمهم الله تعالى.
آمين .
( يَوْمَ أُحُدٍ ) حَتَّى صار الدمُ يسيلُ عَلى وجهه الشَّريف، فصار يُنَشِّفُه ، ويقول :
(( لَوْ وَقَعَ شَيْءٌ مِنْهُ عَلَى الأَرْضِ لَنَزَلَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ مِنَ السَّمَاءِ )).
( شَقَّ ذَلِكَ) المذكور ؛ من الكَسْر والجَرْح والشَجِّ (عَلَى أَصْحَابِهِ ) شقّاً
(شَدِيْداً، وَقَالَوْا) له ◌َِّ (: لَوْ دَعَوْتَ) ؛ أي : اللّهَ (عَلَيْهِمْ) أي : على الكفَّار
بأن يهلِكهُم الله ويستأصِلَهم بأشدِّ العذابِ لأُجيب دعاؤك، أو أنَّ ((لو)) للتمنِّي ؛ فلا
تحتاج لجواب .
( فَقَالَ: ((إِنِّيْ لَمْ أُبْعَثْ) - بالبناء للمجهول - أي: لم يبعثني الله ( لَغَّاناً )
أي : صاحب لعن وطرد عن رحمة الله تعالى ، فالمرادُ نفيُ أصلِ الفعل ؛ نحو ﴿ وَمَا
رَبِّكَ بِظَلٍَّ ﴾ [٤٦/ فصلت] يعني: لو دعوتُ عليهم لبَعُدوا عن رحمة الله تعالى،
ولصرتُ قاطعاً عن الخير مع أنّي لم أُبعث بهذا ، ( وَلَكِنْ يُعِثْتُ دَاعِياً) للناس إلى الله
تعالى ، (وَرَحْمَةً) للناس أجمعين بإخراجهم من الكفر إلى الإيمان ، وبتأخير
العذاب عمن كفر ؛ لا لطردهم من رحمة الله ، وإبعادِهم عنه ، فاللعنُ منافٍ لحالي
فكيف ألعُن ؟ !!.
ثمَّ لم يكتفِ بذلك حتَّى سأل الله تعالى لهم الغفران أو الهداية ، فقال :
٤٦٢

اَللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ » .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْتَصِراً مِنْ مَظْلَمَةٍ ظُلِمَهَا
( اللَّهُمَّ ) ؛ اغفر لقومي ، كما في رواية ، وفي أخرى :
اللَّهُمَّ ( أَهْدِ قَوْمِيْ) بإضافتهم إليه ؛ إظهاراً لسبب شفقته عليهم ، فإنَّ الطبع
البشري يقتضي الحنوَّ على القرابة بأيّ حال، ولأجل أن يبلُغهم ذلك فتنشرحَ
صدورُهم للإيمان . ثمَّ اعتذر عنهم بالجهل ؛ بقوله :
( فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُوْنَ))) طريق الحق؛ ولا معرفة قدر نبيه بَّر ، وما يريد بهم من
الخير ، ولو علموا ذلك لم يصدر عنهم ما صدر .
ولم يقل (( يجهلون)) !! تحسيناً للعبارة ليجذبهم بزمام لطفه إلى الإيمان ،
ويدخلهم بعظيم حِلْمه حَرَم الأمان ، مع أنَّه إنَّما هو جهل حكميٌّ ، وإن لم يكن بعد
مشاهدة الآيات البيّنات عذرٌ، لكنه تضرَّع إلى الله أن يمهلهم حتَّى يكونَ منهم ، أو
من ذريَّتهم مؤمنون، وقد حقَّق الله رجاءَه. انتهى ((زرقاني ، وخفاجي)) .
وقال ملا علي قاري في ((شرح الشفاء)): والحديث رواه البيهقيُّ في (( شعب
الإيمان)) مرسلاً، وآخره موصولاً؛ وهو في (( الصحيح)) حكاية عن نبيٌّ ضربه
قومه . انتهى
( وَ) أخرج البخاريُّ في ((الأدب)) و((الصفة النبوية))، ومسلم في
((الفضائل))، والإمام أحمد، وأبو داود في ((الأدب))، والترمذيُّ في ((الشمائل))
مع مخالفة يسيرة ، وهذا لفظ ((الشمائل)) إلاَّ قوله فَإِنْ كَانَ إِثماً ... إلخ : كلهم ؛
(عَنْ عَائِشَةَ ) أُمِّ المؤمنين (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا؛ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ ) أي :
ما علمت، إذ هو الأنسب بالمقام ( رَسُوْلَ بِّهِ مُنْتَصِراً) ؛ أي منتقماً وناصراً لنفسه
على غيره ( مِنْ ) أجل ( مَظْلَمَةٍ ) - بفتح الميم وكسر اللام، وتفتح - ( ظُلِمَهَا )
- بصيغة المجهول - فلا ينتصرُ لنفسه ممَّن ظَلَمه ، بل كان يعفو عنه ؛ فقد عَفَا عمَّن
٤٦٣

قَطُّ مَا لَمْ يُنْتَهَكْ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ شَيْءٌ ، فَإِذَا أَنْتُهِكَ مِنْ مَحَارِم اُللهِ
شَيْءٌ .. كَانَ مِنْ أَشَدِّهِمْ فِي ذَلِكَ غَضَباً. وَمَا خُيَِّ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلاَّ أَخْتَارَ
أَيْسَرَهُمَا ؛
قال له ((إن هذه القسمةَ ما أريد بها وجهُ الله تعالى)) !! لأجل تأليفه في الإسلام ، مع
عذره ؛ لاحتمال أنَّها جرت على لسانه من غير أن يقصدَ بها الطعنَ في القسمة ،
وقد عفا أيضاً عمَّن رفع صوته عليه ، لكونه طبعاً وسجيّة له ؛ كما هو عادةُ جفاةٍ
العرب . وعمَّن جذَبه بردائه حتَّى أَثَّر في عنقه الشريف ؛ وقال : إنَّكَ لاَ تعطِينِي مِنْ
مالِكَ ، ولاَ مِنْ مالٍ أَبِيْكَ !! فضحك وأمر له بعطاء !! لما كان عليه من مزيد الحلم
والصبر ، والاحتمال ، فلو انتقم لنفسه لم يكن عنده صَبْر ، ولا حلم ،
ولا احتمال ، بل يكون عنده بطشٌ وانتقام .
(قَطُّ ) أبداً ( مَا لَمْ يُنْتَهَكْ ) - مبني للمفعول - أي: يرتكب ( مِنْ مَحَارِمِ اللهِ
شَيْءٌ ) حرَّمه الله ، وهذا كالاستثناء المنقطع ، لأنه في هذه الحالة ينتصر لله ،
لا لنفسه، وإنَّما ناسَبَ ما قبله !! لأنَّ فيه انتقاماً ما في الجملة .
( فَإِذَا أَنْتُهِكَ ) أي : ارتكب ( مِنْ مَحَارِمِ اللهِ شَيْءٌ) حرَّمه اللهُ؛ ( كَانَ مِنْ
أَشَدِّهِمْ) أي: أشدَّهم ((من)) زائدة ( فِي ذَلِكَ) أي: لأجل ذلك ( غَضَباً ) ،
فينتقم ممَّن ارتكب ذلك لصلابته ، فإن العفوَ عن ذلك ضعفٌ ومَهَانة .
ويؤخذ من ذلك : أنَّه يسنُ لكل ذي ولاية التَّخلُّقُ بهذا الخُلُق ، فلا ينتقم
لنفسه، ولا يهملُ حقَّ الله عزَّ وجلَّ. (وَمَا) - رواية الشيخين: وَلاَ - (خُيِّرَ ) بلفظ
المبنيِّ للمجهول ( بَيْنَ أَمْرَيْنِ) أي: من أمور الدنيا ، بدليل قوله: (( ما لم يكن
مأثماً )) لأنَّ أمور الدين لا إثمَ فيها .
( إِلاَّ أَخْتَرَ أَيْسَرَهُمَا ) : أسهلهما وأخفَّهما ، فإذا خَيَّره اللهُ في حقِّ أُمَّته بين
وجوب الشيء وندبه ؛ أو حرمته ؛ أو إباحته اختار الأيسرَ لهم ، وكذلك إذا
خَيَّره اللهُ في حقٌّ أُمَّته بين المجاهدة في العبادة والاقتصاد ، فيختارُ الأسهل لهم ؛
وهو الاقتصاد .
٤٦٤

مَا لَمْ يَكُنْ إِثْماً، فَإِنْ كَانَ إِثْماً .. كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ. وَكَانَ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ ، وَلاَ يَنْتَقِمُ لَهَا، وَإِنَّمَا يَغْضَبُ
إِذَا أَنْتُهِكَتْ حُرُمَاتُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَحِينَئِذٍ يَغْضَبُ ، وَلاَ يَقُومُ لِغَضَبِهِ
شَيْءٌ .
وإذا خَيَّره الكُفَّار بين المحاربة والموادعة ؛ اختار الأخفَّ عليهم ؛ وهو
الموادعة .
وإذا خَيَّره اللهُ بين قتال الكفار وأَخذِ الجزية منهم أختار الأخفَّ عليهم ؛ وهو
أخذ الجزية .
فينبغي الأخذُ بالأيسر ، والميلُ إليه دائماً ، وتركُ ما عَسُر من أمور الدنيا
والآخرة .
وفي معنى ذلك الأخذُ برُخَص اللهِ تعالى ورسوله ورخص العلماء ؛ ما لم يتتبع
ذلك بحيث تنحلُّ رِبْقة التقليد من عُنُقُه ؛ قاله الباجوري رحمه الله تعالى .
( مَا لَم يَكُنْ ) أيسرُها ( إِثْماً) ، وبعضهم جعل الاستثناء منقطعاً ؛ إن كان
التخيير من الله ، ومتَّصلاً ؛ إن كان من غيره ، إذ لا يتصوَّرُ تخيير الله إلاَّ بين
جائزين .
( فَإِنْ كَانَ ) الأيسرُ (إِثْماً؟ كَانَ) وَّهِ ( أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ) ؛ فيختار الأشدَّ
حينئذ .
( وَكَانَ بِّهِ لاَ يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ، وَلاَ يَنْتَقِمُ لَهَا)؛ أي: لا ينتصرُ لها إذا آذاه أحدٌ
من الأعراب وغيرهم ؛ بما يتعلَّق بنفسه .
( وَإِنَّمَا يَغْضَبُ إِذَا أَنْتُهِكَتْ ) : ارتكبت (حُرُمَاتُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَحِيْنَئِذٍ
يَغْضَبُ ) لله تعالى ؛ لا لحظِّ نفسه .
( وَلاَ يَقُوْمُ)؛ من قام: إذا ثبت، أي لا يثبت ( لِغَضَبِهِ شَيْءٌ ) .
٤٦٥

حَتَّى يَنْتُصِرَ لِلْحَقِّ ، وَإِذَا غَضِبَ .. أَعْرَضَ وَأَشَاحَ .
وَالْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ وَالْقَوِيٌّ وَالضَّعِيفُ .. عِنْدَهُ فِي الْحَقِّ سَوَاءٌ.
قَوْلُهُ ( أَشَاحَ ) أَيْ : أَعْرَضَ بِوَجْهِهِ .
والمعنى : لا يقومُ أحدٌ من الخلق لدفع غضبه إذا تعرَّض أحدٌ له في أمرِ ربِّه
( حَتَّى يَنْتَصِرَ لِلْحَقِّ ) ؛ أي : يقوم بنصرة الحقّ فيؤدِّيه ويُبْطل خلافه .
( وَإِذَا غَضِبَ أَعْرَضَ) عمَّن غضب عليه من غير لوم له، لِشدَّة حلمه اَل
( وَأَشَاحَ) - بشين معجمة وحاء مهملة ؛ بينهما ألف - قيل معناه : صرفَ وجهه ،
فهو تأكيدٌ لما قبله ، وقيل معناه : قبض وجهَه وزواه من غير لوم وعقاب ؛ قاله
الخفاجي .
( وَأَلْقَرِيْبُ ) أي : ذو القرابة ( وَأَلْبَعِيْدُ ) أي: الأجنبيُّ، ( وَأَلْقَوِيُّ ) ؛ أي :
القادرُ على أخذ حقُّه، ( وَالضَّعِيْفُ) أي : القاصرُ عن التوصُّل إلى حقِّه كلُّهم
( عِنْدَهُ فِي ألحقِّ سَوَاءٌ) ، فيأخذُ الحقَّ من القويِّ للضعيف ، ومن القريبِ للبعيد ،
وعكسه .
( قَوْلُهُ : أَشَاحَ ) - بشين معجمة وحاء مهملة في آخره - ( أَيْ: أَعْرَضَ بِوَجْهِهِ )
وصفح عنقه عنه ، فهو على هذا تأكيدٌ لما قبله - كما تقدَّم - .
روى الترمذيُّ في (( الشمائل)) في حديث هند بن أبي هالة: « لا تغضبه الدنيا ؛
وما كان منها ، فإذا تُعُدِّي الحقُّ ؛ لم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له ، ولا يغضب
لنفسه ، ولا ينتصرُ لها ، وقد تقدَّم .
ونحوه في (( الشفاء)) وفيه : وإذا غضب أعرض وأشاح .
( وَ) أخرج البخاريُّ، ومسلمٌ، وأبو داود: ثلاثتهم في ((الأدبِ))،
والترمذيُّ في ((البرِّ)) في ((جامعه)) وفي ((شمائله)) مع مخالفة في الألفاظ - وهذا
لفظ ــ (( الشمائل)) :
٤٦٦

وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: أَسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى
رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: ((بِثْسَ أَبْنُ اُلْعَشِيرَةِ»،
أَوْ ( أَخُو الْعَشِيْرَةِ)). ثُمَّ أَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ .. أَلاَنَ لَهُ الْقَوْلَ.
فَلَمَّا خَرَجَ . . قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ قُلْتَ مَا قُلْتَ، ثُمَّ أَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ؟
(عَنْ عَائِشَةَ) أمِّ المؤمنين ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا؛ قَالَتْ: أَسْتَأْذَنَ رَجُلٌ) هو
عيينةُ بن حصن الفَزاريُ الَّذي يقال له ((الأحمق المطاع)) ، وكان إذ ذاك مضمِرَ
النَّفَّاق، فلذلك قال فيه الرسول وَّهِ ما قال ليتَّقي شرَّه، فهو ليس بغيبةٍ، بل نصيحةٌ
للأمّة . ويدلُّ على ذلك أنَّه أظهر الردَّة بعده ◌ََّ ـ كما سيأتي - (عَلَى رَسُوْلِ اللهِ)
أي: في الدخول على رسول الله (وَّةِ وَأَنَا عِنْدَهُ، فَقَالَ)؛ أي: النبي ◌َّ في حقِّ
عيينةَ (: ((بِئْسَ أَبْنُ الْعَشِيْرَةِ))؛ أَوْ ((أَخُوْ اُلْعَشِيْرَةِ)).) هكذا وقع في هذه الرواية
بالشكِّ من الراوي، وفي البخاري: (( بِئْسَ أَخُو الْعَشِيْرَةِ، وَبئسَ أَبْنُ الْعَشيْرةِ))
- بالواو - ومن غير شكِّ ، والشكُّ من سفيان ، فإنَّ جميع أصحاب ابن المنكدر رووه
عنه بدون الشك .
والعشيرةُ : القبيلة ، وإضافةُ الابن أو الأخ إليها كإضافة الأخٍ إلى العرب ؛ في
قوله : (( يَا أَخَا العَرَبِ)) يريدون بذلك واحداً منهم ؛ أي : بئس هذا الرجل من هذه
القبيلة ؛ فهو مذموم متميِّرٌ بالذمِّ من بين آحادها .
( ثمَّ أَذِنَ لَهُ) أي : في الدخول ، ( فَلَمَّا دَخَلَ أَلاَنَ لَهُ القَوْلَ ) أي: لَطَّفَه له
ليتَأَلَّفه ليُسْلِمَ قومُه ، لأنَّه كان رئيسَهم .
وفيه جوازُ مداراة الكافر اتقاء شرِّه ، لا سيَّما إن كان مُطاعاً في قومه ما لم يُؤَدِّ
للمداهنة في الدين .
﴿ فَلَمَّا خَرَجَ قُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ ؛ قَلْتَ مَا قُلْتَ ) أي : قلتَ الَّذِي قلتَه في غيبته
( ثَمَّ أَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ ) ؛ أي : لَطَّفتَ له القولَ عند معاينته ، فهلا سَوَّيتَه بين حضوره
وغيبته ؟! وما السبب في عدم التسوية بين الحالين ؛ كما هو المأمول منك ؟؟ فظهر
٤٦٧

فَقَالَ: « يَا عَائِشَةُ؛ إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ، أَوْ وَدَعَهُ
النَّاسُ اتَّقَاءَ فُحْشِهِ )).
قَالَ فِي ((أَلْمَوَاهِبِ)): ( هَذَا الرَّجُلُ هُوَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ
من هذا أنَّ غرضَها الاستفهامُ عن سبب عدم التسوية بين الحالين كما هو المأمول .
( فَقَالَ : (( يَا عَائِشَةُ؛ إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ - أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ ) شكٌّ
من سفيان، والدَّال مخففة ؛ كما قُرِىء به قوله تعالى ﴿ مَا وَدَعَكَ رَبُّكَ ﴾ شاذّاً،
فلا ينافي قولَ الصرفيين: ((وأَمَاتَ العربُ ماضيَ: يَدَعُ، وَيَذْر)) !! لأنَّ المرادَ
بإماتته ندرَتهُ ؛ فهو شاٌ استعمالاً صحيحٌ قياساً .
قال صاحب ((منظومة الصرف)).
وَقَدْ أَمَاتُوا المَاضِيْ مِنْ يَذَرْ يَدَعْ لَكِنَّ فِي الصُّحىْ قُرِيْ بِمَا وَدَعْ
( إِنْقَاءَ فُحْشِهِ)) ) أي : لأجل اتقاء قبيح قوله وفعله ، أو لأجل اتقاءِ مجاوزته
الحدَّ الشرعي ؛ قولاً ، أو فعلاً .
وحاصل ما أجابها به عليه الصلاة والسلام : أنَّه ألانَ له الكلام في الحضور
لا تقاء فحشه ؛ كما هو شأن جفاة العرب، لأنَّه لو لم يُلِنْ له الكلام لأفسد حَال
عشيرته ، وزيَّن لهم العصيانَ ، وحثَّهم على عدم الإيمان ، فإلانةُ القول له من
السياسة الدينية والمصلحة للأمّة المحمَّدية .
وبالجملة؛ فقد كَمَّل اللهُ نبيَنَا وَّهِ فِي كَلِّ شَيءٍ.
ومن جملة ذلك تأليفه لمن يخشى عليه ؛ أو منه ، فكان يتألّفُهم ببذل الأموال
وطلاقةِ الوجه ، وشفقةً على الخلق وتكثيراً للأُمَّة ، كيف لا ؛ وهو نبيُّ الرَّحمة ؟!
وقد جمع هذا الحديث علماً وأدباً ؛ فتنبَّه لذلك .
( قَالَ) العلاَّمة شهابُ الدِّين أبو العِبَّاس القُسْطُلَّني (فِي «المَوَاهِبٍ )
اللَّدُنيَّة))؛ نقلاً عن ابن بَطَّال (: هَذَا الرَّجُلُ) المبهَمُ في الحديث ( هُوَ عُبَيْنَهُ بْنُ
حِصْنٍ ) - بكسر الحاء المهملة وإسكان الصاد المهملة - ابن حذيفة بن بدر
٤٦٨

اُلْفَزَارِيُّ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: ( الأَحْمَقُ الْمُطَاعُ ) .
وَقَدْ كَانَتْ مِنْهُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَعْدَهُ أُمُورٌ تَدُلُّ
عَلَىْ ضَعْفِ إِيمَانِهِ ، فَيَكُونُ مَا وَصَفَهُ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ مِنْ
عَلَاَمَاتِ النُّوَّةِ . وَأَمَّا إِلاَنَهُ أَلْقَوْلِ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ.
( الفَزَارِيُّ) - نسبة إلى بني فزارة : قبيلة مشهورة - وكذا فَسَّره به القاضي عياضٌ،
والقرطبيُّ ، والنوويُّ جازمين بذلك .
( وَكَانَ يُقَالُ لَهُ ((الأَحْمَقُ) - فاسد العقل - ( المُطَاعُ)) ) !! لأنَّه كان يتبعه من
قومه عشرةُ آلافٍ قناةٍ لا يسألونه ((أين يريد )).
ومن حُمْقه أَنَّه دخل على النبي ◌ِّهِ وعائشة عندَهُ قبل نزول الحجاب ؛ فقال :
من لهذه؟ قال: ((عَائِشَةُ)). قال: ألا أَنزلُ لك عن أُمِّ البنين ؟! فغضبت عائشة ؛
وقالت: مَن هذا؟! فَقَالِوَلِ: ((هذا الأحْمَقُ المُطَاعُ)) يعني : في قومه . رواه
سعيد بن منصور .
وروى الحارثُ بنُ أبي أُسامة هذا الحديث مرسلاً؛ وفيه: ((إنَّه مُنَافِقٌ أُدَارِئِهِ
عَنْ نِفَاقِهِ ، وأَخْشَىْ أنْ يُفْسِدَ عَلَيَّ غَيْرَهُ)) .
( وَقَدْ كَانَتْ مِنْهُ فِي حَيَاةِ النَّبِّ وَّهِ وَبَعْدَهُ أُمُوْرٌ تَدُلُّ عَلَىْ ضَعْفِ إِيْمَانِهِ ) ؛
كدخوله على المصطفى بلا إذن، فقال له: «أُخْرُجْ فَأَسْتَأْذِنْ)) !. فقال: إنَّها يميزٌ
عليَّ أن لا أستأذِنَ علىُ مُضَرِيٍّ .
وقولهُ لعمر في خلافته : ما تُعطي الجزل ، ولا تحكم بالعدل . فغضب ؛ فقال
له الحُرُّ بن قيس: إنَّ الله يقول ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُنْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِلِن
١٩٩
[الأعراف] فتركه عمر رضي الله عنه .
ودخل على عثمانَ فأغلظ له ؛ فقال عثمان : لو كان عمر ما أقدمتَ عليه .
( فَيَّكُوْنُ مَا وَصَفَهُ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ مِنْ عَلَاَمَاتِ النُّبُوَّةِ ) .
(وَأَمَّا إِلاَنَةُ الْقَوْلِ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ ) عَلَى المصطفى ◌َّر في المحلِّ الذي كان فيه !!
٤٦٩

فَعَلَى سَبِيلِ الإِثْتِلاَفِ وَالْمُدَارَاةِ. وَهِيَ مُبَاحَةٌ، وَرُبَّمَا أَسْتُحْسِنَتْ
بِخِلاَفِ الْمُدَاهَنَةِ .
وَأَلْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُدَارَاةَ: بَذْلُ الدُّنْيَا لِصَلاَحِ الدُّنْيَا أَوِ الدِّينِ ،
أَوْ هُمَا مَعاً .
( فَعَلَى سَبِيْلِ أَلاثِلاَفِ وَالمُدَارَاةِ، وَهِيَ مُبَاحَةٌ، ورُبَّمَا أُسْتُحْسِنَتْ ) ؛ فكانت
مستحبَّةً ، أو واجبة .
وللديلميِّ في ((الفردوس))؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعاً: ((إنَّ
اللهَ أَمَرَنِي بِمُدَارَاةِ النَّاسِ ؛ كَمَا أَمَرَنِي بِإِقَامَةِ الْفَرَائِضِ » .
ولا بن عديٍّ ، والطَّراني؛ عن جابر رفعه: ((مَدَارَاةُ النَّاسِ صَدَقَةٌ )) .
وفي حديث أبي هريرة: (( رأسُ العَقْلِ بَعْدَ الإِيْمَانِ بِاللهِ مُدَارَاهُ النَّاسِ ».
أخرجه البيهقي بسند ضعيف، وعزاه في (( فتح الباري)) للبزَّار! وتعقبهُ الحافظ
السَّخاويُّ؛ بأن لفظ البزار ((التَّوَدُّدُ إِلى النَّاسِ)) بَدَل ((مُدارَاةُ النَّاسِ)) !!. انتهى.
( بِخِلاَفِ المُدَاهَنَةِ ) في الدين ؛ فليست مباحةً ، بل محرّمةٌ .
وفي ((شرح القاموس)): المداهنةُ المصانعة؛ كما في ((الصحاح)) ، وقيل :
إظهارُ خلافٍ ما يضمر ؛ كالادِّهان. ومنه قوله تعالى ﴿وَدُواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْ هِنُونَ
٩
[القلم]. وقال الفَرَّاء: يعني وَدُّوا لو تكفر فيكفرون. وقال ــ في قوله تعالى ﴿أَفَهَذَا
جَ﴾ [الواقعة] - أي: تُكذِّبون. ويقال: كافرون . وقيل : معناه
الْحَدِيثِ أَنْتُم مُدْهِنُونَ
وذُّوا لو تلينُ في دينك فيلينون .
وقال قوم : المداهنةُ المقاربةُ ، والادِّهان الغش ؛ نقله الجوهري . انتهى ملخصاً .
( وَأَلْفَرْقُ بَيْنَهُمَا) أي: بين المداراة والمداهنة (: أَنَّ المُدَارَاةَ بَذْلُ الدُّنْيَا
لِصَلاَحِ الدُّنْيَا أَوْ ) لصلاح ( الدِّيْنِ، أَوْ هُمَا ) أي : الدين والدنيا ، أي لصلاحهما
( مَعاً ) ، أو لسلامة عرضه من مذمَّةِ أهلِ الشرِّ .
٤٧٠

وَالْمُدَاهَنَةُ : بَذْلُ الدِّينِ لَصَلاَحِ الدُّنْيًا .
وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا بَذَلَ لَهُ مِنْ دُنْيَاهُ حُسْنَ عِشْرَتِهِ
وَالرِّفْقَ فِي مُكَالَمَتِهِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَمْدَحْهُ بِقَوْلٍ ، فَلَمْ يُنَاقِضْ قَوْلُهُ
فِيهِ فِعْلَهُ، فَإِنَّ قَوْلَهُ فِيهِ حَقٌّ، وَفِعْلَهُ مَعَهُ حُسْنُ عِشْرَةٍ، وَقَدِ ارْتَدَّ
عُيَيْنَةُ فِي زَمَنِ الصِّدِّيقِ وَحَارَبَ ،
وفي الحديث : (( مَا وَقَى بِهِ المَرْءُ عِرْضَهُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ)) ، فإذا استكفى الإنسان
ما يخافه من شرِّ الأشرار بما لا يضرُّه في دينه ؛ لم يكن عليه في ذلك جُنَاح ؛ إن
شاء الله تعالى ، وهذا إنَّما يكون عند الابتلاء بالأشرار .
ومن البذل لينُ الكلام ، وترك الإغلاظ في القول ، والرفقُ بالجاهل في
التعليم ؛ والفاسقِ في النهي عن فعله وتركِ الإغلاظ عليه ؛ حيث لم يظهر ما هو
فيه ، والإنكار عليه بلطف حتَّى يرتدع عمَّا هو مرتكِبُه، فكلُّ هذا من أنواع
المداراة .
( وَ) أما (أُلمُدَاهَنَةُ)! فهي (: بَذْلُ الدِّيْنِ لِصَلاَح الدُّنيَا) ، كأن يترك الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر ، لكون مرتكب ذلك يعطيه شيئاً من الدنيا ، وذلك
واقعٌ كثيراً ، وقلَّما فعل ذلك أحدٌ ؛ إِلاَّ أذلَّه الله وأهانه، وسلَّط عليه النَّاس وحُرِم
ممَّا يرجوه منهم. ( وَالسَّبِيُّبَّهِ إِنَّمَا بَذَلَ لَهُ مِنْ دُنْيَاهُ حُسْنَ عِشْرَتِهِ، وَالرِّفْقَ فِي
مُكَالَمَتِهِ ) ، وليس ذلك من بذل الدین في شيء !!
( وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَمْدَحْهُ بِقَوْلٍ! فَلَمْ يُنَاقِضْ قَوْلُهُ فِيْهِ فِعْلَهُ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ فِيْهِ ) (( بئسَ
أَبْنُ العَشيْرَةِ)) ( حَقٌّ، وَفِعْلُهُ مَعَهُ حُسْنُ عِشْرَةٍ ) ، فيزول مع لهذا التقرير الإشكال
الَّذي هو : أن النصيحة فرضٌ ؛ وطلاقةُ الوجه وإِلانةُ القول يستلزمان التركَ !؟
وحاصل جوابه : أنَّ الفرض سقط لعارضٍ .
ولله الحمدُ على فهمه ، ما ظاهره يشكل علينا فَفَهْمُهُ من النِّعَمْ .
قال في ((فتح الباري )) : ( وَقَدِ أَرْتَذَّ عُيَيْنَةُ فِي زَمَنِ الصِّدِّبْقِ وَحَارَبَ ) ، وبايع
٤٧١

ثُمَّ رَجَعَ وَأَسْلَمَ ، وَحَضَرَ بَعْضَ اُلْفُتُوحِ فِي عَهْدِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى
عَنْهُ ) أنْتُهَى.
وَقَالَ ابْنُ الأَثِرِ
طُلَيْحَةَ . قال بعضهم : فجيءَ به إلى الصدِّيق أسيراً ؛ فكان الصبيانُ يصيحون عليه
في أزِقَّة المدينة ، ويقولون : هُذا الَّذي خرج من الدين ؟! فيقول لهم : عمُّكم لم
يدخل حتَّى خرج، فكان ذلك القولُ عَلَماً من أعلام نبوَّته وَّهِ ومعجزةً من معجزاته
حيث أشار لمُغَيَّب يقع ؛ لكنه كما قال .
( ثُمَّ رَجَعَ وَأَسْلَمَ ) بعد ذلك وحَسُن إسلامه، ( وَحَضَرَ بعْضَ الفُتُوْحِ فِي عَهْدِ
عُمَرَ ) بن الخطاب (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ. أَنْتَهَى) أي كلام ((المواهب))؛ مع
(( شرحه من الزرقاني)) .
( وَقَالَ ) الإمام العلاَّمة المحدِّث المؤرِّخُ النَّسَّابةُ أبو الحسن عليّ بن أبي الكرم
محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني المعروف بـ (( ( أَبْنِ
الأَثِيْرِ ) )) الجزري الملقَّب ((عز الدين)).
ولد بالجزيرة ؛ أي : جزيرة ابن عمر سنة : خمس وخمسين وخمسمائة ، ونشأ
بها وسكن الموصل ، وتجوّل في البلدان ، وعاد إلى الموصل ولزم بيتَه متوفّراً على
النظر في العلم والتَّصنيف ، وكان بيتُه مجمعَ الفضل لأهل الموصل والواردين
عليها .
وكان إماماً في حفظ الحديث ومعرفته ، وما يتعلَّق به ، وحافظاً للتواريخ
المتقدِّمة والمتأخرة ، وخبيراً بأنساب العرب ووقائعهم وأخبارهم .
قال ابن خَلِّكان : واجتمعتُ به فوجدتُه رجلاً مكمَّلاً في الفضائل وكرم
الأخلاق ، وكثرة التواضع ؛ فلازمت التَّرداد عليه ، وكان بينه وبين الوالد مؤانسةٌ
أكيدة ، فكان بسببها يبالغ في الرعاية والإكرام لي .
ومن مؤلَّفاته كتاب (( الكامل في التاريخ)) ، وهو من خيار التواريخ مرتَّب على
٤٧٢

فِي كِتَابِهِ ((أُسْدُ الْغَابَةِ ))، فِي آخِرٍ تَرْجَمَةِ مَخْرَمَةَ بْنِ نَوْفَلٍ
رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: (رَوَى النَّصْرُ بْنُ شُمَيْلِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو
عَامِرٍ الْخَزَّازُ ،
السنين ، بلغ فيه عام : تسع وعشرين وستمائة . وأكثر من جاء بعده من المؤرخين
عیالٌ على كتابه .
ومنها كتاب ((اللباب في مختصر ((الأنساب)) لابن السمعاني، و((أسدُ الغابة
في معرفة الصحابة))، و((تاريخ الدولة الأتابكيَّة))، وغيرها .
وكانت وفاته سنة : ثلاثين وستمائة هجرية رحمه الله تعالى .
والجزيرة التي ينسب إليها هي جزيرة عبد العزيز بن عمر رجلٌ من
أهل ((برقعيد))؛ من أعمال الموصل بناها فأُضيفت إليه . وقيل غير ذلك .
ذكره ابن خَلِكان في (( تاريخه )) (١) رحمه الله تعالى .
( فِي كِتَابِهِ ((أُسْدُ الغَابَةِ ) في معرفة الصحابة )» ( فِي آخِرِ تَرْجَمَةِ مَخْرَمَ بْنِ
نَوْفَلٍ ) القُرَشِيِّ الزُّهري . صحابي شهيرٌ من مُسْلِمة الفتح، وكان له سِنِّ عاليةٌ وعِلْمٌ
بالنسب ، فكان يؤخَذُ عنه ، وعِلْم بأنصاب الحرم ، فبعثَهُ عُمر فيمن بعثه لتحديدها ،
ومات سنة : أربع - أو : خمس - وخمسين ، عن مائة وخمس عشرة سنة .
(رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: رَوَى النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ ) - بالتصغير - المازني، أبو
الحسن البصري ؛ ثم الکوفي النحوي شیخُ مرو رَوی عن حمید ، وبهز بن حکیم ،
وابن عون ، وشعبة . وعنه يحيى بن يحيى ، وإسحاق ، والكوسج، وثَّقْهُ
النَّسائيُّ، وأبو حاتم ، وابن مَعِيْن .
قال محمد بن قهزاذ مات سنة : ثلاث ومائتين .
( قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرِ الخَزَّازُ) - بمعجمات -: صالح بن رستم المُزَني
(١) وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان .
٤٧٣

عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَ مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ ، فَلَمَّا
سَمِعَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْتَهُ .. قَالَ: ((بِثْسَ أَخُو
اُلْعَشِيرَةِ)). فَلَمَّا جَاءَ .. أَدْنَاهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ قُلْتَ لَهُ مَا
قُلْتَ ، ثُمَّ أَنْتَ لَهُ أَلْقَوْلَ؟
(( مولاهم)) ، البصري صدوق كثيرُ الخطأ .
قال أحمد بن حنبل : صالح الحديث ، وضعَّفه ابن معين ، وأبو حاتم . ووثقَّه
أبو داود الطيالسيُّ، وأبو داود ، وابن حِبَّان، وأبو أحمد ابنُ عدي وغيرهم .
ومات سنة : اثنتين وخمسين ومائة .
( عَنْ أَبِيِ يزِيْدَ المَدَنِيِّ ) ؛ ثم البصري ، روى عن أبي هريرة ، وأسماء بنت
عُمَيس ، وعنه أيوب ، وجرير بن حازم ؛ وثَّقه ابنُ معين ، وقال أبو حاتم :
لا يسمَّى ويكتب حديثه . وقال أبو زرعة : لا أعرف اسمه .
( عَنْ عَائِشَة) أمَّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها ؛ ( قَالَتْ : جَاءَ مَخْرَمَةُ بْنُ
نَوْفَلٍ ) القرشيُّ الزُّهري يستأذن، (فَلَمَّا سَمِعَ النَّبِيُّ) تَرِ (صَوْتَهُ؛ قَالَ: (( بِئْسَ
أَخُوْ اُلعَشِيرةِ)))؛ أي: الواحد منها. يقال ((هو أخو تميم))؛ أي : واحد منهم ،
والمراد بالعشيرة : الجماعةُ من الناس ؛ لا واحد لها من لفظها . أو القبيلة ؛ قاله
عياض .
وقال غيره : العشيرةُ الأدنى إلى الرجل من أهله وهم وَلَد أبيه وجدِّه .
وللعشيرة ثلاثةُ إطلاقات .
(فَلَمَّا جَاءَ أَدْنَاهُ ) ؛ أي : قرَّبه ولاطفه وألانَ له القول .
( فَقُلْتُ : يَا رَسُوْلَ اللهِ ؛ قُلْتَ لَهُ) ؛ أي: لأجله ؛ وفي شأنه ، لا أنَّه
خاطبه !! لفساد المعنى ( مَا قُلْتَ ) أي : الذي قلتَه في غيبته ، ( ثُمَّ ) في حضوره
( أَلَنْتَ لَهُ أَلْقَوْلَ ) ؛ أي : لَطَّفت له القول ؟!
٤٧٤

فَقَالَ: ((يَا عَائشَةُ؛ إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتَّقَاءَ
فُحْشِهِ )) . أَخْرَجَهُ الثَّلاثَةُ.
قَالَ: وَكَانَ مَخْرَمَةُ هَذَا مِنْ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَكَانَ فِي لِسَانِهِ
فَظَاظَةٌ ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَّقِي لِسَانَهُ ) أَنْتُهَى.
( فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ؛ إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ إِنَّقَاءَ فُحْشِهِ))) أي :
لأجل اتقاءٍ قبيحٍ قوله وفعله .
( أَخْرَجَهُ الثَّلاثَةُ) لم أره فيها ! وعزاه في (( المواهب)) إلى عبد الغني بن
سعيد !! ولم يتعقَّبْه الزَّرقاني !! فلو كان موجوداً في الكتب الثلاثة لما سكت
الزرقاني على عزوه لعبد الغني بن سعيد : كما هي عادتهُ رحمه الله تعالی !!
( قَالَ ) أي ابنُ الأثير (: وَكَانَ مَخْرَمَةُ هَذَا مِنَ المُؤَلَّفَةِ قُلُوْبُهُمْ) ، أعطاه
النبي ◌َّ من غنائم حنين خمسينَ بعيراً ؛ قاله الواقدي .
( وَكَانَ فِي لِسَانِهِ فَظَاظَةٌ ) ؛ أي : خشونة في كلامه .
وفي البخاريّ ؛ عن المِسْوَر بن مخرمةَ أَنَّ أباه ؛ قال له : يا بُنَيَّ ؛ بلغني أنَ
النبيِ وَّرَ قدمتْ عليه أقبيةٌ؛ وهو يقسمُها فاذهب بنا إليه. فذهبنا فوجدنا النبي ◌َّ
في منزله ؛ فقال: يا بُنَّيَّ؛ ادعُ لي النبيَّ نَِّ فأعظمتُ ذلك؛ وقلت : أدعو لك
رسولَ الله ◌ٍَّ؟ !! فقال: يا بُنيَّ إنَّه ليس بجبَّار! فدعوته، فخرج وعليه قَبَاءٌ من
ديباج مزرَّر بالذَّهب. فقال: ((يَا مَخْرَمَةُ ؛ هذا خَبَّْنَاهُ لَكَ )) . فأعطاه إيَّه.
قال الحافظ ابنُ حجر : وللحديث طُرُق ؛ عن ابن أبي مُلَيْكَة . وفي بعضها أَنَّه
قال النبي ◌َّهُ : ما كنتُ أرى أن تقسم في قريش قسماً فتخطِئَني .
( وَ) عند البغوي وأبي يعلى؛ من طريق صالح بن حاتم بن وردان ؛ عن أبيه ؛
عن أيوب ؛ عن ابن أبي مُلَيكة نحو الأول . وزاد : قلت لحاتم : لم فعل ذلك ؟!
قال: (كَانَ النَّبِيُّ وَهِ يَتَّقِيْ لِسَانَهُ) أي: خشونة لهمسانه. ( إِنْتَهَى) ؛ أي: كلامُ ابن
الأثير رحمه الله تعالى .
٤٧٥

وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَاذَكَرَهُ أَبْنُ الأَثِيرِ مِنْ أَنَّ صَاحِبَ هَذِهِ الْقِصَّةِ هُوَ
مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ هُوَ الصَّحِيحُ ، أَوْ : تَكَّرَرَتْ.
وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ [َرَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ] قَالَ: قَالَ الْحُسَيْنُ :
سَأَلْتُ أَبِي عَنْ سِيرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جُلَسَائِهِ . . فَقَالَ :
كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَائِمَ الْبِشْرِ ، سَهْلَ الْخُلُقِ ،
قال المصنف : ( وَأَلظَّاهِرُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ أَبْنُ الأَثِيْرِ) في (« أسد الغابة » ( مِنْ أَنَّ
صَاحِبَ هَذِهِ القِصَّةِ ) الأخيرة ( هُوَ مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ هُوَ ) القولُ ( الصَّحِيْحُ ) ، لأن
في هذه الرواية التصريحَ بتسميته ! وإن كان في سَنَدَه راويان : أبو يزيد ،
وأبو عامر ؛ وفيهما مقالٌ ـ كما علمت -
لكن قال الخطيب والقاضي عياض وغيرُهما : الصحيحُ أَنَّه عيينةُ. قالوا :
ويَبْعُد أن يقول ◌ََّ في حقِّ مخرمةَ ما قال ، لأنَّه كانَ من خيارِ الصحابة .
( أَوْ ) يقال: إنَّ القصة تعذَّدت ؛ أي ( تكَرَّرَتْ ) !!
قال الحافظ ابن حجر : يحمَلُ ذلك على التعدُّد . وقد حَكَى المنذريُّ القولين ؛
فقال : هو عيينة ، وقيل : مخرمةُ . وهو الراجحُ . انتهى
( وَ) أخرج الترمذيُّ في ((الشمائل)) بسند فيه راوٍ لم يسمَّ (عَنِ الحَسَنِ) السِّبطِ
( بْنِ عَلِيٍّ) بنِ أبي طالب ؛ (قَالَ) أي الحسن (: قَالَ الحُسَيْنُ ) السِّبْطُ أخو الحسن
(: سَأَلْتُ أَبِي) هو عليُّ بنُ أبي طالب (عَنْ سِيْرَةٍ) - بكسر السين - (الَّبِيِّ ◌ََّ)
أي: طريقته ودأبه ( فِي جُلَسَائِهِ ) ؛ أي : معهم ( فَقَالَ:
كَانَ رَسُوْلُ اللهِ بَّرِ دَائِمَ البِشْرِ) - بكسر الموخَّدة وسكون الشين المعجمة -
أي : طلاقة الوجه وبشاشته ظاهراً مع الناس ، فلا ينافي أنَّه كان متواصلَ الأحزان
باطناً ؛ اهتماماً بأهوال الآخرة ؛ خوفاً على أُمَّته ، فلم يكن حزنُه لفوت مطلوب ، أو
حصول مكروه من أُمور الدُّنيا ؛ كما هو عادةُ أبناء الدنيا .
( سَهْلَ الْخُلُقِ ) - بضمَّتين - أي: ليَِّه ليس بصعبه ؛ ولا خَشِنَه ، فلا يصدر عنه
٤٧٦

لَيِّنَ الْجَانِبِ، لَيْسَ بِفَظُّ وَلاَ غَلِيظِ ، وَلاَ صَخَّابٍ وَلاَ فَخَاشٍ ، وَلاَ
عَيَّابٍ ، وَلاَ مُشَاعٍ ،
ما يكون فيه إيذاءٌ لغيره بغير حقِّ .
( لَيِّنَ ) - بتشديد التحتية المكسورة - ( الجَانِبِ )؛ أي : سريع العطف كثير
اللُّطف ، جميل الصفح مع السكون والوَقَار والخشوع والخضوع وعدم الخِلاف .
( لَيْسَ بِفَظُّ) - بفتح الفاء وتشديد الظاء المشالة - ( وَلاَ غَلِيْظِ ) أي: ليس بسيٍِّ
الخُلُق ولا غليظ القلب ؛ بحيث يكون جافيَ الطبع قاسي القلب ، قال تعالى ﴿ وَلَوْ
كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكٌ ﴾ [١٥٩/ آل عمران] .
وهذا قد عُلِم من قولِه سهل الخُلُق ، لكن ذُكِر تأكيداً ومبالغة في المدح ،
والمراد أَنَّه كذلك في حقِّ المؤمنين ، فلا ينافي قوله تعالى ﴿ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾
[٧٣/ التوبة]، لأنَّه في الكُفَّار والمنافقين ؛ كما هو مصرَّحٌ به في الآية .
( وَلاَ صَخَّابٍ ) - بالصاد المهملة وتشديد الخاء المعجمة -، أي: ذي صَخَب
- بالصاد أو بالسين - فهو صيغةُ نَسَبٍ فيفيدُ نفي أصل الصخب كما مرَّ ( وَلاَ فَخَاشٍ )
أي : ليس بذي فُحش ، فهو صيغة نسبٍ أيضاً ، فيفيدُ نفيَ أصل الفُحْش قليله ؛
فضلاً عن كثيره .
( وَلاَ عَيَّابٍ ) - بالعين المهملة - أي: ليس بذي عيب ، فهو صيغةُ نسب؛ كما
في الَّذي قبله . في (( الصحيحين )) : ما عابَ طعاماً قطّ .
وهذا بالنسبة للمباح ؛ فلا ينافي أنَّه كان يعيبُ المحرّم وينهى عنه .
ويؤخذ منه : أنَّ من آداب الطعام أن لا يعاب ؛ كمالح ، حامض ، قليل
الملح ، غير ناضج ، ونحو ذلك کما صرّح به النووي - وقد تقدَّم -.
( وَلاَ مُشَاحٌ) - بضم الميم وتشديد الحاء المهملة - اسم فاعل من المشاحَّة ؛
وهي المضايقة في الأشياء ، وعدم المساهلة فيها ؛ شُحّاً بها وبُخلاً فيها، فالمراد أَنَّه
لا يضايق في الأمور ، ولا يجادِل ، ولا يناقِشُ فيها .
٤٧٧

يَتَغَافَلُ عَمَّا لَا يَشْتَهِي ؛ وَلاَ يُؤْيِسُ مِنْهُ ، وَلاَ يُجِيبُ فِيهِ ،
وفي بعض نسخ ((الشمائل)) المصحَّحة، ولا مَدَّاحِ ؛ أي : ليس مبالغاً في
مدح شيء ، لأنَّ ذلك يدلُّ علىْ شَرَهِ النََّس ؛ أي : شِدَّةً تعلُّقها بالطعام ، فلذلك
رُوي أَنَّ ما عاب طعاماً وَلا مَدَحَهُ ؛ أي : على وجه المبالغة لوقوع أصله منه
أحياناً .
وفي بعض النسخ : ((ولا مَزَّاحِ )) ؛ أي : ليس مبالغاً في المزح . لوقوع أصله
منه وَل أحياناً.
( يَتَغَافَلُ عَمَّا لاَ يَشْتَهِيْ )؛ أي : يظهر الغفلة والإعراض عمَّا لا يستحسنه من
الأقوال والأفعال ؛ تلطفاً بأصحابه ورفقاً بهم .
( وَلاَ يُؤْيِسُ مِنْهُ) - بضمِّ الياء وسكون الهمزة وكسر الياء الثانية -، وفي نسخة
من (( الشمائل)): وَلاَ يُؤْتسُ منه - بسكون الواو بعدها همزة مكسورة ؛ أي :
لا يجعل غيره آيساً مما لا يشتهيه ، ولا يقطع رجاءَهُ منه ، فالضميرُ المجرورُ في
(( منه)) عائدٌ على ما لا يشتهيه، ويحتمل أنَّه راجع إلى النَّبِيِّ وَّر؛ أي: لا يجعل
غيرَه الرَّاجي له آيساً من كرمه وجوده .
ويؤيِّد الاحتمال الأوَّل قولُه: (وَلاَ يُجِيْبُ فِيْهِ) - بالجيم - فإنَّ الضمير المجرور
بـ ((في )) عائدٌ لما لا يشتهي ، أي : إذا طلب منه غيره شيئاً لا يشتهيه لا يُؤْيِسُهُ منه،
ولا يجيبه فيه ؛ بل يسكت عنه ؛ عفواً وتكرّماً .
وقيل : المعنى لا يجيب مَن دعاه إلى ما لا يشتهيه من الطعام ، بل يردُّ الداعي
بميسور من القول .
ويؤيِّدُ الاحتمال الثاني ما في بعض نسخ ((الشمائل)) من قوله (( وَلاَ يُخَيِّبُ فِيْه ))
- بفتح الخاء المعجمة وتشديد الياء التحتية - ؛ من التخييب ، فإنَّ الضمير المجرور
بـ ((في )) راجعٌ للنبي ◌َّر .
وفي نسخة من ((الشمائل)): و((لا يُخيْب)) - بكسر الخاء المعجمة وسكون
٤٧٨

قَدْ تَرَكَ نَفْسَهُ مِنْ ثَلاَثٍ: أَلْمِرَاءُ، وَأَلإِكْثَارُ، وَمَا لاَ يَعْنِيهِ، وَتَرَكَ
أُلنَّاسَ مِنْ ثَلاَثٍ :
الياء المثناة - وهي بمعنى التي قبلها . أي : لا يخيب الراجي فيه ؛ أي : المترجِّي
منه شيئاً من أمور الدُّنيا والآخرة ، بل يحصل له مطلوبُه ، وفي بعض الرِّوايات :
((يتغافل عمَّا يشتهى. بحذف ((لا)) النَّافية.
ومعناه أنَّه لا يتكلَّف تحصيلَ ما يشتهيه من الطعام .
ويؤيده خبرُ عائشة رضي الله تعالى عنها المارّ : كان لا يسأل أهلَه طعاماً
ولا يتشهاه ، فإنْ أَطعموه أَكَل ، وما أطعموه قَبِل .
( قَدْ تَرَكَ نَفْسَهُ)؛ أي: منعها ( مِنْ ثَلاَثِ) خصال مذمومة، فَضَمَّن ((ترك))
معنى (( مَنَعَ))؛ فعدَّاه بـ (( من )) ؛ وأبدل من ثلاثٍ قولَه
(: ١ - المِرَاءُ) وما بعده، وهو بكسر الميم وبالمدِّ؛ أي: الجدال ، ولو
بحقِّ لحديثِ: (( مَنْ تَرَكَ المِرَاءَ وَهُوَ مُحِقٌّ بَنَى اللهُ لَهُ بَيْئاً فِي رَبَضٍ أَلجَنَةِ » .
وفي نسخة من ((الشمائل)) بدلَه ((الرياء))؛ وهو: أن يعمَل ليراه النَّاسُ.
(٢ - وَأَلإِكْثَارُ) - بالمثلثة - أي : الإكثار من الكلام ، أو من المال .
وفي نسخة من ((الشمائل)) : الإكبار - بالموحدة - أي : استعظامُ نفسه ؛ مِنْ
أكبره : إذا استعظمه. ومنه قولُه تعالى ﴿فَلَمَا رَأَيْنَهُ: أَكْبَرْنَهُ﴾ [٣١/ يوسف] وقيل : جعلُ
الشيء كبيراً بالباطل ، فلا ينافي قوله بَّةِ (( أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلاَ فَخْرٌ)) ونحوه.
(٣ - وَمَا لاَ يَعْنِيْهِ) أي: ما لا يهمُّه في دينه ودنياه كيفاً، وقد قال ◌َ: «مِنْ
حُسْنِ إِسْلاَمِ المَرْءٍ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيْهِ))، وقال تعالى ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ
مُعْرِضُونَ (3﴾ [المؤمنون] .
( وَتَرَكَ النَّاسَ) ؛ أي: ترك ذكرهم (مِنْ) خصال ( ثَلاَثٍ ) مذمومة ؛ فهذه
الثلاث تتعلَّق بأحوال النَّاس، والثلاثة السابقة تتعلَّق بحال نفسه ؛ وإِلاَّ! فهذه الثلاثة
مما ترك نفسه منه أيضاً .
٤٧٩

كَانَ لاَ يَذُمُّ أَحَداً ، وَلاَ يَعِيبُهُ؛ وَلاَ يَطْلُبُ عَوْرَتَهُ، وَلاَ يَتَكَلَّمُ إِلَّ
فِيمَا رَجَا ثَوَابَهُ، وَإِذَا تَكَلَّمَ .. أَطْرَقَ جُلَسَاؤُهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُؤُوسِهِمُ
الطَّيْرُ ،
(١ - كَانَ لاَ يَذُمُّ أَحَداً) ، أي: مواجهةً، ( وَلاَ يَعِيْبُهُ) ؛ أي : في الغَيبة ،
فيكون على هذا تأسيساً(١) ؛ وهو خيرٌ من التأكيد ؛ فهذا أَوْلى مما اختاره ابن حجر
من جعله تأكيداً ؛ نظراً لكون الذمِّ والعَيْب بمعنىٍ واحدٍ .
وفي بعض نسخ ((الشمائل)): ((ولا يعيِّرُهُ)) من التعبير ؛ وهو التوبيخ .
( وَلاَ يَطْلُبُ عَوْرَتَهُ) أي : لا يطلبُ الاطلاعَ على عورةِ أحد ؛ وهي ما يُستحيَا
منه ؛ إذا ظهر ، فلا يتجسَّس عن أموره الباطنةِ التي يُخفيها .
ولا يعارضهُ ما سبق، يسأل النَّس عمَّا في النَّس؟! لأنَّ ذلك للأمور الظاهرة
التي تُناط بها الأحكام الشرعيَّة والمصالح البشرية ، وما قرَّرناهُ هو المتبادِرُ من العبارة
كما فَسَّر به الشيخُ ابن حجر ، وَإِن قال بعضُ الشُّرَّاحِ : وقد أبعدَ ابنُ حجر حيث فَسَّره
بعدم تجسُّس عورة أحد .
( وَلاَ يَتَكَلَّمُ إِلاَّ فِيْمَا رَجَا ثَوَابَهُ) ؛ أي : ولا ينطق إلاَّ في الشيء الذي يتوقَّع
ثوابَه ، لكونه مطلوباً شرعاً ، لا فيما لا ثواب فيه مما لا يَعْنِي .
( وَإِذَا تَكَلَّمَ أَطْرَقَ جُلَسَاؤُهُ) أي : أرخوا رؤوسَهم إلى الأرض ؛ ونظروا إليها ،
وأصغوا إليه لاستماع كلامه .
ولسرورهم وارتياحِ أرواحهم بحديثه (كَأَنَّمَا عَلَى رُؤُؤْسِهِمُ الطَّيْرُ ) ، هذا كنايةٌ
عن كونهم في نهايةٍ من السكوت والسكون عند تكلُّمه وتبليغِه إليهم الأحكام
الشرعية ، لأن الطير لا يقع إلا على رأس ساكت ساكن .
و((أل)) في ((الطير)) للجنس ، فالمرادُ جنس الطير مطلقاً . وقيل : للعهد
والمعهود البازُ .
(١) أي حكماً مستقلاً عن ما قبله ؛ لا تأكيداً له .
٤٨٠