Indexed OCR Text

Pages 421-440

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يُوَاجِهُ أَحَداً فِي وَجْهِهِ بِشَيْءٍ
يَكْرَهُهُ .
وَعَنْ أَنْسِ رَضيَ الله تَعَالَى عَنْهُ ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ رَجُلٌ بِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ .
( وَ) أخرج الإمام أحمد، والبخاريُّ في ((الأدب المفرد))، وأبو داود ،
والنسائي في ((اليوم والليلة)) بسند حسن ؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه
قال :
( كَانَ) رسول الله (وَّرِ لاَيُوَاجِهُ أَحَداً فِي وَجْهِهِ ) - يعني: لا يشافهه - ( بِشَيْء
يَكْرَهُهُ) ، لئلا يشوِّشَ عليه ، ولأن مواجهته ربَّما تفضي إلى الكفر ، لأن مَن يكره
أمره ويأبى امتثاله عِناداً ؛ أو رغبة عنه : يكفر . وفيه مخافةُ نزول العذاب .
والبلاء إذا نزل قد يعمُّ ، ففي ترك المواجهة مصلحةٌ ، وقد كان واسعَ الصَّدر
جدّاً غزير الحياء .
ومنه أَخَذَ بعض أكابر السلف أنَّه ينبغي إذا أراد أن ينصح أخاً له أن يكتب له في
لوح ويناوله له ؛ كما في « الشُّعب )).
فينبغي للرجل أن لا يذكرَ لصاحبه ما يُثقل عليه ، ويُمسكَ عن ذكر أهله
وأقاربه ، ولا يسمعه قدحَ غيره فيه ، وكثير من الناس يتقرَّب لصاحبه بذلك ، وهو
خطأ ينشأ عن مفاسد ، ولو فرض فيه مصالح ؛ فلا توازي مفاسدَه ، ودرؤها أَولى .
نعم ؛ ينبَّهُه بلُطف على ما يقال فيه ، أو يراد به ؛ ليحذر .
( وَ) أخرج الترمذيُّ في ((الشمائل)) بسنده؛ (عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ)
- وهو الحديث المتقدِّم آنفاً - ورواتُه رواتُه مع اختلاف في الألفاظ - وهذا لفظ
(( الشمائل» :
(عَنْ رَسُوْلِ اللهِنَِّ أَنَّهُ) - أي الحال، والشأن - ( كَانَ عِنْدَهُ) أي : عند
رسول الله وَ﴾ (رَجُلٌ بِهِ أَثَرُ) أي: عليه بقيَّةُ (صُفْرَةٍ) من زعفران ؛ أو ورس .
٤٢١

قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَكَادُ يُوَاجِهُ أَحَداً بِشَيْءٍ
يَكْرَهُهُ، فَلَمَّا قَامَ .. قَالَ لِلْقَوْمِ: ((لَوْ قُلْتُمْ لَهُ يَدَعُ هَذِهِ الصُّفْرَةَ )).
قَالَ الْبَاجُورِيُّ: (وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لاَ يَكَادُ يُوَاجِهُ أَحَداً بِمَكْرُوهٍ غَالِباً ،
فَلاَ يُنَافِي مَا ثَبَتَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي أَنَّهُ قَالَ: رَأَىُ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ فَقَالَ: ((إِنَّ
هَذَيْنِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ ، فَلاَ تَلْبَسْهُمَا)).
( قَالَ) أي: أنس (: وَكَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ) غالباً من عادته (لاَ يَكَادُ يُوَاجِهُ) ؛
أي : لا يقرب من أن يقابل ، والمواجهة بالكلام المقابلة به لمن حضر ، وهذا
لِتَضَمُّنِهِ نفيَ القرب من المواجهة أبلغُ من قوله (( لا يواجه))، فالمعنى: لا يقرب من
أن يقابل (أَحَداً ) من المسلمين ؛ بخلاف الكُفَّار ، فكان يُغلظُ عليهم باللِّسان
والسِّنان ؛ امتثالاً لأمر الرحمن ( بِشَيْءٍ) من أمر ؛ أو نهي ( يَكْرَهُهُ) ذلك الأحد ،
فالضميرُ المستتر في (( يكره )) للأحد، والبارز للشيء. (فَلَمَّا قَامَ ) أي : الرجل من
المجلس ؛ ( قَالَ)؛ أي المصطفى ◌َِّ (لِلْقَوْم)؛ أي : أصحابه الحاضرين في
المجلس : ( ((لَوْ قُلْتُمْ لَهُ يَدَعُ) - أي: يترك - ( هَذِهِ الصُّفْرَةَ)) !! ) لكان أحسن ،
لأن فيها نوعَ تشبُّه بالنساء ، ولعل ذلك كان مباحاً ، وإلاَّ لما أَخَّر أمره بتركه لمفارقة
المجلس ، وجواب ((لو)) محذوفٌ كما قدَّرناه ؛ بناءً على أنها شرطيّة ، ويحتمل أن
((لو )) للتمنِّي ؛ فلا جواب لها . والله أعلم .
( قَالَ ) العلَّمَة شيخ الإسلام إبراهيم ( ألبَاجُوْرِيُّ ) رحمه الله تعالى في حاشيته
على ((الشمائل الترمذية)): ( وَأَلمُرَادُ أَنَّهُ لاَ يَكَادُ يُوَاجِهُ أَحَداً بِمَكْرُوْهٍ غَالِباً، فَلاَ
يُنَافِيْ). قال ملا علي قاري في (( جمع الوسائل)): وقيَّدنا بغالب عادته !! لئلا
ينافيه ( مَا ثَبَتَ ) في ((صحيح مسلم)) وغيره ( عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُلعَاصِيْ )
رضي الله تعالى عنهما ( أَنَّهُ قَالَ :
رَأَىْ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ عَلَيَّ) - بتشديد المثناة التحتية - ( ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ؛ فَقَالَ :
((إِنَّ هَذَيْنِ) - أي: الثوبين - ( مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ ، فَلاَ تَلْبَسْهُمَا)).
٤٢٢

وَفِي رِوَايَةٍ: قُلْتُ: أَغْسِلُهُمَا؟ قَالَ: ((بَلِ أَحْرِقْهُمَا)) .
وَلَعَلَّ الأَمْرَ بِاْلإِحْرَاقِ مَحْمُولٌ عَلَىْ الزَّجْرِ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا عَلَيْهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ تَخْرِيمِ الْمُعَصْفَرِ ،
وَالْجُمْهُورُ
وَفِي رِوَايَةٍ) لمسلم أيضاً: رأى النبيُّ وَّه عليَّ ثوبين معصفرين؛ فقال:
((أُكَ أَمَرَتْكَ بِهِذَا)) !! ( قُلْتُ: أَغْسِلُهُمَا؟! قَالَ: ((بَلِ أَحْرِقْهُمَا)). وَلَعَلَّ الأَمْرَ
بِالإِحْرَاقِ مَحْمُوْلٌ عَلَى ) التغليظ و ( الزَّجْرِ ) له ولغيره ؛ عن تعاطي مثل هذا الفعل
نظيرَ أمر تلك المرأة التي لعنت الناقة بإرسالها ، وأمر أصحاب بريرة ببيعها وأنكر
عليهم اشتراط الولاء ونحو ذلك .
( وَهَذَا) أي : النهي عن لبس المعصفر (يَدُلُّ عَلَى مَا) جرى ( عَلَيْهِ بَعْضُ
العُلَمَاءِ )؛ كالحليمي وصوَّبه في ((الروضة))، وجزم به في (( الأنوار))، ومال إليه
في (( شرح مسلم))، ومال إليه شيخ الإسلام زكريا الأنصاري ؛ واعتمده ابن حجر
في ((التحفة))؛ وفي ((شرح بافضل))؛ ( مِنْ تَحْرِيْمٍ ) لبس ( المُعَصْفَرِ ) سواء صُبغ
قبل نسجه؛ أم بعده - كما في ((التحفة)) أخذاً بإطلاقهم، كما صحَّت به
الأحاديث ، واختاره البيهقيُّ وغيرُه ، ولم يبالوا بنصِّ الشافعي على حِلِّه ؛ تقديماً
للعمل بوصيته بالعمل بالأحاديث الصحيحة ، كما لم يبالوا بكون جمهور العلماء
على حِلُّه المذكور في قوله :
( وَالجُمْهُوْرُ ) من علماء الصحابة والتابعين ومَن بعدهم ؛ قالوا بإباحة
المعصفر ، وبه قال الشافعي ، وأبو حنيفة ، ومالك ، كما في (( شرح مسلم)) ؛
لكنه قال : غيرُه أفضل منه .
وجرى الرَّملي في ((النهاية)) والخطيبُ في ((المغني)) (١) وغيرهما على حِلِّه
(١) مغني المحتاج شرح المنهاج .
٤٢٣

عَلَى كَرَاهَتِهِ ) أَنْتُهَى .
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يُوَاجِهُ أَحَداً بِمَكْرُوهٍ ، ..
مطلقاً ، أي : سواء صبغ قبل النسج ؛ أم بعده !!
وجرى جماعةٌ من العلماء ( عَلَىْ كَرَاهَتِهِ ) كراهةَ تنزيهٍ ، وعليه كثيرٌ من
المتأخِّرين أربابِ الحواشي ؛ كالشبراملسي ، والجمل ، والبجيرمي على
((الإقناع))، والباجوريّ ، والشرقاوي .
قال في ((شرح مسلم)): وحملوا النهيَ على هذا، لأنه ثبت أَنَّ النبي ◌َّ لبس
حلَّة حمراء .
وفي ((الصحيحين)) ؛ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال :
رأيت النبي ◌َّه يصبغ بالصفرة. وقال الخطّابي: النهيُ منصرف إلى ما صبغ
من الثياب بعد النسج ، فأمَّا ما صبغ غزله ثم نسج ؛ فليس بداخل في النهي .
انتهى .
وفي ((الإمداد )) للعلامة ابن حجر رحمه الله تعالى: ومحلُّ الحرمة إذا صبغ بعد
النسج لا قبله ، وعليه حمل اختلاف الأحاديث في ذلك ، ويحمل عليه اختلاف نصٌّ
الشافعي ... إلخ، وعليه جرى في ((فتح الجواد)).
وأَقرَّ زكريا في (( أسنى المطالب)) أقرَّ الزركشي على ذلك، لكن ردَّه في
((التحفة)) بمخالفته لإطلاقهم الصريح في الحرمة مطلقاً ؛ نقله الكردي .
قال في (( شرح مسلم)): وحمل بعض العلماء النهيَ على المُحرِمِ بالحجُّ ؛ أو
العمرة ، ليكون موافقاً لحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما : نَهى المحْرِمَ أن
يلبس ثوباً مَسَّه ورس ؛ أو زعفران، والله أعلم ( إِنْتَهَى ) أي : كلام الباجوري رحمه
الله تعالى .
( وَ) في ((كشف الغمّة)) للشعراني رحمه الله تعالى: (كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَليل
لاَيُوَاجِهُ أَحَداً بِمَكْرُوْهٍ) ؛ أي : لا يخاطبه شِفَاهاً ، ويقول له في وجهه شيئاً
٤٢٤

وَلاَ يَتَعَرَّضُ فِي وَعْظِهِ لِأَحَدٍ مُعَيَّنٍ ، بَلْ يَتَكَلَّمُ خِطَاباً عَامّاً .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذاَ بَلَغَهُ عَنِ الرَّجُلِ الشَّيْءُ .. لَمْ يَقُلْ :
(( مَا بَالُ فُلاَنٍ يَقُولُ؟!)). وَلَكِنْ يَقُولُ: ((مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَقُولُونَ ..
كَذَا وَكَذَا ؟!)).
وَكَانَتْ مُعَاتَتُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعْرِيضاً: ((مَا بَالُ أَقْوَامِ
يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى .. ؟! ))
يكرهه . ( وَلاَ يَتَعَرَّضُ فِي وَعْظِهِ لِأَحَدٍ مُعَيَّنٍ ، بَلْ يَتَكلَّمُ خِطَاباً عَامّاً ) ، لحصول
الفائدة فيه لكل سامع ، مع ما فيه من حصول المواراة والستر عن الفاعل وتأليف
القلوب .
( وَ) أخرج أبو داود بإسناد صحيح ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت :
( كَانَ ) رسول الله (ََّ إِذا بَلَغَهُ عَنِ الرَّجُلِ ) ، ذكرُ الرجل وصف طَرْدِيٌّ ؛
والمراد الإنسان ( الشَّيْءُ) الَّذي يكرهه (لَمْ يَقُلْ مَا بَالُ فُلاَنٍ) باسمه المعيّن
( يَقُوْلُ ) كذا ، والظاهر أن المراد بالقول ما يشمل الفعل ، ( وَلَكِنْ ) استدراك أفاد
أن من شأنه أن لا يشافه أحداً معيَّناً حياءً منه، بل ( يَقُوْلُ) منكِراً عليه ذلك
(: ((مَا بَالُ أَقْوَامٍ) - أي: ما شأنهم - (يَقُوْلُوْنَ .. كَذَا وَكَذَا))) إشارة إلى
ما أنكره ؛ وهذا هو المعروف من خُطَبه ◌َِّ أنَّه إذا كره شيئاً فخطب له ؛ ذكر
كراهيتَه ، ولا یعیِّن فاعله .
وهذا من عظيم خُلُقه وَِّ، فإن المقصود من ذلك الشخص وجميع الحاضرين
وغيرهم ممن يبلُغُه ذلك، ولا يحصل توبيخ صاحبه في الملأ. انتهى (( شرح
مسلم )) .
( وَكَانَتْ مُعَاتَبَتُهُ بَِّ تَعْرِيْضاً ) ، وهو أبلغ وأعمُّ نفعاً، كقوله في حقِّ موالي
بريرةَ حين اشترطوا الولاء لهم (: « مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُوْنَ شُرُوطاً لَيْسَتْ فِي
كِتَابِ اللهِ تَعَالَىْ ..! ؟) - أي: ليس لها أصل في كتاب الله تعالى - مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ
لَيْسَ في كِتَابِ اللهِ عزَّ وجَلَّ فَهُو بَاطِلٌ ؛ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ ، كِتَابُ اللهِ أَحَقُّ ،
٤٢٥

وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَى إِنْسَاناً يَفْعَلُ مَا لاَ
يَلِيقُ .. لَمْ يَدَعْ أَحَداً يُبَادِرُ إِلَى الإِنْكَارِ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَثَبَّتَ فِي أَمْرِهِ ،
وَيُعَلِّمُهُ الأَدَبَ بِرِفْقٍ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَأْخُذُ بِالْقَرْفِ، وَلاَ يَقْبَلُ قَوْلَ أَحَدٍ
عَلَىْ أَحَدٍ .
وشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ، مَا بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ يَقُولُ أَحَدُهُمْ (( أَعْتِقْ فُلاناً وَالولاءُ لِي ! إِنَّما
اَلوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ؟! ». ذكره في « الصحيحين ». وهذا لفظ مسلم .
( وَنَحْوَ ذَلِكَ ) ؛ كقوله في حقِّ النفر الذين سألوا أزواج النبي نَّر عن عمله في
السرِّ، فقال بعضهم: لا أتزوَّج النساء . وقال بعضهم : لا آكلُ اللحم . وقال
بعضُهم : لا أنام على فراش . فحمد الله وأثنى عليه ، فقال :
((مَا بَال أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذا !!. لكِنِّي: ((أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفطرُ،
وأتزوَّجُ النِّساءَ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّي فَلَيْسَ مِنِّي)) . ذكره مسلم .
( وَ) في (( كشف الغمة )) للشعراني رحمه الله تعالى :
( كَانَ نَّهِ إِذاَ رَأَىُ إِنْسَاناً يَفْعَلُ مَا لا يَلِيْقُ لَمْ يَدَعْ أَحَداً ) من الناس ( يُبَادِرُ إِلى
الإِنْكَارِ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَبَّتَ فِي أَمْرِهِ، وَيُعَلِّمَهُ الأَدَبَ بِرِفْقٍ ) ، وهذا من عظيم
. 醬心
( وَ) أخرج أبو داود في ((مراسيله))؛ عن الحسن بن علي، وأبو نعيم في
((الحلية)) بإسناد ضعيف :
( كَانَ) رسول الله (وَِّ لاَ يَأْخُذُ) أحداً ( بِالقَرْفِ ) - بفتح القاف وسكون الراء
وفاء - أي: بالتهمة، والأخذُ مجازٌ عن العقوبة، مِن: أخَذَه السلطان : إذا حَبَسه
وجازاه على ما صدر منه .
( وَلاَ يَقْبَلُ قَوْلَ أَحَدٍ عَلَىْ أَحَدٍ ) ؛ أي : لا يقبل كلامَ أحدٍ في حقِّ أحدٍ ، سواء
ترتَّبت عليه المؤاخذةُ ؛ أم لا ، فهو تعميمٌ بعد تخصيص .
٤٢٦

وَ( الْقَرْفُ ) : التُّهَمَةُ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيراً مَا يَقُولُ: ((لاَ تُبُلِّغُونِي عَنْ
أَصْحَابِي إِلاَّ خَيْراً، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ )) .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَعَثَ أَحَداً مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضٍ
أَمْرِهِ . . قَالَ: ((بَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِرُوا، وَيَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا)).
وذلك وقوفاً مع العدل ، لأن ما يترتَّب عليه موقوفٌ على ثبوته عنده بطريقه المعتبر .
( وَأَلْقَرْفُ) - بفتح القاف وسكون الراء وآخره فاء - هو (: أُلتُّهْمَةُ) وإسناد
الذنب لغيره .
( وَ) في ((كشف الغمة)) كـ ((الإحياء)): (كَانَ وَلِ كَثِيْراً مَا يَقُولُ:
((لاَ تُبَلِّغُوْنِيْ عَنْ أَصْحَابِيْ إِلاَّ خَيْراً) . هذا نَهْيٌ عائٌّ عن الغيبة والنميمة ، ونقلٍ
ما يكره نقلُه من قول ؛ أو فعل ؛ أو ترك .
( فَإِنِّيْ أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ؛ وَأَنَا سَلِيْمُ الصَّدْرِ)) ) سلامة الصدر كنايةٌ عن كونه
ليس في قلبه بغضٌ لأحد ، ولا غضبانَ على أحد . قال العراقي : رواه أبو داود ،
والترمذيُّ ؛ من حديث ابن مسعود ، وقال : غريب من هذا الوجه . ورواه كذلك
أحمد، والبيهقيُّ. انتهى ((شرح الإحياء )).
( وَ) أَخْرج مسلم في ((صحيحه)) في ((المغازي))، وأبو داود في
((الأدب)) ؛ عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال:
( كَانَ) رسول الله (وَِّ إِذَا بَعَثَ) أي : أرسل ( أَحَداً مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضٍ
أَمْرِهِ ) أي : مصالحه كأَن أَمَره على جيش أَمَره بالتسهيل على الناس وعدم التشديد
المقتضي لتنفيرهم ، ( قَالَ: ((بَشِّرُوا وَلاَ تُنَقُّرُوا، وَيَسْرُوا، وَلاَ تُعَّرَوْا)))(١)
أي : سهّلوا الأمور ، ولا تنفِّروا الناس بالتعسير والتشديد .
(١) انظر ما عن هذا الحديث في المجلد الرابع من هذا الكتاب فصل: ( حرف الباء ).
٤٢٧

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا لَقِيَ أَصْحَابَهُ .. لَمْ يُصَافِحْهُمْ حَتَّى
يُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا لَقِيَ أَحَداً مِنْ أَصْحَابِهِ .. صَافَحَهُ،
ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ فَشَابَكَهُ ، ثُمَّشَدَّ قَبْضَتَهُ عَلَيْهَا.
لأن من أخلاقه وَّ أنَّه ما خُيِّر بين أمرين إِلاَّ اختار أيسرَهما ما لم يكن إثماً ،
فينبغي لأُمَّته أن يتخلَّقُوا بأخلاقه، وفي مقدِّمَتهم أصحابِه ◌َِّ .
( وَ) أخرج الطبراني في ((الكبير))؛ عن جندب بن عبد الله رضي الله تعالى عنه
قال :
( كَانَ ) رسول الله (ِ﴿وَ إِذَا لَقِيَ أَصْحَابَهُ لَمْ يُصَافِخْهُمْ حَتَّى يُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ ) ؛
تعليماً لمعالم الديانة ورسوم الشريعة ، وحثّاً لهم على لزوم ما خُصَّت به هذه الأمة
من هذه التحية العظمى التي هي تحيّة أهل الجنة في الجنة ؛ فيندب تقديمُ السلام
على المصافحة .
( وَ) في ((كشف الغمة)) كـ ((الإحياء)): (كَانَ وَِّ إِذَا لَقِيَ أَحَداً مِنْ أَصْحَابِهِ
صَافَحَهُ ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ فَشَابَكَهُ ، ثُمَّ شَدَّ قَبْضَتَهُ عَلَيْهَا ) أي : على يده .
قال بعض الشيوخ: أراد بذلك زيادةَ المحبَّة، وَتَأْكُّدها؛ قاله في ((شرح الإحياء)).
قال ملا علي قاري في (( شرح الشفاء )): صفةُ المصافحة وضعُ بطن الكفِّ على
بطن أخرى عند التلاقي مع ملازمة ذلك على قَدْر ما يقع من السلام ، أو من السؤال
والكلام إن عَرَض لها ، وأما اختطاف اليد في أثر التلاقي ؛ فهو مكروه . انتهى .
وقال في (( شرح الإحياء)) : روى أبو داود ؛ من حديث أبي ذر رضي الله عنه ،
وسأله رجل من عنزة : هل كان رسول الله وَّر يصافحكم إذا لقيتموه ؟ قال : ما لقيتُه
قطُّ إِلاَّ صافحني ... الحديث .
ورُوِّيْنا في (( علوم الحديث)) للحاكم ؛ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
قال : شبك بيدي أبو القاسم وَله.
٤٢٨

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا لَقِيَهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَامَ مَعَهُ ..
قَامَ مَعَهُ ، وَلَمْ يَنْصَرِفْ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يَنْصَرِفُ عَنْهُ ، وَإِذَا
لَقِيَهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَتَنَاوَلَ يَدَهُ . . نَاوَلَهُ إِيَّاهَا، فَلَمْ يَنْزِعْ يَدَهُ مِنْهُ حَتَّى
يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يَنْزِعُ يَدَهُ مِنْهُ، وَإِذَا لَقِيَ أَحَداً مِنْ أَصْحَابِهِ
فَتَنَوَلَ أُذُنَهُ - أَيْ: ليُكَلِّمَهُ سِرّاً -.. نَاوَلَهُ إِيَّاهَا؛ ثُمَّ لَمْ يَنْزِغْهَا عَنْهُ
حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يَنْزِعُهَا عَنْهُ؛ أَيْ: لاَ يُنَجِّي أَذْنَهُ عَنْ فَمِهِ
حَتَّى يَفْرُغَ الرَّجُلُ مِنْ حَدِيثِهِ .
وهو عند مسلم بلفظ : أخذ رسول الله أَلا بيدي .
وقد وقع لنا مسلسلاً بالمشابكة ، كما وقع لنا في بعض طرق المصافحة ؛
مسلسلا بقبض اليد . انتهى .
( وَ) أخرج ابن سعد في ((الطبقات))؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:
( كَانَ ) رسول الله (وَِّ إِذَا لَقِيَهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَامَ ) أي : ذلك الصحابي ؛
أي: وقف ( مَعَهُ) أي: مع النبي ◌َِّ (قَامَ) أي: وقف النبي ◌َِّ ( مَعَهُ) ؛ أي:
مع ذلك الصحابي (وَلَمْ يَنْصَرِفْ) ◌َِّ، ويهمله، (حَتَّى يَكُوْنَ الرَّجُلُ هُوَ أَلَّذِي
يَنْصَرِفُ عَنْهُ ) بَّر ، وذلك من كمال الرِّفق بأصحابه .
( وَإِذَاَ لَقِيَهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَتَنَاوَلَ)؛ أي: ذلك الصحابي (يَدَهُ ) وَلُّ
ليصافِحَه (نَاوَلَهُ إِيَّاهَا، فَلَمْ يَنْزِغْ يَدَهُ مِنْهُ) ؛ وإن طال الزمن ، ( حَتَّى يَكُوْنَ الرَّجُلُ
هُوَ أَلِذِي يَنْزِعُ يَدَهُ مِنْهُ ) ◌ََّ . زاد ابن المبارك في رواية أنس: ولا يصرفُ وجهه عن
وجهه حتّى يكون الرجل هو الذي يصرفه .
(وَإِذَا لَقِيَ أَحَداً مِنْ أَصْحَابِهِ فَتَنَاوَلَ )؛ أي: ذلك الصحابي ( أُذُنَّهُ ) وَِّ ( أَنْ )
قَرَّب فمه منها ( لِيُكَلِّمَهُ سِرّاً) ؛ قاله العزيزي ، ( نَاوَلَهُ إِيَّاهَا ؛ ثمَّ لَمْ يَنْزِغْهَا عَنْهُ حَتَّى
يَكُوْنَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يَنْزِعُهَا عَنْهُ ) .
قال في العزيزي: ( أَنْ لاَ يُنَخِّيْ أُذُنَيَهُ) ◌َِّ (عَنْ فَمِهِ ) ؛ أي : الرجل ( حَتَّىُ
يَقْرُغَ ) ذلك ( الرَّجُلُ مِنْ حَدِيْثِهِ) على الوجه الأكمل ، وهذا من أعظم الأدلَّة على
٤٢٩

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا لَقِيَّهُ الرَّجُلُ مِنْ أَصْحَابِهِ .. مَسَحَهُ
وَدَعَا لَهُ .
محاسن أخلاقه وكماله ◌َّ؛ كيف وهو سيِّدُ المتواضعين، وهو القائل (وَخَالِق
النَّاسَ بُخُلقِ حَسَنٍ )) !! ؟
فائدة : سُئل العلاَّمة المحقّق برهان الدين إبراهيم بن حسن الكوراني المَدَني
رحمه الله تعالى عَمَّا اعتاده المصلُّون جماعةً في المساجد وغيرها من المصافحة
خلفَ الصَّلوات المكتوبة ؟
فأجاب بما ملخَّصُه : بأن الإمام النووي اسْتُفْتِيَ فيها ففضَّل فيها وأجاد ، فقال
ما معناه : المتصافحان إن لم يلتقيا قبلَ الدخول في الصلاة ؛ فالمصافحة مشروعةٌ
على أصلها ، لأنَّ أَوَّل اللقاء بعد السلام ، وإن التقيا قبلَه !! فهي بدعةٌ مباحة ؛ كما
قيل . انتهى . والله أعلم .
( وَ) أخرج النسائي - بإسناد حسن؛ كما قال العزيزي - عن حذيفة بن اليمان
رضي الله تعالى عنهما قال :
( كَانَ نَّهِ إِذَا لَقِيَهُ الرَّجُلُ مِنْ أَصْحَابِهِ مَسَحَهُ) ؛ أي : مسح يده بيده - يعني
صافحه - ( وَدَعَا لَهُ ) .
قال المناوي : تمسّك مالكٌ بهذا وما أشبهه على كراهة معانقة القادم وتقبيل
يده .
وقد ناظر ابنُ عيينة مالكاً ، واحتجَّ عليه سفيان بأن المصطفى بَّ لمَّا قدم جعفر
من الحبشة خرج إليه فعانقه. فقال مالك: ذاك خاصٌّ بالنبي ◌َِّلتر.
فقال له سفيان : ما نَخُصُّه بفهمنا !! انتهى .
قال الخفاجي في (( شرح الشفاء)): والمصافحة سُنَّةً عند التلاقي ، وفي
الحديث: (( تَمَامُ تَحِيَِّكُمْ بَيْنَكُمُ الْمُصَافَحَةُ)). وكانت الصحابة رضوان الله عليهم
تفعلُها ، وإذا قَدِمُوا من سَفَر تعانقوا .
وكانت الصحابةُ رضي الله عنهم تُقَبِّلُ يَدَه أيضاً ، وهي مستحبَّةٌ للكبير ، وكَرَّهها
٤٣٠

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَدْعُوهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، أَوْ
غَيْرِهِمْ .. إِلَّ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَيْكَ)).
مالك . أمّا إذا كان على وجه التَّكَبُّر ؛ فتكره . وقال النووي : إنَّه مستحبٌّ أيضاً
لأهل الشرف والصلاح ، وأمَّا لأهل الدنيا ! فمكروه .
وقال فقهاؤنا - أي: الحنفية -: لا بأس بالمصافحة ، لأنها سُنَّة متوارَثة ، لما
ورد في الحديث أيضاً : «تَصَافَحُوا )) .
وَأَمَّا بعد صلاة الجمعة والعيد !! فقالوا : إنَّ بدعة ، وهو من فعل المشايخ ،
كأنَّهم كانوا في الصلاة غائبين عمَّن حضرهم ، ومَن كان هذا حالُه لا يكره منه .
انتهى (« كلام الشهاب الخفاجي رحمه الله تعالى)).
( وَ) في ((الإحياء)) و((كشف الغُمَّة)) للشعراني :
( كَانَ وَِّ لاَ يَدْعُوْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، أَوْ غَيْرِهِمْ؛ إِلَّ قَالَ رَِّ: ((لَبَّيْكَ))) ،
ظاهره أنه جوابُه دائماً ، ويحتمل أنَّه كناية عن سرعة الجواب مع التعظيم ؛ قاله
الزرقاني .
و (( لَبَّيْكَ)) كلمةٌ يجاب بها المنادِي ، فالتلبيةُ إجابةُ المنادي مَن دعاه ؛ من
((لبَّ)) و ((ألب)): إذا أقام بمكان ولم يفارقه ، فكأنَّه يقول: أنا ثابت على
إجابتك .
ولا تستعمل إلاَّ بلفظ التثنية ، كأنَّه قال إجابة بعد إجابة ! والمراد التكثيرُ ،
لقوله تعالى ﴿أَرْجِع ◌ٌلْصَرَ كَرََّّنِ﴾ [٤/ الملك]، وهو منصوبٌ على المصدرية بعاملٍ
لا يظهر ، وتغلبُ إضافته لضمير المخاطب ، وقد يضاف لغيره ؛ كما فصَّله النُّحاة .
ولا يُجاب به إِلاَّ مَن يُعْتَنَى بإجابته وتعظيمه ، ولذا يقوله الحاج .
ففي إجابة المصطفىْ وَ ل﴿ أَتباعه بذلك رعايةُ مقامِهم وتعظيمهم ، وهو مِن خُلُقه
العظيم؛ كما كان النبي ◌َّ يخاطب القادم بـ ((مرحباً)) كقوله: ((مَرْحَباً بِأُمِّ
هَانِىءٍ )). انتهى من الشهاب الخَفَاجي على ((الشفاء)).
٤٣١

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَنِّي أَصْحَابَهُ وَيَدْعُوهُمْ بِالْكُنَى،
وَبِأَحَبِّ أَسْمَائِهِمْ ؛ إِكْرَاماً لَهُمْ ، وَاسْتِمَالَةً لِقُلُوبِهِمْ، وَيُكَنِّي مَنْ لَمْ
تَكُنْ لَهُ كُنْيَةٌ ،
قال العراقيُّ: رواه أبو نعيم في (( دلائل النبوة )) بسند واهٍ ؛ من حديث عائشة
رضي الله تعالى عنها .
قال في ((شرح الإحياء)): لفظ أبي نعيم في ((الدلائل)): ما كان أحسن خُلُقاً
منه ، ما دعاه أحد من أصحابه إلاَّ قال ((لَبَّيْكَ )) !! انتهى.
( وَ) في ((كشف الغُمَّة)) للإمام الشعراني كـ ((الإحياء)) للإمام الغزالي
رحمه الله تعالى : ( كَانَ رَّرِ يُّكَنِّيْ) - بتشديد النون - ( أَصْحَابَهُ ) أي : يجعل لهم
كُنَىَ جمع كنية؛ كـ (( أبي تراب)) و(( أبي هريرة)) و ((أم سلمة ))، (وَيَدْعُوْهُمْ)
أي : يناديهم ( بِالْكُنَى، وَ) يدعوهم (بِأَحَبِّ أَسْمَائِهِمْ ) أي : تارة ، أو المراد من
الأسماء ما يعمُّ الأعلام والألقاب والكنى ، والمعنى : أَنَّه لا يَنِْزُهم بما يكرهونه ،
بل يدعوهم بما يُحِبُّونه ؛ ( إِكْرَاماً لَهُمْ) أي: يفعل ذلك ◌َّ لأجل إكرامهم
وتعظيمهم ؛ تلطُّفاً بهم. ( وَأَسْتِمَالَةً لِقُلُوبِهِمْ )، فإنَّ نداءَ المرء بكُنيته تعظيمٌ .
وفي ((الصحيحين))؛ في قصَّة الغار ؛ من حديث أبي بكر: (( يا أَبَا بَكْرٍ ؛
مَا ظَنُكَ بِأَثْنَيَّنِ اَللهُ ثَالِثُهُما)) . وَلأبي يعلى الموصلي ؛ من حديث سعد بن
أبي وقَّاص؛ فقال ((مَنْ هُذَا؛ أبُو إِسْحَاقَ)) ؟! فقلتُ: نَعَمْ .
( وَيُكَنِّيْ مَنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ كُنْيَةٌ) بأكبر أولاده ، وتارةً ؛ وإن لم يولد له ، فكان
يُدْعَى بما كَنَّاهُ بِهِ ؛ تبركاً بكنيته الشريفة .
روى الحاكم ؛ من حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما أنَّه قال لعمر :
((يَا أَبَا حَفْصٍ؛ أَيُضْرَبُ وَجْهُ عَمِّ رَسُولِ الهِ)) !! وََّ. قال عمر: إنَّه لأوَّل يوم
كَنَّاني فيه بـ (( أبي حَفْصٍ )). وقال: صحيح على شرط مسلم .
وفي ((الصحيح)): أَنَّه قال لعلي: (( يا أبا تُرَابٍ)). وللحاكم ؛ من حديث
رفاعة بن مالك: ((إنَّ أَبَا حَسَنٍ وَجَدَ مَغْصاً في بَطْنِهِ ... )) الحديث. يريد عليّاً.
٤٣٢

وَيُكَنِّيِ النِّسَاءَ اللَِّي لَهُنَّ الأَوْلاَدُ، وَاللَّتِي لَمْ يَلِدْنَ؛ يَبْتَدِىْءُ لَهُنَّ
اُلْكُنَى، وَيُكَنِّي الصِّبْيَانَ، فَيَسْتَلِينَ بِهِ قُلُوبَهُمْ.
وله أيضاً؛ من حديث ابن مسعود: أنَّ النبيِ وَ لَهَ كَنَّاه ((أبا عبد الرحمن))؛
ولم يولد له .
وأخرج الطبرانيُّ؛ عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنََّني النبي وََّ ((أبا
عبد الرحمن )) قبل أن يولدَ لي . وسنده صحيح .
وروى الترمذيُّ؛ من حديث أنس قال: كَنَّاني رسول الله وَّهِ: بـ ((بقلة)) كنت
أجتنيها - يعني ((أبا حمزة))، وقال : حديث غريب.
ولابن ماجه : إنَّ عمر قال لصهيبٍ مالك ! تكتني وليس لك ولد ؟! قال :
كُنَّاني رسول الله ◌َّ بـ ((أبي يحيى)).
والطبراني؛ من حديث أبي بَكْرة: تدلَّيْت بـ (( بكرة)) من حصن الطائف ، فقال
النبيِ وَلَّ: «فَأَنْتَ أَبُو بَكْرَةَ » .
( وَ) كان ◌ََّ ( يُكَنِّيْ النِّسَاءَ اللَِّّيْ لَهُنَّ الأَوْلاَدُ، وَأَللَِّيْ لَمْ يَلِدْنَ؛ يَبْتَدِىْءُ
لَهُنَّ الْكُنَى). روى الحاكم؛ من حديث أمِّ أيمن ؛ في قصة شربها بولَ النبي ◌ِّر ،
فقال: ((يَا أُمَّ أَيْمَن)) قُومِي إِلى تِلْكَ الفُخَّارَةِ ... الحديث.
ولابن ماجه ؛ من حديث عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت للنبيِّ وٍَّ: كُلُّ
أزواجك كَنَّتَ غَيْرِي !! قال: ((فَأَنْتِ أُمُّ عَبْدِ اللهِ)) وفيه ((مولى الزبير))؛ لم
يسمّ !! وروى أبو داود بإسناد صحيح نحوه .
( وَيُكَنِّيْ أَلصِّبْيَانَ، فَسْتَلِيْنَ بِهِ قُلُوْبَهُمْ ) ففي البخاريِّ؛ من حديث أمِّ خالد أنَّ
النبيِ وَ ل﴿ قال لها: ((يا أُمَّ خَالِدٍ؛ هذا سَنَاهُ))! وكانت صغيرة .
وفي ((الصحيحين))؛ من حديث أنس أنَّ النبي ◌ِّ قال لأخٍ له صغير:
يَا أَبَا عُمَيْرٍ ؛ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ )» ؟ .
٤٣٣

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَرَّ عَلَى الصِّبْيَانِ .. سَلَّمْ عَلَيْهِمْ،
ثُمَّ بَاسَطَهُمْ. وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ .. تُلُقِّيَ
بِصِبْيَانِ أَهْلِ بَيْتِهِ .
وفيه دليلٌ على جواز تكنية من لا ولد له على عادة العرب ؛ تفاؤلاً بأن يُعَمَّر
ويرزقَ أولاداً؛ خلافاً لمن مَنَعَ ذلك ، وقال : إنَّه خلافُ الواقع ؛ فهو كذب .
وعن بعض السلف : بادروا أولادكم بالكُنَى قبل أن تغلب عليهم الألقاب ،
وكَرِهِ بعضهم تكنيةَ المرء نفسه إلا لقصد التَّعريف .
وقال النوويُّ: يجوز تكنيةُ الكافر بشَرْطَيْن :
الأول : أن لا يعرف إلا بكُنِيْتُه .
الثاني: أن يُخاف من ذكر اسمه فتنة، فالأول كـ ((أبي طالب))، والثاني
كـ (( أبي حباب)) لابن سلول! وفيه نظر. وقد تكون لأمرٍ آخر كـ ((أبي لهب))،
فإنه إشارة إلى أنَّه جهنّميٌّ. وقيل : كُنِّي بذلك !! لحسن وجهه . والله أعلم ؛ ذكره
الشهاب الخفاجي في ((شرح الشفاء)).
( وَ) في ((كشف الغمَّة)) و ((الإحياء)): (كَانَ تَِّ إِذا مَرَّ عَلَىُ الصِّبْيَانِ ) وهم
يلعبون ( سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ) فيرُذُون عليه ، ( ثُمَّ بَاسَطَهُمْ) ؛ بنحو مسح رؤوسهم .
قال في (( شرح الإحياء )) : رواه الترمذي ، من حديث أنس بدون قوله (( ثم
باسطهم )) .
وروى البخاريُّ بلفظ: إنَّهَ وَِّ مرَّ على صبيان ؛ فسَلَّم عليهم .
وروى النسائي ؛ من حديثه : كان يزورُ الأنصار ويسلِّمُ على صبيانهم ، ويمسحُ
رؤوسهم . انتهى .
( وَ) أخرج الإمام أحمد، ومسلم في ((الفضائل))، وأبو داود في
(( الجهاد)) ؛ عن عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما قال:
( كَانَ) رسول الله (وَّرِ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ تُلُقِّيَ ) - فعل ماض مجهول من
التلقي - ( بِصِبْيَانِ أَهْلِ بَيّتِهِ ) ، وإِنَّه قدم مرَّة من سفر فسُبق بي إليه ؛ فحملني بين
٤٣٤

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْحَمَ النَّاسِ بِالصِّبْيَانِ وَالْعِيَّالِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ ،
يديه (١)، ثم جيءَ بأحدٍ ابني فاطمة إمَّا حسن ؛ وإمَّا حسين ؛ فأردفه خلفَه ، فدخلنا
المدينة ثلاثةً على دابّة .
وفي (( الصحيحين )) أنَّ عبد الله بن جعفر ؛ قال لابن الزبير: أتذكرُ حين تلقَّيْنَاَ
رسول الله وَ ل﴿ أَنَا وأنت؟! قال: نعم، فحَمَلنا وتَرَكَك !. هذا لفظ مسلم ، وقال :
أي : البخاريُّ : إنَّ ابن الزبير قال لابن جعفر . والله أعلم .
قال الإمام النوويُّ : هذه سنَّةً مستحَبَّةٌ أن يَتَلقَّى الصبيانُ المسافر، وأنْ
يُرْكِبَهم ، وأن يردِفَهم ويُلاطفهم أي : لا كما فعل أهل التكبُّر من التباعد عن الأطفال
وزجرِهم ، إذ المطلوب ملاطفتهم ؛ وإنْ بلغ الشخص ما بلغ للتواضع . انتهى نقله
الحفني على ((الجامع الصغير)).
( وَ) أخرج ابن عساكر في (( تاريخه))؛ عن أنس رضي الله عنه قال:
( كَانَ ) رسول الله (وَّهِ أَرْحَمَ النَّاسِ بِالصِّبْيَانِ ، وَأَلِعِيَالٍ ) .
قال النووي : وهذا هو المشهورُ . وروي: (( بالعباد )) !! وكلٌّ منهما صحيحٌ
واقع ، والعيال أهل البيت ومَن يمونه الإنسان .
قال الزين العراقيُّ: رُوِّيْنا في ((فوائد أبي الدحداح)) ؛ عن علي رضي الله عنه :
كان أرحم النَّاس بالناس . انتهى ((مناوي)) . وقد تقدَّم .
( وَ) أخرج البخاريُّ، ومسلمٌ، وأبو داود ؛ عن عائشة رضي الله عنها - إلّ
التحنيكَ ؛ فليس في البخاري - قالت :
( كَانَ) رسول الله (رِ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ ) أي : يدعو لهم بالبركة ؛
ويقرأ عليهم الدعاء بالبركة ، ذكره القاضي. وقيل: يقول ((بارك الله عليكم)).
(١) على الدابة .
٤٣٥

وَيُحَنِّكُهُمْ ، وَيَدْعُولَهُمْ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزُورُ الأَنْصَارَ ، وَيُسَلِّمُ عَلَىُ
صِبْيَانِهِمْ، وَيَمْسَحُ رُؤُوسَهُمْ.
وقال الزمخشري : بارك الله فيه ، وبارك له ، وبارك عليه ، وباركه ، وبَرَّك
على الطعام، وبرَّك فيه؛ إذا دعا له بالبركة. قال الطِّييُّ: و (( بارك عليه )) أبلغُ،
فإنَّ فيه تصويب البركات وإفاضَتَها من السماء . (وَيُحَنَّكُهُمْ) ؛ بنحو تمر من تمر
المدينة المشهود له بالبركة ومزيد الفضل . قال النَّووي رحمه الله تعالى : اتفق العلماءُ
على استحباب تحنيكِ المولود يومَ ولادته بتمر ، فإنْ تعذَّر فما في معناه ، أو قريب منه من
الحلو ، فيمضغ المحنِّكُ التمرةَ حتَّى تصير مائعة بحيث تبتلع ، ثم يفتحُ فم المولود ويضعُها
فيه ؛ ليدخل منها شيء جَوفَه . ويستحبُّ أن يكون المحنِّكُ من الصالحين ، وممَّن
يُتَبَرَّكُ به ؛ رجلاً كان ، أو امرأة . فإن لم يكن حاضراً عند المولود ؟ حُمِل إليه .
(وَيَدْعُوْلَهُمْ) بالإمداد والإسعاد ، والهداية إلى طرق الرشاد .
( وَ) أخرج الترمذي ، والنسائي ، وابن حِبَّان ؛ عن أنس رضي الله عنه ، وهو
حديث صحيح ؛ كما قال العراقي في ((أماليه )). قال:
( كَانَ) رسول الله (وَِّ يَزُوْرُ الأَنْصَارَ، وَيُسَلِّمُ عَلَى صِبْيَانِهِمْ) ، فيه رَدٌّ على
منع الحَسَنَ(١) التسليم على الصبيان ( وَيَمْسَحُ رُؤؤْسَهُمْ) ؛ أي : كان له اعتناء بفعل
ذلك معهم أكثرَ منه مع غيرهم ، وإلاَّ! فهو كان يفعل ذلك مع غيرهم أيضاً . وكان
يتعهَّدُ أصحابه جميعاً ، ويزورهم . قال ابن حجر : هذا مشعرٌ بوقوع ذلك منه غيرَ
مرَّة . أي : فالاستدلالُ به على مشروعية السلام على الصبيان أَوْلى من استدلال
البعض بحديث (( مرَّ على صبيان فَسَلَّم عليهم )) فإنَّها واقعة حال .
قال ابن بَطَّال : وفي السلام على الصبيان تدريبهم على آداب الشريعة ، وطرحُ
الأكابر رداءَ الكبر ، وسلوكُ التواضع ولينُ الجانب . نعم ؛ لا يُشرع السلامُ على
(١) لعله البصري !!
٤٣٦

وَعَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بنِ سَلاَمَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ :
سَمَّانِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((يُوسُفَ)) ، وَأَقْعَدَنِي فِي
حِجْرِهِ ، وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِي .
الصبي الوضِيء، سيَّما إن راهق. انتهى؛ ذكره المناوي في ((كبيره)).
( وَ) أخرج الإمام أحمد، والترمذي في ((الشمائل)): (عَنْ يُؤْسُفَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ
سَلاَمٍ) - بفتح السين وتخفيف اللام - الإسرائيلي المَدَني، أبو يعقوب صحابيٌّ صغير ؛
وأبوه صحابيٍّ كبير - وقد تقدَّمت ترجمتُهما - ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُمَا ؛ قَالَ ) أي يوسف
(: سَمَّانِيْ رَسُولُ اللهِ ێے (( يُوسُفَ)) ، وَأَقْعَدَنِي فِي حِجْرِهِ) . قال الباجوري - بفتح
الحاء وكسرها - والمراد به حِجْر الثوب ؛ وهو طرفه المقدَّم منه ، لأن الصغير يوضع فيه
عادةً ، ويطلق على المنع من التصرّف، وعلى الأنثى من الخَيْلِ ، وعَلَى حِجْر ثمود ،
وعلىُ حِجْر إسماعيل ... وغير ذلك مما هو في قول بعضهم :
وَحُزْتُ حِجْراً عَظِيْماً مَا دَخَلْتُ أُلِحِجِرِ
رَكِبْتُ حِجْراً وَطُفْتُ الْبَيْتَ خَلْفَ الحِجِر
مَا قُلْتُ حِجْراً وَلَو أُعْطِيْتُ مِلْءَ الحِجِر(١
للهِ حَجْرٌ مَنْعَنِي مِنْ دُخُوْلِ الحِجِر
( وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِيْ) . زاد الطبراني: ودعا لي بالبركة . وفي الحديث : بيانُ
تواضعه ، وكمالُ رحمته ، ومحاسنُ أخلاقه . وفيه: أنَّه يسنُّ لمن يقتدى
به ؛ ويُتَبَرَّكُ به تسميةُ أولاد أصحابه ، وتحسينُ الاسم ، وأن أسماء الأنبياء من
(١) (رَكِبْتُ حِجْراً)؛ فرساً أُنثى (وَطُفْتُ البَيْتَ خَلْفَ الحِجِر)؛ حِجْر سيِّدنا إسماعيلَ ،
والطوافُ يكونُ خلفَهُ ؛ لأنَّهُ مِنَ الكعبة ، داخلٌ في أَصلِ بناءها، ( وَحُزْتُ حِجْراً عَظِيْماً ) ؛
الحِجْرُ هُنا : العقلُ ؛ أي : أُعطيتُ عقلاً عظيماً ( مَا دَخَلْتُ الحِجِر ) ؛ أي : حِجْرَ سيِّدنا
إسماعيل . (اللهِ حَجْرٌ ) ؛ أي : منعٌ ، فالحَجْرُ أيضاً : المنعُ ( مَنَعَنِيْ مِنْ دُخُوْلِ الحِجِر ) ؛
حِجْرِ سيِّدنا إسماعيل؛ وسببُ الحَجْرِ - أي: المنعُ - سبقَ، وهو كونُهُ مِنَ الكعبة. ( مَا
قُلْتُ حَجْراً) ؛ أي : حراماً ؛ فالحَجْرُ والحُجْرُ والحِجْرُ والمَحْجِرُ، كلُّ ذلكَ : الحرامُ
- والكسرُ أَفصحُ - ( وَلَوْ أُعْطِيْتُ مِلْءَ الحِجِر ) ؛ أي : ما قلتُ حَراماً ولو أُعطيتُ خيراتٍ
كثيرةً .
والبيتان من البحر البسيط . وإنَّما سُكِّنت الراء، وحُرِّكت الجيم بالكسر في كلمة
( حِجْر ) في رَوِيٍّ وقافيةِ البيتين؛ لأجل الوزن .
٤٣٧

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُلاَعِبُ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَيَقُولُ :
((يَا زُوَيْنَبُ؛ يَا زُوَيْنَبُ)) ( مِرَاراً ).
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرْكِبُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ عَلَى ظَهْرِهِ ،
وَيَمْشِي عَلَى يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ، وَيَقُولُ: ((نِعْمَ الْجَمَلُ جَمَلُكُمَا، وَنِعْمَ
الْعِدْلاَنِ أَنْتُّمَا)) ، وَرُبَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا، وَهُمَا عَلَى الأَرْضِ.
وَدَخَلَ الْحَسَنُ - وَهُوَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ سَجَدَ - فَرَكِبَ عَلَى
ظَهْرِهِ ، فَأَبْطَأَ فِي سُجُودِهِ حَتَّى نَزَلَ أَلْحَسَنُ ، فَلَمَّا فَرَغَ .. قَالَ لَهُ
بَعْضُ أَصْحَابِهِ :
الأسماء الحسنة ، ووَصفُه بالحِجْر ؛ قاله المناوي .
( وَ) أخرج الضياءُ المقدسيُّ في ((المختارة))؛ عن أنس بن مالك رضي الله عنه
- وهو حديث صحيح ؛ كما في العزيزي - قال :
( كَانَ) رسول الله (وَّهِ يُلاَعِبُ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ) زوجتهِوَّهِ ، وزينبُ بنتُها
من أبي سلمة، فهي ((ربيبتُهُ وََّ))؛ أي: بنت زوجته (وَيَقُوْلُ: ((يَا زُوَيْنَبُ ..
يَا زُوَيْنَبُ ) - بالتصغير - ( مِراراً)، لأنَّ الله جَبَله على التواضع والإيناس ، وطهَّر
قلبه من الكِبر والفحش ؛ بِشقِّ الملائكة صدرَه المرَّات العديدة عند تقلبه في الأطوار
المختلفة ، وإخراج ما في قلبه ممَّا جُبل عليه النوع الإنساني ، وغسلِهِ وامتلائهِ من
الحكم والعلوم .
( وَ) في ((كشف الغمة)) للعارف الشعراني رحمه الله تعالى: (كَانَ بَّهِ يُرْكِبُ
الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ عَلَى ظَهْرِهِ، وَيَمْشِيْ عَلَىْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَيَقُولُ: ((نِعْمَ الجَمَلُ
جَمَلُكُمَا ، وَنِعْمَ الْعِدْلاَنِ أَنْتُمَا )) . وَرُبَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ بَيِّنَهُمَا، وَهُمَا عَلَى الأَرْضِ!) لم
أقف على مَن خرَّجه !!
( وَ) في ((المواهب اللَّدُنِّيّة)) للعلامة القُسْطُلَّني: (دَخَلَ الحَسَنُ) بنُ
عليٍّ رضي اللهُ تعالى عنهما (وَهُوَ نََّ) يُصَلِّي (قَدْ سَجَدَ، فَرَكِبَ عَلَىْ
◌َهْرِهِ ؛ فَأَبْطَأَ فِي سُجُوْدِهِ حتَّى نَزَلَ الحَسَنُ ، فَلَمَّا فَرَغَ ؛ قَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ :
٤٣٨

يَا رَسُولَ اللهِ ؛ قَدْ أَطَلْتَ سُجُودَكَ؟
قَالَ: ((إِنَّ أَبْنِي أَرْتَحَلَنِي فَكَرِهْتُ أَنْ أَعْجَلَهُ)) ؛ أَيْ : جَعَلَنِي
كَالرَّاحِلَةِ ، فَرَكِبَ عَلَى ظَهْرِي .
وَعَنِ أَبْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَأَلْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ يَلْعَبَانِ وَيَقْعُدَانِ عَلَى ظَهْرِهِ .
يا رَسُوْلَ الله؛ قَدْ أَطَلْتَ سُجُوْدَكَ؟! قَالَ: ((إِنَّ أَبْنِيْ أَرْتَحَلَنِيْ فَكَرِهْتُ أَنْ أَعْجَلَهُ))(١)؛
أي : جَعَلَنِيْ كَالرَّاحِلَةِ ؛ فَرَكِبَ عَلَى ظَهْرِيْ ) .
في ((جمع الفوائد)) للرداني رحمه الله تعالى ما نصُّه :
عبد الله بن شدَّاد عن أبيه : خَرَج علينا رسول الله وَِّ في إحدى صلاتَيْ العَشِيِّ ؛
وهو حامل حَسَناً؛ أو حُسيناً. فتقدَّم ◌ِّهِ فوضعه، ثُمَّ كَبَّر للصَّلاة ، فصلى فسجد
بين ظهرانَيْ صلاته سَجْدَةً أطالها؛ فرفعت رأسي ؛ فإذا الصبيُّ على ظهر النبي ◌َّلـ
وهو ساجدٌ، فرجعت إلى سجودي ، فلما قضى الصلاةَ ؛ قال النَّاس :
يا رسول الله ؛ إنَّك سجدتَ بين ظهراني صلاتِكَ سجدةً أَطَلتها؛ حتَّى ظنًّا أنَّه قد
حدث أمرٌ !! وَأَنَّه يُوحى إليك !! قال: ((كُلُّ ذُلِكَ لَمْ يَكُنْ ، وَلَكِنَّ أَبْنِي أَرْتَحَلَيِي
فَكَرِهْتُ أَنْ أعْجَلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ)) . للنسائي رحمه الله تعالى .
وفي ((الإصابة )) لابن حجر رحمه الله تعالى في ترجمة الحسن ؛ عن عبد الله بن
الزبير قال: رأيت الحسن يَجيءُ والنبي ◌ِّ ساجدٌ؛ فيركب رقبته - أو قال : ظهره -
فما يُنزله حثَّى يكون هو الذي ينزلُ، ولقد رأيتهُ يجيءُ؛ وهو راكعٌ فيفرج له بين
رجليه حتَّى يخرج من الجانب الآخر .
( وَ) أخرج أبو نعيم في ((الحلْية)) بإسناد حسن؛ (عَنِ أَبْنِ مَسْعُوْدٍ رَضِيَ اللهُ
تَعَالَى عَنْهُ ) قال :
( كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَِّ يُصَلِّيْ وَالحَسَنُ وَالحُسَيْنُ يَلْعَبَانِ وَيَقْعُدَانِ عَلَى ظَهْرِهِ) في
(١) أَعْجَلَه: أَستحثَّه على العجلة - بفتح الهمزة والجيم - .
٤٣٩

وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ يَقُولُ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ أَخَذَ بِيَدِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَوَضَعَ رِجْلَيْهِ
عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: ((تَرَقَّ .. تَرَقَّ، عَيْنَ بَقَّه ... حُزُقَّةٌ
حُزُقَّهْ )) .
قَالَ فِي (( لِسَانِ أَلْعَرَبِ)):
حال السجود ، وكان يطيلُ السُّجود لطفاً بهما .
ولا يقال ((إن هذه الحالة تنافي كمال الخشوع المطلوب)) !! لأنَّه ◌َلِّ أكملُ النَّاس
خشوعاً وحضوراً بقلبه مع ربِّه ؛ وإن كان ظاهرُه مع الخلق ، كما أنَّ خلفاءَه كذلك
فلا حاجة للجواب: بأنَّ ذلك للتشريع ؛ قاله الحفني في ((حاشية الجامع الصغير)).
( وَ) في ((كشف الغُمَّة)) للإمام الشعراني رحمه الله تعالى :
( كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ يَقُوْلُ: رَأَيْتُ رَسُوْلَ اللهِنَّهِ وَقَدْ أَخَذَ بِيَدِ
الحَسَنِ ) السِّبْطِ ( بْنِ عَلِيٍّ ) بن أبي طالب ( وَوَضَعَ رِجْلَيْهِ ) - أي: رجلي الحسن
(عَلَىْ رُكْبَتَّهِ ) ◌ِ ( وَهُوَ يَقُوْلُ: ((تَرَقَّ .. تَرَقَّ) - أي: اصعد ــ ( عَيْنَ بَقَّه )
- بفتح الباء الموحَّدة ، وتشديد القاف ـ ( حُزُقَّةٌ ) - بضمِّ الحاء المهملة والزاي ،
وتشديد القاف ؛ مرفوع على أنَّه خبر مبتدأ محذوفٌ تقديره : أنت حُزُقَّه -.
و( حُزُقَّة) الثاني كذلك، أو أنَّه خبر مكرَّر، ومَن لم يُنَوِّن ((حزقة)) أراد (( يا حزقه))
فحذف حرف النداء ؛ وهو من الشذوذ، كقولهم ((أَطرقْ كرا)) ؛ لأن حرف النداء
إنما يُحذَف مع العلم المضموم ، أو المضاف ؛ قاله في (( النهاية )).
( قَالَ ) أي : الإمام العلاَّمة اللغوي الحُجَّة : أبو الفضل جمال الدين محمد ابن
الإمام جلال الدين أبي العزِّ مكرم ابن الشيخ نجيب الدين المعروف بـ (( ابن منظور ))
الأنصاري الخزرجي ، الإفريقي المصري ، المولود سنة : ٦٣٠ ، والمتوفى سنة :
٧١١، هجرية رحمه الله تعالى ( فِي) كتاب (( لِسَانِ العَرَبِ))) في مادة حَزَق :
٤٤٠