Indexed OCR Text

Pages 381-400

أَوْ تَعْصِيَ إِمَاماً عَادِلاً ، أَوْ تُفْسِدَ أَرْضاً .
وَأُوصِيكَ بِأَتْقَاءِ اللهِ تَعَالَى عِنْدَ كُلِّ حَجَرٍ وَشَجَرٍ وَمَدَرٍ ، وَأَنْ
تُحْدِثَ لِكُلِّ ذَنْبِ تَوْبَةً ؛
( أَوْ تَعْصِيَ إِمَاماً) للمسلمين ( عَادِلاً ) بعدم امتثال أوامره التي هي غيرُ
معصية ، أو بالخروج عليه ومحاربته ، وكذا إذا كان جائراً فاسقاً ؛ فلا يجوز
الخروج عليه إِلاَّ إذا كَفَر كُفْراً صريحاً .
خُرُوجُنَا عَلَى وَلِيٍّ الأَمْرِ
( أَوْ تُفْسِدَ أَرْضاً .
ولَم يَجُزْ في غير مَخْضِ الكُفْرِ
وَأُوْصِيْكَ بِأَتَفَاءِ اللهِ تَعَالَى عِنْدَ كُلِّ حَجَرٍ وشَجَرٍ ) والشجر : ماله ساق من
النبات ، والذي ليس له ساق يقال له : نجم .
( وَمَدَرٍ ) - بالميم والدال المهملة والمفتوحتين آخره راء - هو : الطين اليابس ،
أو التراب المتلبِّد ، والمراد من ذلك ملازمةُ التقوى في جميع الأحوال . وقد تَقَدَّم
الكلامُ على التقوى(١) .
( وَأَنْ تُحْدِثَ ) - بضمِّ أوَّلَه - من: أحدث يحدث ؛ أي تُجدِّد ( لِكُلِّ ذْبٍ )
أحدثْتَه . ( تَوْبَةً ) بالإقلاع عنِ الذَّنْبِ ، والنَّدمِ على ما فعل ، والعزم على أن
لا يعود، وردّ الظُّلَامَةِ إلى صاحبها، أو التحلُّل منها .
قال في ((منهل الوراد)): التوبة - لغة -: الرجوع؛ يقال: تاب إذا رجع.
- وشرعاً - : الرجوع عمّا كان مذموماً في الشرع إلى ما هو محمودٌ فيه .
ولها ثلاثة شروط: ١ - الندم ، و٢ - الإقلاع، و٣ - العزم على أن لا يعود .
هذا إن لم يتعلَّق بحق آدمي !! فإن تعلَّق الذنبُ بحقِّ آدمي فللتوبة إذن أربعةُ
(١) قبل صفحات فقط .
٣٨١

شروط : وهي الثلاثة المذكورة آنفاً ، و٤ - وردُّ الظُّلامَة إلى صاحبها ، أو تحصيل
البراءة منه تفصيلاً عندنا - معاشر الشافعية - ، وأما عند المالكية ! فيكفي تحصيلُ
البراءة إجمالاً ، وفيه فُسحةٌ ، فإن لَّم يقدر على ذلك ؛ بأن كان مستغرقَ الذِّمم ؟!
فالمطلوبُ منه الإخلاصُ وكثرة التضرُّع إلى الله تعالى لعلَّه يُرضي عنه خصماءَه يوم
القيامة .
ومن شروط التوبة : ٥ - صُدورُها قبل الغرغرة ؛ وهي حالةُ النزع ، و٦ - قبل
طلوع الشمس من مغربها ، لأنه حينئذ يُغلق باب التوبة ، فتمتنعُ التوبة على مَن لم
يكن تابَ قبلُ ، أي : لا تصحُّ توبتُه . ولا تقبل حينئذ .
ولا فرق في عدم صحّة التوبة في حال الغرغرة ؛ عند الأشاعرة بين الكافر
والمؤمن العاصي !!
وأما عند الماتريدية ! فلا تصحُّ من الكافر في حال الغرغرة ، وتصحُّ من المؤمن
حينئذ .
والذُّنوبُ قسمانِ : صغائِر وكبائِر ، وتجب التوبة من الصَّغائر كوجوبها من
الكبائر .
وليست الكبيرة منحصرة في عدد ، وهي - كما قال ابن الصَّلاح -: كُلُّ ذَنْبٍ كَبُرَ
كِبَرَاً يصحُّ معه أن يطلق عليه اسم ((الكبيرة)).
ولها أمارات ؛ منها : إيجاب الحدِّ . ومنها : الإيعادُ عليها بالعقاب . ومنها :
وصفُ فاعلها بالفسق ، ومنها : اللَّعن ؛ كلَعن الله السَّارق .
وأكبرُها : ١ - الشِّركُ بالله، ثم ٢ - قتل النفس التي حرَّم الله قتلَها إلاّ بالحقِّ،
وما سوى هذين منها : كالزّنا، واللُّواط ، وعقوق الوالدين ، والسِّحر ، والقذف ،
والفرارِ يوم الزَّحف، وأكلِ الربا وغير ذلك !! فمختَلِفٌ أمره باختلاف الأحوال
والمفاسد المترتِّبَة عليه ، فيقال : لكلِّ واحدة منه هي من أكبر الكبائر ؛ كما قاله
النووي رحمه الله تعالى .
٣٨٢

وكُلُّ ما خرج عن حدِّ الكبيرة وضابطها ؛ فهو صغيرة .
ومن الكبائر الأمرُ بالفَسَاد ، والسرقة ، وأكل أموال اليتامى ، وضرب المسلم ،
وشتمُه ، وأخذ ماله بغير حق ، وشهادةُ الزُّور ، وقذف المحصنات ، واليمين
الفاجرة ، وشرب الخمر ... وغير ذلك مما بيَّنه الشهاب ابن حجر رحمه الله تعالى
في ((الزواجر)) انتهى . ملخصاً .
ومن الصغائر : النظرُ المحرَّم ، وكذبٌ لا حدَّ فيه ، ولا ضرر ، والإشرافُ على
بيوت الناس ، وهَجرُ المسلم فوقَ الثلاث ، وكثرةُ الخصوماتِ ؛ وإن كان مُحِقّاً إلاَّ
أن يراعيَ حَقَّ الشرع فيها، والضَّحِكُ في الصلاة والنياحة وشق الجيب في المصيبة
والتبختر في المشي والجلوس بين الفساق إيناساً لهم ، وإدخال مجانينَ وصبيان
ونجاسة يغلب تنجيسُهم المسجدَ ، واستعمال نجاسة في بدن ؛ أو ثوب لغير
حاجة .
قال الناظم رحمه الله تعالى :
فِي الحَالِ كَالْوُجُوبٍ مِنْ كَبِيرَةٍ
وَتَجِبُ الثَّوبَةُ مِنْ صَغِيْرَةِ
لِكِنْ بِهَا يَصْفُو عَنِ الْقَلْبِ الكَدَرْ
وَعَزْمُ تَرْكِ الْعَوْدِ فِي اسْتِقْبَالٍ
لأَبُدَّ مِنْ تَبْرِئَةٍ لِلذِّمَمِ
فَإِنْ يَغِبْ فَأَبْعَثْ إِلَيْهِ عَجِلاً
إِنْ لَمْ يَكُنْ فَأَعْطِهَا لِلْفُقَّرَا
وَمُعْسِرٍ يَنْوِي الأَدَا إِذا قَدَرْ
بِالْعَوْدِ لاَتَضُرَّ صِحَّةً مَضَتْ
وَلَوْ عَلَى ذَنْبٍ سوَاهُ قَدْ أَصَرّ
تَحْقِيْقُهَا إِقْلاَعُهُ فِي الحَالِ
وَإِنْ تَعلّقَتْ بِحَقٌّ آدَمِي
وَوَاجِبٌ إِعْلَامُهُ إِنْ جَهِلاً
فَإِنْ يَمُتْ فَهِيَ لِوَارثٍ يُرَى
مَعْ نِيَّةِ العَزْمِ لَهُ إِذَا حَضَرْ
وَإِنْ تَصِحَّ تَوْبَّةٌ وَأَنْتُقَضَتْ
فَإِنْ يَمُتْ مِنْ قَبْلِهَا يُرْجَىْ لَهُ مَغْفِرَةُ اللهِ بِأَنْ تَنَالَهُ
قال في ((منهل الوُرَّاد )): وعندنا - معاشرَ أهل السنة والجماعة - لا يُكفَّر
مرتكبُ الذنب ؛ صغيرةً كانت أو كبيرة ، عالماً كان مرتكبُها أو جاهلاً ، بشرط أن
٣٨٣

السِّرُّ بِالسِّرِّ ، وَالْعَلَاَنِيَةُ بِالْعَلَاَنِيَةِ » ).
لا يكون ذلك الذنب من المكفِّرات ؛ كإنكاره علم الله تعالى بالجزئيات ، وإلاَّ كَفَر
مرتكبه قطعاً ، وأن لا يكون مستحلاًّ له وهو معلوم من الدين بالضرورة ؛ كالزنا ، وإلاَّ!
كفر مرتكبه باستحلاله لذلك ، خلافاً للخوارج ، فالكبيرة عندهم موجبةٌ للكفر .
وعند المعتزلة موجبةٌ للمنزلة بين المنزلتين ؛ صاحبُها لا مؤمن ولا كافر ، وهذا
في ارتكابها ؛ لا عن اعتقادها ، لأنَّه لو اعتقد حِلَّ بعض المحرَّمات المعلومة من
الدين بالضرورة ؛ كالخمر كَفَر بلا خلاف ، فمرتكبُ الكبيرة مخلَّدٌ عند الفريقين ،
ويعذَّب عند الخوارج عذابَ الكُفَّار ، وعند المعتزلة يعذَّب عذاب الفُشَّاق .
والحقُّ ما عليه أهل السنّة من أن الكبيرة لا تُخرج العبد من الإيمان ، ولا تدخله
في الكفر، ولا تخلِّدُه في النار ، ولا تُحبطُ طاعته .
ومما يردّ على المخالفين لأهل السنة في هذه المسألة : ما نطق به القرآن في
مواضع ؛ منها قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾
[النساء / ٤٨] ؛ أي : من جميع الذنوب الكبائر والصغائر غيرِ الشرك ، فلا ريب عند أهل
الحقّ أنّ مَن مات مُوحِّداً لا يخلّد في النّار ؛ وإن ارتكب من الكبائر غيرَ الشركِ
ما ارتكب ، وقد جاءت به الأحاديث الصَّحيحة ؛ منها : قوله عليه الصلاة
والسلام : (( وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ )).
وباجتناب الكبائر تغفر الصَّغائِر، وأما الكبائر ! فلا يكفّرُها إلاَّ التوبة الصحيحة
المستحقَّة للشروط المقدَّم ذكرُها ، انتهى ملخصاً .
( السُّّ بِالسِّرِّ، وَأُلعَلَاَنِيَّةُ بِالعَلَاَنِيَةِ))) . يعني: إذا أذنبت سِرّاً؛ فتوبتُك تكونَ
سرّاً ، وإذا أذنبتَ جَهْراً فتوبتُك تكون جهراً، وهذا ليس بشرط ، وإنَّما ذلك
للمناسبة بين الذنب والتوبة ؛ لأنَّ التوبة لا يشترط فيها الجهر والإعلان ؛ كما
لا يشترط فيها الإسرار ، لأنها تحصل بمجرَّد عقد القلب ، وقد ورد في الحديث :
((النَّدَمُ تَوْبَةٌ» .
٣٨٤

فَهَكَذَا أَذَّبَ عِبَادَ اللهِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى مَكَارِمِ الأَخْلاَقِ وَمَحَاسِنِ
الآدَاب .
وهذا الحديث الذي رواه معاذٌ أخرجه أبو نعيم في «الحلية))، والبيهقي في
((الزهد)). ذكره في شرح ((الإحياء)).
( فَهَكَذَا ) وَ ( أَذَّبَ عِبَادَ اللهِ؛ وَدَعَاهُمْ إِلَى مَكَارِمِ الأَخْلاَقِ وَمَحَاسِنِ الآدَابِ )
يعني : أنه لم يخصَّ معاذاً بهذه الآداب ، وإنما ذاك أنموذج يدلُك على أنَّه فعل مع
غير معاذٍ كما فعل مع معاذ ؛ من الدعاء إلى مكارم الأخلاق ، والحثِّ على محاسِنِ
الآداب ، وذلك واضحٌ بيّن في كتب السُّنةِ المطهرة ؛
من ذلك قوله لبلال : (( أَنْفِقْ بِلاَلاً وَلا تَخْشَ مِنْ ذِيْ العَرْشِ إِقْلاَلاً )».
وقوله لآخر أراد أن ينخلع من ماله كلِّه: ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ مَالَكَ، فَإِنَّكَ أَنْ تَدَعَ
وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ )).
وقال له رجل أوصني ؟! فقال: ((إِسْتَحْيِي مِنَ اللهِ كَمَا تَسْتَحِي رَجُلاً صَالِحاً مِنْ
قَوْمِكَ )) .
وقال له آخر: أَوْصِنِي، فقال: ((لاَتَغْضَبْ))، فوصاياه ◌َِّ لأصحابه ؛ وإن
اختلفت بحسب اختلاف أحوالهم ؛ إلاَّ أَنَّها كلَّها ترجع إلى مكارم الأخلاق والتأدبِّ
بآداب الشريعة .
ولم يترك ◌َ ﴿ أَدَباً يُحتاجُ إليه إلاَّ أرشد إليه أصحابَه وأمَّته ، ولا خيراً إِلَّ دلَّهم
عليه ، ولا شرّاً إلّ حَذَّرهم منه ؛
يؤيد ذلك حديث أبي هريرة(١) رضي الله عنه إذ قال له رجل: ((لَقَدْ عَلَّمَكُمْ
نَبِيِّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَأَةَ ... الحديث.
(١) المشهور : سلمان !!
٣٨٥

وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: سَأَلْتُ خَالِي مِنْدَ
بْنَ أَبِي هَالَةَ -
( وَ) أخرج الترمذيُّ في ((الشمائل))، وابن سعد، والبيهقيُّ، والطبرانيُّ،
وذكره القاضي عياض في (( الشفاء)) بسنده ؛ من طريق الترمذي وغيره - وهذا لفظ
((الشمائل» - :
( عَنْ ) أبي محمد ( الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ) بن أبي طالب ، واسمه عبدُ مناف بن
عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي المدني .
سبط رسول الله وَاجُ، وريحانَتُه ، وسيِّدُ شباب أهلِ الجنة، وابنُ فاطمة الزهراء
بنتِ رسول الله وَه، البَضْعة الطاهرة سيِّدَة نساءِ العَالمين.
ولد سنة: ثلاث من الهجرة في نصف رمضان، سمَّاهُ النبيِ نَِّ الحَسَن، وكنَّاهُ
((أبا محمد)) وعقّ عنه يومَ سابعه، وهو خامسُ أهلِ الكساء(١) ، وكان شبيهاً
برسول الله وَالجلاد .
روى عن النبي ◌َّير أحاديث: قيل ثلاثة عشر، روت عنه عائشة رضي الله تعالى
عنها ، وروى عنه جماعاتٌ من التابعين ؛ منهم : ابنه الحسن بن الحسن ،
والشعبيُّ ، وأبو وائل ، وابن سيرين ... وآخرون .
توفي بالمدينة مسموماً سنة : تسع وأربعين ، وقيل : سنة خمسين ، وقيل :
إحدى وخمسين ، ودفن بالبقيع ، وقبره فيه مشهورٌ .
( رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ) : وعن أبويه وحشرنا في زمرتهم . آمين .
( قَالَ : سَأَلْتُ خَالِيْ هِنْدَ بْنَ أَبِي هَالَةً)، وإنّما كان خَالِ الحَسَن !! لأنَّه أَخو
(١) جمعهم رسول الله وَ ل تحت عباء واحد وبشَرهم فكانوا جميعاً خمسة، وفيهم قيل :
خَرَّ لَهِيْبِ الْحَاطِمَهْ
لِيْ خَمْسَةٌ أُطْفِي بِهِمْ
وَأَبْنَاهُمَا، وَالْفَاطِمَةْ
اَلْمُصْطَفَىُ، وَالمُرْتَضِىُ
٣٨٦

وَكَانَ وَصَّافاً - عَنْ حِلْيَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا أَشْتَهِي
أَنْ يَصِفَ لِي مِنْهَا شَيْئاً - فَقَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخْماً ،
أمِّه فاطمةَ الزَّهراءِ من أُمِّها ، فإنَّهُ ابنُ خديجةَ الَّتي هي أمُّ السيّدة فاطمةَ ، وذلك لأن
خديجة تزوَّجت أبا هالة في الجاهلية ؛ فولدت له ذَكَرين : هنداً وهالة ، ثم ماتَ ،
فتزوَّجت عتيقَ بنَ خالدِ المخزوميَّ ، فولدت له عبد الله وبنتاً . وقيل الَّذي تزوَّجها
أوَّلاً عتيق، تزوَّجَها بعدَه أبو هالة، وتزوَّجها بعدَهما رسولُ الله وََّ، وجميع أولادِ
النبي ◌َلهم منها إلاَّ إبراهيم ؛ فإنه من ماريةَ القبطيةِ - كما سيأتي -.
(وَكَانَ) هندٌ (وَصَّافاً)؛ أي: كثير الوصفِ لرسولِ الله وَّر؛ كذا قالوه .
وقال الشهاب الخفاجي : وكان وَصَّافاً ؛ أي : كان فصيحاً له خِبْرة بوصف
النبي ◌َّهِ لِحِذْقِهِ، أو كان معروفاً بذكر صفات النبي ◌ٍَّ.
قال الباجوري : وإِنَّما كان هندٌ وصَّافاً لرسول الله وٍَّ !! لكونه قد أمعن النَّظَر
في ذاته الشريفة ؛ وهو صغير مثلَ عليٍّ بن أبي طالب كرَّم الله وجهه ، لأن كُلاّ منهما
تربَّى في حِجْرِ النبيَِّ، والصغير يتمكّن من التأمُّل وإمعان النظر ، بخلاف
الكبير، فإنه تمنعُه المهابةُ وَالْحَيَاءُ من ذلك، ومن ثَمّ قال بعضهم : عمدةُ أحاديث
الشمائل تدور على هندٍ بن أبي هالةَ ، وعليٍّ بن أبي طالب رضي الله عنهما . انتهى .
(عَنْ حِلْيَةٍ ) - بكسر الحاء المهملة وسكون اللام فتحتيّةٍ -، أي : وصفه
ونعتِهِ، وهو متعلِّق بـ ((سألت))، أي: سألته عن صِفَةِ (رَسُوْلِ اللهِنَّهَ وَ أَنَا
أَشْتَهِيْ )؛ أي: أَشتاقُ إلى (أَنْ يَصِفَ لِيْ مِنْهَا)؛ أي: من حلية رسول الله وَل
( شَيْئَاً) عظيماً، فالتنوينُ للتَّعظيم، والجملةُ معطوفة على جملة (( وكان
وصَّافاً ... الخ))، والجملتان معترضتان بين السؤال والجواب، أو حالِيَّتان من
الفاعل أو المفعول ، أو الأولى من المفعول ، والثانية من الفاعل .
( فَقَالَ)؛ أي: هندٌ خَالُ الحسنِ (: كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَلَّ فَخْماً) - بفتح الفاء ،
٣٨٧

مُفَخَّماً ، يَتَلأْلأُ وَجْهُهُ تَلَأْلُؤَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ... فَذَكَرَ الْحَدِيثَ
بِطُولِهِ .
قَالَ الْحَسَنُ : فَكَتَمْتُهَا الْحُسَيْنَ زَمَاناً، ثُمَّ حَدَّثْتُهُ فَوَجَدْتُهُ قَدْ
سَبَقَنِي إِلَيْهِ، فَسَأَلَهُ عَمَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ، وَوَجَدْتُهُ قَدْ سَأَلَ أَبَاهُ عَنْ مَدْخَلِهِ
٥
وَمَخْرَجِهِ
وسكون الخاء المعجمة ؛ أو كسرها ، واقتصر بعضهم على السكون لكونه الأشهر -
أي : عظيماً في نفسه ( مُفَخَّماً) - بتشديد الخاء المعجمة ؛ بوزن مُكَرَّماً -، أي :
مُعَظّماً عند الخلق لا يستطيع أحدٌ أن لا يعظِّمَه ؛ وإن حرص على ترك تعظيمه ،
وقيل : معنى كونه (( فَخْماً)): كونُه عظيماً عند الله، وكونه (( مُفَخّماً)) كونُهُ معظّماً
عند الناس .
( يَتَلأْلأُ وَجْهُهُ تَلأُلُؤَ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ ) ؛ أي: يشرق وجهُهُ إشراقاً مثل إشراق
القمر ليلةَ كماله، وهي ليلة أربعة عشر، سُمِي ((بدراً)) !! لأنَّه يبدرُ الشمس
بالطلوع ؛ أي : يسبق في طلوعه الشمس في غيرها .
( فَذَكَرَ ) أي : الحسن (الحَدِيْثَ بِطُوْلِهِ) - وقد تقدَّم في ((باب الخلق )) من
هذا الكتاب -.
( قَالَ الحَسَنُ : فَكَتَمْتُهَا الحُسَيْنَ زَمَاناً ) أي : أخفيتُ هذه الصفاتِ عن الحُسين
مُدَّة طويلة، وإنما كَتَمها عنه !! ليختبر اجتهاده في تحصيل العلم بحِلية جدِّهِ ، أو
لينتظر سؤالَه عنها ، فإنَّ التعليم بعد الطّلب أثبتُ وأرسخُ في الذهن .
( ثُمّ حَدَّثْتُهُ) بما سمعتُه من خالي هندٍ ( فَوَجَدْتُهُ) أي : الحسين ( قَدْ سَبَقَنِيْ
إِلَيْهِ ) أي : إلى السُّؤَالِ عنها من خاله هند ( فَسَأَلَهُ ) أي: فَسَأَلَ الحُسينُ خَالَه ( عَمَّا
سَأَلْتُهُ عَنْهُ) مِنَ الأوصاف ( وَوَجَدْتُهُ) أي : وجدت الحسين ( قَدْ ) زَادَ عَليَّ في
تحصيل العلم بصفة جدِّه حيث ( سَأَلَ أَبَاهُ عَنْ ) كيفية ( مَدْخَلِهِ ومَخْرَجِهِ ) ، كلٌّ
منهما مصدر ميميٌّ ؛ يصلح للزمان والمكان والحَدَث ، والمراد هنا الزمان ،
٣٨٨

وَشَكْلِهِ ، فَلَمْ يَدَعْ مِنْهُ شَيْئاً .
قَالَ الْحُسَيْنُ : فَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ دُخُولِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ . فَقَالَ : كَانَ إِذَا أَوَىُ إِلَى مَنْزِلِهِ .. جَزَّأَ دُخُولَهُ ثَلاَثَةَ أَجْزَاءٍ ؛
جُزْءاً للهِ ، وَجُزْءاً لِأَهْلِهِ ،
والمعنى : أنه سأل أباه عن حاله ، وصفته في زمن دخوله في البيت ، وفي زمن
خروجه منه .
( وَ) عن ( شَكْلِهِ) - بفتح أوله ــ أي: هيئته وطريقته ، الشامل لمجلسه،
فَدَخل في السؤال عن الشَّكْلِ السؤالُ عن مجلسه الآتي .
( فَلَمْ يَدَعْ ) ؛ أي لَمْ يترك عليٍّ ( مِنْهُ) أي: مما سأله عنه ( شَيْئاً)، أَو لَمْ يَدَع
الحسينُ ( مِنْهُ) ؛ أي من السؤال عن أحواله شيئاً إِلَّ سَأل عنه .
( قَالَ الحُسَيْنُ ) في تفصيل ما أجمله أوَّلاً بقوله (( عَنْ مَدْخَلِهِ وَمَخْرَجِهِ
وَشَكْلِهِ )) . فقد روى الحسنُ عن أخيه الحُسين ما رواه الحسينُ عن أبيه علي ؛ فصار
الحسنُ راوياً ما تقدَّم عن خاله هندٍ بلا واسطة ، وما سيأتي عن أبيه عليٍّ بواسطة أخيه
الحسين .
ففيه رواية الأقارب عن الأقارب، والصحابيّ عن الصحابي، والكبير عن الصغير.
( فَسَأَلْتُ أَبِيْ) عليّاً (عَنْ دُخُوْلِ رَسُوْلِ اللهِ وَّر) أي: عن سيرته وطريقته ،
وما يصنعه في زمن دخوله واستقراره في بيته .
(فَقَالَ) أي: أبوه عليّ (: كَانَ) أي: النبيُّ ◌َّهِ (إِذَا أَوَى) - بالمدِّ والقصر؛
كما تقدَّم - (إِلَى مَنْزِلِهِ)؛ أي : وصل إليه واستقرَّ فيه ( جَزَّاً) أي : قَسَمَ
( دُخُوْلَهُ) ؛ أي : زمن دخوله ( ثَلاثَةَ أَجْزَاءٍ ) أي : ثلاثة أقسام .
( جُزْءاً للهِ ) تعالى يستفرغ فيه وُسْعَه لعبادة الله والتفكّر في مصنوعاته ،
( وَجُزْءاً لأَهْلِهِ) أي : المؤانسة أهله ومعاشرتهم ، فإنَّه كان أحسن الناسِ
عشرةً ،
٣٨٩

وَجُزْءاً لِنَفْسِهِ. ثُمَّ جَزََّ جُزْأَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَيَرُدُّ بِالْخَاصَّةِ عَلَىُ
الْعَامَّةِ ، وَلاَ يدَّخِرُ عَنْهُمْ شَيْئاً .
وَكَانَ مِنْ سِيرَتِهِ فِي جُزْءِ الأُمَّةِ إِيْثَارُ أَهْلِ الْفَضْلِ بِإِذْنِهِ ، وَقَسْمُهُ
عَلَى قَدْرِ فَضْلِهِمْ فِي الدِّينِ ،
( وَجُزْءاً لِنَفْسِهِ ) أي : لنفع نفسه ، فيفعل فيه ما يعود عليه بالتكميل الأُخروي
والدنيوي .
( ثُمَّ جَزَّأَ جُزْءَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ ) ؛ أي : ثُمَّ قَسَمَ جزأه الذي جعله لنفسه بينه
وبين جميع الناس ؛ سواء من كان موجوداً ، ومَنْ سيوجدُ بعدهم إلى يوم القيامة
بواسطة التبليغ عنه .
( فَيَرُدُ بَالخَاصَّةِ عَلَى الْعَامَّةِ ) ؛ أي : فيردُّ ذلك الجزء الذي جعله للناس بسبب
خاصَّة الناس وهم أهله وأفاضلُ الصحابة الذين كانوا يدخلون عليه في بيته ،
فيأخذون عنه الأحاديث ؛ ثم يبلِّغُونها للذين لم يدخلوا بعد خروجهم من عنده ،
فكان يُوصل العلوم لعامَّة الناس بواسطة خاصَّتهم .
( وَلاَ يَدَّخِرُ ) - بتشديد الدال المهملة ؛ كما هو الرواية - أي: لا يُخفي ( عَنْهُمْ
شَيْئاً ) من تعلُّقات النصح والهداية .
( وَكَانَ مِنْ سِيْرَتِهِ ): من عادته وطريقته ( فِي جُزْءِ الأُمَّةِ ) ، أي : فيما يصنع
في الجزء الذي جعله لأُمَّته ( إيْثَارُ) أي : تفضيل ( أَهْلِ الفَضْلِ ) حسباً أو نسباً ؛ أو
سبقاً أو صلاحاً ، أي يقدِّمُهم على غيرهم في الدخول عليه وإبلاغ أحواله للعامَّة ، أو
في الحاجة كلُّ ذلك إنما كان ( بِإِذْنِهِ ) لهم في ذلك .
( وَ) كان من سيرته في ذلك الجزء أيضاً (قَسْمُهُ) - بالفتح ؛ مصدر قَسَم -
معطوفٌ على ((إيثار)) ، أي: قسم ذلك الجزء ( عَلَى قَدْرٍ فَضْلِهِمْ ) أي مراتبهم
( فِي الدِّيْنِ ) من جهة الصلاح والتقوى ، لا من جهة الأحساب والأنساب . قال تعالى
﴿إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَّكُمْ﴾ [١٣/ الحجرات]، أو المراد على قدر حاجاتهم في الدين.
٣٩٠

فَمِنْهُمْ ذُو الْحَاجَةِ ، وَمِنْهُمْ ذُو الْحَاجَتَيْنِ ، وَمِنْهُمْ ذُو الْحَوَائِجِ ؛
فَيَتَشَاغَلُ بِهِمْ وَيَشْغَلُهُمْ فِي مَا يُصْلِحُهُمْ وَاَلْأُمَّةَ ، مِنْ مَسْأَلَتِهِمْ عَنْهُ ،
وَإِخْبَارِهِمْ بِالَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ، وَيَقُولُ: ((لِيُبلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ
اُلْغَائِبَ، وَأَبْلِغُونِي حَاجَةَ مَنْ لاَ يَسْتَطِيعُ إِبْلاَغَهَا ،
ويلائمه قوله ( فَمِنْهُمْ ذُوْ أَلْحَاجَةِ ) الواحدة ، ( وَمِنْهُمْ ذُوْ اَلحَاجَتَّنِ ، وَمِنْهُمْ ذُوْ
الحَوَائِجِ ) ، فَإِنَّ هُذا بيانٌ للتفاوت في مراتب الاستحقاق ، والفاء للتفصيل والمراد
بـ ((الحوائج )) المسائلُ المتعلِّمَةُ بالدِّين .
( فَيَشَاغَلُ بِهِمْ) ؛ أي: فيشتغل بذوي الحاجات ( وَيَشْغَلُهُمْ) - بفتح أوله
مضارع ؛ شغله كمنعه - ( فِي مَا ) أي : الذي ( يُصْلِحُهُمْ، وَ) يصلح ( أُلأُمَّةَ )؛
من قبيل عطف العامِّ على الخاصِّ ، سواء كان المرادُ أُمَّةَ الدعوة ، أو أمّة الإجابة ؛
والمعنى : لا يدعهم يشتغلون بما لا يعنيهم ؛ بل يشغلهم بما يُصلحهم ويصلح
الأمة .
( مِنْ) بيانٌ لـ ((ما)) (مَسْأَلَتِهِمْ) أي: سؤالهم النبي ◌َِّ (عَنْهُ) أي: عما
يُصلحهم ويصلح الأمة، ( وَإِخْبَارِهِمْ ) أي: إخبار النبي إِيَّاهم ( بِأَلَّذِيْ يَنْبَغِيْ لَهُمْ )
أي : بالأحكام التي تليق بهم ، وبأحوالهم وزمانهم ومكانهم ، والمعارف التي
تَسَعُها عقولُهُم .
(وَيَقُولُ) لهم بعد أن يفيدهم ما يصلِحُهم ويصلح الأُمَّة: ( ((لِيُبلِّغِ الشَّامِدُ )
الحاضر ( مِنْكُمُ ) الآن ( أُلغَائِبَ) عن المجلس من بقيّة الأمة حتى مَن سيوجد .
( وَ) يقول لهم أيضاً: ((أَبْلِغُوْنِيْ) أي: أَوصلوا إليَّ ( حَاجَةَ مَنْ لاَ يَسْتَطِيْعُ
إِبْلاَغَهَا ) ، إيَّاي لعذر كمرض ، أو بُعد ، أو ضعف ؛ كالنساء والعبيد والمرضى
والغائبين .
وهذا من كمال تواضعه وَ له وشفقته على أُمَّته ، واعتنائه بهدايتهم وإصلاحهم
ما استطاع .
٣٩١

فَإِنَّهُ مَنْ أَبْلَغَ سُلْطَاناً حَاجَةَ مَن لاَ يَسْتَطِيعُ إِبْلَاغَهَا .. ثَبَّتَ اللهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ ))؛ لاَ يُذْكَرُ عِنْدَهُ إِلَّ ذَلِكَ، وَلاَ يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ غَيْرَهُ .
يَدْخُلُونَ رُوَّاداً - أَنْ: طُلَّباً - وَلاَ يَفْتَرِقُونَ إِلَّ عَنْ ذَوَاقٍ ،
ويؤخذ من ذلك أَنَّه يسنُّ المعاونة ، والحثُّ على قضاء حوائج المحتاجين .
ثم رغَّب في ذلك وحثَّ عليه بقوله ( فإِنَّهُ) أي : الحال والشأن ( مَنْ أَبْلَغَ
سُلْطَاناً) أي : قادراً على تنفيذ ما يبلغه ؛ وإن لم يكن سلطاناً حقيقةً ( حَاجَةَ مَنْ
لاَ يَسْتَطِيْعُ إِبْلاَغَهَا ) ؛ أي : من لا يقدر على إيصالها ( ثَبَتَ اللهُ قَدَمَيْهِ ) على الصراط
( يَوْمَ الِقِيَامَةِ))) يوم تزلُّ الأقدام . دينية كانت الحاجة أو دنيوية ، فإنَّه لما حَرَّكَهما
في إبلاغ حاجة هذا الضعيف جُوزي بثباتهما على الصراط .
( لاَ يُذْكَرِ عِنْدَهُ إِلَّ ذَلِكَ ) أي : لا يُحكى عنده إلاَّ ما ذُكر مما ينفعهم في
دينهم ؛ أو دنياهم ، دون ما لا ينفعهم في ذلك ؛ كالأمور المباحة التي لا فائدة
فيها ، وهذا الحصر غالبي ، ومنه يعرف حالة قوله
( وَلاَ يَقْبَلُ) وَِّ (مِنْ) كلام ( أَحَدٍ ) شيئاً ( غَيْرَهُ) أي : غير المحتاج إليه ،
فهو توكيدٌ للكلام الذي قبله ( يَدْخُلُوْنَ رُؤَّاداً ) - بضم الراء وتشديد الواو - ( أَيْ :
طُلاَباً ) للمنافع في دينهم أو دنياهم ، المكملة لعقولهم ونفوسهم ، فهو جمعٌ زائد
من الرَّوْد ؛ وهو الطلب ، وهو - في الأصل -: مَن يتقدَّم القومَ لينظرَ لَهُم الكلأَ
ومساقط الغيث ، ثم استعير هنا لتقدُّم أكابر الصَّحب في الدخول عليه ليستفيدوا
ما يصلح أمر الأُمّة ، ويكون سبباً لوقايتهم من مهالك الجهل وغوائل الهوى .
( وَلاَ يَفْتَرِقُوْنَ إِلاَّ عَنْ ذَوَاقٍ ) - بفتح أوله فَعَال ؛ بمعنى مفعول ؛ من الذوق -
أي : مذوق طعام حسِّيٍّ ؛ على ما هو الأغلب ، أو معنوي من الأدب ، فإنَّه يقوم
لأرواحهم مقام الطعام لأجسادهم، و((عن)) بمعنى (( بعد)) كقوله تعالى ﴿لَتَرَّكَبُنَّ
[الانشقاق] .
١٩)
طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ [
وقال بعضهم : الأصل في الذوَاق الطعام ، إلا أنَّ العلماء كلَّهم حملوه على
٣٩٢

وَيَخْرُجُونَ أَدِلّةً؛ يَعْنِي : عَلَى الْخَيْرِ .
قَالَ : فَسَأَلْتُهُ عَنْ مَخْرَجِهِ : كَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ فِيهِ ؟
قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْزُنُ لِسَانَهُ إِلاَّ فِيمَا
يَعْنِيهِ ، وَيُؤَلِّفُهُمْ وَلاَ يُنَفِّرُهُمْ،
العلم والخير ، لأن الذوق قد يستعار ؛ كما في القرآن ﴿فَأَذَقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوع
وَالْخَوْفِ﴾ [١١٢/ النحل] أي: لا يقومون من عنده إلاَّ وقد استفادوا علماً جزيلاً وخيراً
كثيراً .
( وَيَخْرُجُوْنَ ) من عنده ( أَدِلَّةٌ ) قال القُسْطُلَّني : الروايةُ المشهورة الصحيحة
بدالٍ مهملة ، جمع دليل أي : علماء يَدُلُون الناس . ( يَعْنِي عَلَى ) ما علموه من
( الخَيْرِ ) ، ولهذا قال: ((أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ » .
وقال الكازروني : أذِلَّة - بالمعجمة ؛ من الذل - : التواضع ، ومعناه :
متواضعون يخضع بعضهم لبعض لأجل الموعظة التي يسمعون ، والقرآنِ الذي
يتلون. وهو حَسَن لو ساعدَتْه الروايةُ؛ لكنه لا يناسب قوله (( يَعْنِي عَلَى الْخَيْرِ ».
( قَالَ ) أي : الحسين : ( فَسَأَلْتُهُ) ؛ أي : أبي (عَنْ مَخْرَجِهِ ) أي : عن سيرته
وطريقته في زمن خروجه من البيت (: كَيِّفَ كَانَ يَصْنَعُ فِيْهِ ؟! قَالَ ) أي : عليٌّ
رضي الله عنه .
( كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَّهِ يَخْزُنُ) - بضم الزاي وكسرها ، أي : يحبس ويضبط -
( لِسَانَهُ إِلاَّ فِيْمَا يَعْنِيْهِ ) - بفتح المثناة التحتية - أي: يَهمُّه مما ينفع دينياً ؛ أو دنيوياً ،
فكان كثير الصمت إلاَّ فيما يعني ، كيف وقد قال: (( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ
فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ)) ؟ !.
(وَيُؤَلِّفُهُمْ) - بفتح الهمزة وتشديد اللام ؛ من الألفة - أي: يؤلِّف بينهم حتَّى
يجعلهم كنفس واحدة ؛ بحيث لا يبقى بينهم تباغضٌ بوجه ، أو يجعلهم آلفين له
مقبلين عليه بحاسيّتهم بحسن الخلق معهم وملاطفتهم .
( وَلاَ يُنَفِّرُهُمْ ) - بتشديد الفاء - أي : لا يفعل بهم ما يكون سبباً لنفرتهم ، لما
٣٩٣

وَيُكْرِمُ كَرِيمَ كُلِّ قَوْمٍ وَيُؤَلِّيهِ عَلَيْهِمْ ، وَيَحْذَرُ النَّاسَ وَيَخْتَرِسُ مِنْهُمْ ؛
مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْوِيَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ بِشْرَهُ وَلاَ خُلُقَهُ ، وَيَتَفَقَّدُ أَصْحَابَهُ ،
وَيَسْأَلُ النَّاسَ عَمَّا فِي النَّاسِ ،
عنده من العفو والصفح والرأفة بهم .
( وَيُكْرِمُ كَرِيْمَ كُلِّ قَوْمٍ ) أي : يعظِّمُ أفضل كلِّ قوم بما يناسبه من التعظيم .
( وَيُؤَلِّيْهِ ) أي : يجعله والياً : أي حاكماً (عَلَيْهِمْ) وأميراً فيهم ، لأن القوم
أطوعُ لكبيرهم مع ما فيه من الكرم الموجب للرفق بهم . وهذا من تمام حسن نظره
وعظيم تدبيره .
(وَيَحْذَرُ النَّاسَ ) - بفتح الياء وخفة الذال ؛ كيعلم، وعليه أكثر الرُّواة - أي :
يحترز من الناس ، لأنه لم يكن مغفَّلاً. ( وَيَخْتَرِسُ مِنْهُمْ) أي : يتحقَّظ من كثرة
مخالطتهم المؤدِّيَةِ إلى سقوط هيبته وجلالته من قلوبهم ، لكن لا يفرط في ذلك ؛
بل يحترس ( مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْوِيَ) - بكسر الواو - ( عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ) من الناس ( بِشْرَهُ )
- بكسر الموحّدة وسكون الشين المعجمة - أي : طلاقة وجهه وبشاشة بشرته
( وَلا خُلُقَهُ) - بضمتين - أي: من غير أن يمنع عن أحد من الناس طلاقةَ وجهه
ولا حسْنَ خلقه .
(وَيَتَفَقَّدُ أَصْحَابَهُ ) أي : يسأل عنهم حال غيبتهم ، فإن كان أحد منهم مريضاً
عاده ، أو مسافراً دعا له ، أو ميتاً استغفر له ، وذلك من مكارم الأخلاق كما
قيل ...
وَمِنْ عَادَةِ السَّادَاتِ أَنْ يَتَفَقَّدُوا أَصَاغِرَهُمْ وَالْمَكْرُمَاتُ عَوَائِدُ
( وَيَسْأَلُ النَّاسَ ) أي: يسأل خاصَّة أصحابه ( عَمَّا) وقع ( فِي النَّاسِ ) ؛ ليدفع
ظلم الظالم ، وينتصر للمظلوم ، ويقوِّي جانب الضعيف .
وليس المراد أنَّه يتجسَّس عن عيوبهم ويتفخَّص عن ذنوبهم .
ويؤخذ منه أنَّه ينبغي للحُكَّام أن يسألوا عن أحوال الرعايا ، وكذلك الفقهاء
٣٩٤

وَيُحَسِّنُ الْحَسَنَ وَيُقَوِّيهِ ، وَيُقَبِّحُ الْقَبِحَ وَيُوَهِّيهِ، مُعْتَدِلُ الأَمْرِ غَيْرُ
مُخْتَلِفٍ ،
والصلحاء ، والأكابر الذين لهم أتباع ؛ فلا يغفلون عن السؤال عن أحوال أتباعهم ،
لئلا يترتَّب على الإهمال مضارٌّ يعسر دفعها .
( وَيُحَسِّنُ ) - بتشديد السين المهملة ؛ من التحسين - أي : يصفُ الشيء
( أُلحَسَنَ ) بمعنى أنَّه يظهر حسنه بمدحه ؛ أو مدح فاعله ( وَيُقَوِّيْهِ ) ؛ من التقوية
أي : يظهر قوَّته بدليل معقول أو منقول .
(وَيُقَبِّحُ) - بتشديد الموخَّدة؛ من التقبيح - أي: يصف الشيء (اُلْقَبِيْحَ)
بالقُبْح ، بمعنى أنَّه يظهر قبحه بذَمِّه أو ذَمِّ فاعله ، ولا يبالي به ؛ وإن عَظُم قدره
وتناهى جاهه . ( وَيُوَهِّيْهِ ) - بتشديد الهاء - أي: يجعله واهياً ضعيفاً بالمنع والزجر
عنه .
وبين ((الحسن)) و((القبيح))، و ((يقوِّيه)) و ((يوهِّيه)) من أنواع البديع
الطّباقُ .
( مُعْتَدِلُ الأَمْرِ ) : مستويه ، والأمر الشأن ، أو هو ضدُّ النهي ، يعني : لا يأمر
بما لا يطاق ( غَيْرُ مُخْتَلِفٍ ) هو إلى الإطناب أقربُ، إذ (( معتدل الأمر )) يغني عنه ،
لكن هذا مقامُ مدح ؛ والإطنابُ يليق به .
وحاصل المعنى : أنَّ سائر أفعاله وأقواله على سَنَن الاستواء والاعتدال ، وهي
مع ذلك مصونةٌ عن أن يصدر فيها منه أشياء متخالفة المحامل ؛ متباينة الأواخر
والأوائل .
والرواية في كلٍّ من هاتين الكلمتين بالرفع ؛ على أنه خبر مبتدأ محذوف ؛ مع
أن ظاهرَ السياق النصبُ على أنَّه معطوف على خبر (( كان)) بحذف حرف العطف ،
أي : وكان معتدلَ الأمر غيرَ مختلف .
ولعل وجه الرفع : أن كونه معتدلَ الأمر غيرَ مختلفٍ من الأمور اللازمة التي
٣٩٥

لاَ يَغْفُلُ مَخَافَةَ أَنْ يَغْفُلُوا أَوْ يَمِيلُوا، لِكُلِّ حَالٍ عِنْدَهُ عَتَادٌ - أَيْ: شَيْءٌ
مُعَدّ وَمُهَيَّأُ - لاَ يُقَصِّرُ عَنِ الْحَقِّ وَلاَ يُجَاوِزُهُ ، الَّذِينَ يَلُونَهُ مِنَ النَّاسِ
خِيَارُهُمْ ، أَفْضَلُهُمْ عِنْدَهُ أَعَمُّهُمْ نَصِيحَةً ،
لا تنفكُ عنه أبداً !!. والرفعُ - على أنَّ ذلك خبر مبتدأ محذوف - يقتضي أن يكون
الكلامُ جملةً اسمية ، وهي تفيد الدوام والاستمرار .
( لاَ يَغْفُلُ ) عن تذكيرهم وتعليمهم وإرشادهم ونُصحهم ( مَخَافَةَ ) ؛ مفعولٌ
من أجله ( أَنْ يَغْفُلُوا) عن استفادة أحواله وأفعاله، ( أَوْ يَمِيْلُوْا) إلى الدَّعَة
والراحة ، أو يميلوا عنه وينفُرُوا منه كما هو شأن المسلِّكين ، فإنَّهم لا يغفلون عن
إرشاد تلامذتهم ؛ مخافةَ أن يغفلوا عن الأخذ عنهم، أو يميلوا إلى الكَسَل
والرفاهية .
( لِكُلِّ حَالٍ ) من أحواله وأحوال غيره ( عِنْدَهُ عَتَادٌ ) - بفتح العين المهملة ومثنَّاة
فوقية ؛ كسحاب - ( أَيْ شَيْءٌ مُعَذٌّ) له (وَمُهَيَّأٌ) ، فكان يعدُّ للأمور أشكالها
ونظائِرَها كآلة الحرب وغيرها .
( لاَ يُقَصِّرُ ) ؛ من التقصير، أو القصور (عَنِ الحَقِّ ) أي : عن استيفائه
لصاحبه ؛ أو عن بيانه ، ( وَلاَ يُجَاوِزُهُ) ؛ أي : لا يأخذ أكثر منه .
( أَلَّذِيْنَ يَلُوْنَهُ مِنَ النَّاسِ ) ؛ أي : الذين يقربون منه في المجلس لاكتساب
الفوائد ونشرها وتعليمها ( خِيَارُهُمْ) ؛ لأنهم الذين يصلحون لاستفادة العلوم
وتعلُّمها، ومن ثمَّ قال: ((لِيَلِي مِنْكُمْ أُولُو اُلأَّحْلاَمِ وَالنُّهَىْ، ثُمَّ الَّذِيْنَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ
الَّذِيْنَ يَلُونَهُمْ » .
وينبغي للعالِم في درسه أن يجعل الذين يقربون منه خيارَ طَلَبته ، لأنَّهم هم
الذين يوثق بهم عِلماً وفهماً .
( أَفْضَلُهُمْ عِنْدَهُ أَعَمُّهُمْ) ؛ أي : أفضل الناس عنده ◌َّ أكثرهم ( نَصِيْحَةً )
للمسلمين في الدين والدنيا ، فإنَّه ورد: ((الدِّيْنُ النَّصِيْحَةُ)).
٣٩٦

وَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً أَحْسَنُهُمْ مُوَاسَاةَ وَمُؤَازَرَةً .
قَالَ: فَسَأَلْتُّهُ عَنْ مَجْلِسِهِ .
فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَقُومُ وَلاَ يَجْلِسُ إِلاَّ
عَلَى ذِكْرٍ ، وَإِذَا أَنْتُهَى إِلَى قَوْمٍ . . جَلَسَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ
( وَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً) ؛ أي: مرتبة ( أَحْسَنُهُمْ مُوَاسَاةً)؛ وإحساناً
للمحتاجين بالنفس والمال ؛ ولو مع احتياج أنفسهم ، لقوله تعالى ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى
أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [٩٠/ الحشر] (وَمُؤَازَرَةً) أي : معاونة لإخوانهم في
مهمات الأمور؛ من البر والتقوى، لقوله تعالى ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَالنَّقْوَى﴾ [٢/ المائدة] .
وإنما قسم مدخله دون مخرجه؛ مع أنه ينقسم أيضاً ثلاثة أجزاء :
١ - قسم الله؛ وهو وقت الصلاة والتعليم، و ٢ - قسم لنفسه ؛ وهو : ما تدعو
إليه ضرورته . و ٣ - قسم للناس؛ وهو: السعيُ في حوائجهم !!
لأنهم يعلمون حالَه في خروجه ؛ فلم يحتج لتقسيمه .
( قَالَ) أي الحسين (: فَسَأَلْتُهُ) أي علياً (عَنْ مَجْلِسِهِ)؛ أي عن أحواله ◌َّل
في وقت جلوسه : ( فَقَالَ ) أي عليٌّ :
( كَانَ رَسُوْلُ اللهِوَ لا يَقُوْمُ) من مجلسه ( وَلاَ يَجْلِسُ) فيه ؛ (إِلاَّ عَلَى ذِكْرٍ )
أي : إلاَّ في حال تلُسه بالذكر الله تعالى، ((فَعَلَى)) للملابسة ، وهي مع مَدْخولِها
في محلِّ نصبٍ على الحال .
ويؤخذ منه ندبُ الذكر عند القيام وعند القعود .
والأصل في مشروعيّة ذلك قولُه تعالى ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى
جُنُوبِهِمْ﴾ [١٩١/ آل عمران] والمقصود من ذلك تعميمُ الأحوال .
وبالجملة فالذكر أعظم العبادات ، لقوله تعالى ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾
[٤٥/ العنكبوت] .
( وَإِذَاَ أَنْتَهَىُ ) أي: وصل (إِلَى قَوْمٍ) جالسين ( جَلَسَ حَيْثُ يَنْتَهِيْ بِهِ) وَلُّ
٣٩٧

الْمَجْلِسُ، وَيَأْمُرُ بِذَلِكَ، يُعْطِي كُلَّ جُلَسَائِهِ بِنَصِيبِهِ، لاَ يَحْسِبُ
جَلِيسُهُ أَنَّ أَحَداً أَكْرَمُ عَلَيْهِ مِنْهُ .
( المَجْلِسُ ) أي : يجلس في أيِّ مكان يلقاه خالياً ، ولا يترفَّع على أصحابه لمزيد
تواضعه ومكارم أخلاقه ، حيث لم يتكلَّف خطوةً زائدة على الحاجة لحظٍّ نفسه حتى
يجلس في صدر المجلس .
ولأن القصد من قطع الطريق وتعب المشي للبلوغ والوصول إلى القوم ، فإذا
وصل إلى أوَّلهم كان المشيُّ بعد ذلك عبئاً وتكبُّراً لا يليق بحال العاقل ؛ فضلاً عن
الفاضل ؛ فضلاً عن أفضل الناس !!
(وَيَأْمُرُ بِذَلِكَ ) أي : بالجلوس حيث ينتهي به المجلس ؛ إعراضاً عن رعونة
النفس وأغراضها الفاسدة .
وقد ورد أمرُه بذلك فيما رواه الطبرانيُّ ، والبيهقيُّ ؛ عن شيبة بن عثمان
مرفوعاً: ((إِذَا أَنْتُهَى أَحَدُكُمْ إِلَى المَجْلِسِ؛ فَإِنْ وُسِّعَ لَهُ فَلْيَجْلِسْ ، وَإِلاَّ فَلْيَنْظُرْ إِلَى
أَوْسَعِ مَكَانٍ يَرَاهُ ؛ فَلْيَجْلِسْ فِيْهِ » .
وبالجملة فقد ثبت مشروعية ذلك فعلاً وأمراً .
( يُعْطِي كُلَّ) واحد من ( جُلَسَائِهِ بِنَصِيْيِهِ ) ، أي : شيئاً بقدر نصيبه ؛ أي :
حظّه من البشر والطلاقة والكرامة والتعليم والتفهيم ؛ بحسب ما يليق به ، فالمفعولُ
الثاني مقدَّر. وقيل: إن الباء زائدةٌ في (( بنصيبه)) الذي هو المفعولُ الثاني للتأكيد .
( لاَ يَحْسَبُ) - بفتح السين وكسره ؛ أي: لا يظنُّ - (جَلِيْسُهُ) الإضافة
للجنس ؛ فيشمل كلَّ واحد من مُجالسيه ( أَنَّ أَحَداً) مِن أمثاله وأقرانه ( أَكْرَمُ
عَلَيْهِ ) وَّرِ ( مِنْهُ ) ؛ أي : من نفسه .
وذلك لكمال خُلُقه وحسن معاشرته لأصحابه ، فكان يظنُّ كلُّ واحدٍ منهم أنَّه
أقربُ من غيره إليه ، وأَحبُّ الناس عنده ، لما تَبيَّن له من عظيم بِشره وتقريبه .
وهذا هو الكمال الأعظم !
٣٩٨

مَنْ جَالَسَهُ أَوْ فَاوَضَهُ فِي حَاجَةٍ .. صَابَرَهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ اَلْمُنْصَرِفَ
عَنْهُ، وَمَنْ سَأَلَهُ حَاجَةً . . لَمْ يَرُدَّهُ إِلَّ بِهَا أَوْ بِمَيْسُورٍ مِنَ اُلْقَوْلِ .
قَدْ وَسِعَ النَّاسَ بَسْطُهُ وَخُلُقُهُ، فَصَارَ لَهُمْ أَباً
(مَنْ جَالَسَهُ) أي: جلس معه ، ( أَوْ فَاوَضَهُ) ؛ أي : شرع معه في الكلام في
مشاورة أو مراجعة ( فِي حَاجَةٍ ) له، و((أو)) للتنويع ؛ خلافاً لمن جعلها للشكِّ .
(صَابَرَهُ ) ؛ أي : غلبه في الصبر على المجالسة ، أو المكالمة فلا يبادِرُ بالقيام
من المجلس ، ولا يقطع الكلام ، ولا يظهر الملل والسآمة ، بل يستمُ معه ( حَتَّى
يَكُوْنَ) أي: المجالِسُ؛ أو المفاوضُ ( هُوَ المُنْصَرِفَ عَنْهُ) بَّةِ، لمبالغته في
الصبر معه .
(وَمَنْ سَأَلَهُ ) وَلَّهِ أَيَّ إنسان كان (حَاجَةٌ ) أيََّ حاجة كانت؛ ( لَمْ يَرُدَّهُ ) أي :
السائل ( إِلاَّ بِهَا ) إِنْ تيسَّرت عنده، (أَوْ بِمَيْسُوْرٍ مِنَ القَوْلِ ) ؛ إن لم تتيسر لفقدٍ ؛
أو مانع يقتضيه .
وهذه قضيةٌ مانعةُ خلوّ ؛ أي : لا يخلو حالُه حيْن يُسأل من إعطاء المسؤول ،
أو الرّد بسهولة ولين قوله ، ليكون ذلك مسلاة له عن حاجته .
وهذا من كمال سخائه ومروءته وحيائه . وهذا المعنى مأخوذٌ من قوله تعالى
[الإسراء] ومن ذلك
٢٨
﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُ أَثْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن زَّيِكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا
الميسور أن يَعِدَ السائل بعطاءٍ إذا جاءه شيءٌ ؛ كما وقع له مع كثيرين ، ولذلك قال
الصدِّيق رضي الله تعالى عنه - بعد استخلافه ؛ وقد جاءه مال ـ: مَنْ كان له عند
رسول الله وَلِّ عِدَةٌ فليأتِنا ، فَأَتَوه فوقَّهم .
( قَدْ وَسِعَ ) - بكسر السين ؛ أي: عمَّ ــ ( النَّاسَ) أجمعين حتَّى المنافقين
( بَسْطُهُ) أي: بشره وطلاقةُ وجهه ( وَخُلُقُهُ) أي: حسن خلقه الكريم، لكونه وِّ
يلاطف كلَّ واحد بما يناسبه، ( فَصَارَ لَهُمْ) أي: للناس ( أَباً ) في الشفقة
والرحمة، وأعظمَ من أبٍ ، إذ غايةُ الأب أَنْ يسعى في صلاحِ الظاهر؛ وهو ◌َّ
٣٩٩

وَصَارُوا عِنْدَهُ فِي أَلْحَقِّ سَوَاءً.
مَجْلِسُهُ مَجْلِسُ حِلْمٍ وَحَيَاءٍ، وَصَبْرٍ وَأَمَانَةٍ، لاَ تُرْفَعُ فِيهِ الأَصْوَاتُ،
يسعى في صلاح الظاهر والباطن .
( وَصَارُوا عِنْدَهُ فِي الحَقِّ سَوَاءً) أي : مستوين في الحَقِّ لسلامته من الأغراض
النفسانية الحاملة للإنسان على أتباع هواه ، فالبعيدُ عن الحقِّ والطالبُ له عنده سواءٌ
فيُوصِل بكلِّ إنسان منهم ما يستحقُّه ويليق به ، ولا يطمعُ أحدٌ منهم أن يتميّز على
أحد عنده لكمالٍ عدله .
( مَجْلِسُهُ مَجْلِسُ حِلْمٍ ) - بكسر الحاء واللام ؛ أي : منه عليهم . وفي نسخة
من (( الشمائل)): علم؛ بدل : حلم ، أي : يفيدُهم إيَّه ، كما قال تعالى
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [١٢٩/ البقرة].
(وَحَيَاءٍ ) أي: منهم ، فكانوا يجلسون معه على غاية من الأدب؛ كأنَّما على
رؤوسهم الطير .
( وَصَبْرٍ) أي: منه مَِّ على جَفْوَتهم، لقوله تعالى ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّا غَلِظَ الْقَلْبِ
لَأَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكٌ ﴾ [١٥٩/ آل عمران] .
( وَأَمَانَةٍ ) أي : منهم على ما يقع في المجلس من الأسرار ، والمراد أنَّ مجلسَه
مجلسُ كمالِ هذه الأمور ، لأنه مجلسُ تذكير بالله تعالى ، وترغيب فيما عنده من
الثواب ، وترهيب مما عنده من العقاب فترقُّ قلوبهم ، فيزهدون في الدنيا ويرغبون
في الآخرة .
( لاَ تُرْفَعُ ) البناء للمفعول ( فِيْهِ ) أي : في مجلسه ( الأَصْوَاتُ ) ؛ أي :
لا يرفع أحدٌ من أصحابه صوتَه في مجلسه ◌ِّهَ إِلاَّ لمجادلةِ معاندٍ ، أو إرهاب عدوٍّ
وما أشبه ذلك ، لقوله تعالى ﴿ يََّيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ﴾
[٢/ الحجرات] وَّر، فكانوا رضي الله عنها-م] على غاية من الأدب في مجلسه ،
بخلاف كثير من طلبة العلم ، فإنَّهم يرفعون أصواتهم في الدروس ؛ إما لرياءٍ ، أو
بُعْد فهم .
٤٠٠