Indexed OCR Text
Pages 221-240
أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ .. فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا )). يرضى أَكْلَهُ المتعقّب بالحمد ، مع أَنَّ نفعه لنفسهِ ، فكيف بالحمد على ما لا نفع له فيه ؟ !. ( أَوْ ) - للتَّنويع، وليست للشَّكِ ــ ( يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ) - بفتح الشِّين المعجمة ، لا غير - وهذا يرجِّحُ الوجهَ الأوَّل في ضبط الأكلة، وكلٌّ من الأكلة والشَّربة مفعول مطلق - ( فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا)) ) ؛ يعني : يرضى عنه ؛ لأَجل أحد هذين الفعلين أيّاً كان ، وفيه أنَّ أصل سُنّةِ الحمد بعد كلٍّ من الطَّعام والشَّراب يحصل بأيِّ لفظ اشتقَّ من مادَّة ((حمد))، بل بما يدلُّ على الثَّناء على الله تعالى . وما سبق من حمده ◌ّ﴿ المُشْتَمِلِ على تلك الصِّفات البَلِيغَةِ البَديعَةِ! إِنَّما هو لبيان الأكمل ؛ وفي هذا تنويه عظيم بمقام الشُّكْرِ ، حيثُ رتَّب هذا الجزاء العظيم - الذي هو أكبر أنواع الجزاء، كما قال سبحانه وتعالى ﴿ وَرِضْوَانٌّ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرٌ﴾ [٧٢/ التوبة] - في مقابلة شُكْرِهِ بالحمد . وعَبَّرَ بالمرَّة ! إِشعاراً بأَنَّ الأكلَ والشُّرْبَ يُستحقُّ الحمدُ عليه ؛ وإنْ قلَّ جداً ، أو أنَّه يتعيَّن علينا أنْ لا نحتقر من الله شيئاً ؛ وإنْ قلَّ . وَيُسَنُّ خفضُ صوتِهِ به إذَا فرغ ؛ ولم يفرغ رفقته ، لِئَلأَّ يكون منعاً لهم . ٢٢١ الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي صِفَةٍ فَاكِهَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( الفَصْلُ الرَّابعُ ) من الباب الرَّابع ( فِي) بيان الأخبار الواردة في (صِفَةٍ فَاكِهَتِهِ وَلَّ ). والفاكهة : ما يتفكّه ، أي : يتنعَّم ويتلذَّذ بأكله رطباً كان ؛ أو يابساً كَتِينٍ وبطيخٍ وزبيبٍ ورطبٍ ورمانٍ ، ومنه الفُكَاهَةُ - بالضَّمِّ - للمزاح؛ لانْبِسَاطِ النَّسِ ، وَتَفَكَّةٌ بالشَّيْءِ : تَمَتَّعَ بهِ . وَتَفَكَّهَ: أَكَلَ الفاكِهَةَ، وقوله تعالى ﴿فِهِمَا فَكِهَةٌ وَخْلٌ ﴾ [الرحمن] . وَرُمَانٌ قال أهل اللُّغَةِ: إنَّما خصَّ ذلك بالذِّكْر !! لأنَّ العربَ تَذْكُرُ الأشياءَ مجملةً، ثمَّ تخص منها شيئاً بالتَّسمية ؛ تنبيهاً على فضل فيه ، ومنه قوله تعالى ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ الََّيْئِنَ مِشَقَهُمْ وَمِنَكَ وَمِن نُّوِ وَإِبْرَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيمٌ﴾ [٧/ الأحزاب] وَكذلك ﴿ مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَبِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ﴾ [٩٨/ البقرة]. فَكَمَا أنَّ إخْرَاجَ محمَّد ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى من النَّبيين ، وإخراج جبريل وميكائيل من الملائكة ممتنع ؛ كذلك إخراج النَّخْلِ والرُّمَّان من الفاكهة ممتنع . قال الأزهري : ولا أعلم أحداً من العرب قال : النَّخْلُ والرُّمَّانُ ليسا من الفاكهة))، ومن قال ذلك من الفقهاء !! فَلِجَهْلِهِ بلغةِ العرب وبتأْوِيلِ القُرآنِ(١). وكما يجوز ذكر الخاص بعد العام للتَّفضيل ؛ كذلك يجوز ذكر الخاصِّ قبل (١) وحجَّةُ من قال من الفقهاء أَنَّ الرُّمان والتمر ليسا من الفاكهة ؛ هو العطف، ولأن التمر فاكهةٌ وغذاء ، والرُّمان فاكهةٌ ودواء ، فلم يخلصا لتفُّه ، وعلى هذا القول بعض الفقهاء ، وأما عامة المفسرين وأهل اللُّغة فعلى أنَّ التمر والرُّمان من جملة الفواكه ، وإنما فصلهما بالذكر : للتخصيص والتفضيل. كقوله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَبِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَحِبِيلَ وَمِيكَنلَ﴾ [٩٨/ البقرة]. ٢٢٢ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْخُذُ الزُّطَبَ بِيَمِينِهِ، وَالْبِطِّيخَ بِيَسَارِهِ ، وَيَأْكُلُ الرُّطَبَ بِالْبِطَّيْخِ، وَكَانَ أَحَبَّ الْفَاكِهَةِ إِلَيْهِ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ الرُّطَبَ، وَيُلْقِي النَّوَى عَلَى الطَّبَقِ. ٨٧ العامِّ للتفضيل، قال تعالى ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ [الحجر]. انتهى ((مصباح)). أخرج الطَّراني في ((الأوسط))، وأبو نعيم في ((الطب))، وأبو الشيخ في ((الأخلاق))، والحاكم في ((الأطعمة))؛ من حديث أنس بن مالك رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ، بسند ضعيف قال : ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِّهِ) إذا أكل رُطَباً وَبِطّيخاً مَعَاً (يَأْخُذُ الرُّطَبَ بِيَمِيْتِهِ ) ؛ أي: بيده اليمين ، ( وَالِطَّيْخَ بِيَسَارِهِ؛ وَيَأْكُلُ الرُّطَبَ بِالبِطِّيْخِ ) للتَّعديل . ( وَكَانَ) أي: البِطِيخُ (أَحَبَّ الفَاكِهَةِ إِلَيْهِ) ، وفيه : جواز الأَكل باليدين جميعاً. ويشهدُ له ما رواه الإمام أحمد ؛ عن عبد الله بن جعفر قال : آخر ما رأيتُ رَسُولَ اللهِ وَ ◌ّرَ فِي إِحدى يديه رُطَبات، وفي الأُخرى قَّاءٌ؛ فيأكل بعضاً من هذه وبعضاً من هذه . لكن لا يلزم منه لو ثبت أكله بشماله ، فلعلَّه كان يأخذ بيده اليمنى مِن الشِّمال فيأكلها مع ما في يمينه ، إذ لا مانع من ذلك !!. وأمَّا أكله البِطِّيخَ بالسُّكَّر !! فلم أرَ له أصلاً إلاَّ في خبرِ مُعْضل ضعيف . رواه النُّوْقَاتي : وأكله بالخبز ، لا أصل له ، إنَّما ورد في أَكل العِنَبِ بالخبز حديثٌ رواه ابن عدي بسندٍ ضعيف ؛ عن عائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا؛ قاله جميعَهُ الحافظُ زين الدِّين العراقي رحمه الله تعالى . ( وَ) أخرج الحاكم في (مستدركه))؛ (( باب الأطعمة))، وقال: على شرطهما ، وأَقره الذَّهبي ؛ عن أنس بن مالكِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ، قال : ( كَانَ ) رسولُ اللهِ (وَِّ يَأْكُلُ الرُّطَبَ ؛ وَيُلْقِيْ النَّوَى عَلَىُ الطَّبَقِ ) ، يعارضه ٢٢٣ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ الْبِطِّخَ بِالرُّطَبِ ، وَيَقُولُ : (( يُكْسَرُ حَرُ هَذَا بِبَرْدِ هَذَا، وَبَرْدُ هَذَا بِحَرِّ هَذَا)). حديث : نَهى أنْ تُلقى النَّواة على الطَّبق الَّذي هو يُؤْكَل منه الرُّطب والثَّمر . ولعلَّ المراد هنا الطَّبق الموضوع تحتَ إِناء الرُّطب ؛ لا الطَّبق الَّذي فيه الرُّطب ، فإن وضعه مع الرطب في إِناءٍ واحد ربما تعافُه النُّقُوس ؛ قاله المناوي رحمه الله تعالى . ( وَ) أخرج أبو داود في ((الأطعمة))، والبيهقيُّ كلاهما؛ عن عائِشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا، قالت: ( كَانَ) رسولُ اللهِ (تَِّ يَأْكُلُ البِطُّنْخَ) - بتقديم الباء على الطَّاء ، وبتقديم الطَّاء على الباء الطِّبِّيخ ؛ لغةٌ في البطيخ بوزنه ، وكلاهما روايتان ثابتتان في الحديث - والمراد به : الأصفر ، بدليل ثبوت لفظ الخريز بدل البِطِّيخ في الرِّواية الآتية ، وكان يَكْثُر وجودُه بالحجازِ ، بخلاف الأخضر . وقال ابن القيِّم : المراد الأخضر . قال زين الحفّاظ العراقي ، وفيه نظر . والحديث داٌّ على أنَّ كلَّ واحدٍ منهما فيه حرارةٌ وبرودةٌ ، لأنَّ الحرارة في أحدهما والبرودة في الآخر . قال بعض الأطباء: البطِّيخ بارد رطبٌ، فيه جلاء، وهو أشْرع انحداراً إلى المعدة من القثَّاء والخيار ، وهو سريع الاستحالة إلى أي خلط صادفه في المعدة ، وإذا أكله محرورٌ نَفَعَه جداً، وإذا كان مبروداً عذَّله بقليل زَنْجَبيل . أو يفعل كما كان ◌َّهِ يعدِّله (بِالرُّطَبِ): ثمر النَّخل إذا أدرك قبل أن يتَمَّر؛ (وَيَقُوْلُ: ((يُكْسَرُ حَرُّ هَذَا ) أي : الرُّطب ( بِيَرْدِ هَذَا)، أي: البطِّيخ ، ( وَبَرْدُ هَذَا بِحَرِّ هَذَا))) . قال الزرقاني : كذَا وقع للمصنّفّ - يعني القُسْطُلاَنِيّ -: بِبَرْدٍ ... بِحَرِّ - بالباء فيهما - تبعاً لشيخه في ((المقاصد))؛ تبعاً لشيخه في ((الفتح)) !! فيحتمل أن أوَّله [نَكْسِرُ] بنون مبنيٌّ للفاعل، وأنَّه [يُكْسَرُ] بتحتيّة مبنيٌّ للمجهول. وساقه (( الجامع)) بدون موحّدة فيها ، وكل عزاه لأبي داود . انتهى . ٢٢٤ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ الْبِطِّيخَ بِالْخُبْزِ وَبِالسُّكَّرِ ، قال ابن القيِّم : وهذا من تدبير الغذاء الحافظ للصِّحَّة ، لأنَّه إذا كان في أحد المأكولَيْنِ كيفية تحتاج إلى كسر وتعديلٍ كسرها وعدَّلها بِضِدِّها . انتهى . قيل : وأراد البطِّيخ قبل النَّضج ، فَإِنَّه بعده حارٌّ رطب . قال ابن القيِّم : في البطّيخ عدَّة أحاديث لا يصحُّ منها شيءٌ غير هذا الحديث . انتهى. نقله المناوي. وقال في ((المواهب)): وأمَّا فضائل البطّيخ فأحاديثه باطلة ، وإنْ أفرده النُّوقاتي في جزء ؛ كما قاله الحفّاظ ، والله أعلم . وقد كان محمد بن أسلم الطوسي ، العالم الرَّباني ، الزَّاهد الورع ، المقتدي بالآثار ، الذي وصفه ابن المبارك بأنَّه ركنٌ من أركانِ الإسلام ، كان لا يأكل البطّيخَ تورُّعاً؛ لأَنَّه لم ينقل كيفيّة أَكْلِ رَسُولِ اللهِ وٍَّ له، أي : هل بقشره ولبه ؛ أو بدونهما . فلعلَّ هذا مراده !! وإلاَّ! فقد ورد كيفيَّة جمعه بين الرُّطب والقَّاء أو البطِّيخ؛ فيما رواه الطَّبراني في (( الأوسط)) من حديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال : رأيت في يمين رَسُولِ اللهِوَ لَ قَّاء وفي شماله رُطَباً، وهو يأكل من ذا مرَّة ، ومن ذا مرَّة !!. وفي سنده ضعف . وقد تقدَّم حديث أنسٍ في أول هذا الفصل، وأنَّه ◌َِّ كان يأخذ الرُّطب بيمينه والبطّيخ بيسارِهِ ، فيأكل الرُّطب بالبطِّيخِ ، وكان البِطِّيخُ أحبَّ الفاكهةِ إليه . ( وَ) في ((الإحياء)): (كَانَ وَّرِ يَأْكُلُ البِطُّنْخَ بِالْخُبْزِ) . قال العراقي: لم أره! وإنَّما وجدت أكْلَه العنب بالخبز ، في حديث عائشة عند ابن عَدِي بسند ضعيف . ( وَ) يأكل تارةً (بِالشُّكَّرِ)، قال العراقيُّ: إنْ أُريد بالشُّكَّر نوع من الثَّمر والرُّطب مشهور! فهو الحديث الآتي بعده . وإنْ أُريد بالشُّكَّرِ الذي هو بطبرزد !! فلم أر له أصلاً إلاَّ في حديث مُنكر معضل ، رواه أبو عمر النُّوقاتي في كتاب ((البطيخ))، من رواية محمد بن علي بن الحسين: أنَّ النَِّيّ ◌َِّ أَكلَ بِطِّخاً بسُكَّرٍ ، وفيه موسى بن إبراهيم المروزي ؛ كذبه يحيى بن معين . انتهى . ٢٢٥ وَرُبَّمَا أَكَلَهُ بِالرُّطَبِ ، وَيَسْتَعِينُ بِالْيَدَيْنِ جَمِيعاً . قلت : قال في (( المصباح)): السُّكَّر نوع من الرُّطب شديد الحلاوة ؛ قال أبو حاتم في كتاب (( النخلة)): نخل الشُّكر ، الواحدة سُكَّرة . وقال الأزهري : الثَّمر نخلُ السُّكَّر وهو معروف عند أهل البحرين ، فإن كان المراد بالسُّكَّرِ هنا هو الطَّبرزدي ؛ فيتعيَّن أنْ يكون المُرادُ بالبطّخ هو الأصفر ، فإنَّه الذي يُؤْكَلُ به ؛ مع احتمال إرادة الأخضر، إلاَّ أنَّ ابن حجر ذكر في (( شرح الشَّمائل)) أنَّ النَّبِيّ ◌َِّ لم ير الشُّكَّر، وما ورد بأنَّه حضر ملاك بعض الأنصار فنثر على العروس بالشُّكَّر واللَّوزِ !! فلا أصلَ له. انتهى؛ جميعه من ((شرح الإحياء)). ( وَرُبَّمَا أَكَلَهُ بِالرُّطَبِ ) . قال الحافظ العراقي : رواه التِّرمذي والنَّسائي من حديث عائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا وحسنه الترمذي ولابن ماجه من حديث سهل بن سعد : كان يأْكُلُ الرُّطب بالبطيخ وهو عند الدَّارمي بلفظ : البطيخ بالرّطب وروى ابن عَدِي من حديث عائشة رضي الله عنها : كَانَ أحبَّ الفاكهة إلى رَسُولِ اللهِ وَلّهِ الرُّطب والبطّيخ. وهو ضعيف. انتهى. قلت : ورواه الطَّبراني في (( الكبير))؛ من حديث عبد الله بن جعفر بلفظ : كَانَ يْكُل البطّيخ بالرُّطب . وروى الطَّيالسي ؛ من حديث جابر بسند حسن : كان يأكل الخربز بالرُّطب، ويقول: ((هُمَا الأَطْيَبَانِ)). وهذا يُؤَيِّد قولَ مَن قال: إنَّ المراد بالبِطِّيخ هو الأَصفر. انتهى من ((شرح الإحياء)). ( وَيَسْتَعِيْنُ بِاليَدَيْنِ جَمِيْعاً ) ، قال العراقي : رواه الإمام أحمد ، من حديث عبد الله بن جعفر قال: آخر ما رأيت رَسُوْلَ اللهَِّ في إحدى يديه رطباتٌ ، وفي الأخرى قِثَّاءٌ يأكل من هذه ، ويعض من هذه . وتقدم حديث أنس السَّابق أوَّل الفصل ، في أكله بيديه . وروى الطَّبراني في ((الأوسط))؛ من حديث عبد الله بن جعفر: رأيتُ النَّبِيِّ وَّل في يمينه قثَّاء وفي شماله رُطَب، وهو يأْكُلُ من ذا مرَّة ومن ذا مرَّة . وسنده ضعيف . ٢٢٦ وَأَكَلَ يَوْماً الرُّطَبَ فِي يَمِينِهِ ، وَكَانَ يَحْفَظُ النَّوَى فِي يَسَارِهِ ، فَمَرَّتْ شَاةٌ، فَأَشَارَ إِلَيْهَا بِالنَّوَىُ، فَجَعَلَتْ تَأْكُلُ مِنْ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَهُوَ يَأْكُلُ بِيَّمِينِهِ حَتَّى فَرَغَ ، وَأَنْصَرَفَتِ الشَّةُ . وَعَنْ أَنْسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْمَعُ بَيْنَ الْخِرْبِ وَالرُّطَبِ . وَ( الْخِرِيِزُ ) : الْبِطِّيخُ الأَصْفَرُ . ( وَأَكَلَ ) أَِّ ( يَوْماً الرُّطَبَ فِي يَمِيْتِهِ ؛ وَكَانَ يَحْفَظُ النَّوَى فِي يَسَارِهِ ، فَمَرَّتْ ) به ( شَاةٌ فَأَشَارَ إِلَيْهَا بِالنَّوَىُ ؛ فَجَعَلَتْ تَأْكُلُ مِنْ كَفِهِ اليُسْرَىْ وَهُوَ يَأْكُلُ بِمِيْنِهِ حَتَّى فَرَغَ، وَأَنْصَرَفَتِ الشَّاءُ) ، قال العراقي: هذه القصَّة رويناها في (( فوائد أبي بكر الشَّافعي )) من حديث أنس بإسنادٍ ضعيفٍ . انتهى . ( وَ) أخرج النَّسائيُّ والتّرمذيُّ في ((الشمائل))؛ ( عَنْ أَنْسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ رَأَيْتُ رَسُوْلَ اللهِنَّهِ يَجْمَعُ بَيْنَ الخِرْبِرِ وَالرُّطَبِ ) . وأخرج الطَّيالسي بسند حسن ؛ عن جابر رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ : كان رَسُوْلُ اللهِنَّهَ يَأْكل الخِرِيِزَ بِالرُّطَبِ؛ ويقولُ: ((هما الأَطْيَبَانِ)). وأخرجه أبو الشَّيخ أيضاً . ( وَالخِرْبِزُ) - بكسر الخاء المعجمة وسكون الرَّاء وكسر الموحّدة ، بعدها زاي - (: البِطِّيْخُ) بالفارسيَّةِ، والمرادُ به: ( الأَصْفَرُ)؛ لا الأخضر كما وهم ؛ لأنَّه المعروف بأرض الحجاز . واستشكل بأنَّ الغَرَض التَّعديل بين برودةِ البطّيخ وحرارةِ الرُّطب - كما علمت - والأَصفر حارٌّ، والبارد إنَّما هو الأَخضر ، فالأَصفر ليس بمناسب هنا !!. وأُجيبَ بأَنَّ المرادَ الأَصفر غير النَّضيج ، فإنَّه غير حارِّ ، والحارُّ ما تناهى نضجه، وليس بمراد ؛ كما ذكره بعض شرَّاح ((المصابيح)). انتهى (( باجوري)). ٢٢٧ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ الْقِنَّاءَ بِالرُّطَبِ . قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: أَرَادَتْ أُمِّي مُعَالَجَتِي لِلسُّمْنَةِ لِتُدْخِلَنِي عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَمَا أَسْتَقَامَ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى أَكَلْتُ الرُّطَبَ بِالْقِنَّاءِ ، فَسَمِنْتُ عَلَيْهِ كَأَحْسَنِ سُمْنَةٍ . أَخْرَجَهُ أَبْنُ مَاجَهْ ، ( وَ) أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والتِّرمذي في (( الجامع)) و ((الشمائل))؛ عن عبد الله بن جعفر رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قال: ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِّهِ يَأْكُلُ القِنَّاءَ) - بكسر القاف وتشديد المثلَّثة ممدوداً -: نوع من الخيار ، وقيل : هو اسم جنسٍ لما يشْمل الخيار والعجُور والفقُّوس ؛ واحدته قثَّاءة . ( بِالرُّطَبِ )، أي : مصحوباً معه دفعاً لضرر كلٍّ منهما، وإصلاحاً له بالآخر . وفي ((الصَّحيحين)): عن عبد الله بن جعفر: رأيت رَسُوْلَ اللهِ وَلَهِ يَأْكُلُ الرُّطَبَ بالقثَّاء . والفرق بينهما : أنَّ المقدَّم أصل في المأكول كالخبز ، والمؤخّر كالإدام . ومن فوائد أكْلِ هذا المركَّب المعْتَدل تعديل المِزاجِ وتسمينُ البَدَنِ ؛ فقد ( قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهَا: أَرَادَتْ أُمَّيْ مُعَالَجَتِي للسُّمْنَةِ لِتُدْخِلَنِيْ عَلَىْ رَسُوْلِ اللهِنَّهِ فَمَا أُسْتَقَامَ لَهَا ذَلِكَ ) . وفي رواية : فلم أقبل عليها بشيء مِمَّا تريد ( حَتَّى أَكَلْتُ ) . وفي رواية: حتَّى أطعمتني ( الرُّطَبَ بِالِثَّاءِ ، فَسَمِنْتُ عَلَيْهِ كَأَحْسَنِ سُمْنَةٍ . أَخْرَجَهُ ) أبو داود ، و( أَبْنُ مَاجَهْ) - بسكون الهاء وصلاً ووقفاً؛ لأَنَّه اسم أعجمي - وهو لقب ليزيد (( والد الإمام أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني ، صاحب (( السُّنن))، وتقدمت ترجمته . ٢٢٨ وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ: بِإِبْدَالِ ( الَّمْرِ ) مَكَانَ ( الرُّطَبِ ) . وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ أَلْقِنَّاءَ بِالرُّطَبِ وَبِالْمِلْحِ. وَكَانَ أَحَبَّ الْفَوَاكِهِ الرَّطْبَةِ إِلَيْهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]: الرُّطَبُ وَالْعِنَبُ . ( وَرَوَاهُ) الحافظ أبو عبد الرحمن ؛ أحمد بن شعيب (النَّسَائِيُّ) نسبةٌ إلى (( نسأ )) مدينةٌ مثل سبأ ، كما قال: والنَّسَشِيُّ نِسْبَةٌ لِنَسٍَ مَدِينَةٌ في الوَزْنِ مِثْلُ سَبٍَ عنها رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قالت: لما تزوجني النَّبِيّ ◌َِّ عالجوني بكلِّ شيء ؛ فأطعموني القِثَّاءَ بالثَّمر ، فسمنت عليه كأحسن الشَّخْم . ( بإِبْدَالِ الثَّمْرِ مَكَانَ الرُّطَبِ ) ، وإبدال الشَّحم مكان السُّمنة ، وهو من اختلاف الزُّواة لاتُّحاد المخرج، وعند أبي نُعيم في ((الطب)) عنها أنَّ النَّبِيّ وَِّ أمر أبويها بذلك . ( وَ) في ((الإحياء)) و((كشف الغمَّة)): ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِ نَّهِ يَأْكُلُ القِنَّاءَ بِالرُّطَبِ ) ، وقد مرَّ تخريجُه قريباً ؛ من حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ جعفر . ورواه الطَّراني في ((الأوسط)) بلفظ: رأيتُ النَّبِيَّ ◌َّ في يمينه قَّاء وفي شماله رُطَبٌّ ، وهو يأكل من ذا مرَّة ومن ذا مرَّة ، وسنده ضعيف ، وقد تقدَّم . ( وَ) كان ◌َ﴾ يأكل القنَّاء ( بِالمِلْحِ ) ؛ لكونه يدفع ضرره . قال العراقي : رواه أبو الشَّيخ ؛ من حديث عائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا ، وفيه يحيى بن هاشم ! كذَّبَهُ ابن معين وغيره ، ورواه ابن عَدِي وفيه عباد بن كثير ، متروك . انتهى . (وَكَانَ) بَّهِ (أَحَبَّ الفَوَاكِهِ الرَّطْبَةِ إِلَيْهِ: الرُّطَبُّ) كذا في (( كشف الغمَّة)). وفي ((الإحياء)) بدل الرُّطب البطِّيخ، ( وَالعِنَبُ ) . قال العراقي : روى أبو نُعيم في (( الطب النّبوي)) من رواية أمية بن زيد العبسي ٢٢٩ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ الْعِنَبَ خَرْطاً ؛ يُرَىُ رُؤَالُهُ عَلَى لِحْيَتِهِ كَخَرَزِ اللُّؤْلُؤِ . أنَّ النَّبِيَّ وَهِ يحبُّ من الفاكهة العِنَبَ والبطّيخ. وروى ابن عَدي من حديث عائشةً : ((فإنَّ خَيْرَ الفاكِهَةِ العِنَبُ )) ، وسنده ضعيف . انتهى. ( وَ) أخرج الطَّبراني في ((الكبير))، والعقيلي في ((الضعفاء))، وأبو بكر الشَّافعي في (( الغيلانيات)): كلهم؛ من حديث داود بن عبد الجبّار عن أبي الجارود ؛ عن حبيب بن يسار عن ابن عباس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما: ( كَانَ) رسُولُ اللهِ (وَّهِ يَأْكُلُ العِنَبَ خَرَطاً)، يقالُ : خرط العنقودَ واخترطه: إذَا وضعه في فيهِ فأخذ حبَّه ، وأخرج عرجونَه عارياً . وفي رواية - ذكرها ابن الأثير -: خرصاً - بالصَّاد بدل الطَّاء - أي : من غير عدد . لكن قال أبو جعفر العقيلي - بعد ما روى هذا الحديث في ((كتاب الضعفاء والمتروكين)) -: لا أصل لهذا الحديث، وداود ليس بِثِقَةٍ ، ولا يتابَعُ عليه . وقال البخاري : داود منكر الحديث. وفي ((الميزان)) للذَّهبي ؛ عَنِ النَّسائي : إنَّه متروك . وأخرجه البيهقي في ((الشُّعب)) من طريقين ؛ ثمّ قال : ليس فيه إسناد قويّ ، ورواه ابن عدي من طريق آخر ؛ عن ابن عبّاس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما . وقال العراقي: طُرُقُهُ كلُّها ضعيفةٌ. وأورده ابن الجوزي في ((الموضوعات)). وأقرَّه السُّيوطي في (( مختصرها))؛ فلم يتعقَّبه، إلاَّ بأَنَّ الزَّين العراقي اقتَصَرَ على تضعيفِهِ، لكن قال في (( شرح الإحياء)) : لم يصب ابن الجوزي في كونه موضوعاً ، بل هو ضعيفٌ، وقال الزرقاني على ((المواهب)): وَنُوزِعَ بأَنَّه ضعيفٌ جدّاً ؛ لا موضوعٌ . والله أعلم . ( يُرَى رُؤَّالُهُ عَلَىْ لِحْبَيِّهِ كَخَرَزِ اللُّؤْلُقِ) ، هذه الزِّيادة موجودة في ((الإحياء))؛ ٢٣٠ وَرُؤَالُهُ(١): مَاؤُهُ الَّذِي يَتَقَطَّرُ مِنْهُ . وَعَنِ الرُّبَّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ أَبْنِ عَفْرَاءَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ : بَعَثَنِي مُعَاذٌ ولم يتكلَّم عليها شارحه !! ( [وَالرُّؤَالُ]) - بالضمِّ - (: مَاؤُهُ الَّذِي يَتَقَطَّرُ مِنْهُ) كما فسَّره في (( الإحياء )) . ( وَ) أخرج التِّرمذي في ((الشَّمائل))؛ (عَنْ الزُّبَيِّع) - براء مضمومة فموحّدة مفتوحة فتحتيّة مكسورة مشدّدة ، وآخره عين مهملة على صيغة التصغير - ( بِنْتِ مُعَوِّذِ) - بضم الميم وفتح العين المهملة ، وكسر الواو وبعدها ذال معجمة ؛ على صيغة الفاعل ، هذا هو المشهور . ( أَبْنِ عَفْرَاءَ ) - بعين مهملة مفتوحة ، ثمَّ فاء ساكنة ثمَّ راء ثمَّ ألف ممدودة ؛ كحمراء - اسم أمه هي عَفْراء بنت عُبَيْد بنِ ثعلبة النجاريَّة ، من صغار الصَّحْبِ ، وأبوها من أكابرهم قُتِلَ يوم بدر ، روى له السِّنَّة . وعفراء هذه لها خَصيصةٌ لا توجد لغيرها ، وهي أنَّها تزوَّجت بعد الحارث البكير بن ياليل اللَّيثي ، فولدت له أربعة : إياساً وعاقلاً وخالداً وعامراً ، وكلُّهم شهدوا بدراً ، وكذلك إخوتهم لأمِّهم بنو الحارث ، فانتظم من هذا أنَّها امرأةٌ صحابيَّةٌ لها سبعة أولادٍ ؛ شهدوا كلُّهم بدراً مع النَّبِيّ وَّر. انتهى؛ ذكره في (( الإصابة)). واشتهر معوِّذ باسم أمِّه . واسمُ أَبيه : الحارث بن رفَاعَة بن الحَارِثِ بن سواد ، ومعوِّذ لم يُرْوَ له شيءٌ، وهو أَحَدُ الَّذِين قَتَلُوا أَبَا جَهْلٍ بن هشام عدو الله يوم بدر . وأمّا الرُّبَيِّع ؛ فهي ممَّن بايَع رَسُوْلَ اللهِ وَ ﴿ تحت الشجرة بيعةَ الرِّضوان، روى عنها أَهْلُ المدينة ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهَا؛ قَالَتْ: بَعَثَنِي مُعَاذُ) بن عفراء، ((وهو عمُّها))، اشترك هو وأخوه معوِّذ بن عفراء في (١) في ((وسائل الوصول)): وَرُؤَالُهُ. ٢٣١ بِقِنَاعٍ مِنْ رُطَبٍ ، وَعَلَيْهِ أَجْرٍ مِنْ قِنَّاءِ زُغْبٍ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ الْفِثَّاءَ ، فَأَتَيْتُهُ بِهِ وَعِنْدَهُ حَلْيَةٌ قَدْ قَدِمَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْبَحْرَيْنِ ، قتل أبي جَهْلٍ ببدرٍ ، وتَمَّ أمر قتلِهِ على يدِ ابْنِ مسعودٍ بأَنْ حَزَّ رَقَتَهُ وهو مجروح مطروح يَتَكَلَّمُ، حتَّى قال له : لقد ارتقيت مرتقىّ صعباً ؛ يا رويعيَ الغَنَم . ( بِقِنَاعِ ) - بكسر القاف وتخفيف النُّون - أي : بطبق يُهدى عليه ، وسُمِّ الطبق قِناعاً !! لأنَّه أُقْنِعَتْ أَطرافُهُ إلى داخل أي: عُطِفَتْ. انتهى ((مناوي)). ( مِنْ رُطَبٍ) بيان لجنس ما فيه ؛ ( وَعَلَيْهِ ) أي : على ذلك القناع (أَجْرٍ ) - بفتح الهمزة وسكون الجيم وكسر الرَّاء منوَّنةٌ - ؛ جمع جرو بتثليث أوَّلِه - وهو الصَّغير من كلِّ شيءٍ ؛ حيواناً كان أو غيره -. ( مِنْ قِثَّاءٍ ) - بمثلَّئة مشدَّدة - (زُغْبٍ) - بضمِّ الزَّاي وسكون المعجمة -: جمع أزْغَبَ، كأحمر وحمر ، من الزَّغَبِ - بالفتح - : صغار الرِّيش أوَّل ما يطلع نبته ، وصف به القِثَّاءُ تشبيهاً لزبره الَّذي هو عليه بالرِّيش الصَّغير ، روي مرفوعاً على أنَّه صِفَةٌ لأَجْرٍ ، ومجروراً على أنَّه صفة لقتَّاء، قال شارح (( .... ))(١): والأوَّل أظهر. قال الزَّمخشري عن بعضهم : كنت أمُرُّ في بعض طرقات المدينةِ فَإذا أنا بحمَّال على رأسه طن ، فقال : أعطني ذلك الجَرو ، فتبصَّرت فلم أَرَ كلباً ؛ وَلاَ جَرْواً !! فقلت : مَا هُنَا جَرْوٌ، فقال : أنْتَ عِراقيّ ، أعْطِنِي تِلْكَ القِثَّاءَة . (وَكَانَ بِّهِ يُحِبُّ الِثَّاءَ)، أي: مع الرُّطَب، كما يؤيِّده ما سبق من جمعه وَل بينهما، ( فَأَتَيْتُهُ بِهِ ) ، أي: بالقثَّاء، ( وعِنْدَهُ حِلْيَةٌ) ، أي : والحال أنَّ عنده حِلْية - بكسر أو فتح فسكون - : اسم لما يُتَزَيَّنُ به من نقدٍ وغيره . ( قَدْ قَدِمَتْ عَلَيْهِ ) - بكسر الدَّال ؛ كعلمت ، أي : وصلت إليه تلك الحلية - ( مِنْ ) خراج ( البَحْرَيْنِ ) على لفظ التَّنية : إقليمٌ بين البصرة وعمان ، وهو من بلاد (١) هكذا في الأصل . ٢٣٢ فَمَلَأَ يَدَهُ مِنْهَا ، فَأَعْطَانِيهِ . قَوْلُهُ ( أَجْرٍ) - جَمْعُ جَرْوٍ - وَهُوَ : الصَّغِيرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. وَهُنَا : الصَّغِيرُ مِنَ الْقِنَّاءِ . وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُتِيَ بِبَاكُورَةِ الثَّمَرَةِ .. نجد ، ويعرب إعرابَ المُثَنَّى ، ويجوزُ أن تجعل النُّون محل الإعراب مع لزوم الياء مطلقاً ؛ وهي لغةٌ مشهورة ، واقتصر عليها الأزهري ؛ لأَنه صار علماً مفردَ الدِّلالة ؛ فَأَشْبَه المفردات ، وَالنِّسْبَةُ إِلَيهِ بَحْرَانِيٌّ . ( فَمَلَأَ يَدَهُ) ، أي : إحدى يديه ؛ لا كلتا يديه ، ولو أريد ذلك لقيل يديه ، فالحمل على اليدين معاً بعيد . ( مِنْهَا ) ؛ أي : من تلك الحَلية، ( فَأَعْطَانِيْهِ ) ، أي: لعظيم سخائِهِ وَّر وفيه كمال المناسبة، فَإِنَّ الأُنْثَى يليق بها الحَلْيَة. ( قَوْلُهُ : أَجْرٍ ) - بفتح الهمزة فسكون الجيم فراء منوَّن مكسورة : ( جَمْعُ جِرو ) مثلَّث الجيم - (وَهُوَ الصَّغِيْرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) حتى الحنظل والبِطّيخ ونحوه . ( وَ) المراد (هُنَا الصَّغِيْرُ مِنَ القِثَّاءِ)، وقيل: الرُّمَّان ، وقيل : المراد هنا القِثَّاء مطلقاً . ( وَ) أخرج ابن السّنِّي؛ عن أبي هريرة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ، والحكيم التِّرمذي في ((نوادر الأُصول))؛ عن أنس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، والطَّبراني في (( الكبير)) و((الصغير))؛ عن ابن عباس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما - ورجال ((الصغير)) رجال الصَّحیح ؛ کما قاله الهيثمي - : ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَ ◌ّهِ إِذَا أُتِيَ ) - بالبناء للمجهول - أي: جيء له ( بِبَاكُوْرَةِ الثَّمَرَةِ ) - بالثَّاء المثلَّئة - أي: أوَّل ما يُدرِك من الفاكهة بحيث يصلح لِلأَكْلِ منها ، قال أبو حَاتِم : البَاكورة، هي أوَّل كلِّ فاكهةٍ ، ما عجل الإخراج . وابتكرت ٢٣٣ وَضَعَهَا عَلَى عَيْنَيَّهِ، ثُمَّ عَلَى شَفَتَيْهِ، وَقَالَ: ((اللَّهُمَّ؛ كَمَا أَرَيْتَنَا أَوَّلَهُ .. فَأَرْنَا آخِرَهُ )) ، ثُمَّ يُعْطِيهِ مَنْ يَكُونُ عِنْدَهُ مِنَ الصِّبْيَانِ . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ .. الفاكهة : أُكلت باكورتها ، ونخلة باكورة ، وباكور ، وبكور : أثمرت قبل غيرها ؛ قاله المناوي . ( وَضَعَهَا عَلَىْ عَيْنَيْهِ ثُمَّ عَلَى شَفَتَّهِ ) ؛ جبراً لخاطر مَن أتى بها ، وسروراً بها لقرب عهدها بتكوين الله تعالى ، كما كان يخرج يغتسل من ماء المطر ، ويقول : ((إِنَّه قريبُ عهدٍ بِرَبِّهِ )) ، أي : بتكوينه . (وَقَالَ ) في دعائه: ( ((اللَّهُمَّ؛ كَمَا أَرَيْتِنَا أَوَّلَهُ فَأَرِنَا آخِرَهُ)) ) ، أي : فَأَبْقِنَا حتَّى نرى آخره ، وكان القياسُ أوّلها وآخرها ، لكنه ذكره على إرادة النَّوع ، فيسنُّ لنا قول ذلك الذِّكر . ( ثُمَّ يُعْطِيْهِ مَنْ يَكُوْنُ عِنْدَهُ مِنَ الصِّبْيَانِ ) ؛ إيثاراً على نفسه ، وهو سيِّد من يؤثِرُ على نفسه !! وخصَّ الصِّبيانَ بالإِعطاء! لكونهم أرغب فيه ، ولكثرة تطلُّعهم إلى ذلك ، ولما بينهما من المناسبة في حداثةِ الانفصالِ عن الغَيْبِ . فَإِنْ لم يَكُنْ عِنْدَهُ صبيان حينئذ احتمل أنَّه يعطيه نحو الرِّجال، وأن يدَّخره للصِّبيان إلى أنْ يأتوا ، واحتمل أنْ يأكله ؛ والله أعلم . ( وَ) أخرج مسلم في ((صحيحه))، والتِّرمذي في ((الجامع)) و((الشَّمائل))، والنَّسائي، وابن ماجه ، وابن السّنِّي في ((عمل اليوم والليلة)) بألفاظ مختلفة بالزِّيادة والنَّقص - وهذا لفظ ((الشَّمائل )) - كلُّهم يروونه ؛ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُ ؛ قَالَ : كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ ) - بالثَّاء المثلّثِةِ والميمِ المفتوحتين - ويسمَّى الباكورة ، أي: باكورة كلِّ فاكهة . قال ابن علاّن: وظاهر أنَّ المراد منه ثمر النَّخل؛ لأنَّ الَّذي كان حينئذ بالمدينة . ٢٣٤ جَاؤُوا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا أَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. قَالَ: «اللَّهُمَّ؛ بَارِكْ لَنَا فِي ثِمَارِنَا ، [وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا] ، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا ، وَفِي مُّدِّنَا . (جَاؤُوا بِهِ إِلَى رَسُوْلِ اللهِّر)؛ إِيثاراً له على أنفسهم حُبّاً له وتعظيماً لجنابه، ونظراً إلى أَنه أوْلى النَّاس بما سيق إليهم مِنَ الرِّزق. قال العلماء : كانوا يفعلون ذلك رغبةً في دعائه وَّهِ بالبركة في الثَّمر والمدينة والصاع والمُدِّ، وطلباً لمزيد استدرار بركته فيما تجدَّد عليهم من النُّعم؛ وفي الحديث : أنَّهُ يُسْتَحَبُّ الإِتْيَانُ بِالبَاكُورَةِ لِأَكْبَرِ القَوْمِ عِلْماً وعَمَلاً . ( فَإِذَا أَخَذَهُ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ قَالَ ) مستقبلاً للنِّعمة المجددة بالتضرُّع والمسألة والتوجُّه والإِقبال التَّام إلى المنعم الحقيقي ؛ طلباً لمزيد الإِنعام ، على وجه يَعُمُّ الخاصَّ والعامَّ (: «اللَّهُمَّ؛ بَارِك لَنَا فِي ثِمَارِنَا) أي : زد فيها الخير بالنُّموِّ والحفظ مِنَ الآفات . ( [وَبَارِك لَنَا فِي مَدِيْنَتِنَا]) بكثرة الأرزاق وبقائها على أصلها وإقامة شعائر الإسلام ، وإظهاره على غايةٍ لا توجد في غيرها ، ( وَبَارِكُ لَنَا فِي صَاعِنَا، وَ) بارك لنا ( فِي مُدِّنَا ) - بضمِّ الميم وتشديد الدَّال المهملة - بحيث يكفي صاعنا ومدّنا من لا يكفيه صاع غيرنا ومُدُّه . فالمراد به الطَّعام الَّذي يُكال بالصِّيعان والأمداد ، فيكون دعاءً لهم بالبركة في أقواتهم . قال القاضي عياض : البركة تكون : ١ - بمعنى النَّماء والزِّيادة، وتكون بمعنى الثَّبات واللُّزوم . و ٢ - يحتمل أن تكون البركة المذكورة في الحديث دينيّة ؛ وهي ما يتعلَّق بهذه المقادير من حقوقِ الله تعالى في الزَّكاة والكفّارات . فتكونُ بمعنى الثَّبَاتِ والبقاء لها ؛ كبقاء الحُكْم ببقاء الشّريعة وثباتها . ٢٣٥ و ٣ - يحتمل أن تكون دنيويَّة من تكثير الكَيْلِ والقَدْرِ بها ، حتى يكفي منه في المدينة ما لا يكفي منه في غيرها . أو ١ - ترجع البركة إلى التصرُّف بها في التجارات وأرباحها . أو ٢ - إلى كثرة ما يُكال بها من غلاَّتها وثمارها، أو ترجع إلى الزِّيادة فيما يكال بها ؛ لاتساع عيشهم وكثرته بعد ضيقه ، لما فتح الله عليهم ووسّع من فضله لهم ، وملَّكهم من بلاد الخصب والرِّيف بالشَّام والعراق ومصر وغيرها ، حتَّى كثر الحمل إلى المدينة واتَّسع عيشهم ، وصارت هذه البركة في الكيل نفسه ، فزاد مذُّهم مثل مدٍّ النَّبِيّ ◌َِّ مرَّتين أو مرَّة ونصفاً . ولا مانع من إرادة إحاطة البركة بالكلِّ ، وفي هذا كلِّه ظهور إجابة دعاء النَّبِيّ ◌َّ وقبوله . واختار النَّووي من تلك التوجيهات : البركة في نفسٍ مكيل المدينة ، بحيث يكفي المدّ فيها لمن لا يكفيه في غيرها كما تقدَّم . وقال القرطبي : إذا وجدت البركة فيها في وقت حصلت إجابة الدّعوة ، ولا يلزم دوامها في كلِّ حين ولكلِّ شخص. انتهى. ذكره في ((جمع الوسائل)). وقدَّم الثِّمار في الدُّعاء !! قضاءً لحق المقام ، إذ هو مُسْتَدعٍ لذلك ، ثمَّ ذكر الصَّاعَ والمدَّ ؛ اهتماماً بشأنهما ؛ ففي كلامه إجمالٌ بعد تفصيلٍ ، وتفصيلٌ بعد إجمالٍ ، وهو من اللَّطائف . والصَّاعُ: مكيالٌ معروف، وصاعُ المصطفى وَّرِ الَّذي بالمدينة المشَارُ إليه هنا : أربعة أمداد ، وذلك خمسة أرطال وثلث بالبغدادي . وأمَّا قول أبي حنيفة بأَنَّه ثمانية أَرطال! فهو ممنوعٌ بِأنَّ الزيادة عرفٌ طارىء على عرفِ الشَّرع، ولذلك لما اجتمع أبو يوسف بمالك رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْه بالمدينة المنورة حين حجَّ مع الرّشيد ، فقال أبو يوسف : الصَّاع ثمانية أرطال . فقال ٢٣٦ اللَّهُمَّ؛ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ، وَخَلِيلُكَ، وَنَبِيُّكَ، وَإِنِّي عَبْدُكَ ، وَنَبِيِّكَ ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ بِهِ لِمَكَّةَ وَمِثْلِهِ مَعَهُ )) . قَالَ : ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدِ يَرَاهُ فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ . مالك: صاع المصطفى وَلِّ خمسة أَرطال وثلث، فأحضر مالك جماعةً شهدوا بقوله ، فرجع أبو يوسف عن قوله . والمدُّ : رطلٌ وثلث ، فهو ربع صاع ؛ قاله المناوي . (اللَّهُمَّ؛ إِنَّ إِبْرَاهِيْمَ عَبْدُكَ، وَخَلِيْلُكَ، وَنَبِّكَ ) ، والغَرَضُ من ذلك التوسُّل في قَبول دُعائِه بعبوديَّة أبيه إبراهيمَ وخلَّه ونبؤَّته ؛ ( وَإِنِّي عَبْدُكَ، وَنَبِّكَ ) ، الغرض من ذلك التوسُّل في قَبول دعائِهِ بعبوديَّتِهِ ونبوَّته . وقدَّم الأُولى! لأَنَّه لا شرفَ أعلى منها ولم يقل ((وخليلك )) وإنْ كان خليلاً ؛ كما ورد في عدَّة أخبار !! لأنَّ خصَّ بمقام المحبَّة الأرفع من مقام الخلَّة ، أو أدباً مع أبيه الخليل ، مع كونه أشار إلى تميُّزه عليه بقوله: ((ومثله معه )) ! على أنَّ إبراهيم لم يبتد حرمة مكة بل أظهرها ، وأمَّا نبيّنا ؛ فأوجد حرمة المدينة ، إذ لم يكن بها قبل دعائِهِ وحلوله بها ذلك الاحترام ، وشَتَّان بين مَن كان سبباً لإظهار موجود لكنَّه كامن خفي ، ومَن كان سبباً لإنشاء تعظيم وتحريم !! ( وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ) بقوله ﴿فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ﴾ [٣٧/ إبراهيم] فاکتفی ◌ّر بدعاء إبراهيم لها ولم يدع لها مع كونها وطنه . (وَإِنِّي أَدْعُوْكَ لِلْمَدِيْنَةِ) المنوَّرة ( بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ بِهِ لِمَكَّةَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ ) ، أي : مثل ذلك المثل ، أي : أدعوك ضِعْفَ ما دعاك به إبراهيم لمكّة . ( قَالَ) أي أبو هريرة (: ثُمَّ يَدْعُوْ) ، أي: ينادي ( أَصْغَرَ وَلِيْدِ يَرَاهُ ) ، أي : أصغر مولود يراه من أهل بيته ؛ إن صادفه، وإلاَّ فمن غيرهم، ( فَيُعْطِيْهِ )، أي: فيعطي ذلك الوليدَ ( ذَلِكَ الثَّمَرَ ) الذي هو الباكورة لكثرة رغبةِ الولدان وشدَّة تطلُّعهم لها . ٢٣٧ قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَقَدِ أَسْتُجِيبَتْ دَعْوَةُ الْخَلِيلِ لِمَكَّةَ ، وَأَلْحَبِيبِ لِلْمَدِينَةِ ، فَصَارَ يُجْبَى إِلَيْهِمَا مِنْ مَشَارِقِ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ . وإنَّما لم يأكل وَّهِ منه !! إشارةً إلى أَنَّ النُُّوس الزكية والأخلاق المرضيَّة لا تتشوَّف إلى شيء من أنواع الباكورة ؛ إلاَّ بعد عموم الوجود ، فيقدر كلُّ أَحد على تحصيله . وفيه ١ - أن الآخذ للباكورة يسنُّ أن يدعو بهذا الدُّعاء . و ٢ - أنَّ وقت رؤية الباكورة مظنَّةً إجابة الدُّعاء. ( قَالَ العُلَمَاءُ: وَقَدِ اسْتُجِئْيَتْ دَعْوَةُ الخَلِيْلِ لِمَكَّةَ) المكرمة في قوله : ﴾ [إبراهيم] ٣٧ فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ وَأَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ يعني: وارزقُهُمْ مِنَ الثَّمرات بأنْ تجلب إليهم من البلاد الشَّاسعة لعلَّهم يشكرون النِّعمة ؛ في أنْ يُرزقوا أنواع الثَّمراتِ حاضرةً في وادٍ ليس لهم فيه نجم (١) ولا شجر ؛ ولا ماءٌ. ولا جَرَم أنَّ الله أجاب دعوته وجعله كما أخبر عنه بقوله ﴿أَوَلَمْ نُمَكِن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنَا يُجَّ إِلَيْهِ ثَمَرَّتُ كُلِّ شَىْءٍ رِّزْقًا مِّن لَُّنَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [القصص] : ٥٧ ( وَ) استجيبت دعوة (الحَبِيْبِ) الأعظم وَيهِ (لِلْمَدِيْنَةِ) المنورة بأنوارهِ الَّهِ ، وضوعف خيرها ؛ ( فَصَارَ يُجْبَى إِلَيْهِمَا ) ، أي: إلى مَّة والمدينة من زمن الخلفاء الراشدين ( مِنْ مَشَارِقِ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ) . وزاد عليها - استجابةً لقوله: (( ومثله معه )) - شيئان : أحدهما : في ابتداء الأمر ؛ وهو كنوز كسرى وقيصر وغيرهما ؛ وإنفاقهما في سبيل الله على أهلها . وثانيهما : في آخر الأمر ؛ وهو أنَّ الإيمان يَأْرِزُ إليها من الأَقْطارِ . (١) ما يقابل الشجر من النبات . وهو كل ما كان صغيراً منه. ٢٣٨ وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ يَأْكُلُ مِنْ فَاكِهَةِ بَلَدِهِ عِنْدَ مَجِيئِهَا ، وَلاَ يَحْتَمِي عَنْهَا . فَائِدَةٌ : قَالَ الْقُسْطُلاَنِيُّ: وَهَذَا مِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ الصِّحَّةِ ، فإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِحِكْمَتِهِ جَعَلَ فِي كُلِّ بَلَدٍ مِنَ الْفَاكِهَةِ مَا يَنْتُفِعُ بِهِ أَهْلُهَا فِي وَقْتِهِ ، فَيَكُونُ تَنَاوُلُهُ مِنْ أَسْبَابِ صِخَّتِهِمْ وَعَافِيَتِهِمْ، وَيُغْنِي عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الأَذْوِيَةِ، وَقَلَّ مَنِ احْتَمَى عَنْ فَاكِهَةِ بَلَدِهِ خَشْيَةَ السَّقَمِ ؛ إِلَّ وَهُوَ مِنْ أَسْقَمِ النَّسِ جِسْماً، وَأَبْعَدِهِمْ عَنِ الصِّحَّةِ وَأَلْقُوَّةِ . فَمَنْ أَكَلَ مِنْهَا مَا يَنْبُغِي، فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَنْبُغِي، عَلَى أَلْوَجْهِ الَّذِي يَنْبُغِي .. كَانَ لَهُ دَوَاءَ نَافِعاً . ( وَ) في ((المواهب)): (كَانَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ يَأْكُلُ مِنْ فَاكِهَةِ بَلَدِهِ ) ، أي : ما يتجدَّد منها ؛ كخوخ ورمَّان في أوانهما ، لا بمعناها اللُّغوي؛ وهو : ما يتنغَّم بأكله رطباً كان أو يابساً ؛ كلوز وبندق يابسين ، بدليل قوله ( عِنْدَ مَجِيْتِهَا ) أي : وجودها وظهورها، (وَلاَ يَحْتَمِيْ): يمتنع (عَنْهَا) ◌َِّ . ( فَائِدَةٍ) تقدَّم الكلام عليها: ( قَالَ) العلاَّمة (القُسْطُلاَّنِيُّ) في (( المواهب)) : ( وَهَذَا ) أي : الأَكل من فاكهة بلدِه عند مجيئها ( مِنْ أَكْبُرٍ أَسْبَابِ الصِّحَّةِ ، فإِنَّ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىْ بِحِكْمَتِهِ جَعَلَ فِي كُلِّ بَلَدٍ مِنَ الفَاكِهَةِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ أَهْلُهَا فِي وَقْتِهِ ، فَيَكُوْنُ تَنَاؤُلُهُ مِنْ أَسْبَابٍ صِخَّتِهِمْ وَعَافِيَتِهِمْ ، وَيُغْنِيْ عَنْ كَثِيْرٍ مِنَ الأَدْوِيَةِ ، وَقَلَّ ) - بمعنى النَّي الصِّرف - أي: انتفت الصِّحَّة عن ( مَنِ أخْتَمَى عَنْ فَاكِهَةٍ بَلَدِهِ خَشْيَةَ السَّقَم ) ، فلا يوجد أحد منهم ( إلاَّ وَهُوَ مِنْ أَسْقَمِ النَّاسِ جِسْماً، وَأَبْعَدِهِمْ عَنِ الصِّخَّةِ وَالقُوَّةِ ) . وليس المراد أن المحتمِّين المصابين بالسَّقم قليلٌ . ( فَمَنْ أَكَلَ مِنْهَا مَا يَنْبَغِيْ ؛ فِي الوَقْتِ الَّذِي يَنْبَغِيْ ؛ عَلَى الوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِيْ ؛ كَانَ لَهُ دَوَاءٌ نَافِعاً ). ٢٣٩ يؤخذ منه أنَّ ما يجلب من الفاكهة ؛ كتفَّح من الشَّام إلى مصر ، لا ينبغي تناوله إلاَّ بعد معرفة أنَّه مما ينبغي تناوله ذلك الوقت ، إذ ليس من فاكهة بلده ، وجاز أنَّ فيه خواصَّ تليق بأكله في محلِّه ؛ دون ما جلب له . خاتمة : روى ابن السّنِّي وأبو نُعيم ؛ عن أبي ذر رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ : أهدي له ◌َّهُ طبقٌ من تين، فقال: ((كُلُوا، فَلَوْ قُلْتُ ((إنَّ فَاكِهَةٌ نَزَلَتْ مِنَ الجَنَّهِ بِلاَ عَجَمٍ )) ؛ لَقُلْتُ: هِيَ التِّيْنُ))، وَأنَّه يذهب بالبواسير وينفع من النّفْرِس. ولأحمد أنَّه وَ لِّ دخل بيت سعد بن عبادة ؛ فقرب إليه زبيباً فأكل . وللطَّبراني: أُتِي النَّيِّ ◌َّهِ بِسَفَرْ جَلَةٍ من الطَّائف، فقال: «كُلُوهُ ؛ فَإِنَّهُ يَذْهَبُ بِطَخَاوَةِ القَلْبِ، وَيَجْلُو الفُؤَادَ ، وَيُذْهِبُ طَخَاءَ الصَّدْرِ )). ولابن حِبان: أُتَيَ رسول الله وَ ◌ّ بِرُمَّان؛ يوم عرفة فأكل. وللخطيب ؛ عن البراء: رأيت رسول الله وهل ﴿ يأكل توتا في قصعة؛ ذكره الزرقانيُّ في ((شرح ((المواهب اللَّدنيّة)) للقُسْطُلاَّني)) رحمهم الله تعالى أجمعين. آمين . ٢٤٠