Indexed OCR Text
Pages 181-200
وَأَلَدَّمَ ، وَالْمَثَانَةَ، وَأَلْمَرَارَةَ، وَالْغُدَدَ. وَيَكْرَهُ لِغَيْرِهِ أَكْلَهَا . الخُفِّ والظَّلفِ والسِّباع، وقد يُقْصَرُ. قال في ((شرحه)): قال الأزهريُّ: وهو خَطَأ لا يجوز قصره إلا لَشاعرٍ ضرورة ، وما جاء عن العربِ إلا ممدوداً !!! وإنَّما سُمِّي حياءً باسم الحَياءِ من الاسْتحياءِ ، لأنه يُسْتَرُ عن الآدَميِّ من الحيوان ويُسْتَفْحشُ التَّصريحُ بذِكْرِهِ واسمِه الموضوع له ، ويستحى من ذلك ويكَنَّى عنه . انتهى ملخصاً ( وَالدَّمَ) غير المسفوح كالكبد والطّحال؛ وأكله من كبد أُضحيته ؛ لبيان الجواز ، وإشارة إلى طلب أكل شيءٍ من الأُضحية ، أمَّا الدَّم المسفوحُ فحرامٌ ، والكلام في الحلال الَّذي تعافه النَّس . (وَالمَثَانَةَ) وهي : مجمع البول ، ( وَالمَرَارَةَ) وهي : ما في جوف الحيوان ، فيها ماء أخضر، وكل حيوان له مرارةٌ ، إلاَّ الجَمل فلا مرارة له ، ( وَالْغُدَدَ ) جمع غُدَّة - بالضَّمِّ - وهي: لحم يحدث من داءٍ بين الجلد واللَّحمِ، يتحرَّك بالتَّحريك، والغُدَّة للبعير ؛ كالطَّاعون للإنسان . وإنَّما لم يأكل هذه المذكورات ! لأنَّ الطَّبع السَّليم يعافُ هذه الأشياءَ ، وليس كلُّ حلال تطيب النََّس لأكله . (وَيَكْرَهُ لِغَيْرِهِ أَكْلَهَا ) ، قال الخطابي: الدَّم حرام إجماعاً ، وعامَّة المذكورات معه مكروهةٌ لا مُحرَّمة ، وقد يجوز أن يفرق بين القرائن التي جمعها نظمٌ واحد ؛ بدليل يقوم على بعضها ، فيحكم له بخلاف حكم صواحباتها . انتهى . وردَّه أبو شامة بأنَّه لم يرد بالدَّم هنا ما فهمه الخطَّابي ، فإنَّ الدَّم المحَرَّم بالإجماع قد انفصل من الشّاة وخلت منه عروقها ، فكيف يقول الراوي : كان يكره من الشَّاة . - يعني: بعد ذَبْحِهَا - سبعاً ، والسَّبْعُ موجودةٌ فيها . وأيضاً؛ فمنصبه وله يجلّ عن أنْ يوصف بأنَّه كره شيئاً هو منصوص على تحريمه على النَّاس كافَّة ، وكان أكثرهم يكرهه قبل تحريمه ، ولا يقدم على أكله إلاَّ الجُفاة في شظف من العيش وجهد من القلّة . ١٨١ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَأْكُلُ الْجَرَادَ ، وَلَ اَلْكُلْيَتَيْنِ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعَافُ الضَّبَّ ، وإنَّما وجْهُ هذا الحديث المنقطع الضعيف : أنه كره من الشَّاة ما كان من أجزائها دماً منعقداً مما يحلُّ أكله ، لكونه دماً غير مسفوح ، كما في خبر : ((أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ )). فكأنَّه أشَارَ بالكراهةِ إلى الكبد والطِّحالِ مما ثبت أنَّه أكله !! والله أعلم . انتهى من شرح ((الإحياء))، ومن شرح المناوي على ((الجامع الصغير)). والحديث رواه الطَّبراني في (( الأوسط)) ؛ من حديث ابن عمر ، وفيه يحيى الحِمَّاني ، وهو ضعيفٌ . ورواه البيهقي ؛ عن مجاهد مرسلاً . ورواه ابن عدي ، والبيهقي ؛ عن مجاهد ، عن ابن عباس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما . قال البيهقي : وَوَضْلُهُ لا يصُ . ولفظ الحديث: كان ◌َّهِ يَكْرَهُ مِنَ الشَّاةِ سَبْعاً: المَرَارَةَ والمَثَانَةَ وَالحَيَا والذَّكَرَ والأُنْثَيْنِ والغُدَّةَ والدَّمَ ؛ وَكَانَ أَحَبَّ الشَّةِ إِلَيْهِ مقدَّمُها . انتهى . ( وَ) أخرج ابن صَصرى في ((أماليه الحديثيَّة))؛ عن ابن عبّاس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما وهو حديث حسن لغيره؛ قال : ( كَانَ) رسولُ الله (َِّهُ لا يَأْكُلُ الجَرَادَ ، وَلاَ الكُلْيَيَّنِ ) - بضم الكاف - تثنية كلية ، لقربهما من محل البول ، وتمام الحديث : وَلاَ الضَّبَّ؛ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحرِّمَهَا. انتهى . أي : كان يعاف المذكورات من غير أن يحرِّمها ، وقد أُكِلَ الضَّبُّ على مائدته ؛ وهو ينظر !!. ( وَ) في ((الإحياء)): (كَانَ) رسولُ اللهِ (وَِّ يَعَافُ الضَّبَّ) وهو دابَّة من الحَشَراتِ ، وهو أنواع ، فمنها ما هو على قدر الجَرْذُونِ ، ومنها أكبر منه ، ومنها دون العَنْزِ ، وهو أعظمها . وهو يعيش سبعمائة عام ، ولا يشرب الماء ، بل يكتفي بالنَّسيم ، ويبول في كل أربعين يوماً قطرة ، وأسنانه قطعةٌ واحدة معوجة ، وإذا فارق جُحْرَهُ لم يعرفه ، ويبيض كالطير ، ومن عجيب خلقه أن الذكر له زيّان ، والأنثى لها فرجان تبيضُ ١٨٢ وَالطِّحَالَ، وَلاَ يُحَرِّمُهُمَا . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَأْكُلُ الثُّومَ منهما ، وذنبُ الضَّبِّ ذو عقد، والضَّبُّ يتلوَّنُ ألواناً نحو الشَّمس ؛ كما تتلوَّن الحرباء ، وهو أحرش الذَّنب خشنه مفقَّرُه ، ولونه إلى الصحمة ؛ وهو غبرة مشربة سواداً ، وإذا سمن اصفرَّ صدره ، ولا يأكل إلاَّ الجنادب والدَّبًا والعشب ، ولا يأكل الهوام. انتهى ((شرح القاموس)) مع زيادة من ((المصباح)). ( وَ) يعاف (الطِّحَالَ) - بكسر الطَّاء - معروف ، ويقال : هو لكل ذي كرش ، إلاَّ الفرس فلا طِحال له، والجمع طحالات، وأْحِلَة ؛ مثل لسان وألْسِنَةً، وطُحُل ؛ مثل كتاب وكتب . ( وَلاَ يُحَرِّمُهُمَا ) ، أما الضَّبُّ ! ففي ((الصَّحيحين)؛ من حديث ابن عباس : ((لم يكن بأرض قومي فأجدُني أعافه)). وفي ((الصَّحيحين)) من حديث ابن عمر: «لستُ بآكله ولا محرمه)). وأما الطّحال ! فروى ابن ماجه من حديث ابن عمر : ((أُحِلَّت لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمانٍ » . وفيه: ((وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالكَبِدُ وَالطِّحَالُ)) . وللبيهقي موقوفاً على زيد بن ثابت : ((إنِّي لا آكل الطِّحال، وما بي إليه حاجةٌ؛ إلاَّ ليعلم أهلي أنَّه لا بأس به)). وقد سبق قريباً حديث ابن صصرى في ((أماليه)»: كان لا يأكل الجرادَ ولا الكُلوتين ، ولا الضَّبَّ من غير أن يحرِّمَهما . ( وَ) أخرج أبو نعيم في ((الحلية))، والخطيب في ((التاريخ))، والدَّار قطني في (( غرائب مالك)): كلهم ؛ عن أنس بن مالك ، وهو حديث حسن لغيره - كما في (( العزيزي )) - قال : ( كَانَ ) رسولُ اللهِ (وَّةِ لاَ يَأْكُلُ الثُّوْمَ) - بضم المثلَّئَةِ - أي: النَّيء؛ ١٨٣ وَلاَ أَلْبَصَلَ، وَلاَ الْكُرَّاثَ؛ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْمَلاَئِكَةَ تَأْتِيهِ ، وَأَنَّهُ يُكَلِّمُ جِبْرِيلَ. وَمَا ذَمَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَاماً قَطُّ؛ إِنِ اشْتَهَاهُ .. أَكَلَهُ ، وَإِلَّ .. تَرَكَهُ . وَعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِيْنِي فَيَقُولُ: ((أَعِنْدَكِ غَدَاءٌ))، ( وَلاَ البَصَلَ) أي: النَّيء، (وَلاَ الْكُرَّاثَ) - بضم الكاف ، وقد تفتح ؛ مع تشديد الرَّاء فيهما ، بوزن رُمَّان وكَتَّان - ( مِنْ أَجْلِ أَنَّ المَلائِكَةَ تَأْتِيْهِ ، وَأَنَّهُ يُكَلِّمُ جِبْرِيْلَ ) ، فكان يكره أكلَ ذلك ؛ خوفاً من تأذِّي الملائكة به . ( وَ) في ((الإحياء)): (مَا ذَمَّ) رسولُ اللهِ (وَِّ طَعَاماً قَطُّ ؛ إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِلَّ تَرَكَهُ) . رواه البخاري ومسلم ، ولفظه: عن أبي هريرة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قالَ: مَا عَابَ رَسُولُ اللهِنَّهِ طَعَاماً قَطُّ؛ إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ ، وإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ . وفي رواية لمسلم : وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِيْهِ سَكَتَ . قال النََّويُّ في (( شرح مسلم)) : هذا أدبٌ من آداب الطَّعام ، كقوله : مالح ، قليل الملح ، حامض رقيق ، غليظ غير ناضج ، أو نحو ذلك . وأما حديث ترك أكل الضب ! فليس هو من عيب الطَّعام ، وإنَّما هو إخبار بأنَّ هذا الطَّعام الخاصَّ لا أشتهيه . انتهى . ( وَ) أخرج التِّرمذيُّ في ((الشمائل)) (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِيْنَ) إنَّما سمِّيت زوجاتُ النَّبِيِّ وَِّ أَمَّهاتِ المؤمنين !! لحرمتِهِنَّ عليهم. وقيل: لوجوب رِعَايَتِهِنَّ واحترامِهِنَّ. وعلى الأَوَّل ؛ فلا يقال: أمَّهات المؤمنات، وعلى الثَّاني! يقال ذلك . ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهَا؛ قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَأْتِيْنِيْ) أي: في أَوَّل النَّار؛ ( فَيَقُولُ: ((أَعِنْدَكِ غَدَاءٌ))) - بفتح الغين المعجمة وبالدَّال المهملة مع المدّ ـ؛ وهو: الطَّعام الَّذي يؤكل أوَّل ١٨٤ فَأَقُولُ : لاَ ، فَيَقُولُ: ((إِنِّي صَائِمٌ))، قَالَتْ: فَأَتَانِي يَوْماً ؛ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ إِنَّهُ أُهْدِيَتْ لَنَ هَدِيَّةٌ، قَالَ: ((وَمَا هِيَ؟))، قُلْتُ : حَيْسٌ . النَّهار ، وأمَّا بكسر الغين المعجمة وبالذَّال المعجمة أيضاً ! فهو ما يؤكل على وجه التَّغذِّي، مطلقاً ، فيشملُ العَشَاءَ كما يشمل الغَداء . ( فَأَقُوْلُ: لَاَ) أي: ليس عندي غداء . ( فَيَقُوْلُ: ((إِنِّي صَائِمٌ)) ) أي : ينوي الصَّومَ بهذه العبارة ، وهو صريح في جوازنِيَّةِ صومِ النَّقْلِ نهاراً(١)، لكن إلى الزَّوال عند الشَّافعي ، وأوجب مالك التَبيت كالفرض لإطلاقِ خبر (( مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ فَلاَ صِيَامَ لَهُ)) . وحَمَل ((إنِّي صائم))؛ على أنِّي كُنتُ. وأجيب بأنَّهُ تَأْوِيلٌ بعيد عن ظاهر اللَّفظ ، والأصل تراخي رتبة النَّل عن الفرض ، فلا يشكل الفرق بينهما ، وفي قوله: ((إنِّي صَائِمٌ)) إيماءٌ إلى أنَّه لا بأس بإظهار النَّلِ لقصد التَّعليم . ( قَالَتْ: فَأَتَانِي يَوْماً، فَقُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، إِنَّهُ أُهْدِيَتْ ) بصيغة المجهول ، أي : أُرسِلَتْ (لَنَا هَدِيَّةٌ، قَالَ: ((وَمَا هِيَ))؟ قُلْتُ: حَيْسٌ) - بفتح الحاء المهملة ، وسكون التَّحتيّة وفي آخره سين مهملة - وهو التَّمر مع السَّمن والأقط ، وقد يُجعل عوض الأقط الدقيقُ أو الفتيت ، فيدلك الجميع حتى يختلط ، قال الشاعر : وَإِذَا يُحَاسُ الحَيْسُ يُدْعَى جُنْدُبُ وَإِذَا تَكُونُ كَرِيْهَةٌ أُدْعَى لَهَا لاَ أُمَ لِي إِنْ كَانَ ذَاكَ وَلا أَبُّ هَذَا وَجَدُكُمُ الصَّغَارُ بِعَيْنِهِ فِيكُم عَلَى تِلكَ القَضِيَّةِ أَعْجَبُ عَجَبٌ لَتِلْكَ قَضِيَّةٌ، وإِقَامَتِي (١) مما يجب التنبيه عليه ههنا : أن هذه النية ينبغي أن تشمل القصد ما تقدمها من أجزاء اليوم قبل إنشائها ؛ فينوي أنه صائم من الفجر ... فَلْيُعْلَم ؛ فإن أكثر الناس عنه غافلون. وفيه وجه توفيق من كلام مالك الآتي بعده . والله تعالى أعلم . ١٨٥ قَالَ: (( أَمَا إِنِّي أَصْبَحْتُ صَائِماً)) ، قَالَتْ: ثُمَّ أَكَلَ . وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُنِيَ بِطَعَامٍ .. سَأَلَ عَنْهُ: ((أَهَدِيَّةٌ أَمْ صَدَقَةٌ؟ ))، فَإِنْ قِيلَ صَدَقَةٌ .. قَالَ لأَصْحَابِهِ: (( كُلُوا))، وَلَمْ يَأْكُلْ . وَإِنْ قِيلَ هَدِيَّةٌ . . ضَرَبَ بِيَدِهِ فَأَكَلَ مَعَهُمْ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَأْكُلُ مِنْ هَدِيَّةٍ حَتَّى يَأْمُرَ ( قَالَ: ((أَمَا ) - بالتَّخفيف؛ للتَّنبيه - ( إِنِّي أَصْبَحْتُ صَائِماً)) ) إخبار عن كونه صائِماً ، فيكون قد نوى من اللَّيل. ( قَالَتْ: ثُمَّ أَكَلَ ) ، هذا صريح في حِلِّ قَطْعِ النَّفْلِ، - وهو مذهب الشَّافعي كالأكثر - ويوافقه خبر « الصَّائِمُ المتطوعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ ، إِنْ شَاءَ صَامَ وإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ )). وأمَّا قوله تعالى ﴿ وَلا ◌َبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ ﴾ [محمد] ! فهو في الفرض وجوباً ، والنَّفْل ندباً ؛ جمعاً بين الأدلة . ( وَ) أخرج البخاريُّ ومسلمٌ والنَّسائي؛ عن أبي هريرة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قال : ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ إِذَا أُنِيَ) بالبناء للمجهول ( بِطَعَامٍ) - زاد في رواية الإمام أحمد : من غير أهله ــ ( سَأَلَ عَنْهُ) ممن أتى به (: ((أَهَدِيَّةٌ أَمَّ صَدَقَةٌ؟))) - بالرَّفع ، خبر مبتدأ محذوف - أي : هذا ، أي : عَيِّوا لي أحد الأمرين . ( فَإِنْ قِيْلَ:) هو (صَدَقَةٌ؛ قَالَ لأَصْحَابِهِ ) أي : من حضر منهم (: ((كُلُوْا))، وَلَمْ يَأْكُلْ) هو منه، لأنَّ الصَّدقة حرام عليه . ( وَإِنْ قِيْلَ:) هو ( هَدِيَّةٌ) - بالرَّفع - ( ضَرَبَ بِيَدِهِ) أي: مدَّ يده وشرع في الأكل مسرعاً ؛ ( فَأَكَلَ مَعَهُمْ ) من غير تحام عنه ؛ تشبيهاً للمدِّ بالذَّهاب سريعاً في الأرض ، فعدَّاه بالباءِ ، وذلك لأن الهدية يقصد فيها إكرام المهدى إليه ، والصَّدقة لم يقصد بها ذلك ، بل يقصد بها ثواب الآخرة ، ففيها نوع ذلِّ للآخذ . ( وَ) أخرج الطَّبراني في ((الكبير)) والبزَّار بإسناد صحيح؛ عن عمَّار بن ياسر رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما قال: ( كَانَ) رسولُ الله (وَِّ لاَ يَأْكُلُ مِنْ هَدِيَّةٍ حَتَّى يَأْمُرَ ١٨٦ صَاحِبَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا ؛ لِلشَّاةِ الَّتِي أُهْدِيَتْ لَهُ . وَكَانَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَاحٌ وَغَنَمْ يَتَقَوَّتُ مِنْ أَلْبَانِهَا هُوَ وَأَهْلُهُ ، وَكَانَ لا يُحِبُّ أَنْ تَزِيدَ عَلَى مِنَةٍ ، وَإِنْ زَادَتْ .. ذَبَحَ الزَّائِدَ . وَكَانَ لَهُ جِيرَانٌ صاحِبَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا. لِلشَّاةِ) أي: لأجل قصَّة الشَّاة ( الَّتِي أُهْدِيَتْ لَهُ) يوم خيبر؛ وفيها سمٌّ، فأكلوا منها، فمات بعض أصحابه، وصار المصطفى وَّل يعاوده الأذى منها حتَّى توفاه الله تعالى إلى كرامته . ( وَ) في ((كشف الغمَّة)) و((الإحياء)): (كَانَ لَهُ نَّهِ لِقَاحٌ) - بكسر اللَّم فقط ، وخفة القاف ، جمعُ لِقَحة ؛ بكسر اللام وفتحها - هي : النَّاقة القَريبة العهد بالولادة ، إلى ثلاثة أشهر ، ثمَّ هي بعد الثلاثة لبون ، وجاء اللّقحة في البقر والغنم أيضاً ، فمن لقاحه : القصواء والعضباء . قال ابن القيِّم في ((الهدي النبوي)): كانت له خمسة وأربعونَ لقحة ؛ منها : أطلال وأطراف وبرده ، والبُغوم والحَنَّا والرَّيا، والسَّعدية والسَّمراء والشَّقراء ، والعُريِّس ومروة ومُهْرة . ( وَ) كان له (غَنَمٌ)، منها شاة تسمَّى: زمزم والسُّقْيا وعَجْرة وغوثة - وقيل غيثة - وقمر واليمن ( يَتَقَوَّتُ مِنْ أَلْبَانِهَا ) أي : اللِّقاح والغنم ( هُوَ وَأَهْلُهُ . وَكَانَ ) له مائة شاة (لاَ يُحِبُّ أَنْ تَزِيْدَ عَلَىْ مائَةٍ، وَإِنْ زَادَتْ؟ ذَبَحَ الزَّائِدَ ) رواه أبو داود من حديث لقيط بن صبرة العقيلي؛ عن النبي وَلي ، ولفظه : لَنَا غَنَمٌّ مِائَةٌ، لَنَا غَنَمٌ مِائَةٌ، لَاَ نُرِيدُ أَنْ تَزِيدَ ، فَإِذَا وَلَّدَ الرَّاعِي بَهْمَةٌ ذَبَحْنا مَكَانَهَا شَاةً ... الحديث . ( وَكَانَ لَهُ جِيْرَانٌ) - بكسر الجيم - جمع جار ، وهو المجاور في السَّكن من الأنصار ؛ سعد بن عبادة ، وعبد الله بن عمرو بن حرام ، وأبو أَيُوب خالد بن زيد ، ١٨٧ لَهُمْ مَنَائِحُ، يُرْسِلُونَ لَهُ مِنْ أَلْبَانِهَا فَيَأْكُلُ مِنْهَا وَيَشْرَبُ، وَكَانَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعَةُ أَعْنُزِ مَنَئِحُ تَرْعَاهُنَّ أُمُّ أَيْمَنَ حَاضِنَتُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وسعد بن زرارة ، وغيرهم ؛ قاله الحافظ ابن حجر . ( لَهُمْ مَنَائِعُ ) - بنون، وآخره حاء مهملة - : جمع منيحةٍ ، وهي العطيّة لفظاً ومعنىَ ، أي : غنمٌ فيها لبنٌ، وأصْلُها : عطيّة النَّاقَةِ؛ أو الشَّاةِ ، وقيل : لا يقال : منيحةٌ إلاَّ للنّاقة، وتستعار للشَّاة . قال الحربي : يقولون : مَنَحْتُكَ النَّاقَة . وأعْرَيْتُكَ النَّخْلَةَ، وأعمرتك الدَّارَ ، وأخدمتكَ العَبْدَ ، وكل ذلك هبة منافع ؛ لا رقبة . فظهر بهذا أنَّ المنيحة في الأَصلِ شاةٌ أو بقرة يعطيها صاحِبُها لِمَنْ يَشرب لَبَتَهَا ، ثمَّ يردُّها إذا انقطع اللَّينُ ، ثمَّ كثر استعمالها حتى أُطلق على كل شاةٍ أو بقرة معدّة لِشربِ لبنها . لكنَّ المرادَ هنا الشِّياهُ، فقد قال اليعمري: وأمَّا البقر! فلم ينقل أنَّه ◌َّهِ مَلَكَ منها شيئاً . انتهى. أي: للقُنْيَةِ، فلا يرد عليه ما في ((الصَّحيح)) أنَّهَوَّلِ ضَخَّى عن نِسائه بالبقر في حجَّة الوداع !! قاله الزُّرقاني رحمه الله تعالى . ( يُرْسِلُوْنَ لَهُ ) وَّهِ (مِنْ أَلْبَانِهَا فَيَأْكُلُ مِنْهَا، وَيَشْرَبُ) هو وأهل بيته ، ( وَكَانَ لَهُ وَِّ سَبْعَةُ أَعْنُزٍ) - جمع عنز، وهي : الأنثى من المعز إذا أتى عليها حول - (مَنَائِحُ تَرْعَاهُنَّ أُمُّ أَيْمَنَ): بركة الحبشية؛ (حَاضِنَتُهُ وَِّ ). روى مُحمد بن سعد (( كاتب الواقديِّ)) في ((الطَّبقات))؛ من حديث أمّ سلمة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: كَانَ عَيْشُنا مع رَسُولِ اللهِلَّهِ اللَّبِن - أو قَالتْ: أكْثَرُ عَيْشِنَاً -. كانت لرَسُولِ اللهِ وَلقول بالغابة ... الحديث. وفي رواية له : كانت لنا أعتز سبع ، فكان الراعي يبلغ بهن مرة الجَمَد ، ومرة أُحُداً ويروح بهن علينا، وكانت لرَسُولِ اللهِ وَ ل﴿ لقاح بذي الجدر ، فيثوب إلينا ألبانها بالليل ... الحديث . وفي إسنادهما محمد بن عمر الواقدي !! ضعيف في الحديث . ١٨٨ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ كَثِيراً إِلَى بَسَاتِيْنِ أَصْحَابِهِ ، فَيَأْكُلُ مِنْهَا وَيَحْتَطِبُ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُجِيبُ دَعْوَةَ أَلْحُرِّ وَالْعَبْدِ ، وفي ((الصحيحين)) من حديث سلمة بن الأكوع: كانت لقاح رَسُولِ اللهِ وَلـ ترعى بذي قَرَد ... الحديث. وقد تقدم حديث (( الصحيحين))؛ عن عائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا. وفيه: كان لرَسُولِ اللهِ وَ له جيران من الأنصار؛ وكانت لهم منائح فكانوا يرسلون إلى رَسُولِ اللهِ وَ لّ من ألبانها فيسقيناه. ( وَ) في ((كشف الغمة)): ( كَانَ وَ ◌ّهِ يَخْرُجُ كَثِيْراً إِلَى بَسَاتِيْنِ أَصْحَابِهِ ، فَيَأْكُلُ مِنْهَا وَيَخْتَطِبُ) تقدَّم أنه وَّهِ خرج إلى بستان أبي الهيثم بن التيِّهان فيما رواه الترمذي من حديث أبي هريرة ؛ وقال : حسن غريب صحيح . والقصة عند مسلم لكن ليس فيها ذكر لأبي الهيثم، وإنما قال (( رجل من الأنصار)) !! وكذلك خرج ◌َّه إلى بستان أبي أيوب الأنصاري ؛ كما رواه الطبراني في ((المعجم الصغير )) من حديث ابن عباس بسند ضعيف . وخرج أيضاً إلى بساتين غيرهما ؛ كما ذكره في (( شرح الإحياء)). ( وَ) في ((كشف الغمة)) و((الإحياء)): (كَانَ) رسول اللّهِ (رَّهُ يُجِيْبُ دَعْوَةَ الحُرِّ وَالعَبْدِ ) . قال العراقي : رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث أنس : كان يجيب دعوة المملوك . قال الحاكم : صحيح الإسناد . قلت : بل ضعيفه . وللدارقطني في ((غرائب مالك)) والخطيب في ((أسماء رواة مالك))؛ من حديث أبي هريرة : كان يجيب دعوة العبد إلى أيٍّ طعام دُعي، ويقول: ((لَوْ دُعِيتُ إلى كُرَاعٍ لأَجَبْتُ )). وهذا بعمومه دالٌّ على إجابة دعوة الحرِّ ، وهذه القطعة الأخيرة عند البخاري ؛ من حديث أبي هريرة . وروى ابن سعد من رواية حمزة بن عبد الله بن عتبة : كان ١٨٩ وَيَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ ؛ وَلَوْ أَنَّهَا جُرْعَةُ لَبَنٍ ، أَوْ فَخِذُ أَرْنَبٍ ، وَيُكَافِىءُ عَلَيْهَا وَيَأْكُلُهَا ؛ وَلاَ يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ. وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دُعِيَ لِطَعَامِ وَتَبِعَهُ أَحَدٌ . . أَعْلَمَ بِهِ رَبَّ الْمَنْزِلِ ؛ لا يدعوه أحمر ولا أسود من النَّاس إلاَّ أجابه ... الحديث، وهو مرسل . انتهى. ( وَ) كان رَسُوْلُ اللهِنَّه ( يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ؛ وَلَوْ أَنَّهَا جُرْعَةُ لَبَنٍ ، أَوْ فَخِذُ أَرْنَبٍ، وَيُكَافِىءُ عَلَيْهَا ) . قال العِراقيُّ : روى البخاريُّ ؛ من حديث عائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قالت : كان رَسُوْلُ اللهِوَهِ يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ وَيُثِبُ عَلَيْهَا . وأمَّا ذكر جرعة اللَّبَنِ وفَخِذِ الأَرْنبِ !! ففي ((الصحيحين)) من حديث أمِّ الفَضْلِ أنَّها أرسلت بقدح مِنَ اللَّبَنِ إلى النَّي ◌َّرِ؛ وهو واقف بعرفة ، فشربه . ولأحمد من حديث عائشة: أهْدَتْ أمُّ سَلَمَةَ لِرَسُولِ اللهِ بَّهِ . انتهى. قلت : والَّذي رواه البخاريُّ من جهة قبول الهَدِيَّة والإثَابَة عَلَيْهَا رواه كذلك أحمد، وأبو داود، والترمذيُّ في ((السنن))؛ وفي ((الشمائل)). ومعنى ((يثيب عليها)) - أي: يجازي عليها - فيسنُّ التَّاسِّي بِهِ وَّه، ولكن محلٌّ ندب القَبول حيث لا شبهة قوية فيها ، وندب الإِثابة حيث لم يظنّ المُهدى إليه : أنَّ المهدي إنَّما أهدى له حياءً ؛ لا في مقابل، فَأَمَّا إذَا ظنَّ أنَّ الباعثَ عليه إنَّما هو الإِثابة !! فلا يجوز له إلاَّ إن أثابه بقدر ما في ظنِهِ مما تدلُّ عليه قرائن حالِه ؛ قاله في ((شرح الإحياء)). ( وَ) كان ◌َِّ (يَأْكُلُهَا ) ؛ أي: الهدية، (وَلاَ يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ). رواه الشَّيخانِ ؛ من حديث أبي هريرة ، ورواه أحمد والطَّبراني؛ من حديث سلمان، ورواه ابن سعد ؛ من حديث عائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا . ( وَكَانَ) رسولُ اللهِ (تََّ إِذَا دُعِيَ لِطَعَامٍ وَتَبِعَهُ أَحَدٌ؛ أَعْلَمَ بِهِ رَبَّ المَنْزِلِ ) ، ١٩٠ فَيَقُولُ: ((إِنَّ هَذَا تَبَعَنَا، فَإِنْ شِئْتَ .. رَجَعَ)). وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَأْكُلُ وَحْدَهُ . كما في البخاريِّ ومسلم وغيرهما ؛ عن أبي مسعود الأنصاري قال : كان من الأنصار رَجُلٌ يقالُ لَهُ أبو شعيب ، وكان له غلام لَخَّام ، فقال : اجْعَلْ لِي طَعَاماً يَكْفِي خَمْسَة، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ رَسُوْلَ اللهِ وَِّ ، وَقَدْ عَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الجُوعَ !! فَدَعَا رَسُوْلَ اللهِنَّهِ خَامِسَ خَمْسَةٍ؛ فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ، فَقَالَ النَّيِّ ◌َّ: ((إِنَّكَ دَعَوْتَنِي خَامِسَ خَمْسَةٍ ، وَهَذَا رَجُلٌ قَد تَبِعَنَا !! فَإِنْ شِئْتَ أذِنْتَ لَهُ ، وإنْ شِئْتَ تَرَكْتَهُ)) . قَال: بَلْ أَذِنْتُ لَهُ . وفي رواية: ((اتََّعَنَا))، بالتَّشديد. وفي رواية: ((لَمْ يَكُنْ مَعَنا حِينَ دَعوْتَنَا، فَإِنْ أَذِنْتَ لَهُ دَخَلَ)). وفي أخرى: ((وَإِنْ شِئْتَ أنْ يَرْجِعَ رَجَعَ )) ، وفي رواية: (( وَإِنْ شِئْتَ رَجَعَ))، فَقَالَ: لاَ ، بَلْ أَذِنْتُ لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ . قال الحافظ ابن حجر : ولم أَقف على اسم هذا الرَّجُل في شيء من طرق هذا الحديث ، ولا اسم واحد من الأربعة ، ولا اسم الغلام اللَّحام !! ( فَيَقُوْلُ: ((إِنَّ هَذَا تَبِعَنَا) - بفتح المثنّة الفوقيّة، وكسر الموحّدة ، كما ضبطه القسطلاني كغيره - أي: تبعنا من غير طلب له . ( فَإِنْ شِئْتَ رَجَعَ ))) ؛ ففيه أنَّ مَن تطفَّل في الدَّعوة كان لصاحبها الخيار في حرمانه ، فإن دخل بلا إذن فله إخراجه ، وحرمة التَّطَفُّل ما لم يعلم رضا المالك به ، لما بينهما من أُنْسٍ وانبساط . وقُيِّدَ بالدَّعوة الخاصَّة. أمَّا العامَّة ! كأَنْ فتحَ البابَ لِيدخل من شاء فلا تَطَفُّل. وفي (( سنن أبي داود )) بسندٍ ضعيف؛ عن ابن عمر رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما رفعه : (( مَنْ دَخَلَ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ دَخَلَ سَارِقَاً وَخَرَجَ مُغِيراً)) . ( وَ) أخرج الطَّبراني، والخرائطي: (كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ لاَ يَأْكُلُ وَحْدَهُ) . ١٩١ وَكَانَ أَحَبَّ الطَّعَامِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَثُرَتْ عَلَيْهِ الأَيْدِي. وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَرِّرُ عَلَى أَضْيَافِهِ ، وَيَعْرِضُ عَلَيْهِمُ الأَكْلَ مِرَاراً . وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا وَعَنْ وَالِدَيْهَا: لَمْ يَمْتَلِىءُ جَوْفُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شِبَعاً قَطُ ، ( وَ) يؤيِّده ما أخرجه أبو يعلى، والطَّبراني في ((الأوسط))، وابن عدي في ((الكامل )) ، وابن حبَّان، والبيهقي، والضِّياء؛ من حديث جَابِرِ بنِ عبدِ الله ، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما ، - بإسناد حسنٍ ؛ كما قال العراقي - قال : ( كَانَ أَحَبَّ الطَّعَامِ إِلَى رَسُوْلِ الهِ ◌َّ مَا كَثُرَتْ عَلَيْهِ الأَيْدِيْ ) ، لما فيه من السَّخاء بالطَّعام وقلَّة الأَكَلِ وكثرةِ البركة ( وَ) في ((المواهب)): (كَانَ وَِّ يُّكَرِّرُ عَلَىْ أَضْيَافِهِ، وَيَعْرِضُ عَلَيْهِمُ الأَكْلَ مِرَارَاً ) . وفي حديث أبي هريرة ما يؤيِّدُ ذلك في قصَّة شرب اللبن ، وقوله مراراً ((اشْرَب))، فَمَا زَالَ يَقُولُ ((اشْرَبْ)) حَتَّى قَال أبو هريرة: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لاَ أَجِدُ لَهُ مَسْلَكاً . رواه البخاري مطوَّلاً في كتاب ((الرِّقاق))؛ من ((صحيحه)) . ( وَ) في ((المواهب)) و((الشِّفاء)): ( قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا، وَعَنْ وَالِدَيْهَا: لَمْ يَمْتَلِىءْ جَوْفُ السَّيِّ وَل شِبَعاً ) - بكسر الشِّين المعجمة، وفتح الباء، وهو تمييز ، أو مفعول له ــ ( قَطُّ )، بل كان إذا تغذَّى لم يتعشَّ ، وإذا تعشَى لم يتغذَّ . رواه أبو نعيم، عن أبي سعيد الخدري رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ، وقد تقدَّم . وقول عائشة ((لم يمتلىء جوف النَّبِيّ وَِّ شبعاً قط)) ! محمولٌ على الشِّبع الَّذي يثقل المعدة ، ويثبِّط عن القيام بالعبادة ، ويفضي إلى البَطَر والأَشَرِ والنَّوم والكَسَل ، وقد تنتهي كراهته إلى الثَّحريم ؛ بحسب ما يترتَّب عليه من المفسدة . ١٩٢ وَإِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ لاَ يَسْأَلُهُمْ طَعَاماً وَلاَ يَتَشَهَّاهُ، إِنْ أَطْعَمُوهُ .. أَكَلَ ، وَمَا أَطْعَمُوهُ .. [قَبِلَهُ]، وَمَا سَقَوْهُ .. شَرِبَ. وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُبَّمَا قَامَ فَأَخَذَ مَا يَأْكُلُ بِنَفْسِهِ، أَو يَشْرَبُ . وليس المراد الشِّبعَ النِّسبيَّ المعتاد في الجملة، ففي (( صحيح مسلم)) خروجه وَلي وصاحبيه أبي بكر وعمر من الجوع وذهابهم إلى بيت الأنصاري ، وذبحه الشّاة، وفيه : فلما أنْ شَبِعُوا وَرَووا !!. قال النَّووي: فيه جواز الشِّبع . وما جاء في كراهته ! محمول على المداومة عليه ، فلا ينافي هذا الحديث وغيره من الأحاديث الدَّالَّة على جوازه، وقد ترجم البخاري (( باب مَن أَكَلَ حتَّى شَبع))، وأورد حديث دخوله وَ ل﴿ منزل أبي طلحة، وقوله له: ((اذن لعشرة ثمَّ عشرة ))، فَأَكَل القوم كلّهم وشبعوا، وهم ثمانون، وحديث أبي بكر : كُنَّا مَعَ النَّبِّ وَّهِ ثَلاَئِينَ وَمائةً ... الحديث؛ وفيه: فَأَكَلْنَ أَجْمَعُونَ، وَشَبِعْنا .. ( وَنَّهُ) وَِّ ﴿كَانَ فِي أَهْلِهِ لاَ يَسْأَلُهُمْ طَعَاماً ) ، أي: لا يكلِّفهم شيئاً ليس عندهم ، أو ما لا يريدون إحضاره لغرضٍ آخر يتعلَّق بهم ، فلا ينافيه قوله: (( هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ غَدَاء؟)). ( وَلاَ يَتَشَهَّاهُ) إذ التَّشْهِّي آيَةُ الحبِّ، وهو منزَّه عنه ! ( إِنْ أَطْعَمُوْهُ أَكَلَ، وَمَا أَطْعَمُوْهُ) قدَّموه له ليأكله ([قَبِلَهُ]) منهم ، فيأكل منه . ( وَمَا سَقَوْهُ) من الأشربة لبن أو غيره ( شَرِبَ)، وهذا كان غالبَ أحوالِهِ وَه . ( وَ) في ((كشف الغُمَّة)) و((الإحياء)): (كَانَ) رسولُ اللهِ (عََّ رُبَّمَا قَامَ فَأَخَذَ مَا يَأْكُلُ بِنَفْسِهِ! أَو يَشْرَبُ) . أخرج التِّرمذي وصحَّحه ، وابن ماجه ؛ عن كبشةً : دَخَلَ علي رَسُولُ الهِ بَّهِ فَشَرِبَ مِنْ في قربَةٍ مُعَلَّقَةٍ قَائِماً ... الحديث. وقد تَقَدَّم حديث أَبي داود والتِّرمذي و(( الشَّمائل))؛ عن أمِّ المُنْذِرِ بنتِ قيس : ١٩٣ وَعَنْ سَلْمَانَ دَخَلَ عليَّ رَسُوْلُ اللهِنَ ◌ّهِ وَمَعَهُ عليٍّ، وعليٍّ ناقه، ولنا دوال مُعَلَّقَةٌ، فقام رَسُوْلُ اللهِنَّهِ، فَأَكَلَ مِنْها ... الحديث، وإسناده حسن كما قال العراقي. ( وَ) أخرج التِّرمذي في ((الجامع)) و((الشمائل))؛ (عَنْ) أبي عبد الله ( سَلْمانَ) الفارسيِّ ((مولى رَسُولِ اللهِ وَّر)) سئل عن نسبه فقال: أَنَا سلمان ابن الإسلام ؛ لأَنَّه كان لا ينتسب إلى أب . أَبِي الإِسْلاَمُ لاَ أَبَ لِي سِوَاهُ إِذَا انْتُسَبُوا لِقَيْسٍ أَوْ تَمِيمٍ أصله من فارس ، من جَيٍّ - بفتح الجيم وتشديد الياء - : قريةٌ من قُرِى أَصبهان، وقيل: من ((رام هرمز)). وسبب إسلامه مشهورٌ، وأنَّ هَرَبَ مِنْ أبيه ؛ وكان مجوسيّاً ؛ فلحق براهبٍ ، ثمَّ جماعة من الزُّهبَان .. واحد بعد واحد ، يصحبهم إلى وفاتهم ، إلى أن دلَّه الأخير على الذَّهاب إلى الحجاز ، وأخبره بظهور النَّبِيّ بَّر، فقصده مع عربٍ ، فغدروا به ؛ وباعوه في وادي القُرى ليهودي . ثم اشتراه منه يهوديٌّ من قريظة ، فقدم به المدينةَ ، فَأَقام بها مدَّة حتى قدمها رَسُوْلُ اللهِ وَّرَ؛ فأتاه بِصَدقةٍ ، فلم يأكل منها ، ثمَّ بعد مدَّة أتاه بهديَّة فأكل منها، ثمَّ رأى خاتم النُُّوَّة، وكان الرَّاهب الأخير وصف له هذه العلامات الثَّلاث للنَّبِيِّ وَِّ . قال سلمان : فرأيت الخاتم، فقبّلته وبكيتُ، فأجلسني رَسُوْلُ اللهِ وَلِ﴿ بين يديه ، فحدَّثني بشأني كله ، وفاتني معه بدرٌ وأُحدٌ بسبب الرِّقِّ، وأوَّل مشاهده مع رَسُولِ اللهِ ن ◌َّهِ الخندق، ولم يتخلَّف عن مشهد بعدها، وآخِى رَسُوْلُ اللهِ نَّهِ بينه وبين أبي الدَّرداء . وكان من فُضلاء الصَّحابةِ وزهَّادهم وعلمائهم وذوي القرب من رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وهو الَّذي أشار على رَسُولِ اللهِ وَ لَهَ بِحَفْرِ الخندقِ يوم الأحزابِ . وسكن العراق ، وكان يعمل الخوص بيده ؛ فيأكل منه ، وكان عطاؤه خمسة آلاف ، فإذا خرج فرَّقه . ١٩٤ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَرَأْتُ فِي ((التَّوْرَاةِ)): إِنَّ بَرَكَةَ الطَّعَام اُلْوُضُوءُ بَعْدَهُ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَِّيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْبَرْتُهُ بِمَّا قَرَأْتُ فِي التَّوْرَاةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((بَرَكَةُ الطَّعَام الْوُضُوءُ قَبْلَهُ وَالْوُضُوءُ بَعْدَهُ )). ونقلوا اتَّفاق العلماء على أنَّ سلمان الفارسي عاشَ مائتين وخمسين سنة . وقيل : ثلثمائة وخمسين سنة . روي له عن رَسُولِ اللهِ وَلِّ سُون حديثاً؛ اتَّفق البخاري ومسلم على ثلاثة ، ولمسلم ثلاثة . روى عنه ابن عبّاس ، وأنس ، وعقبة بن عامر ، وأبو سعيد ، وكعب بن عجرة ، وأبو الطُّفيل رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم . وروى عنه جماعات من التَّابعين . توفِّي سلمان بالمدائِن في أوَّل سنة : - ٣٦ - ستٍّ وثلاثين: وقيل غير ذلك. ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ قَالَ: قَرَأْتُ فِي (( الثَّوْرَاةِ))): الكتاب المنزل على موسى وَّه، وهو أعظم الكتب بعد القرآن: ((إِنَّ بَرَكَةَ الطَّعَامِ الوُضُوْءُ بَعْدَهُ » يصُ قراءته بكسرٍ همزة ((إنَّ)) على أنَّ المعنى أنَّ هذه الجملة في ((الثَّوراة))، ويصح الفتح أيضاً . ( فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلَّبِّ نَّهِ وَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَرَأْتُ) أي: بقراءَتي ( فِي ((النَّوْرَاةِ))) على أنَّ ((ما)) مصدريَّة، فلا يغني عنه ذكرت ذلك للنَّبِي وٍَّ. ( فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ نَّهِ): مقراً لسلمان على ما أخبر أنَّه قرأه في ((الثَّوراة))؛ وإنْ كان لم ينزل عليه ، لأنَّ إخبارٌ عن شيءٍ يحصل به البركة ، والأخبار لا تُنسخ . فقال : ( ((بَرَكَةُ الطَّعَامِ الوُضُؤْءُ) ، يعني: غسل اليدين ( قَبْلَهُ) أي : قبل الطَّعام عند إرادته ، بحيث ينسب إليه عرفاً، ( وَالوُضُوْءُ) ، يعني: غسل اليدين ( بَعْدَهُ))) ، ١٩٥ وَالْمُرَادُ بِالْوُضُوءِ هُنَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ؛ وَهُوَ : غَسْلُ الْكَفَّيْنِ. أي : عَقِبَ الفراغ من الأَكْلِ ، فيحصل بالوضوء الأوَّل استمراؤه على الأَكْلِ وحصول نَفْعه، وزوال ضرره، وترتُّب الأخلاق الكريمة والعزائم الجميلة عليه ، ويحصل بالوضوء الثَّاني زوال الدَّسم ونحوه، المستلزم لبعد الشَّيطان ودحضه . ( وَالمُرَادُ بِالوُضُوْءِ هُنَا ) : في هذا الحديث ؛ (المَعْنَى اللُّغَوِيُّ؛ وَهُوَ غَسْلُ الكَفَّيْنِ ) كما علمت مما قرَّرْناه ، وقول بعض الشَّافعية ((أراد الوُضُوءَ الشَّرعيَّ)) !! يدفعه تصريحهم بأنَّ الوُضُوءِ الشَّرْعِيَّ لَيس سنَّةً عند الأَكْلِ . قال التِّرمذيُّ في ((جامعه)): لا يُعرف هذا الحديث ؛ أي: حديث سلمان إلاَّ من حديث قَيْسٍ بن الربيع ، وهو ضعيفٌ . انتهى . وتمسَّك به بعضُهُمْ على ندبِ غَسْلِ اليَدِ قَبْلَه وبعدَهُ ؛ وإنْ لم يكن بها لوث البتّة، ويعضده خبر الطَّبراني في «الأوسط )): ((الوُضُوءُ قَبْلَ الطَّعامِ وَبَعْدَهُ يَنْفِي الفَقْرَ ، وَهُوَ مِنْ سُنَنِ المُرْسَلِينَ )». وكان حجَّة الإسلام يميلُ إلى ذلك ، حيث قال : الأَكل بقصد الاستعانة على الدِّين عبادةٌ ، فهو جديرٌ بأن يقدم عليه ما يجري منه مجرى الطَّهارة من الصَّلاة !! لكن ذهب النَّويُّ رحمه الله تعالى إلى حمله في الغسل ((بعده))؛ على ما إذا عَلِقَ بها منه شيءٌ، وإلاَّ فلا يُسَنُّ، وكذا قبله إنْ تَحَقَّقَ نَظَافَتُها، أي: وكان يأكُلُ وحده ، وإلاَّ: فَيَظْهَرِ سَنُّ غَسْلِها مُطْلَقاً، كما بحثه ابن حجر ؛ تطيباً لخاطر جليسه . ويُسَنُّ تقديم الصِّبيان على المشايخِ في الغسل قبل الطَّعام ؛ لأَنَّ أيدي الصِّبيان أقرب إلى الوسخ ، وقد يفقد الماء لو قدم المشايخ(١). وأمَّا بَعْدَ الطَّعامِ ! فَبِالعكسِ إكراماً للشُّيوخ ، وهذا في غير صاحبِ الطَّعام ، (١) قلت : وخير من هذا التعليل أن يقال: إن الصبيان أحق بالانتظار على المائدة من الشيوخ فيتهيأون قبلهم ؛ فإذا غسل الشيوخ بدأوا دون انتظار أحد. ((عبد الجليل)). ١٩٦ وأمَّا هو فيقدم بالغسل قبل الطَّعام ويتأخّر بعده ؛ لأَنَّه يدعو النَّاسَ إلى كرمه ، فيحقُّ أنْ يتقدَّمَ . ويسنّ تنشيفُ اليدينِ من الغسل بعد الطَّعام ، لا قبله ؛ لأنَّ ربّما كان بالمنديل وسخٌ يعلق باليد ، ولأنَّ بقاء أثر الماء يمنع شدَّة التصاق الدُّهنية باليدين ، والله أعلم. انتهى. ((مناوي على ((الشَّمائل)) رحمه الله تعالى)). ١٩٧ اَلْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي مَا كَانَ يَقُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا وُضِعَتِ الْمَائِدَةُ. ( الفَصْلُ الثَّالِثُ ) من الباب الرابع ( فِيْمَا كَانَ يَقُوْلُهُ مَّهِ ) أي: في بيان الأخبار الواردة في الذِّكر الَّذي كان يقوله رَسُولُ اللهِ وَله . ( قَبْلَ الطَّعَامِ ) ، وهو التَّسمية ، ( وَبَعْدَهُ ) أي : بعد الفراغ من الطَّعام ؛ وهو الحَمْدَلَةُ . قال الباجوري : وينبغي أنَّ مثل الطَّعام الشَّرابُ ، بل هو منه ، كما يؤخذ من قوله تعالى - فيما حكاه القرآن - ﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيَ﴾ [٢٤٩/ البقرة]. انتهى. قال حجَّة الإِسلام في ((الإحياء)): ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَّهِ إِذَا وُضِعَتِ المَائِدَةُ ) - هي خوانٌ عليه طعام، وإلاَّ فهو خوان ؛ لا مائدة . كذا في ((الصَّحاح)). وفي (( فتح الباري )): وقد تطلق المائدة ويراد بها ما عليه الطَّعام ؛ وإنْ لم يكن خوان ، وقد تطلق على الطَّعام نفسه . ونقل عن البخاري أنَّه قال : إذا أكل الطَّعام على شيء ثم رفع قيل: رفعت مائدته. وسمِّيت ((مائدة)) !! قيل: لأَنَّها تميد بما عليها ، أي : تتحرَّك من قوله تعالى ﴿ وَجَعَلْنَا فِ الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [٣١/ الأنبياء]. وقيل: من مَادَ أعطى، فكأنَّها تميد ، أي : تعطي مَن حواليها ممَّا أُحضر عليها ، وأجاز بعضهم أنْ يُقال فيها : ميدة ، كقول الراجز : ١٩٨ قَالَ: ((بِأَسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ؛ أَجْعَلْهَا نِعْمَةً مَشْكُورَةً تَصِلُ بِهَا نِعْمَةَ اُلْجَنَِّ)). تُصْنَعُ لِلْجِيرَانِ وَالإِخْوَانِ وَمَيْدَةٌ كَثِيرَةُ الأَلْوَانِ ( قَالَ: ((بِأَشم اللّهِ)، قال النَّووي في ((الأذكار)): أجمع العلماء على استحباب الَّسمية علَى الطَّعام في أوَّله ، فإن ترك في أوَّله عامداً أو ناسياً أو مكرهاً أو عاجزاً لعارض آخر ، ثم تمكَّن في أثناء أكله ! أُستحبّ أن يسمِّي ويقول: (( باسم الله أوَّله وآخره » . والتَّسميةُ في شرب الماء واللَّبن والعسل والمرق وسائر المشروباتِ كالتَّسمية في الطَّعام في جميع ما ذكرناه ، ويستحبُ أنْ يجهر بالتَّسمية ليكون فيه تنبيهٌ لغيرهٍ على التَّسمية، وليُقتَدَى به في ذلك، والأفضل أن يقول: (( بسم الله الرحمن الرحيم))، فإنْ قال: ((باسم الله))! كفاه ، وحصلت السُّنَّةُ، وسواء في ذلك الجُنُبُ والحائض وغيرهما . وينبغي أن يسمِّي كلُّ واحد من الآكلين ، فلو سمَّى واحدٌ منهم ؟ أجزأ عن الباقين. انتهى. قال ابن علاَّن في ((شرحه)): قوله : أجزأ عن الباقين ، وكذا يجزيءُ عمَّن لَحِقَهُمْ؛ أو لحق مَن لحقهم تبعاً لهم ، فإنْ جاء واحدٌ أو جمعٌ بعد فراغ الجميعِ ؟ فلا تكفي التَّسمية السّابقة بالنِّسبة إِلَيْهِ ؛ أو إليهم . ووقع الثَّردُّدُ فيما لو كَثُرَ الْآكِلون كثرةً مُفْرِطَةً ، واتَّسَعَتْ خطَّتهم بحيث لا ينسب عرفاً أوَّلهم لآخرهم ؛ وسمَّى واحد حال اجتماع الجميع ، هل يكفي عنهم حينئذٍ ؟ والّذي يَتَّجه أنَّه لا يكفي ، لأنَّ انتفاء النِّسبة العُرفية يقتضي انتفاءها حقيقةً ، والمدار هُنا ليس إلاَّ عليها . انتهى . ( اللَّهُمَّ )؛ أي: يا الله، ( أَجْعَلْهَا نِعْمَةً مشْكُوْرَةً) أي : نشكرك عليها، ونتقوَّى بها على طاعتك، وما يقربُ إليك، ( تَصِلُ بِهَا نِعْمَةَ الجَنَّةِ )) ) . قال العراقي: أمَّا التَّسمية فرواها النَّسائي من رواية مَن خَدَمَ النَّبِيّ ◌َّـ ثمان ١٩٩ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قُرِّبَ إِلَيْهِ طَعَامٌ . . يَقُولُ: ((بِأَسْمِ اللهِ))، فَإِذَا فَرَغَ .. قَالَ: ((اللَّهُمَّ؛ أَطْعَمْتَ وَسَقَيْتَ ، وَأَغْنَيَّتَ وَأَقْنَيَّتَ ، وَهَدَيْتَ وَأَجْتَبَيْتَ، فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَعْطَيْتَ)). سنين أنَّه سمع رَسُوْلَ اللهِنَّهِ إذا قَرَّب إليه طَعاماً قال: ((باسم الله)) ... الحديث، وإسناده صالح، وأمَّا بقيّة الحديث، لم أجده. نقله عنه في ((شرح الإحياء)). ( وَ) أخرج النَّسائي، وابن السنّي - بإسناد صحيح؛ كما في ((فتح الباري)) - عن عبد الرحمن بن جبير التَّابعي، أنَّه حدَّثه رجلٌ خدمَ النَّبِيَّ وَّ ثماني سنين أنَّه ( كَانَ) يسمع النبيَّ (وَّهَ إِذَا قَرَّبَ إِلَيْهِ طَعَاماً) لِيَأْكُلَ ( يَقُولُ: (( بِأَسْمِ اللهِ))) فقط في ابتدائه . وفي رواية أبي الحسن بن الضحاك ، من طريق ميسرة ، عن أنس : رأيت رَسُوْلَ اللهِ نَ ﴿ وهو يأكل طعامه يسمِّ عند ثلاثٍ لقم، عند كل لقمةٍ مرّة ، فلعله فعل ذلك - إنْ صحَّ - مرّة ! . ( فَإِذَا فَرَغَ ) من الأكل؛ ( قَالَ: ((اللَّهُمَّ ؛ أَطْعَمْتَ وَسَقَيْتَ وَأَغْنَيْتَ ) من شئت بالكفاية في الأَموال ، ( وَأَقْنَيْتَ ) ؛ أي : أعطيت المال المثَّخذ قنيةً، وهي ما يماثل من الأموال، وفي هذا الذِّكر اقتباس من قوله تعالى ﴿ وَأَنَُّ هُوَ أَغْفَى وَأَقْنَى ٤٨ [النجم] . ( وَهَدَيْتَ) ؛ أي : أوصلت مَن شئت من العباد إلى طرق الرَّشاد ( وَأَجْتَبَيْتَ ) . كذا في نسخ من ((المواهب)) ؛ من الاجتباء ، وفيه تلميح لقوله تعالى وَأَجْتَبَيْنَهُمْ وَهَدَيْنَهُمْ﴾ [٨٧/ الأنعام] وفي نسخ: وأحْيَيْتَ ؛ من الإحياء ، والأولى أنسب . ( فَلَك الحَمْدُ عَلَى مَا أَعْطَيْتَ)) )؛ أي : جميع الّذي أعطيته ، أو على جميع عطائِكَ مِمَّا ذكر ؛ ومِمَّا لم يُذكر ، فـ (( ما )) موصولةٌ أو مصدريَّةٌ . وفي رواية لأحمد: ((فَلَكَ الحَمْدُ غيرَ كَفُورٍ )) أي: مجحود فضله ونعمته . ٢٠٠