Indexed OCR Text
Pages 141-160
وَأَكَلَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّرِيدَ ؛ وَهُوَ أَنْ يُثْرَدَ الْخُبْزُ بِمَرَقٍ اللَّحْمِ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَهُ لَحْمٌ. وَمِنْ أَمْثَالِهِمْ: (الثَّرِيدُ أَحَدُ اللَّحْمَيْنِ ). وَأَكَلَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخُبْزَ بِالزَّيْتِ . وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ زاد الشَّيخان في رواية: فلما قَدِمنا المدينة ذكرنا ذلك للنَبِّ وَِّ؛ فقال: ((هو رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللهُلَكُمْ، فَهَلْ مَعَكُمْ شَيْءٌ مِنْ لَحْمِهِ فَتُطْعِمُونَا؟ )) ، فأرسلنا إليه منه فأكل . ( وَأَكَلَ) رسول الله (وَّرِ الثَّرِيْدَ ) - بفتحِ المثَلَّثةِ وكَسْرِ الراءِ ؛ فعيل بمعنى مَفْعول، ويُقال أيضاً مَثْرودٌ - ( وَهُوَ أَنْ يُثْرَدَ اَلْخُبْزُ) أي: يُفَتَّ، ثمَّ يُبَلَّ ( بِمَرَقِ اللَّحْم، وَقَدْ يَكُوْنُ مَعَهُ لَحْمٌ) وقَضِيَّتُه، أَنَّه إِذا تُرِدَ بِمَرَقٍ ، غيرِ اللَّحْمِ لا يُسَمَّى ((ثَرِيدَاً)). وظاهر ((القاموس)) و((المصباح)): أَيُّ مَرَقٍ كَان. وكذا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ثَرَدْتُ الخُبْزَ أَثْرِدُهُ؛ وهو أَنْ تَفْتَّه ، ثم تَبِلَّهُ بمرقٍ وتشرفَه في وَسْطِ الصَّحْفَة ؛ وتَجْعَل له وَقْبَةٌ(١) . ( وَمِنْ أَمْثَالِهِمْ: ((الثَّرِيْدُ أَحَدُ اللَّحْمَيْنِ)) )، لأَنَّ المَرَقَ يُطْبَخُ بِاللَّحْمِ ، فَتَنْزِلُ خَاصِّيةُ اللَّحْمِ في المَرَق . ومَحَلُّ اللََّّةِ والقُوَّةِ إذا كان اللحمُ نَضِيجاً في المَرَقِ أكثرَ مما في اللَّحمِ وَحْدَهُ . فَإِن كانَ مَعَهُ لَحْمٌ فهو الثَّرِيدُ الكامِلُ ، وعليه قولُ الشاعر : إِذَا ما الخُبْزُ تَأْدِمُهُ بِلَحْمٍ فَذَاكَ أَمانةُ اللهِ الثَّرِيْدُ (وَأَكَلَ ) رسولُ الله (وَِّ الْخُبْزَ بِالْزَّيْتِ ) ، وأمر بأَكْلِهِ . رَوَى أَبو نعيم في ((الطِّبِّ)) عن أبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: ((كُلُوا الزَّيْتَ وادَّهِنُوا بِهِ ، فَإِنَّ فيه شِفاءَ مِنْ سَبْعِينَ دَاءً ؛ مِنْهَا الجُذَامُ » . ( وَ) أخرجَ التِّرمِذِيُّ في ((الجامع))، و((الشمائل)) (عَنْ عُمَرَ [بْنِ الخَطَّابِ] ) (١) الوَقْبَة: منخفض ضمن القصعة يتجمع فيها المرق لِيُسْر الاستفادة منه مع بقية الطعام. ((عبد الجليل)). ١٤١ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((كُلُوا الزَّيْتَ وَأَدَّهِنُوا بِهِ ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ )) . الخليفة عشر سنينَ ونَيَّهاً ، وأَوَّلُ مَنْ سُمّيَ ((أَمِيرَ المؤمنينَ)) ، وماتَ سَنَةَ : أربعٍ وعشرينَ عَنْ ثلاثٍ وستين ، روى له الجماعة ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ؛ قَالَ : قَالَ رَسُوْلُ اللهَِّةِ: ((كُلُوْا الزَّيْتَ): دُهْنُ الزَّيتونِ، أي: مع الخُبْزِ، واجعلوه إِداماً . فلا يَرِدُ أنَّ الزَّيتَ مائع؛ فلا يكونُ تَنَاؤُله أَكْلاً ، (وَأَذَّهِنُوْا بِهِ ) : أمر من الادِّهان، وهو استعمالُ الدُّهنِ، أي : ادْهَنُوا به شَعْرَ رُؤوسِكُمْ . كما قُيِّد به في رواية. وعَادةُ العَرَبِ دهن شعر رؤوسِهِم . وقالَ البَاجُورِيُّ : اذَّهِنُوا به في سائِرِ البَدَنِ . وأمثالُ هذا الأمرِ للإباحةِ ، أوِ النَّبِ لمَنْ وَافَقَ مِزَاجَهُ وعادَتَه ، وَقَدِرَ على استعمالِهِ ؛ كما قالَهُ ابنُ حَجَر . قالَ الحافِظُ العراقيُّ: لكنَّ الأَمرَ بالادهانِ به لا يُحملُ على الإِكثار مِنْهُ ، ولا على التَّقْصيرِ فيهِ ؛ بلْ بحَيثُ لا يَشْعُثُ رأسُهُ ، كما يرشِد إليه الأمرُ بالادِّهانِ غِبّاً . وقال ابنُ القَيِّمِ : الدَّهْنُ في البلادِ الحارَّةِ كالحجاز من أسباب حِفْظِ الصِّحةِ وإصلاح البَدَنِ ، وهو كالضروري لهم . وأما في البلادِ الباردة ! فضارٌ، وكثرةُ دهنٍ الرَّأْسِ به خطرٌ بالبصر، ( فَإِنَّهُ) أي: لأَنَه يُخرَجُ ( مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ )) ) يعني : زيتونة لا شرقيةً ولا غربيةً ، يكادُ زيتُها يضيءُ ؛ ولو لَمْ تمسَسْهُ نارٌ . ووَصَفَها بالبركةِ لكثرةٍ منافِعِها ، ولكونِها تَنْبُتُ في الأرضِ المقدَّسةِ التي بارك الله تعالى فيها للعالمين . قيل : باركَ فيها سبعونَ نَبِيّاً ؛ منهم إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام . ويلزَمُ من بركةِ هذه الشَّجَرةِ بركةُ ثمرتِها ؛ وهو الزَّيْتُونُ ، وبركةُ ما يخرجُ منها من الزَّيْتِ ، وكيفَ لا ؛ وفيه التَّأَدُّمُ والتَّدَهُنُ !! وهما نعمتانِ عظيمتان ؟! وقد ١٤٢ وَأَكَلَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السِّلْقَ مَطْبُوخاً . ورد : ((عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الشَّجَرَةِ المُبَارَكَةِ زيتِ الزَّيْتُونِ فَتَدَاوَوْا بِه ؛ فإنَّهُ مَصَخَّةٌ مِنَ البَاسُورِ )) رواه الطبراني، وأبو نعيم عن عُقْبَة بن عامر. وفي ((الجامع الصغير))؛ بعد ذكرٍ حديث البابِ الذي أَوردَه المصنِّفُ: رواهُ التِّرمذيّ عن عمرَ . ورواهُ أحمدُ ، والترمذيُّ، والحاكمُ ؛ عن أبي أُسيد . ورواهُ ابنُ ماجَهْ، والحاكمُ عن أبي هريرةَ ؛ ولفظُهُ: «كُلُوا الزَّيْتَ واذَّهِنُوا به ، فَإِنَّهُ طَيِّبٌ مُبارَكٌ)). ورواه أبو نعيم في (( الطب)) عنه ؛ وقال: ((فَإِنَّ فِيْهِ شِفاءً مِنْ سَبْعِينَ دَاءً مِنْهَا الجُذَامُ )) انتهى . ومناسبَةُ الحديث لِلبابِ: أنَّ الأمْرَ بأكله يَسْتَدعي أكلَه وَلِّ منه. أو يقالُ : المقصودُ من الترجمةِ معرفةُ ما أكَلَ منه ◌َِّ ؛ وما أحبَّ الأكلَ منه . قال الترمِذيُّ ؛ بَعدَ ذِكْرٍ حديثِ عمَر المذكور في الباب : وعبدُ الرزّاقِ كان مضطرباً في هذا الحديث ؛ فرُبَّما أسنَدَه ورُبما أرسَلَه . انتهى . والاضْطِرَابُ؛ تَخَالُفُ رِوايَتيْنِ أو أكثرَ ؛ إسناداً أو مَتْناً بحيثُ لا يمكنُ الجمعُ بينَهما ، لكنَّه بيَّنَ المرادَ بالاضطرابِ هنا بقوله: فربما أسنَدَه ورُبَّما أرسَلَه . ففي بعضٍ الطُرقِ أسنَدَه حيثُ ذكر فيه عمر بنَ الخطَّابِ . وفي بعضِها أرسَلَه ؛ حيثُ أسقَطَ عمَر بنَ الخطّابِ ، والمضطَرِبُ ضعيفٌ لإنبائِه عن عدمِ إتقانِ ضبطِه . فهذا الحديث ضعيفٌ للاضطراب في إسنادِه ، لكنْ رَجْح بعضُهم عدمَ ضعفِه ، لأنَّ طريقَ الإسنادِ فيها زيادةُ علمٍ ، وخصوصاً وقد وافقَ إسناد غيره ؛ كما في بعض الرواياتِ . واللهُ أعلمُ . ( وَأَكَلَ ) رسولُ اللهِ (تَِّ السِّلْقَ) - بِكَسْرِ السِّينِ المُهْمَلَةِ ، وإسْكانِ اللامِ ، وآخرهُ قافٌ - : بَقْلَةُ معروفةٌ وهو نَبَتْ له وَرَقٌ طِوالٌ، وَأَصْلٌ ذاهبٌ في الأرض ، يُقال له : السِّلك - بالكافِ آخرَه بدلَ القافِ .. ( مَطْبُوْخاً) بالشعير ، قال التِّرمذيُّ ١٤٣ وَأَكَلَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَزِيرَةَ؛ وَهِيَ : مَا يُتَّخَذُ مِنَ الدَّقِيقِ عَلَى هَيْئَةِ الْعَصِيدَةِ، لَكِنَّهُ أَرَقُّ مِنْهَا. وَأَكَلَ صَلَّى الهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اْلأُقْطَ ؛ بعدما رواه : حديثٌ حَسَنٌ غريبٌ . وفي (( الصَّحِيحَيْن )) ؛ عن سَهلِ بنِ سعدٍ : إنْ كُنَّا لنفرح بيوم الجمعة ، كانت لنا عجوزٌ تَأْخُذُ أُصولَ السِّلْقَ فَتَجْعلُه في قِدْرِها فتجعلُ عليه حبّاتٍ من شعيرٍ ، إذا صلَّيْنا الجُمُعةِ زُرْناها؛ فَقَرَّبَتْه إِلَيْنا ، واللهِ ما فيه شحمٌ ؛ ولا وَدْكٌ !!. (وَأَكَلَ ) رَسُوْلُ الله (وَِّ الخَزِيْرَةَ) كما في ((الصحيح)) ؛ من حديثٍ عتْبانَ بنِ مالكِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ، ( وَهِيَ ) - بخاءِ مُعْجَمَةٍ مفتوحةٍ ، ثم زايٍ مكسورةٍ ، وبعد التَّحتانيةِ الساكنةِ راءٌ ـ (: ما يُتَّخَذُ مِنَ الدَّقِيْقِ عَلَى هَيْئَةِ الْعَصِيْدَةِ، لَكِنَّهُ أَرَقُ مِنْهَا ) ؛ قالَهُ الطَّبَري . وقال ابنُ فارسٍ : دقيقٌ يُخْلَطُ بِشَحْم . وقال ابنُ قُتُنْبَةَ - وَتَبِعَهُ الجَوْهَرِيُّ -: أَنْ يُؤْخَذَ اللَّحْمُ فِيُقْطَعَ قِطَعاً صِغاراً ويصبَّ عليهِ ماءٌ كثيرٌ ، فإذا نَضِجِ ذُرَّ عَلَيْهِ الدَّقِيقِ ، فَإِنْ لَم يَكُنْ فيها لَحْمٌ فَهِيَ عَصِيْدةٌ . وفي ((القاموس)) مع ((الشرحِ)): الخَزِيْرُ والخَزِيْرَةُ شِبْهُ عَصِيْدَةٍ ، وهو : اللَّخْمُ الغاتُ(١) يُقْطَعُ صِغَاراً في القِذْرِ ، ثُمَّ يُطْبَعُ بالماءِ الكثيرِ والمِلْحِ ، فَإِذَا أُمِيْتَ طَبْخاً ذُرَّ عَلَيْهِ الدَّقيقُ ، فَعُصِدَ به ثُمَّ أُدِمَ بأَيِّ إِدام . ولا تكونُ الخزيرة إلا بلَخْمٍ ، وإِذَا كانَتْ بلا لَحْمٍ ؟ فهي عَصيدةٌ . انتهى . (وَأَكَلَ ) رَسُوْلُ اللهِ (تَِّ الأُقْطَ) - قال بعضُهم عن ((القاموس)): هو بتثليثٍ الهَمْزة مَعَ سكونِ القافِ ، و[الأَقِط ] بفتح الهمزةِ مع فتح القافِ؛ أَوْ كَسْرِها. أَوْ [ الأَقُط ] ضمِّها، و[الإِقِط ] بكَسْرِها جميعاً -: شيءٌ يُتَّخِذُ من المخيضِ الغَنَمي . رَوَى البخاريُّ عن ابن عباس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما قال : (١) لعله الفاسد أو المنتن . ١٤٤ وَهُوَ : جُبْنُ اللَّبَنِ الْمُسْتَخْرَجِ زُبْدُهُ، وَهُوَ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِالْكَشْكِ. وَأَكَلَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرُّطَبَ وَالثَّمْرَ وَأَلْبُشْرَ . وَأَكَلَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اَلْكَبَاثَ ؛ أَهْدَتْ خَالَتِي إلى النَِّوَ ضَبَاباً وَأَقِطاً ولَبَناً، فوضع الضَّبَّ على مائِدَتِهِ ، فَلَو كان حَراماً لم يُوضع ، وشربَ اللَّبَن وأَكَلِ الأَقِطَ ؛ ( وَهُوَ: جُبْنُ اللَّبَنِ المُسْتَخْرَجِ زُبْدُهُ) لا الحليبُ . ويوافقُ قولَ الأزهري : الأقِطُ يُتَّخذ من اللبنِ المخيضِ ثم يُتْرك حتَّى يَمْصُلَ ؛ أي : تَسِيل عُصارتُه ؛ وهي ماؤه الذي يَخْرجُ منه حِينَ يُطْبَخُ ، وهو كثير بالحرمَيْن وغيرهما، ويقال لهُ (( المضير )) عِنْدهم. ( وَهُوَ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِالكَشْكِ ) وزان فَلْس : ما يُعْمل من الحِنْطَةِ ، وربَّما عُمِلَ من الشَّعير. قال المُطَرِّزيُّ: فارِسيٍّ مُعَرَّبٌ؛ قاله في (( المصباح)). (وَأَكَلَ ) رَسُوْلُ الله (وَِّ الرُّطَبَ) - بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الطَّاءِ المُهْمَلَةِ - : هو ثَمَرُ النَّخْلِ إذا أَدْرَكَ ونَضِجَ قَبْل أَنْ يَتَمَّرَ ، والرُّطبُ نوعانِ: نَوعٌ لا يَتَتَمَّر، وإذا تَأَخَّر أَكْلُهُ أُسْرَعَ إليه الفَسَادُ . ونَوْعٌ بِتَتَمَّرُ وَيصير عَجْوة وتمراً يابساً . ( وَ) أكل (التَّمْرَ وَالبُسْرَ) - بضمِّ الباءِ - هو: البَلَحِ الطَّرِيُّ، أَكَلَ الثلاثةَ النَّبِيُّ نَّهِ في وقتٍ واحدٍ في حديقة الأنصاريِّ. رواه مسلم، وأصحابُ ((السُّنَنِ الأربَعَةِ ))، والتّرمِذِيُّ في ((الشمائل)) كُلُّهم من حديث أبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، وقد مرَّ الكلامُ على ذلك في حديث أبي الهَيْثَمِ بن التيِّهان رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ . ( وَأَكَلَ ) رَسُوْلُ اللهِ (تَِّ الكَبَاثَ) رواهُ مُسلِمٌ، وبَوَّبَ عَلَيْهِ البُخاريُّ في ؛ الأَطْعِمَةِ ((باب الكَباث )) . ورَوَى فيه وفي أحاديثِ الأنبياء حديث جابرٍ: كنَّا مَعَ النَِّيِّ بَّهَ بِمَرِّ الظهران ١٤٥ وَهُوَ: ثَمَرُ الأَرَاكِ . وَأَكَلَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجُبْنَ. عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: أُنِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجُبْنَةٍ فِي تَبُوكَ ، فَدَعا بِسِكِّينٍ فَسَمَّى وَقَطَعَ . نجْنِي الكَبَاثَ، فقالَ: ((عَلَيْكُمْ بِالأَسْوَدِ مِنْهُ فَإِنَّهُ أَطْيَبُ )) . فقيل: أكُنْتَ ترعى الغنم؟ قال: ((نَعَمْ، وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّ رَعَاهَا !! )) ( وَهُوَ ) أي : الكَبَاثُ - بفتح الكافِ ، وتخفيفِ الموحّدة ، وبعد الألفِ مثلثةٌ - (: ثَمَرُ الأَرَاكِ) - بفَتْح الهمزةِ وخِفَّةِ الراء - أي: النَّضيجُ من ثمرِ الأراكِ. وقيل : وَرَقُ الأراك . وقيل : تَمْرُ الأراكِ - بالمثَنَّةِ - ؛ وهو البَرِيْرُ - بموحدةٍ ؛ بوزنٍ الحَرِيرِ - فإذا اسْوذَّ فهو الكَبَاتُ. وفي (( المطالع)): الكَبَاثُ تمرُ الأراك قَبْلَ نُضْجِه . وقيل: بل هو حُصْرمُه . وقيلَ : غَضُّه . وقيل : مُتَزَبُِّه . ( وَأَكَلَ) رَسُوْلُ اللهِ (وَّةِ الْجُبْنَ). فيه ثلاث لغاتٍ؛ رواها أبو عُبَيْدٍ عن يونسَ ابنِ حبيبٍ ؛ سماعاً مِن العرب . أجودُها : إسْكَانُ الباءِ؛ مع ضَمِّ الجيمِ ، والثانيةُ: ضمُّ الباءِ للإِتْبَاعِ . والثالثةُ ؛ وهي أقلُّهَا: التَّثقيلُ. ومنهم مَنْ يجعَلُ النَّقيلَ من ضرورة الشعر . ففي ((السُّنَنِ)) لأبي داوُدَ (عَنْ) عبد الله ( بْنِ عُمَرَ ) بن الخطّابِ ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا؛ قَالَ: أَنِّيَ) - بالبناء للمجهولِ - ( الشَّبِيُّ بِّهِ بِجُبْنَةٍ فِي نَبُوْكَ) مِنْ عَمَلِ النَّصارى . فقيل: هذا طعامٌ تصنَعُه المَجُوسُ! ( فَدَعَا بِسِكِّيْنٍ فَسَمَّى وَقَطَعَ ) . رواه أبو داود ومُسَدَّدٌ وغيرُهما . وروى أبو داود الطيالسيُّ عن ابن عباسٍ أنَّ النَّبِيَّ وَِّ لما فتح مكَّةَ رأَى جُبْنَةً فقال: ((مَا هَذَا؟)) فقالوا: طَعَامٌ يُصنعُ بأرضِ العَجَمِ. فقال: ((ضَعُوا فِيْهِ السّكِّينَ ، وَكُلُوا ». وروى الإمامُ أَحْمَدُ والْبَيْهَقِيُّ عنه: أُتَيَ النَّبِيُّ ◌َّهِ بِجُبْنَةٍ في غزوةٍ تَبُوكَ ، فقال : ((أَيْنَ صُنِعَتْ هذهِ؟)) قالوا: بفارسَ؛ ونحن نرى أن يُجْعَلَ فيها مَيْنَةٌ !. فقالَ إِليهِ: ١٤٦ وَأَمَّا أَلْبَصَلُ: فَرَوَى أَبُو دَاوُودَ فِي (( سُنَّتِهِ)): عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنِ الْبَصَلِ فَقَالَتْ: إِنَّ آخِرَ طَعَامٍ أَكَلَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيه بَصَلٌ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا أَلْبَصَلَ كَانَ مَطْبُوخاً، حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُ رَائِحَةٌ کَرِيهَةٌ . وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهَا: (إِنَّ آخِرَ طَعَامٍ أَكَلَهُ فِيهِ بَصَلٌ ) ، وَلَمْ تَقُلْ أَكَلَ أَلْبَصَلَ . ((اطْعَمُوا)). وفي رواية (( ضَعُوا فيها السِّكِّينَ وَأَذْكُرُوا اسمَ اللهِ تَعَالَىْ وَكُلُوا )). قال الخطَّبِيُّ: أباحَهُ وَِّ على ظاهرِ الحالِ؛ ولم يَمْتَنِعِ من أكله لأَجْلِ مشاركةٍ المسلمينَ للكُفَّارِ فِي عَمَلِهِ . وتَعَقَّبَهُ الْمقرِيزِيُّ بتوقُّفِهِ على نقلٍ ، إذْ لم يكن بفارسَ والشَّامِ حينئذٍ أحدٌ من المسلمين . قال الشَّامي : وهو ظاهرٌ لا شَكَّ فيه . ( وَأَمّا البَصَلُ) والثُّومُ والكرَّاث!؟ ( فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ في (( سُنَتِهِ)) ) ، والنَّسائيُّ ، والتِّرمِذيُّ في ((الشمائل))، وأحمدُ، والبَيْهَِيُّ (عَنْ عَائِشَةَ) ((أُمِّ المُؤْمنينَ)) الصِّدِّيقَةِ بنتِ الصِّديقِ ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا) وعن أَبيها . ( أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنِ البَصَلِ ) ، والسَّائِلُ لها أبو زيادٍ خِيارُ بن سَلَمَةَ، قال: سأَلْتُها عن البَصَلِ، (فَقَالَتْ: إِنَّ آخِرَ طَعَامٍ أَكَلَهُ رَسُوْلُ اللهِّهِ فِيْهِ بَصَلٌ ) أي : مَطْبوخٌ ، كما قال: (وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْبَصَلَ كَانَ مَطْبُوْخاً، حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيْهَةٌ . وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا ) الاحْتِمالِ ( قَوْلُهَا: إِنَّ آخِرَ طَعَامٍ أَكَلَه) وَّةِ ( فِيْهِ بَصَلٌ ، وَلَمْ تَقُلْ أَكَلَ الْبَصَلَ !) . ١٤٧ وقد صرَّحَ البَيْهقيُّ بذلك ؛ فقال : كان مشويّاً في قِدْرٍ ، أي : مَطْبوخاً . كما نَقَلَهُ الزُّرقاني في (( شرح المواهب))، وكأن المصنّفَ لَمْ يستحضِرْ كلامَ الزُّرقَاني ، فَأَبْدى هذا الاحتمالَ . وقد ثَبَتَ عنهِّه في (( الصَّحيحَيْنِ)) أنَّه مَنَعَ آكلَهُ نيّاً من دخولِ المسجدِ ، لأنه يؤذِي بريحِهِ، فروى البخاريُّ ومسلمٌ، وغيرهُما عن جابرٍ: نهى رَسُولُ اللهِ وَلّ عن أَكْلِ الثُّومِ والْبَصَلِ والكُرَّاث فَغَلَبَتْنَا الحَاجَةُ فَأَكَلْنَامِنْها، فقال: (( مَنْ أَكَلَ ثُوماً أو بَصَلاَ فَلْيَغْتَزِلْنَا، وَلْيَعْتِزِلْ مَسْجِدَنا، ولْيَقْعد في بَيْتِهِ)) وأنه أتي بِقِدْرٍ فيها خُضْراواتٌ من بُقُول؛ فوجدَ لها ريحاً ، فسأَلَ، فأُخبر بما فيها من البُقُولِ، فقال: (( قَرَّبُوها)) إلى بعضٍ أصحابِهِ كان معه، فلما رآهُ كرِهَ أَكْلَها ، قال: ((كُلْ ، فإِنِّي أُنَاجِيْ مَن لاَّ تُناجي » . وكانَ عليه الصلاةُ والسلامُ يتركُ الثومَ دائماً ، لأنه يَتوقَّع مَجيء الملائكةِ والوحيٍ كلَّ ساعةٍ . روى أبو نعيم في ((الحِلْيَةِ))، والخطيبُ في ((التاريخ)) عن أنسٍ: كانَ لا يأْكُلُ الثُّومَ ولا البَصَلَ ولا الكرَّاثَ ؛ من أجْل أن الملائِكَةَ تَأْتِيْهِ ، وَنَّه يُكَلِّمُ جِبْرِيْلَ . ولِمُسْلِمٍ من حديثٍ أبي أيوبَ في قصَّةٍ بَعْثِهِ إِليه بطعامٍ فيه ثومٌ ؛ فلم يأكُلْ منهُ ، وقال : ((لكنِّ أكرمُهُ مِنْ أجْلِ ريحِهِ)). ويقاسُ على هؤلاءِ الفجلُ وكلُّ بقلةٍ كريهةٍ . قال النَّويُّ: اختلَفَ أصحابُنا في حكم الثومِ - بضمِّ المُثلَّثة - في حقِّه ◌َِّ وكذلك البَصَلُ والكرَّاتُ ونحوُها مِن كلِّ ما لَه رائحةٌ كريهةٌ !! فقال بعضُ أصحابنا : هي محرَّمةٌ عليه، وهو مذهب مالكٍ . والأَصحُّ عندنا أنَّها مكروهةٌ في حقِّه كراهةَ تنزيهٍ ؛ ليستْ محرَّمةً ، لعموم قوله عليه الصلاة والسلام ((لا )) في جواب قول السائل ((أَحرامٌ هي؟)). ومن قال بالأولِ يقولُ: معنى الحديث : ليس بحرام في حقُّكم دوني ، لأني أُناجي من لا تناجون . انتهى . ١٤٨ وَكَانَ أَحَبَّ الصِّبَاغِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَلُّ. وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((نِعْمَ الإِدَامُ الْخَلُّ)). قال في ((الفتح)): حُجَّةُ التحريمِ أنَّ العلةَ في المنعِ ملازَمَةُ المَلَكِ له، وأنَّه ما من ساعةٍ إلا والمَلَكُ يُمكِّن أن يَلْقَاهُ فيها ◌َِّ فينبَغي لمُحبِّهِ موافقَتُهُ عليه الصلاة والسلامُ في ترك الثوم ونحوِهِ وَإن جاز له ! وكراهةُ ما يكرهُهُ ، فإنَّ من أوصافٍ المحبِّ الصادِقِ أنْ يُحبَّ ما يحبُّه محبوبُه ، ويكرهَ ما يكرهُهُ لأجلِ الموافقةِ ، وإن كانَتِ الحكمةُ التي تركَ المصطفى الأكلَ لأجلِها ليسَتْ في غيرهِ. انتهى ((زرقاني)). ( وَ) أخرج أبو الشَّيْخِ بإسنادٍ ضعيفٍ، وأبو نعيمٍ في ((الطب)): كلاهما عن ابنِ عباسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما قال : ( كَانَ أَحَبَّ الصِّبَاغِ إِلَى رَسُوْلِ اللهِوَّهِ الخَلُّ) أي: هو أحبُّ شيءٍ يُصْبِغ به الخُبز، بأن تُغمَس اللقمةُ فيه وتؤكلَ؛ فيكونَ إِداماً للخُبز، كما ورد: ((نِعْمَ الإدامُ الخلُّ)» وسَيأْتِي . ( وَ) أخرجَ مسلمٌ، والترمذيُّ؛ في ((الجامع)) و((الشمائل))، وابنُ ماجَه کلّھم (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا؛ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((نِعْمَ الإِدَامُ الخَلُّ )) ) . ورواهُ الإمام أحمد، ومسلمٌ، وأصحابُ ((السُّنَنِ)) ، عن جابرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ . قال العَلْقَميُّ في (( شرح الجامع الصغير)): وقد وَرَدَ حديثُ: ((نِعْمَ الإدامُ الخَلُّ )) من روايةِ جَمْعٍ من الصَّحابَةِ أُفردوا بجزْءٍ . وهو حديثٌ مشهورٌ كَادَ أن يكونَ متواتِراً . ١٤٩ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ : دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى أُمِّ هَانِىءٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا وَكَانَ جَائِعاً ، فَقَالَ لَهَا: (( أَعِنْدَكُمْ طَعَامٌ آَكُلُهُ؟ )) ، قال ابنُ القَيِّم : هذا ثناءٌ عليه بحَسَبٍ مُقْتَضى الحالِ الحاضِرِ لتَيَسُّرِهِ دونَ غيرِهِ ؛ لا تفضيلٌ له على غيره كما ظَنَّهُ بعضُهُم ، إذِ الْمدح إنما يقتضي فضْلَه في نفسِهِ ؛ لا على غيره . قال : وسبَبُ الحديث يدلُّ على ذلك، وهو أنه دخل على أَهْلِهِ يوماً ، فقدَّموا له خبزاً؛ فقال: (( ما عِنْدَكُمْ شَيءٌ مِنْ إدَامٍ؟)) فقالوا: ما عِنْدنا إلاَّ خَلٌّ . فقال : (« نِعْمَ الإِدَامُ الخَلُّ » . والمقصودُ أنَّ أَكْلَ الخُيْزِ مع الأُدم من أسبابِ حفظِ الصِّحة ، بخلافِ الاقتصارِ على أحدِهما ، فقد يَتَوَلَّدُ منه أمراضٌ ! وسمِّي الأُدُ ((إداماً)) لإصلاحِه الخبز، وجَعْله ملائماً لحفظِ الصِّحة . وليس في هذا تفضيلٌ للخلِّ على اللَّحمِ واللَّبنِ والعَسلِ والمَرَقِ. ولو حَضَر لحمٌّ أو لبنٌ ؛ لكان أولى بالمدح منه ، فقال هذا جبراً لخاطرٍ وتطبيباً لقلبٍ من قدّمه لهُ، سواءٌ التي سأَلَها فقالت ((إلاَّ خلٌّ))؛ أو غيرُها، لا تفضيلاً له على سائرِ أنواع الإدامِ ، فلا ينافي أحادِيثَ مَدْحِ اللَّحمِ والشَّريدِ وغيرِهما . ( وَ) أخرجَ البَيْهقي في ((الشعب)) (عَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا ؛ قَالَ : دَخَلَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَىْ أُمَّ هَانِىءٍ ) - بهمِزِ في آخرِهِ - بنتِ أبي طالبٍ ، أختُ عليٍّ. واسمُها : فاخِتَةُ، لها صحبةٌ وأَحاديثُ - وتقدمت تَرْجَمتُها - ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهَا ؛ وَكَانَ جَائِعاً ؛ فَقَالَ لَهَا: «أَعِنْدَكُمْ طَعَامٌ آكُلُهُ؟ » ١٥٠ فَقَالَتْ : إِنَّ عِنْدِيْ لَكِسَراً يَابِسَةً، وَإِنِّي لِأَسْتَحْيِي أَنْ أُقَدِّمَهَا إِلَيْكَ . فَقَالَ: ((هَلُمِّيهَا))، فَكَسَّرَهَا فِي مَاءٍ، وَجَاءَتْهُ بِمِلْحِ، فَقَالَ: ((مَا مِنْ إِدَام؟))، فَقَالَتْ: مَا عِنْدِي إِلَّ شَيْءٌ مِنْ خَلِّ، فَقَالَ : ((هَلُمِّيهِ)). فَلَمَّا جَاءَتْهُ بِهِ .. صَبَّهُ عَلَى طَعَامِهِ؛ فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ حَمِدَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ: ((نِعْمَ الإِدَامُ أَلْخَلُّ، يَا أُمَّ هَانِىٍ ؛ لاَ يَقْفَرُ بَيْتُ فِيهِ خَلٌّ )) . فَقَالَتْ : إِنَّ عِنْدِيْ، لَكِسَراً) - بكَسْرِ الكافِ ، وفَتْحِ السِّينِ المُهملة ، جمعُ كِسْرَة ؛ مثلُ سِدْرَة وسِدَرٍ ، وهي : القطعةُ من الخبزِ ( يَابِسَةٌ ، وَإِنِّي لأَسْتَخْيِيْ أَنْ أُقَدِّمَهَا إِلَيْكَ)، لِحَقَارَتِها في جَنْبٍ عَظَمَةِ المصْطَفِى وَِّ . ( فَقَالَ ) تَطْييباً لِخاطِرِها (: ((هَلُمَّيْهَا)) )؛ أيْ أَحضريها وهو فعلُ أمرٍ على لغةٍ تميمٍ . ( فَكَشَرَهَا فِي مَاءٍ ) لإساغَتِها ( وَجَاءَتْه بِمِلْحٍ ؛ فَقَالَ ): أَي: النَّبِيُّ ◌َِّ ( مَا مِنْ إِدَامٍ؟)). فَقَالَتْ: مَا عِنْدِيْ إِلاَّ شَيْءٌ مِنْ خَلِّ. فَقَالَ: ((هَلُمَّيْهِ)) ) أيْ : أَحْضِريه . ﴿ فَلَمَّا جَاءَتْهُ بِهِ صَبَّهُ عَلَىْ طَعَامِهِ ؛ فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ حَمِدَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنْتَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ: ((نِعْمَ الإِدَامُ الخَلُّ؛ يَا أُمَّ هَانِىءٍ لاَ يَقْفَرُ ) أي : لا يَخْلُو ( بَيْتُ فِيْهِ خَلٌّ ))) صفةٌ لبيتٍ . والفصلُ بين الصفةِ والموصوفِ بما يَتَعَلَّقُ بعاملِ الموصوفِ سائغٌ . وفِيه الحَثُّ على عَدَمِ النَّظَرِ للخُبْزِ والخَلِّ بعينِ الحقَارَةِ ، وأنَّه لا بَأْسَ بسؤالٍ الطعامِ مِمَّنْ لا يَسْتَحىِ السَائِلُ مِنْهُ؛ لصِدْقِ المَحَبَّةِ ، والعلمِ بودِّ المسؤولِ . وَقَدْ أَخْرَج هذا الحديثَ التِّرمذيُّ، والطََّرانيُّ، وأبو نعيم عن أُمِّ هانىء رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قالت: دَخَل عليَّ النَّبِيُّ وَّ؛ فقالَ: ((أَعِنْدَكِ شَيْءٌ؟)). فقالت: لا ، إلا خبزٌ يابسٌ وخَلٌّ. فقال (( هَاتِي؛ مَا أَقْفَر بَيْتٌ مِنْ أُدْمٍ فِيْهِ خَلٌّ » . ١٥١ وَعَنْ أُمِّ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَائِشَةَ وَأَنَا عِنْدَهَا، فَقَالَ: ((هَلْ مِنْ غَدَاءٍ؟ ))، فَقَالَتْ: عِنْدَنَا خُبْزٌ وَتَمْرٌ وَخَلٌّ، فَقَالَ: ((نِعْمَ الإِدَامُ اُلْخَلُّ ، اللَّهُمَّ ؛ بَارِكْ فِي الْخَلِّ؛ فَإِنَّهُ كَانَ إِدَامَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي ، وَلَمْ يَقْفَرْ بَيْتُ فِيهِ خَلٌّ )) . وَهَذَا مَدْعٌ لِلْخَلِّ بِحَسَبِ الْوَقْتِ - كَمَا قَالَهُ أَبْنُ الْقَيِّمِ - ( وَ) في الباب عند ابنِ ماجَه بسندٍ ضعيفٍ (عَنْ أُمِّ سَعْدٍ ) بنتِ زيدِ بنِ ثابتٍ الأنْصَارِيَّةِ (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا)، قال ابنُ عبد البرِّ : لها أحاديثُ؛ منها الأَمْر بذَمّ الحِجامَةِ، من رواية محمّد بنِ زاذانَ عَنْها . وقيلَ : لَمْ يَسْمَعْ مِنْها ، بلْ بِينَهُما واسطَةٌ هو عَبدُ اللهِ بنُ خارِجَةَ عَنْها؛ عن النبيِّ ◌َ (قَالَتْ: دَخَلَ رَسُوْلُ الهِنَّهِ عَلَى عَائِشَةَ؛ وَأَنَا عِنْدَهَا، فَقَالَ: ((هَلْ مِنْ غَدَاءٍ؟ ))) الغَداءُ - بفَتْحِ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ ، والدَّال المُهْمَلَةِ والمدِّ -: طَعَامُ الغَدَاةِ . ( فَقَالَتْ: عِنْدَنَا خُبْزٌ وَتَمْرٌ وَخَلٌّ. فَقَالَ: ((نِعْمَ الإِدَامُ الخَلُّ ؛ اللَّهُمَّ ) أي : يا الله ( بَارِكْ ) ، أي: ضَع البركَةَ التي هي فَيْضٌ إلهيٌّ (فِي الخَلِّ، فَإِنَّهُ كَانَ إِدَامَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِيْ ، وَلَمْ يَقْفَرْ ) أَ: لم يَخْلُ ( بَيْتٌ ) من القَفْر، وهو الأَرْضُ الخاليةُ من الماء ، والمفازَةُ لا ماءَ فيها ولا زادَ ، ودارٌ قَفْرٌ خَالِيَّةٌ من أَهْلِها . وأقْفَرَتِ الدَّارُ: خَلَتْ . ووهِم مَنْ جَعَلَهُ بالفَاءِ مع القَافِ(١) ( فِيْهِ خَلٌّ)) ) صفَةُ بيتٍ . وفي الحديث الحَثُّ على عدمِ النَّظرِ للخُبْزِ والخَلِّ بعينِ الاحتقارِ . والله أَعْلَمُ . ( وَهَذَا مَدْحٌ لِلْخَلِّ بِحَسَبٍ) بموحَّدَة ( الوَقْتِ ) الحاضر لتَيَشُرِهِ دُونَ غيرِهِ ؛ ( كَمَا قَالَهُ) الحافِظُ (أَبْنُ القَيِّم ) الحَنبليُّ رحمه الله تعالى؛ يعني: أَنَّ المُتَيَسِّر حَقيقٌ بأنْ يُوصَفَ بالحُسْنِ ذلك الوقتِ ، لا لأنه نفيسٌ في ذاتِه . (١) أي قبلها ؛ يفقر !. ١٥٢ لَاَ لِتَفْضِيلِهِ عَلَى غَيْرِهِ ، بَلْ هُوَ جَبْرٌ لِقَلْبِ مَنْ قَدَّمَهُ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَتَطْيِباً لِنَفْسِهِ، لاَ تَفْضِيلاً لَهُ عَلَى غَيْرِهِ ؛ إِذْ لَوْ حَضَرَ نَحْوُ لَحْمٍ أَوْ عَسَلٍ أَوْ لَبَنٍ . . لَكَانَ أَحَقَّ بِالْمَدْحِ . وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّهُ لاَ تَنَافِيَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ: ((بِثْسَ الإِدَامُ اٌلْخَلُّ)». وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَبِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ .. و(لَاَ لِتَفْضِيْلِهِ عَلَى غَيْرِهِ )؛ كما ظنَّه بَعْضُهم، إذِ المَدْحُ إنَّما يَقْتَضِي تَفْضِيلَه في نَفْسِهِ ؛ لا على غَيرِه ، ألا ترى أنَّ حديثَ ((رَكْعَتَا الفَجْرِ خَيْرٌ من الدُّنْيا وما فيها )) مع أَنَّ الوِتْرَ أَفْضَلُ مِنْهما !! ( بَلْ هُوَ جَبْرٌ لِقَلْبٍ مَنْ قَدَّمَهُ لَهُ وَّهِ، وَتَطْبِيِياً لِنَفْسِهِ) ؛ سواءٌ التي سأَلَها فقالت ((إِلَّ خَلٌّ))؛ أو غيرُها ( لاَ تَفْضِيْلاً لَهُ عَلَى غَيْرِهِ)؛ كاللَّحمِ واللَّبن والعَسَل والمَرَق، ( إِذْ لَوْ حَضَرَ نَحْوُ لَحْمٍ أَوْ عَسَلٍ أَوْ لَبَّنٍ ؛ لِكَانَ أَحَقَّ بِالمَذْحِ ) منه . (وَبِهَذَا) الجوابِ ( عُلِمَ أَنَّهُ لاَ تَنَافِيَ بَيْنَ هَذَا ) المذْحِ المذكورِ في هذا الحديث. ( وَبَيْنَ) الذَّمِّ المذكورِ في ( قَوْلِهِ: ((بِشْسَ الإِدَامُ الخَلُّ))) قال في (( كشف الخفا)»: وأمَّا ((بِئْسَ الإِدَامُ الخَلُّ))! فلا أَصْلِ لَهُ، وفي طَبِهِ وَِّ الإِدَامَ إِشَارَةٌ إلى أنَّ أَكْلَ الخُيْزِ مع الإِدَامِ من أسبابِ حفظِ الصِّحَّةِ ، بخلافِ الاقْتِصَارِ على أحدهما . قال الحكيمُ التِّرمِذِيُّ في (( النوادِر )) : في الخَلِّ منافعُ الدِّينِ والدُّنْيا . وذُكِرَ أنَّه باردٌ يَقْطَعْ حرارةَ السُّموم ويُطْفِيها . ( وَ) أخرج التِّر مذِيُّ في ((الشمائل)) (عَنْ أَبِي مُؤْسَى الأَشْعَرِيِّ ) : عبد الله بن قَيْسٍ ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَِّّ ◌َِّ قَالَ : ((فَضْلُ عَائِشَةَ ) الصِّديقةُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ (عَلَى النِّسَاءِ) أي: نساءِ رَسُولِ اللهِ وَل ١٥٣ اللاتي في زَمَنِها ؛ فلا تكون أَفْضَلَ من خديجةَ، بل خديجةُ أَفْضَلُ على الأَصَحِّ ، التَصْرِيحِهِ وَّهِ لعائِشَةَ بأنه لم يُرزَقْ خيراً من خديجةَ. وفاطمةُ أَفْضَلُ منهما ؛ أي من عائِشَةَ وخديجةَ !! قال الباجُورِي : أفضلُ النِّساءِ مريمُ بنتُ عمرانَ، ثم فاطِمةُ الزَّهراءُ ، ثمَّ خَدِيجةُ ، ثم عائِشةُ التي قَدْ بَرَّأها الله تعالى . وقد نَظَمَ بعضُهم ذلك فقال: فُضْلَىُ النِّسا بِنتُ عِمْرَانٍ فَفَاطِمَةٌ خديجةٌ ثمَّ مَنْ قَدْ بَرَّأَ اللهُ وهذا هُوَ الذي أَنْتَى به الرَّمْلِيُّ . وقد قال جمعٌ من الخلف والسَّلَفِ: لا يعدل بِبَضْعَةِ رَسُولِ اللهِ وَِّ أحدٌ !! وبه يُعْلَمْ أَنَّ بقيةَ أولادِهِ وَّهَ كفاطِمَةَ، وأَنَّ سبب الأفضلِيَّةِ ما فيهن من البَضْعة الشَّرِيفةِ. ومنْ ثَمَّ حَكى السُّبْكِي عن بعضٍ أئِمةِ عَصْرِه أنَّه فَضَّل الحَسَنَ والحُسَيْنَ على الخلفاء الأربعةِ، أي : من حيثُ البَضْعَةُ؛ لا مُطْلقاً. فهم أفْضَلُ منهما علماً ومعرفةً ، وأكثر ثواباً وآثاراً في الإسلام . قال في (( جمع الوسائل )): قلت: إذَا لُوحِظَتِ الحَيْئِيَّةُ ؛ فما يوجدُ أفضل على الإطلاق مُطْلقاً، ولذا قيل: إن عائِشَةَ أَفْضَلُ من فاطمةَ ، لأنَّ كلاً منهما تكونُ مع زَوْجِها في الجَنَّةِ ، ولا شَكَّ في تفاوتٍ منِلَتِهِما !! هذا وقد قَال السيوطي: في (( إتمام الدراية شرح النقاية)): ونعتقد أن أَفْضَلَ النساءِ مريمُ بنتُ عمرانَ، وفاطمةُ بنتُ النَِّّ وَّر . روى التِّرمذيُّ وصحَّحه : (( حَسْبُكَ من نِساءِ العالَمينَ مريمُ بنتُ عمرانَ ، وخَدِيجَةُ بنتُ خُوَيْلد ، وفاطمَةُ بنتُ محمد ، وآسيَّةُ أَمْرَأُ فرعونَ ». وفي ((الصحيحين))؛ من حديث علي: (( خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيْجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ. وفي ((الصحيح)): (( فاطمةُ سَيِّدةُ نساءِ هذهِ الأُمَّةِ )) وروى النَّسائيُّ عن حُذَيْفَةَ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِبِّهِ قال: ((هُذا مَلَكٌ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ ١٥٤ اسْتَأَذَنَ رَبَّهُ ليُسَلِّمَ عليَّ، وبَشَّرني أنَّ حَسَناً وحُسَيناً سَيِّدًا شبابِ أهْلِ الجَنَّةِ ، وأُمَّهُمَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ أهْلِ الجَنَّةِ » . وروى الطَّرانيُّ عن عليٍّ مرفوعاً: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قِيْلَ: يَا أَهْلَ اَلجَمْعِ غُضُوا أَبْصَارَكُمْ حَتَّى تَمُرَّ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ )) . وفي هذه الأحاديثِ دلالةٌ على تَفْضِيلها على مريمَ ؛ خصوصاً إذا قُلْنا بِالأَصَحِّ ((إنَّ مريمَ ليسَتْ نبيةً))، وقد تَقَرَّرَ أن هذه الأمةَ أفضلُ من غيرِها !!. ورَوى الحارِثُ بنُ أبي أسامةَ في ((مسندِه)) بسندٍ صحيحٍ لكنَّهُ مرسَلٌ: (( مريمُ خيرُ نِساءِ عَالَمِهَا، وفاطِمَةُ خيرُ نِساءِ عَالَمِهَا » . ورَواه التِّرمذِيُّ موصولاً من حديثٍ عليٍّ بلفظِ : (( خيرُ نسائِها مریمُ ، وخيرُ نسائِها فاطِمةُ)) . قال الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ : والمرسَلُ يُفَسِّرِ المُتَّصِلَ . قلت : يعكِّرُ عليه ما أَخرجَهُ ابنُ عساكرَ عن ابنِ عباسٍ مرفوعاً ؛ قال : قالَ رَسُولُ اللهِنَّهُ : ((سيِّدَةُ نساءِ أهلِ الجنةِ مريمُ بنتُ عِمْران، ثم فاطِمَةُ ، ثمَّ خديجَةُ ، ثم آسيَّةُ امرأةٌ فرعون ) . وأخرجَ ابنُ أبي شَيْئَةَ عن عَبْدِ الرَّحمنِ بنِ أبي لَيْلَى ؛ قال : قال رَسُوْلُ اللهِنَّه: ((فاطمةُ سَيِّدَةُ نِساءِ العالَمِيْنَ بَعْدَ مريمَ بنتِ عِمْرانَ». وأخْرِجَ ابنُ أبي شَيْبَةَ عن مكْحُولٍ؛ قال: قال رَسُوْلُ اللهِ وَلِّ : (( خَيْرُ نساءٍ رَكِبْنَ الإِلَ نساءُ قريشٍ أَخْناهُ على وَلدٍ في صِغَرِهِ ، وأرعاهُ على بَعْلٍ في ذاتٍ يدهِ ، ولو عَلمْتُ أنَّ مريمَ بنتَ عمرانَ ركَبَتْ بَعِيراً ما فَضَّلْتُ عليها أَحَداً ». ثم قال : قال الشُّيُوطي : إنَّ أفْضَل أُمَّهاتِ المؤمنينَ خديجةُ، وعائِشَةُ . قال ◌َّهُ: ((كَمُلَ من الرِّجالِ كثيرٌ، ولم يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إلا مريمُ وآسيَّةُ وخَدِيجَةُ ، وفَضْلُ عَائِشَةَ على النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّريدِ على سَائِرِ الطَّعامِ » . وفي التفضيل بينَهما أقوالٌ ؛ ثالثُها الوَقْفُ . ١٥٥ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَىْ سَائِرِ الطَّعَامِ » . قلتُ: وقد صَخَّح العماد بنُ كثيرٍ أن خديجة أفضلُ، لما ثَبَتَ أنَّهَلَّهِ قال لعائِشَةَ حينَ قالَتْ: قد رزقَكَ الله خيراً منها. فقال لها: ((لاَ؛ وَاللهِ مَا رَزَقَنِي اللهُ خَيْرَاً مِنْهَا ؛ آمَنَتْ بِي حِيْنَ كَذَّبَنِي الناسُ ، وَأَعْطَتْنِي مَالَهَا حِيْنَ حَرَمَني النَّاسُ)). وسُئِلَ ابنُ داودَ ؛ فقال: عَائِشَةُ أَقْرِأَهَا النبيُّنَّهِ السَّلامَ من جِبْرِيلَ. وخديجةُ أقرأَها السَّلامَ جبريلُ من رَبِّها، فهي أفضلُ على لسانِ محَمدٍ ◌ِّر . فقيل : فأيُّ أفضلُ؛ فاطمةُ أمْ أُمّها؟ قال: فاطمةُ بِضْعَةُ النَّيِّ وََّ ؛ فلا نَعْدِلُ بها أَحداً . وسئل السُّبْكيُّ ، فقال : الذي نَخْتارُه ونَدِيْنُ الله بِهِ : أنَّ فاطمةَ بنت محمد أفْضَلُ ، ثمّ أُمُّها خديجةُ ، ثم عائِشَةُ . وعن ابنِ العِمادِ أنَّ خديجةَ إنما فُضِّلَتْ باعتبارِ الأُمومَةِ ؛ لا السِّيادةِ . انتهى . والحاصلُ : أنَّ الحَيْثِياتِ مختلفةٌ ، والروايات متعارضةٌ والمسألةَ ظنيةٌ . والتَّوقُفَ لا ضَرر فيه قطعاً . فالتسليمُ أَسْلَمُ . والله أعلم ( كَفَضْلِ الثَّرِيْدِ ) - بفَتْحِ الثاءِ المثلّثَةِ ؛ فَعِيل بمعنى مَفْعول -. وهو الخُبزُ المَأْدوم بالمَرَقِ ، سواءٌ كانَ مع اللَّحْمِ ؛ أو لم يكنْ، لكنَّ الأَوَّل الذُّ وأقوى ، وهُو الأَغْلَبُ . قال بعضُ الأطباءِ: الثَّريدُ من كلِّ طعامٍ أفْضَلُ من المَرَقِ ؛ فَثَرِيدُ اللَّحْمِ أفضلُ مِن مَرَقِهِ ، وثرِيْدُ ما لا لَحْم فيه أفْضَلُ من مَرقِّه . وفي ((النهاية)): بل اللََّّةُ والقُوةُ إذا كان اللحم نضيجاً في المَرَق أكثَر مما في نَفْسِ اللَّحْمِ . قال الأَطِبَّاءُ: الثَّرِيدُ يعيد الشَّيْخَ إلى صِبَاهُ . ( عَلَى سَائِرِ الطَّعَام)) ) أي: باقي الأطعمة مِنْ جِنْسِهِ بلا ثريدٍ ، لما في الثَّريدِ من النَّفْعِ، وسُهُولَةٍ مَسَاغِهِ وتَيَشُر تَنَاوُلِهِ، وبلوغِ الكفايةِ منْهُ بسُرْعَةٍ ، واللذَّةِ والقوَّةِ وقلَّة المَؤنَّة في المضْغِ، فشُبِّهَتْ به ؛ لما أُغْطِيَتْ من حُسْنِ الخَلْقِ، وحُسْن ١٥٦ وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: أَوْلَمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُعَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخُلُق ، وحلاوَة المنطِقِ ، وفصاحَةِ اللَّهْجَةِ ، وجَوْدةِ القريحَةِ ، ورَزَانةِ الرأي ، ورصائَةِ العَقْلِ، والتَّحُّبِ إلى البَعْلِ. فهي تَصْلُح للتََّعُلِ والتحدُّثِ والاسْتِثْنَاسِ بِها، والإصْغاءِ إليها. وحسبُك أنها عَقَلتْ من النَِّيّ ◌َّهِ ما لم يَعْقِلْ غيرُها من النَّسَاءِ ، ورَوَتْ ما لم يَروِ مثلُها من الرِّجالِ !!. وفي الحديث إشارةٌ إلى أنَّ الفَضائِلَ التي اجتمعَتْ في عائِشَةَ لا توجدُ في جميع النِّساءِ؛ من كونها امرأةً أَفْضَلِ الأنبياءِ ، وأحبَّ النساءِ إِلَيْهِ، وأعلَمَهُنَّ وأنْسَبَهُنَّ وأحْسَبَهُنَّ، وإن كانَتْ لخديجَة وفاطمةَ وجوهٌ أُخَرُ من الفضائل البَهِيَّةِ ، والشمائل العَلِيَّةِ . ولكنَّ الهيئَة الجامِعِيَّةَ في الفَضيلَةِ المشبَّهةِ بالثريدِ لم تُوجَدْ في غيرِها . واللهُ أعلمُ . وحديثُ أبي موسى الذي ذكَرَهُ المصنّفُ! رواه الإمامُ أحمدُ ، والبخاريُّ ، ومُسْلمٌ ، والتِّرمذيُّ، وابنُ ماجَه، بلفظِ: ((كَمُلَ من الرِّجال كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إلاَّ آسيَّةُ أَمْرَأَةُ فرعَوْنَ، ومريمُ بنتُ عِمْرانَ . وإنَّ فَضْلَ عائِشَةَ على النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّريدِ على سائِرِ الطَّعامِ » . ورواهُ البخاريُّ، ومسْلمٌ ؛ عن أنسٍ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْه . ( وَ) أخرجَ أبو داودَ، والترمذيُّ في ((الجامع))، و(( الشمائل))؛ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ قَالَ: ((أَوْلِمَ رَسُوْلُ اللهِّر ) من الوَلمِ ؛ وهو : الاجتماعُ ، والوليمةُ : كلُّ طعامٍ يُتَّخَذُ لحادثٍ سرورٍ أو حزنٍ . ووليمةُ النِّكاحِ: طعامٌ يُصْنَعُ عند عَقْدِ النِّكَاحِ أو بَعْدَه، وهي سنَّةٌ مؤكّدةٌ . والأفضلُ فعلُها بعدَ الدُّخولِ؛ اقتداءً بِه لَه . ونَقَلَ القاضي عياضٌ اتفاقَ العُلماءِ على وجُوبِ الإجابَةِ في وليمةِ العُرسِ ، وقال : واخْتَلَفُوا فيما سواها ؛ فقال مالكٌ والجمهورُ : لا تجِبُ الإِجابةُ إليها . ١٥٧ عَلَى صَفِيَّةَ بِتَمْرٍ وَسَوِيقٍ؛ وَهُوَ : مَا يُعْمَلُ مِنَ الْحِنْطَةِ ، أَوِ الشَّعِيرِ . وَعَنْ سَلْمَىْ زَوْجٍ أَبِي رَافِعٍ وقال أهلُ الظَّاهِرِ : تَجِبُ الإِجَابَةُ إلى كلِّ دعوةٍ من عرسٍ وغيرِه . وبه قال بعضُ السَّلفِ ، لكن محلُّه ما لم يكن هناك مانع شرعِيٌّ ؛ أو عُرْفِيٌّ !!. ومعنى الحديث: أنَّ النَّبِيَّ نَّهِ صنع وليمةَ (عَلَى صَفِيَّةَ) بنتِ حُبَيٍّ بنِ أَخْطَب اليهوديِّ مِنْ نَسْلِ هارونَ أخي مُوسى عليهما الصلاةُ والسلامُ ، زوجةٍ سَلام بن أبي الحُقَيْقِ - بالتصغير - شريف خيبَرَ ، قُتِلَ يومَ خِيبَر فسُبِيَت صَفيَّةُ ؛ فاصْطَفاها رَسُوْلُ اللهِوَ﴿ لَمَّا ذُكِرَ له جمالُها، وكانَتْ عُرُوساً فخرجَ حتى بلغ الصَّهباءَ حَلَّتْ له ؛ أيْ : طَهِرَتْ من الخَيْضِ فَبَتِى بها، وصَنَعَ حَيْساً ( بِتَمْرٍ وَسَوِيْقٍ . وَهُوَ) أي: السَّويقُ (: مَا يُعْمَلُ مِنَ الحِنْطَةِ، أَوِ الشَّعِيْرِ) وهو معروفٌ عند العَرَبِ. وفي (( الصحيحين)): أَوْلَمَ عليها بحَيْسٍ ، وهو الطعام المُتَّخَذُ من الثَّمْرِ وِالأَقِطِ والسَّمْنِ، وقد يُجْعَلُ عِوَضَ الأَقِطِ الدقيقُ؛ كذا في (( النهاية)). وضَعَهُ في نِطْعٍ ، ثم قالَ لأنسٍٍ : ((آَذِنْ مَنْ حَوْلَك))؛ فكانَتْ وليمَتَه عليها . قال : ثم خرجنا إلى المدينة؛ فرأيتُ رَسُوْلَ اللهِنَّهِ يُحَوِّي لها وراءَه بعباءَةٍ ، ثم يَجْلسُ عند بعيرٍ فِيضَعُ ركبَتَّهُ، وتضعُ صِفِيّةُ رجلَها على ركْبَتِه لِتَرْكَبَ . وفي روايةٍ : فأعتَقَها وتزوَّجها . وفي أخرى: قال لهُ: «خُذْ جَارِيَةٌ مِنَ السَّبْ غَيْرَهَا))، وفي روايةٍ: ((أنَّهَا صَارَتْ لِدِحْيَةَ، ثم للنبيِّ وَّه اشتراها بسبعةِ أرؤُسٍ))، ولا تعارضَ، فلعَلّه قال لهُ أولاً ((خذْ جاريةً)) ... ثم أكملَ له سبعةً. وإنما أَخذَها منْه! رعايةً للمصلحةِ العامَّةِ : أنَّها بنتُ ملِكهم فخافَ من اختصاص دِحْيَة بها تغيُّرَ خواطِر نظائِرِهِ ، وكانَتْ رأَتْ أنَّ القَمر سَقَطَ في حجْرِها . فَتُؤُوِّلَ بذلك، وماتَتْ سنة : خمسينَ . ودُفِنَتْ بالبقيعِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا . ( وَ) أخرجَ التِّرمذيُّ في ((الجامع)) و((الشمائل)) واللفظُ لها ؛ ( عَنْ ) أمّ رافعٍ ( سَلْمَىْ) - بفتح أوَّلِه - (زَوْجٍ أَبِي رَافِعٍ )، واسمُه أسلَمُ ١٥٨ - مَوْلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، ( مَوْلَى النَّبِيِّ وََّ)، يقال: إنها مولاةُ صفيةَ بنتِ عبدِ المطلب، ويقالُ لها أيضاً مولاةُ النَّبِيّ ◌َِّ، وكانت تَخْدِمُ النَّيَّ ◌َّهِ؛ قالَتْ: ما كان يكونُ بِرَسُولِ اللهِه قرحةٌ إلَّ أمرني أنْ أضَعَ عليها الحِنَّاءَ . وهي قابِلةُ إبراهيمَ ابنِ المصْطَفى ، وغاسلةُ فاطِمةَ بنتِ عُمَيْس، وقابلةُ فاطِمَةَ بنتِ الشَِّيّ ◌َّه في ابنَيَّها الحَسَنَيَّنِ ، وغاسلَتُها مع عليٍّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ . وزوجُها أبو رافعٍ ؛ يقال: اسمُه إبراهيمُ ، ويقال : أسلَمُ . وقيل : سنانُ . وقيل غيرُ ذلك. غلبت عليه كُنْتُه؛ وكان قِبْطِيّاً، وكان للعبَّاسِ فوهبَهُ لِلنَّبِيِّ ◌َِّ ، فلما بَشَّر الشَِّيَّ ◌َ ◌ّ بِسلامِ العباسِ أعْتَقَهُ. قال الحافظُ ابنُ حَجَرٍ : والمحفوظُ أنَّه أسلَم لما بُشِّر العبَّاسُ بأن النَّبِيّ ◌َّ انتصرَ على أهلِ خِيبَر ؛ وذلك في قصّة جرت ، وكان إسلامُه قبل بدرٍ ولم يَشْهَدْها ، وشهِدَ أُحُداً وما بَعدَها . روى عن النَّبِيِّ وَّرَ، وعن عبد الله بنِ مسعودٍ، وروى عنه خَلْقٌ؛ منهم أولادُه رافعٌ ، والحسنُ ، وعُبَيْدُ اللهِ، والمغيرةُ، وأحفادُه : الحسَنُ وصالحٌ وعبيدُ الله ؛ أولادُ عليٍّ بن أبي رافعٍ ، والفضل بن عبيدِ الله بنِ أبي رافعٍ . وماتَ بالمدينة المنورةِ قبلَ قَتْلِ عثمانَ بِيَسِير رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ : ( أَنَّ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ ) بنِ أبي طالبٍ بنِ عبدِ المطَّلبِ بنِ هاشمٍ بنِ عبدِ مَنافٍ القُرَشِيَّ الهاشِميَّ أبا محمدٍ سبطَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وريحانَتُه . أميرَ المؤمنينَ ، خامسَ الخلفاء الراشدين ، وُلِدَ في نصفِ شهرِ رَمَضان ؛ سنة : - ٣ - ثلاثٍ من الهِجْرةِ بالمدينة المنوَّرةِ، وأُمُّه فاطمةُ الزهراءُ بنتُ رَسُولِ اللهِوٌَّ وهو أكبرُ أولادِها وأوَّلُهم ؛ وكان عاقلاً حليماً ؛ محباً للخير ، فصيحاً وسيماً من أحْسَنِ الناسِ مَنْطِقاً وبديهة . ١٥٩ وَأَبْنَ عَبَّاسِ وَأَبْنَ جَعْفَرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ .. أَتَوْهَا، فَقَالُوا : إِصْنَعِي لَنَا طَعَاماً مِمَّا كَانَ يُعْجِبُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . حجَّ عشرين حَجَّةً ماشياً ، ودخَلَ أصبهانَ غازياً مجتازاً إلى غُزاة جُرْجَان ؛ ومعَهُ عبد الله بنُ الزُّبَيْرِ . وبايَعَهُ أهلُ العِراق بالخِلافَةِ بعد مَقْتَلِ أبيهِ سنة : - ٤٠ - أربعينَ هجريةً . وأشارُوا عليه بالمَسير إلى الشامِ لمحارَبَةِ معاويَةَ بنِ أبي سُفْيانَ ، فأطاعَهم وزَحَفَ بمن مَعَه ، وبلَغ معاويةَ خبرُه ؛ فقَصَده بجيشِهِ وتقاربَ الجيشانِ . فهالَ الحسَنَ أن يَقْتَتِلَ المسلمون ، ولم يستشْعِرِ الثَّقَةَ بمنْ مَعَه ، وطلب منه معاويَةُ الصُّلحِ ، فكتبَ إلى معاويةَ يشتَرِطِ شُرُوطاً للصُّلْحِ ، ورضي معاويةٌ ، فخلع الحسَنُ نَفْسَه من الخلافَةِ ، وسلَّم الأَمْرَ لمعاوِيةَ في بيت المقْدِسِ سنة : - ٤١ - إحدى وأربعينَ هجريَّة ، وسُمِّ هذا العامُ (( عامَ الجماعةِ )) لاجتماع كلمةِ المسلمينَ فيه . وانصرفَ الحسَنُ إلى المدينةِ المنوَّرةِ راجعاً ، حيثُ أقامَ بها إلى أن تُوقِّي مَسْموماً سنة : - ٥٠ - خمسينَ من الهجرةِ، ومَّةُ خلافَتِهِ ستةُ أشْهِرٍ وخَمْسَةُ أيامٍ . ووُلِدَ له أحَد عَشر ابناً وبنتٌ واحدة! رُوِيَ له عن النَّبِّ ◌ََّ أحاديثُ، ودُفِنَ بالبقيعِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ . ( وَأَبْنَ عَبَّاسٍ ) عبدُ الله ( وَأَبْنَ جَعْفَرٍ ) عبد اللهِ بنُ جعفرِ بنِ أبي طالبٍ ؛ تقدمتْ ترجمتهُ (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ؛ أَتَوْهَا) زائرينَ، لكونِها خادمةَ المصْطَفى ◌َِّ وطَبَّاخَتَه ( فَقَالُوْا : أَصْنَعِيْ لَنَا طَعَاماً مِمَّ ) ؛ أي : من الطَّعام الّذي ( كَانَ يُعْجِبُ ) - رُوِيَ : بضمِّ أوَّلِهِ ، وكَسْرِ ثالِثِهِ ؛ من الإِعجابِ ، ورُوِيَ : بفَتْح الياءِ والجيمِ ؛ مِن العَجَبِ، من بابِ علم - ( رَسُوْلَ اللهِنََّ ) بنصِهِ على الأوَّلِ، ورفعِهِ على الثّاني. وقال في (( جمع الوسائل)): يُعجِبُ - على صيغةِ المعْلومِ؛ إما من الإعجابِ، فـ ((رَسُوْلُ اللهِ)) مَفْعولُهُ، والضميرُ المستَتِرُ فيه للموصولِ . أو مِنَ ١٦٠