Indexed OCR Text

Pages 81-100

إِخْوَانِي مِنْ أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ صَبَرُوا عَلَى مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ هَذَا ،
فَمَضَوْا عَلَى حَالِهِمْ ، فَقَدِمُوا عَلَى رَبِّهِمْ، فَأَكْرَمَ مَآبَهُمْ ، وَأَجْزَلَ
ثَوَابَهُمْ ، فَأَجِدُنِي أَسْتَحْيِي إِنْ تَرَفَّهْتُ فِي مَعِيشَتِي أَنْ يُقَصَّرَبِي
وهذا من إيثاره ◌َّ الزّهد، وإظهاره لغنى القلب ، ومحبَّة تركه لها .
ثم بيَّن أنَّه مقام عظيم سبق به الرسل عليهم الصَّلاة والسَّلام ، فجرى على
طريقهم ، فقال : ( إِخْوَانِي مِنْ أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) ؛ وهم نوح ، وإبراهيم ،
وموسى ، وعيسى ، عليهم الصَّلاة والسَّلام ، على خلاف فيهم . وقد نظمَ هؤلاء
الخمسةَ بعضُهم فقال :
مُحَمَّدُ إِبْرَاهِيمُ مُوسَى كَلِيمُهُ فَعِيسَى فَنُوحٌ هُمْ أُولُو العَزْمِ فَاعْلَمِ
( صَبَرُوا عَلَى مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ هَذَا) ؛ أي : ممَّا أنا صابر عليه ، لما روي أنَّ
بعضهم ماتَ من الجوع ، وبعضهم من شدَّة أَذى القَمْلِ ، وبعضهم من كثرة
الجراحات ، وشدة الأمراض والعاهات ، وقد خصَّني الله تعالى فيما حثَّني وحضَّني
على الاقتداء بهم ، بقوله سبحانه وتعالى ﴿ فَأَصْبِرّ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾
[٣٥/ الأحقاف]؛ كذا قال القاري في ((شرح الشفا)).
( فَمَضَوْا ) أي: استمرُّوا (عَلَىْ حَالِهِمْ) الَّتي كانوا عليها ، راضين بقضاء الله
تعالى لهم ، صابرين على بلائه ، شاكرين على نعمائه ؛ إلى أن ماتوا ، ولم يطلبوا
من ربِّهم السَّعة ، ولا دفع المضرَّة ؛ نظراً إلى كمال حسن مآلهم
( فَقَدِمُوْا عَلَى رَبِّهِمْ ) لاقوه ( فَأَكْرَمَ مَآبَهُمْ ) أي : أكرمهم الله تعالى في مرجعهم
إليه ، يقال : آب يؤوب إذا رجع ، فهو اسم مكان أو مصدر ميمي ( وَأَجْزَلَ
ثَوَابَهُمْ) ؛ أي : كثَّر لهم العطاء والجزاء في دار المقام ، ( فَأَجِدُنِيْ أَسْتَخْيِيْ )
- بيائين، وفي نسخة من (( الشفاء)) بياء واحدة ؛ أي : من الله تعالى عند لقائه ،
( إِنْ تَرَفَّهْتُ) أي: إنْ تنَّمت ( فِي مَعِيْشَتِيْ)، وقد كان الله تعالى خيَّره وَّ قبيل
موته ؛ بين الخلد في الدنيا ولقائه ؟ فاختار لقاءه ( أَنْ يُقَصَّرَ بِي ) - بتشديد الصاد
٨١
,٠

غَداً دُونَهُمْ، وَمَا مِنْ شَيْءٍ هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ اللُّحُوقِ بِإِخْوَانِي
وَأَخِلاَّتِي » .
قَالَتْ: فَمَا أَقَامَ بَعْدُ شَهْراً حَتَى تُؤُفِّيَ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ .
ثُمَّ قَالَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى بَعْدَ ثَلاَثِ وَرَقَاتٍ :
المفتوحة ؛ مبنياً للمجهول ــ ( غَداً ) بالمعجمة ؛ اليوم الذي بعد يومك ، والمراد به
الآخرة ، جعل الدنيا بمنزلة اليوم الحاضر ، والآخرة لكونها بعدها بمنزلة غد .
( دُوْنَهُمْ ) أي : دون مرتبتهم ، وتحت درجتهم ، فيكون مقامي دونَ مقامهم ،
وهمَّتي أن أكون فوق جملتهم . ( وَمَا مِنْ شَيْءٍ هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ اللُّحُوْقِ بِإِخْوَانِي )
أي : في الجملة ، ( وَأَخِلاَّئي))) أي: أحبائي في الملَّة؛ والمراد بالإخوان
والأخلاَّء الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام ، واللُّحوق بهم كونه معهم .
( قَالَتْ ) ؛ أي: عائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: (فَمَا أَقَامَ بَعْدُ ) - بالبناء على
الضمِّ - أي: بعد مقالته هذه ( شَهْراً حَتَّى تُؤُنِّيَ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَمُهُ عَلَيْهِ ) غاية
لاقامته أي : إلى أن مات وانتقل إلى رحمة ربه واستوفى أيام عمره ، وهذا يدل على
اختياره الفقر في جميع أمره إلى آخر عمره .
قال الدلجي رحمه الله تعالی : لم أدر من روی هذا الحدیث !! لکن روی ابن
أبي حاتم؛ في تفسيره عنها قالت: ظَلَّ رَسُوْلُ اللهِوَ﴿ صائماً ثم طواه، ثم ظَلَّ
صائماً ثُمَّ طواه ، ثم ظل صائماً !! قال: (( يَا عَائِشَةُ؛ إنَّ الدُّنْيَا لاَ تَنْبَغِي لِمُحَمَّدٍ
وَلاَ لِآلِ مُحَمَّدٍ ، يَا عَائِشَةُ؛ إنَّ اللهَ تَعَالَىْ لَمْ يَرْضَ مِنْ أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ إِلاَّ
بِالصَّبْرِ عَلَى مَكَرُوهِهَا، والصَّبْرِ عَنْ مَحْبُوبِها، وَلَمْ يَرْضَ مِنِّيَ إلاَّ أنْ يُكَلِّفَنِي
مَا كَلَّفَهُمْ فَقَالَ ﴿ فَأَصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [٣٥/ الأحقاف]، وَإِنِّي وَاللهِ
لِأَصْبِرَنَّ كَمَا صَبَروا جَهْدِي وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللهِ )) . انتهى .
( ثُمَّ قَالَ) ؛ أي: القاضي عياض (رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَىْ) في ((الشفاء)) (بَعْدَ )
نحو ( ثَلاَثٍ وَرَقَاتٍ) من الكلام السابق، وذلك قبل فصلين من ((الباب الثالث)):
٨٢

كَانَ دَاوُودُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلَامُ يَلْبَسُ الصُّوفَ، وَيَفْتَرِشُ الشَّعْرَ ،
وَيَأْكُلُ خُبْزَ الشَّعِيرِ بِالْمِلْحِ وَالزَّمَادِ ، وَيَمِزُجُ شَرَابَهُ بِالدُّمُوعِ .
وَقِيلَ لِعِيسَى عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ : لَوِ أَتَّخَذْتَ حِمَاراً؟
فَقَالَ : أَنَا أَكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنْ أَنْ يَشْغَلَنِي بِحِمَارٍ .
وَكَانَ يَلْبَسُ الشَّعْرَ
٠
( كَانَ دَاوُودُ) على نبينا و(عَلَيْهِ) الصَّلاة و( السَّلَامُ يَلْبَسُ الصُّوْفَ، وَيَفْتَرِشُ
الشَّعَرَ ) أي : ما نسج منه ، لأنه خشن يمنعه لذة النَّوم والاستغراق فيه ، المانع له
عن ورده ، وهذا شعار الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام والصُّلحاء ، ولذا اختاره
السَّادة الصُّوفية .
(وَيَأْكُلُ خُبْزَ الشَّعِيْرِ بِالْمِلْحِ) لأَنَّه إدام ، ( وَالرَّمَادِ ) قال ملا علي قاري: لعله
أراد به ما اختلط بالخبز واستهلك فيه ! وإلاَّ فأَكْلُ الرَّمادِ حرام لما فيه من الضرر .
([ وَيَمِزُجُ شَرَابَهُ بِالذُّمُوْعِ ]) لكثرة بكائه وعدم خلوّه منه .
وهذا رواه ابن أبي حاتم عن أنس مرفوعاً ، وعن مجاهد وغيره موقوفاً .
( وَقِيْلَ لِعِيْسَىْ) على نبيِّنا و(عَلَيْهِ) الصَّلاة و(السَّلاَمُ) - كما أخرجه الإمام
أحمد في ((الزهد))، وابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن ثابت - ( لَوِ أنَّخَذْتَ حِمَاراً )
لتركبه لتستريح من المشي ؟ !
( فَقَالَ : أَنَا أَكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنْ أَنْ يَشْغَلَنِيْ بِحِمَارٍ !! ) أي : بأن يتعلَّق قلبي به
ويكُلفته وخدمته . ويشغلني - بفتح الغين - من شغله يَشغَله ؛ كسأله يسأله ، وأشغله
لغة رديئة .
( وَكَانَ) كما روى أحمد في ((الزهد))؛ عن عبيد بن عمير، ومجاهد والشعبي
وابن عساكر في ((تاريخه)) أنَّه كان (يَلْبَسُ الشَّعْرَ) أي: ما نسج منه ؛ زيادة في تقشفه.
وإنما كره مالكٌ لبس الصوف لمن يتخذه شعاراً له ؛ إظهاراً لزهده ، فإن إخفاءَه
٨٣

وَيَأْكُلُ الشَّجَرَ ؛ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْتُ، أَيْنَمَا أَدْرَكَهُ النَّوْمُ .. نَامَ . وَكَانَ
أَحَبَّ الأَسَامِي إِلَيْهِ أَنْ يُقَالَ لَهُ : ( يَا مِسْكِينُ ) .
وَقِيلَ: إِنَّ مُوسَى لَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ كَانَتْ تُرَى خُضْرَةُ الْبَقْلِ فِي
بَطْنِهِ مِنَ الْهُزَالِ .
وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
أفضل ، لما فيه من الرِّياء ( وَيَأْكُلُ الشَّجَرَ ) أي: ورقه، ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْتٌ ) يأوي
إليه ؛ ( أَيْتَمَا أَدْرَكَهُ النَّوْمُ) أي : وقت ( نَامَ ) . أي : ينام في أيِّ مكان يجنُّ عليه
اللَّيل فيه .
( وَكَانَ أَحَبُّ الأَسَامِي ) جمع الأسماء ( إِلَيْهِ ) أي : الألفاظ التي يُنادى بها ( أَنْ
يُقَالَ لَهُ (( يَا مِسْكِينُ )) ) رغبة في التواضع لعظمة الله عز وجل .
وقد رواه أحمد في (( الزهد)) عن سعيد بن عبد العزيز بلفظ : بلغني أنه ما من
كلمة كانت تقال لعيسى بن مريم أحبّ إليه من أن يقال ((هذا المسكين)).
(وَقِيْلَ) - كما رواه الإمام أحمد أيضاً في ((الزهد))، وابن أبي حاتم عن ابن
عباس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما ، موقوفاً -:
( إِنَّ مُؤْسَى) على نبينا وعليه الصَّلاة والسَّلام ( لَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَذْيَنَ ) ، سمي
باسم مدين بن إبراهيم الخليل ، وكان ورود موسى وَّ لماء مدين لمَّا فرَّ مِن قبط
مصر ؛ فلقي ابنتي شعيب على ذلك الماء ، وبينه وبين مصر ثماني مراحل أو أكثر ؛
في قصته المذكورة في القرآن ، وكان موسى ◌َّ حافياً؛ من غير زاد وبه جوع
شديد ، حتَّى كانت ترى أمعاؤه ،
و( كَانَتْ تُرَى خُضْرَةُ الْبَقْلِ ) الذي کان یأکله موسی نَّ إذ لم يجد غيره .
والبقل : ما ليس بشجر ؛ من النَّبات الَّذي لا تبقى أرومته وأصوله بعد أخذه ،
وهو معروف ( فِي بَطْنِهِ مِنَ الُزَالِ ) - بضم الهاء وزاي معجمة - ضدُّ السِّمَن .
(وَقَالَ وَّ) كما رواه الحاكم وصححه؛ عن أبي سعيد الخدري رَضِيَ اللهُ
٨٤

(( لَقَدْ كَانَ الأَنْبِيَاءُ قَبْلِي يُبْتَلَى أَحَدُهُمْ بِالْفَقْرِ وَالْقَمْلِ، وَكَانَ ذَلِكَ أَحَبَّ
إِلَيْهِمْ مِنَ الْعَطَاءِ إِلَيْكُمْ )).
تعَالَى عَنْهُ مرفوعاً :
( (( لَقَدْ كَانَ الأنْبِيَاءُ قَبْلِي يُبْتَلَى) - بالبناء للمفعول ونائبه - ( أَحَدُهُمْ بِالْفَقْرِ )
أي : بشدة الحاجة في مطعمه ، ( وَالْقَمْلِ ) ؛ أي بكثرته في ثوبه وبدنه .
( وَكَانَ ذَلِكَ ) الابتلاءُ ( أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ الْعَطَاءِ إِلَيْكُمْ))) ؛ رضاً بقضاء المولى ،
وعلماً بأنَّ ما أعده الله لهم خير وأبقى ، ولفظ الحديث ليس كما ذكره المصنف رحمه
الله تعالى .
وهو ما قاله أبو سعيد الخدري رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ :
قلت : يا رَسُولَ اللهِ؛ مَنْ أَشَدُّ النَّاسِ بَلاءً؟ قَالَ: ((الأنْبِياءُ)). قُلْتُ: ثُمَّ
مَنْ؟ قَالَ: ((الْعُلَماءُ)). قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ((الصَّالِحِونَ؛ كانَ أَحَدُهُمْ يُبْتَلى
بِالْقَمْلِ حَتَّى يَقْتُلَهُ ، وَيُبْتَلَى بِالْفَقْرِ حَتَّى لاَ يَجِدَ إلَّ العَبَاءَةَ يَلْبَسُها، وَلَأَحَدُهُمْ أَشَدُّ
فَرَحاً بِالْبَلاءِ مِنْ أَحَدِنَا بِالْعَطَاءِ » . وهو صحيح على شرط مسلم .
قيل : وهو يدلّ على أنَّ الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام يتسلَّط عليهم القمل ،
ويعرض لهم ، لأنه من الأعراض البشرية ، إلاَّ أنَّ ابن الملقن رحمه الله تعالى نقل
عن ابن سبع أنَّ القمل لم يكن يؤذيه مّر؛ تكريماً له .
ونقل ابن عبد البرِّ رحمه الله تعالى في ((التمهيد)) أنَّ نعيم بن حماد ذكر عن ابن
المبارك [عن مبارك] بن فضالة عن الحسن رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أنَّ النَّبِيّ وََّ كَانَ يَقْتُلُ
الْقَمْلَ فِي الصَّلاةِ
والظَّاهر أن جسده الشَّريف لا يتولَّد منه القمل ، لاعتدال مزاجه الشّريف ،
وإنَّما كان يوجد في ثيابه ؛ من الفقراء المجالسين له ، وكذا سائر الأنبياء عليهم
الصَّلاة والسَّلام، ولو قيل: ((إنَّ ضمير ((يبتلى)) في حديث الحاكم للصَّالحين))!
كان أقرب . انتهى .
٨٥

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ طَعَامُ يَحْيَى: أَلْعُشْبَ، وَكَانَ يَبْكِي مِنْ
خَشْيَةِ اللهِ تَعَالَى عَزَّ وَجَلَّ، حَتَّى أَتَّخَذَ الذَّمْعُ مَجْرىٌ فِي خَدِّهِ .
وَحَكَىْ الطَّبَرِيُّ عَنْ وَهْبٍ :
وهذا ينافيه ما نقله عن (( التمهيد))؛ وقد تقدَّم . وفيما قاله دليلٌ على صبر
الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام ، وعلوِ همَّتهم في النَّظر للآخرة . انتهى ؛ من شرح
الخفاجي على ((الشفاء )).
( وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ) رواه الإمام أحمد في ((الزهد )) ، وابن أبي حاتم عنه :
( كَانَ طَعَامُ ) النَّبِّ ( يَحْيَى) على نبينا وعليه الصَّلاة والسَّلام ( العُشْبَ) - بضمِّ
العين المهملة - هو النبت الذي يخرج بغير زرع .
( وَكَانَ) مع ذلك ( يَبْكِي مِنْ خَشْبَةِ اللهِ تَعَالَى عَزَّ وَجَلَّ ) . والخشية : خوف مع
تعظيم ؛ مع أنَّه ما همَّ بمعصية ( حَتَّى أَّخَذَ الَّمْعُ مَجْرَىٌ فِي خَدِّهِ ) ؛ أي : صار
محلُّ جريانه منخفضاً متميزاً عن غيره ، لتأثيره بدوام جريانه فيه وذلك لشدة معرفته
بربه ، لقوله سبحانه وتعالى ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْ﴾ [٢٨/ فاطر].
( وَحَكَىْ ) الإمام الحافظ المجتهد المطلق محمد بن جرير ( الطَّرِيُّ ) رحمه الله
تعالى - وتقدمت ترجمته - ( عَنْ ) أبي عبد الله ( وَهْبٍ ) بن منبّه التابعي الأنباوي
اليماني ؛ أخو همام بن منبّه .
وهو تابعي جليل ، من المشهورين بمعرفة الكتب الماضية .
سمع جابر بن عبد الله وابن عباس وابن عمرو بن العاصي وأبا سعيد الخدري
وأبا هريرة وأنساً والنُّعمان بن بشير .
روى عنه عمرو بن دينار وعوف الأعرابي والمغيرة بن حكيم وآخرون .
واتفقوا على توثيقه ، توفي سنة : - ١١٤ - أربع عشرة ومائة .
وقال ابن سعد: سنة عشر ومائة رحمه الله تعالى؛ قاله النَّووي رحمه الله تعالى .
٨٦

أَنَّ مُوسَىْ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يَسْتَظِلُّ بِعَرِيشٍ ، وَيَأْكُلُ فِي نُقْرَةٍ
مِنْ حَجَرٍ ، وَيَكْرَعُ فِيهَا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَشْرَبَ كَمَا تَكْرَعُ الذَّابَّةُ ؛
تَوَاضُعاً للهِ تَعَالَى بِمَا أَكْرَمَهُ مِنْ كَلَامِهِ ) أنْتُهَى .
( أَنَّ مُؤْسَىْ) على نبينا و(عَلَيْهِ ) الصَّلاة و(السَّلَامُ كَانَ يَسْتَظِلُّ بِعَرِيْشٍ ) هو :
كلُّ ما يُستظَلُّ به ؛ خيمة كانَ أو خشباً أو نباتاً مثلاً .
( وَيَأْكُلُ فِي نُقْرَةٍ) - بضمِّ النُّون وسكون القاف - أي : حفرة ( مِنْ حَجَرٍ ) بدلاً
من ظرف خشب أو خزف ، ولا يأكل في آنية ، ويضع طعامه في الأرض .
( وَيَكْرَعُ ) - بفتح الراء - ( فِيْهَا ) أي : النقرة ؛ أي : يأخذ الماء بفيه بأن يكب
عليها ويشرب منها بفيه من غير كف ولا إناء ؛ ( إِذَا أَرَادَ أَنْ يَشْرَبَ كَمَا تَكْرَعُ الذَّابَّةُ )
أي: تشرب بفمها بلا آنية ؛ (تَوَاضُعاً لِلّهِ تَعَالَى بِمَا أَكْرَمَهُ مِنْ كَلاَمِهِ ) إذ كلَّمه بلا
واسطة، كما قال ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ل
﴾ [النساء] وأخبارُهم في هذا المعنى
مسطورة ، وصفاتهم في الكمال وحسن الأخلاق ، وحسن الصورة ؛ والشمائل
معروفةٌ مشهورة ، ( أَنْتَهَى ) . أي : كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى في
((الشفاء)).
٨٧

الْفَصْلُ الثَّانِ
فِي صِفَةٍ أَكْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِدَامِهِ
عَنْ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ
( الفصل الثاني )
من الباب الرَّابع
(فِي) بيان ما ورد في ( صِفَةٍ أَكْلِهِ نَّهِ) من الأخبار .
والأَكل - بفتح الهمزة - : إدخال الطعام الجامد من الفم إلى البطن ؛ سواء كان
بقصد التغذِّي ، أو غيره ؛ كالتفكُّه ، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك .
( وَ) في بيان ما ورد في (إِدَامِهِ ) أَِّ.
والإِدام - بكسر الهمزة - : ما يُساغ به الخبز ، ويصلح به الطعام .
فيشمل الجامد؛ كاللحم. وفي ((النهاية)): الإدام - بالكسر - ؛ والأُدام
- بالضم - : ما يؤكل مع الخبز أيَّ شيء كان مائعاً أو غيره . انتهى .
وكون اللحم إِداماً !! إنما هو بحسب اللغة ، أما بحسب العرف ، فلا يسمى
((إداماً))، ولهذا لو حلف ( لا يأكل إداماً ) ؛ لم يحنث بأكل اللحم .
أخرج الطبراني في «الأوسط )) ؛ (عَنْ ) أبي محمد - وقيل : أبي عبد الله ،
وقيل : أبي إسحاق - ( كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ ) - بضم العين المهملة ، وإسكان الجيم ،
ثم راء مهملة مفتوحة - ابن أميّة بن عدي بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن عوف بن
غنم بن سَواد - بالتخفيف - البلوي المدني ؛ الصحابي الجليل المشهور .
حليف الأنصار - وقال الواقدي : ليس حليفاً لهم ، وإنما هو من أنفسهم .
وتعقَّبه ابن سعد كاتبُه ؛ بأنّ المشهورَ أنَّه بَلَوي حَالَف الأنصاري ، ولم نجده في
نسب الأنصار - .
٨٨

رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ
بِأَصَابِعِهِ الثَّلاثِ؛ بِالإِبْهَامِ، وَأَلَّتِي تَلِيهَا، وَالْوُسْطَى.
تأخّر إسلامه ، وكان له صنم في بيته ، فجاءه صديقهُ عبادة بن الصامت يوماً ؛
فلم يجده ، فدخل البيت فكسر الصنم بالقَدُوم ، فلما جاء كعب ورآه ؛ خرج مُغْضَباً
يريد الانتقام من عُبادةَ ، ثم فكّر في نفسه ؛ فقال : لو كان هذا الصنم ينفع لنفع
نفسه . فأسلم . وشهد بيعة الرضوان وما بعدها من المشاهد ، وفيه نزل قوله تعالى
فَفِذْيَةٌ مِّنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُنٍ ﴾ [١٩٦/ البقرة].
روي له عن الشَّيِّ وَِّ فيما قيل: سبعةٌ وأربعون حديثاً، في (( الكتب الستة ))
وغيرها ، منها ؛ في (( الصحيحين)) أربعةٌ؛ اتَّفقا منها على حديثين ، وانفرد مسلم
بآخرَیْن .
روى عنه ابن عمر ، وابن عبَّاس، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عَمْرو بن
العاصي ، وغيرهم .
سكن الكوفة مدَّة ، ومات بها . وقيل : مات بالمدينة بعد الخمسين من
الهجرة ، وله سبع وسبعون سنة . وقيل : خمس وسبعون سنة (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى
عَنْهُ .
قَالَ : رَأَيْتُ رَسُوْلَ اللهِنَّهِ يَأْكُلُ بِأَصَابِعِهِ الثَّلاَثِ، بِالإِنْهَامِ وَالَّتِي تَلِهَا ) السَّبابة
( وَالْوُسْطَىْ). وَهُذَا بَانٌ لِلأَصابع التي كان يأكل بها، فتفسَّر به الروايات
المطلقة ، التي منها ما رواه الترمذيُّ في (( الشمائل)) من حديث كعب بن مالك :
كان عليه الصلاة والسلام يأكل بأصابعه الثلاث ويَلْعَقهنّ .
وأخرجه أحمد، ومسلم، وأبو داود عنه؛ قال: كان ◌َّ يأكل بثلاث
أصابع،ُ ويَلْعَق يده قبل أن يمسحها . ولِذا تورَّع بعض السَّلف عن الأكل بالملاعِق ؛
لأَن الوارد إنَّما هو الأكل بالأصابع .
وفي (( الكشاف)): أحضر الرّشيد طعاماً فدعا بالملاعق ، وعنده أبو يوسف
٨٩

ثُمَّ رَأَيْتُهُ يَلْعَقُ أَصَابِعَهُ الثَّلاَثَ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا؛ الْوُسْطَىْ، ثُمَّ الَّتِي
تَلِيهَا ، ثُمَّ أَلإِبْهَامَ .
فقال : جاء في تفسير جدِّك ابن عباس في قوله تعالى ﴿﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَّنِيّ ◌َدَمَ ﴾
[٧٠/ الإسراء]: جعلنا لهم أصابع يأكلون بها. فأحضرت الملاعق فردَّها وأكل بأصابعه.
وكذلك وقع من بعض الصالحين القريبين من عصرنا ؛ فإنَّه لمَّا عُرِضت عليه
الملاعق حين دخوله مِصر ؛ وكان أهل مصر إذْ ذاك قد دخلت عندهم الحضارة
الغربية ردَّها ؛ ولم يأكل بها، وأَنشد قول ابن مالك في ((الألفيّة)):
فما لَنا إِلَّ اتِّباع أحمَدا
وبعضهم أَنشد قوله :
وفي اخْتِيارِ لا يَجِيءُ المُنْفَصلْ إذا تأَتَّى أَنْ يَجِيءَ المُتَّصِلْ
وهو ظريف جداً .
فيُستحب الأكل بالثَّلاث فقط ؛ إنْ كفت، وإلاَّ زاد بقَدْر الحاجة ، لقول
عامر بن ربيعة : كان ◌َل ـ يأكل بثلاث أصابع، ويستعين بالرابعة . أخرجه الطبرانيُّ
في ((الكبير)).
قال ابن العربي: إن شاء أحد أن يأكل بخمس فليأكل، فقد كان وَ لِّ يتعرَّق
العظم ، وينهش اللحم ، ولا يمكن عادةً إلاَّ بالخمس .
قال الحافظ العراقيُّ: وفيه نظر، لأَنَّه يمكن بالثلاث، سلّمنا ، لكنه ممسك
بكلِّها ، لا آكلٌ بها، فسلمنا ، لكنَّ المحلَّ محلٌّ ضرورة لا يدل على عموم
الأحوال ، فهو كمن لا يمينَ له ؛ يأكل بشماله .
( ثُمَّ رَأَيْتُهُ يَلْعَقُ أَصَابِعَهُ الثَّلاَثَ ) المذكورة ( قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا ؛ ) محافظة على
بركة الطَّعام ، فيستحبُّ ذلك ، كما يستحبُّ الاقتصار على الأكل بالثلاث .
ثم بيَّن كيفية لَعْقِهِ ؛ فقال : ( الْوُسْطَى) أي: يلْعَقُ أصبعه الوسطى، (ثُمَّ )
يلعق الأصبع ( الَّتِي تَلِيْهَا ) وهي: السَّبابة، ( ثُمَّ ) يلعق ( الإِنْهَامَ) .
٩٠

قال الحافظ زين الدِّين العراقيُّ في ((شرح الترمذي)»: كأنَّ السرَّ فيه أنَّ الوسطى
أكثر تلويثاً ؛ لأنَّها أَطول ، فيبقى فيها الطَّعام أكثر من غيرها ، ولأنَّها لطولها أوَّل
ما ينزِل فيها الطَّعام، وهي أَقرب إِلى الفم حين يرتفع ، فَزَعْمُ أنَّ نِسْبَةَ الأصابع إلى
الفم على السواء ساقطٌ .
وَوَقَعَ في مُرْسَلِ ابْنِ شِهابٍ الزهريّ ؛ عن سعيد بن منصور الخراساني : أنَّ
النَّبِيَّ ◌ََّ كان إذا أَكَلِ أَكَلَ بخمس . فيُجْمَعُ بينه وبين ما تقدَّم من أكله بثلاث ،
باختلاف الحال ، فَأَكثر الأحوال بالثلاث ؛ وبعضها بالخمس . وحُمِلَ على ما إذا
كان الطَّعام مائِعاً .
وقد جاءت عِلَّ اللَّعْق مبيّنة في بعض روايات مسلم : بأنَّه لا يدري في أيٍّ طعامه
البركة ، هل في الباقي في الإناء ؛ أو على الأصابع ؟
قال ابن دَقِيْقِ العِيْد : وقد يُعلَّل بأنّ مسحها قبل لعقها فيه زيادة تلويث لما يُمْسَحُ
به ، مع الاستغناء عنه بالرِّيق !! لكن إذا صحّ الحديث بالتَّعليل لم يتعدَّ عنه .
قال الحافظ ابن حجر : العلَّة المذكورة لا تمنع ما ذكره الشيخ ، فقد يكون
للحكم علَّتان ؛ أو أكثر ، والنَُّّ على واحدة لا يَنْفي الزيادة .
قال : وأبدى القاضي عياضٌ علَّة أخرى : وهي أنَّه لا يتهاون بقليل الطعام .
انتھی .
وفي الحديث ردٌّ على من كره لَعْقَ الأَصابع استقذاراً ؛ ممَّن يُنْسب إلى الرِّياسة
والإمْرَة في الدنيا . نعم يحصل ذلك الاستقذار لو فعل اللَّعْق في أثناء الأكل ، لأنَّه
يعيد أصابعه في الطَّعام وعليها أثر رِيْقِهِ ، والمصطفى إنَّما كان يلعق بعد الفراغ من
الأكل ، وبذلك أمر .
وقال الخطَّبي: عاب قوم - أفسد عقولَهم الترقُّهُ - لعق الأصابع ، وزعموا أنَّه
مستقبح ، كأَنَّهم لم يعلموا أنَّ الطعام الذي علق بالأصابع والصَّحْفَة جزء من أجزاء
٩١

وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهُ أَنْ يَأْكُلَ الطَّعَامَ الْحَازَّ
حَتَّى تَذْهَبَ فَوْرَةُ دُخَانِهِ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَأْكُلُ الطَّعَامَ
اَلْحَارَّ، وَيَقُولُ: ((إِنَّهُ غَيْرُ ذِي بَرَكَةٍ، فَأَبْرِدُوهُ؛ فَإِنَّ اللهَ لَمْ يُطْعِمْنَا نَاراً)).
ما أكلوه ، وإذا لم يكن سائر أجزائه مستقذراً لم يكن الجزء اليسير منه مستقذراً !!
وليس في ذلك أكثرُ من مَصِّه أصابِعَه ببطن شفتيه ، ولا يشكُّ عاقل أنَّه لا بأس
بذلك ، فكيف يزعمون قُبْحَه ؟ ! فقد يتمضمض الإنسان فيدخل أصابعه في فيه ؛
فَيَدْلُك أسنانه وباطن فمه ، ثم لم يقل أحد : إنّ ذلك قذارة وسوء أدب !!. انتهى .
ولا ريب أنَّ مَن استقذر ما نُسب إلى النَّبِي ◌َّ سَيِّىءُ الأدب يُخشى عليه أمر
عظيم ، فنسأل الله تعالى بوَجاهة وجهه الكريم : أنْ لا يسلك [ بنا ] غير سبيل
سُنَتِّهِ ، وأن يُديم لنا حلاوةَ محبَّته ، بمنه وكرمه . آمين .
( وَ) أخرج الطبرانيُّ في ((الكبير)) بإسناد ــ قال الهيثمي: فيه راوٍ لم يسمّ ،
وبقيّة إسناده حسن - عن جُوَيْرِيَة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - وهو أحد وَفْد عبد القيس
رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم - قال :
( كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ يَكْرَهُ أَنْ يَأْكُلَ الطَّعَامَ الْحَارَّ حَتَّى تَذْهَبَ فَوْرَةُ دُخَانِهِ ) أي :
حدَّته وغليانه ، لأَنَّ الحارَّ لا بركة فيه ، كما جاء مصرَّحاً به في عدَّة أخبار .
( وَ) في ((الإحياء)): (كَانَ) رسول الله (ِِّ لاَ يَأْكُلُ الطَّعَامَ الحَارَّ ،
وَيَقُولُ : ((إِنَّهُ غَيْرُ ذِيْ بَرَكَةٍ فَأَبْرِدُوْهُ ، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يُطْعِمْنَا نَاراً! ))).
روى الطبرانيُّ في ((الصغير))، و(( الأوسط ))؛ من حديث بلال بن أبي هريرة
عن أبيه : أَنّ النَّيَّنَّهِ أُتِيَ بصَحْفةٍ تفور، فرفع يده منها - وفي لفظ: فأَشرع يده
فيها، ثمَّ رفع يده عنها - فقال: ((إنَّ اللهَ لَمْ يُطْعِمْنا نَاراً)) . وفي إسناده عبد الله بن
يزيد البكري ؛ ضغَّفه أبو حاتم .
وللطبرانيّ في ((الأَوسط))؛ من حديث أبي هريرة: ((أَبْرِدُوا الطَّعامَ، فَإِنَّ
الطَّعامَ الْحَارَّ غَيْرُ ذِي بَرَكَةٍ )) وكلاهما ضعيف .
٩٢

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ بِأَصَابِعِهِ الثَّلاَثِ ،
وعند أبي نُعَيْم في ((الحلية))؛ من حديث أنس مرفوعاً: كان النَّبِيُّ ◌َلِّ يكره
الكَيَّ، والطعامَ الحارَّ ، ويقول: عَلَيْكُمْ بِالْبَارِدِ ؛ فَإِنَّهُ ذُوْ بَرَكَةٍ ، أَلاَ وَإِنَّ الحارَّ
لاَ بَرَكَةَ فِيْهِ))، وكان له مكحلة يكتحل بها عند النَّوم ... ثلاثاً ثلاثاً .
وروى الدَّيلميُّ ؛ عن ابن عمر مرفوعاً: ((أَبْرِدُوا بِالطَّعامِ؛ فَإِنَّ الحارَّ لاَ بَرَكَةَ
فِيْهِ)) .
ولأَحمد ، وأَبِي نُعيم ؛ من حديث ابن لَهِيْعَة عن عقيل عن ابن شهاب عن
عُروة بن الزُّبير ؛ عن أسماء بنت الصِّدِّيق ؛ أنَّها كانت إذا ثَرَّدَتْ غطَّتْهُ بشيء حتى
يذهب فوره، ثمَّ تقول: إنِّي سمعتُ رَسُوْلَ اللهِوَّهِ يقول: ((هُوَ أَعْظَمُ بَرَكَةٌ))
- يعني : الطَّعام البارد أعظم بركة - .
وقد علمتَ أنَّ في إسناده ابن لهيعة ؛ وفيه ضعف ، وكذا في أسانيد الأحاديث
التي ذكرناها مقال ؛ فلا تصلح للحُجِّية في أنَّه لم يأكل طعاماً حارّاً ؛ لضعف
مفرداتها .
نعم ؛ روى البيهقيُّ بسند صحيح؛ عن أبي هريرة قال: أَتِيَ النَّبِيُّ نَّهِ يوماً
بطعام سُخْنٍ ؛ فقال: (( مَا دَخَلَ بَطْنِي طَعامٌ سُخْنٌ مُنْذُ كذا وكذا قَبْلَ اليَوْم )).
وهو عند ابن ماجه من وجه آخر ؛ عن أبي هريرة بلفظ : أُتِيَ يوماً بطعام سُخْن
فأكل منه ، فلمَّا فرغ قال: ((الْحَمْدُ للهِ؛ مَا دَخَلَ ... )). وذكره.
ولأحمد بإسناد جيّد، والطبرانيّ، والبيهقيّ في (( الشعب))؛ من حديث خَولة
بنت قَيْس، وقدَّمت له حريرة ، فوضع يده فيها ؛ فوجد حرَّها فقبضها . هذا لفظ
الطَّبراني ، والبيهقي ، وقال أحمد : فأحرقت أصابعه .
ورواه ابن مَنْده في (( معرفة الصحابة))؛ وفيه بعد قوله ((فقبضها)): وقال :
(( يا خَوْلَةُ لا نَصْبِرُ عَلَى حَرِّ وَلاَ بَرْدٍ ... )) الحديث.
( وَ) في ((الإحياء)): ( كَانَ) رسول الله (بِّهِ يَأْكُلُ بِأَصَابِعِهِ الثَّلاثِ ) :
٩٣

وَرُبَّمَا اسْتَعَانَ بِالرَّابِعَةِ ، وَلَمْ يَكُنْ يَأَكُلْ قَطُ بِأُصْبُعَيْنِ ، وَيُخْبِرُ أَنَّ ذَلِكَ
مِنْ فِعْلِ الشَّيْطَانِ .
الإبهام والسََّّابة والوسطى . قال العراقيُّ: رواه مسلم ؛ من حديث كعب بن
مالك . انتهى .
قلتُ: وكذلك رواه أحمد، وأبو داود، والترمذيُّ في (( الشمائل)) ولفظهم
جميعاً : كان يأكل بثلاث أصابع ويَلْعَق يدَه قبل أن يمسحها. ذكره في (( شرح
الإحياء ))، وقد تقدّم
(وَرُبَّمَا أَسْتَعَانَ بِالرَّابِعَةِ) قال العراقيُّ: رويناه في ((الغيلانيَّات))؛ من حديث
عامر بن ربيعة ، وفيه القاسم بن عبد الله العمري: هالك. وفي « مصنَّّ ابن أبي
شيبة))؛ من رواية الزُّهري مرسلاً: كان النبيُّ ◌َ ل﴿ يأكل بالخمس)) . انتهى.
قلتُ : حديث عامر بن ربيعة رواه أيضاً الطبرانيُّ في (( الكبير))؛ ولفظه : كان
يأكل بثلاث أصابع ويستعين بالرّابعة . وأمَّا مرسل الزهري ! فمحمول على المائع ،
وذلك لأنَّ الاقتصار على الثلاث محلُّه إنْ كَفَتْ ، وإلاَّ! فكما في المائع ؛ زاد
بحسب الحاجة. انتهى شرح ((الإحياء )). وقد سبق قريباً الكلام على ذلك بأوسع
ممَّا هنا .
( وَلَمْ يَكُنْ ) النبيِنَّهِ ( يَأْكُلُ قَطُ بِأُصْبُعَيْنِ، وَيُخْبِرُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلٍ
الشَّيْطَانِ ) .
روى الدار قطنيُّ في ((الأفراد))؛ عن ابن عبّاس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما: أنَّه ◌َُِّ
لم يأكل بأُصبعين، وقال: ((إِنَّهُ أكْلُ الشَّيَاطِيْنِ )). وأَخرج أيضاً عنه بسند ضعيف :
((لاَ تَأْكُلْ بِأُصْبُعٍ فَإِنَّه أَكْلُ المُلُوهِ ، وَلاَ تَأْكُلْ بِأُصْبُعَيْنِ ، فَإِنَّه أَكْلُ الشَّيَاطِيْنِ )).
ورواه الحكيم الترمذيّ في ((نوادر الأصول)) بلفظ: ((لاَ تَأْكُلُوا بِهَاتَيْنِ))
- وأشار بالإِبهام والمُشِيْرَة - كُلُوا بِثَلاَثٍ فَإِنَّهَا سُنَّةٌ، وَلاَ تَأْكُلُوا بِالْخَمْسِ فَإِنَّهَا أَكْلَةُ
اُلأَعْرَابِ» .
٩٤

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْعَقُ الصَّحْفَةَ بِأَصَابِعِهِ ، وَيَقُولُ :
((آخِرُ الطَّعَامِ أَكْثَرُ بَرَكَةٌ )).
وَكَانَ يَلْعَقُ أَصَابِعَهُ مِنَ الطَّعَامِ
وروى الحافظ أبو أحمد محمد بن أحمد بن الحسن الغطريف ، وابن النَّجار ؛
عن أبي هريرة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ : الأكل بأصبع أكلُ الشيطان ، وبالأصبعين أَكْلُ
الجبابرة ، وبالثلاث أَكْلُ الأنبياء .
وفي (( الإحياء )) : الأكل بالأصبع من المَقْتِ ، وبأصبعين من الكِبْر ، وبثلاث
من السنَّة ، وبأربع أو خمس من الشَّرَهِ .
( وَ) في ((الإحياء)): ( كَانَ) رسول الله (وَّرْ يَلْعَقُ) - بفتح العين المهملة
- أي: يَلْحَس ( الصَّحْفَةَ) الَّتي فيها الطعام ( بِأَصَابِعِهِ ) إذا فرغ من الأكل ؛ لا في
أثنائه ، لأنَّه يقذر الطَّعام، ( وَيَقُولُ: ((آخِرُ الطَّعَامِ أَكْثَرُ بَرَكَةٌ))) .
قال العراقيُّ: روى البيهقيُّ في (( الشعب)) ؛ من حديث جابر في حديث قال
فيه : ولا يرفع القَصْعة حتى يلْعَقها، أو يُلْعِقَها؛ فَإِنَّ آخر الطَّعام فيه البركة .
ولمسلم ؛ من حديث أنس : أُمرنا أن نُسْلِتَ الصَّحْفَة ؛ قال : إنَّ أحَدَكُمْ
لاَ يَدْرِيْ فِي أَيِّ طعامِهِ يُبارَكُ لَهُ فِيْهِ ؟ . انتهى .
قلت : وفي بعض روايات مسلم من حديث جابر : فإنَّكُمْ لا تَدْرُون في أَيّ
طَعامِكُمُ الْبَرَكَةُ . وأمَّا حديث جابر الذي رواه البيهقيُّ ! فقد رواه أيضاً ابن حبَّان
بلفظ : ولا ترفع الصحفة حتى تلعقها ، فإنَّ في آخر الطعام البركة .
وروى الإمام أحمد ، والترمذيُّ، وابن ماجه ، والبَغَويُّ ، والدارِمِيُّ ، وابن
أَبِي خَيْثَمَة ، وابن السَّكنِ ، وابن شاهين ، وابن قانع ، والدارقطني ؛ من حديث
نبيشة الخير الهُدَلي مرفوعاً :
((مَنْ أَكَلَ فِي قَصْعَةٍ وَلَحَسَها اسْتَغْفَرَتْ لَهُ)) . قال الترمذيُّ، والدار قطنيُّ:
غريب . وأورده بعضهم: ((تَسْتَغْفِرُ القَصْعَةُ لِلاحِسِها)). انتهى (شرح ((الإحياء))) .
( وَكَانَ يَلْعَقُ أَصَابِعَهُ مِنَ الطَّعَامِ ) أي : ثلاثاً إذا فرغ من الأكل ؛ لا في أثنائه ،
٩٥

حَتَّى تَحْمَرَّ . وَكَانَ لاَ يَمْسَحُ يَدَهُ بِالْمِنْدِيلِ حَتَّى يَلْعَقَ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً
وَاحِدَةً ، وَيَقُولُ: ((إِنَّهُ لاَ يَدْرِي فِي أَيِّ الطَّعَامِ الْبَرَكَةُ)) .
لأنَّه يقذر الطعام ، وتَعاف منه نفس الآكلين ( حَتَّى تَحْمَرَّ ).
قال العراقيُّ: رواه مسلم من حديث كعب بن مالك دون قوله (( حتى تحمرّ ))؛
فلم أقف له على أصل .
قلت : والمعنى : يبالغ في لَعقها، وكأنَّه أخذ ذلك من رواية الترمذيّ في
((الشمائل)): كان يلعَق أصابعه ثلاثاً، أي: يلعق كلَّ أصبع ثلاث مرات . انتهى
شرح ((الإحياء)).
( وَكَانَ ) ◌َِّ (لاَ يَمْسَحُ بَدَهُ بِالْمِنْدِيْلِ حَتَّى يَلْعَقَ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً وَاحِدَةً ،
وَيَقُوْلُ : ((إِنَّهُ لاَ يَدْرِيْ فِي أَيِّ الطَّعَامِ الْبَرَكَةُ )) ).
قال العراقيُّ: روى مسلمٌ من حديث كعب بن مالك: أن النَّبِيَّ وَّر كان
لا يمسح يده بالمِنْدیل حتَّى يلعقها . وله من حديث جابر :
فإذا فرغ فلْيَلْعق أصابعه ، فإنَّه لا يدري في أيِّ طعامه تكون البركة !!.
وللبيهقي في ((الشعب)) من حديثه: (( لا يَمْسَحْ أَحَدُكُمْ يَدَهُ بِالْمِنْدِيْلِ حَتَّى يَلْعَقْ
يده ، فإنَّ الرَّجل لا يدري في أَيِّ طَعَامِهِ يُبارَكُ لَهُ )) . انتهى .
قلت : روي في هذا عن ابن عباس ، وجابر ، وأبي هريرة ، وزيد بن ثابت ،
وأنس بلفظ حديث ابن عباس: ((إذا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامَاً فَلاَ يَمْسَحْ يَدَهُ بِالْمِنْدِيْلِ حتَّى
يَلْعَقَها، أَوْ يُلْعِقَها)) . رواه كذلك أحمد ، والشيخان ، وأبو داود ، وابن ماجه.
وحديث جابر مثله؛ بزيادة: ((فإِنَّه لا يَدْرِيْ في أَيِّ طعامِهِ البَرَكَةُ)). رواه
كذلك أحمد ، ومسلم ، والنسائيُّ ، وابن ماجه .
وأمَّا حديث أبي هريرة ! فلفظه : إذا أكل أحدكم طعاماً فلْيَلْعَق أصابعه ، فإنَّه
لا يَدْرِيّ فِي أَيِّ طَعامِهِ تَكُوْنُ البَرَكَةُ . رواه كذلك أحمد ، ومسلم ، والترمذيّ .
ورواه كذلك الطبرانيُّ في (( الكبير)) ؛ عن زيد بن ثابت . ورواه كذلك الطبرانيُّ في
٩٦

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَكَلَ الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ خَاصَّةً . . غَسَلَ
يَدَيْهِ غَسْلاً جَيِّداً ،
((الأوسط)) ؛ عن أنس .
قال ابن حجر في (( شرح الشمائل )) : الأكمل أنْ يلعق كلَّ أصبع ثلاثاً متوالية ،
الاستقلال كلٍّ ؛ فناسب كمال تنظيفها قبل الانتقال إلى البقية ، فيبدأ بالوسطى لكونها
أكثر تَلؤُّثاً ، إذ هي أطولُ فيبقى فيها من الطعام أكثرُ من غيرها ، ولأنَّها لطولها أوَّل
ما ينزِل الطّعام، ثمَّ بالسَّبابة، ثم بالإِبهام، لما روى الطبرانيُّ في (( الأوسط)):
رأيتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَأْكُلُ بأصابعه الثلاث بالإبهام والتي تليها والوسطى ، ثم رأيته
يلعق أصابعه الثلاث قبل أن يمسحَها ؛ الوسطى ثمَّ التي تليها ، ثم الإبهام .
وعند مسلم من حديث جابر، وأنس مرفوعاً: ((إذا وَقَعَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ
فَلْيَأْخُذْها، وَلْيُمِطْ ما كانَ بِها مِنْ أَذَى، ولا يَدَعْها للشَّيْطانِ ، ولاَ يَمْسَحْ يَدَهُ
بِالمِنْدِيلِ حَتَّى يَلْعَقَ أَصابِعَهُ ، لأَنَّ لاَ يَدْرِي فِي أَيِّ طَعامِهِ البَرَكَةُ » .
وفي هذه الأخبار الردُّ على من كَرَه اللَّعْقِ استقذاراً ، وقد مرَّ كلام الخطَّابي
المشتمل على تقريع المستقذِرِيْن للَعْق الأصابع ، والكلام فيمن استقذر ذلك من
حيث هو ؛ لا مَعَ نسبتِه للنََِّيهِ، وإلاَّ ! خُشيَ عليه الكفر ، إذْ مَن استقذر شيئاً من
أحواله ◌َّ مع علمهِ بِنِسْبَتِهِ إليه كفر. انتهى شرح ((الإحياء)) مع حذف منه.
( وَ) في ((الإحياء)): ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ إِذَا أَكَلَ الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ خَاصَّةً ؛
غَسَلَ يَدَيْهِ غَسْلاً جَيِّداً ) . قال العراقيُّ : روى أبو يعلى من حديث ابن عمر بإسناد
ضعيف: (( مَنْ أَكَلَ مِنْ هُذِهِ اللُّحُوْمِ شَيْئاً فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ مِنْ رِيْحِ وَضَرِهِ ، وَلا يُؤْذِيْ مَنْ
حِذَاءَهُ )) . انتهى .
قلت: ورواه ابن عَدِيٍّ في ((الكامل))؛ بلفظ: (( إِذا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَاماً
فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ مِنْ وَضَرِ اللَّحْمِ)) وإسناده ضعيف أيضاً ، وعليه يُحمل ما رواه أحمد ،
والطحاوي ، والطبرانيُّ، وابن عساكر من حديث سَهْل بن الحَنْظَلِيَّة رفعه :
((مَنْ أَكَلَ لَحْماً فَلْيَتَوَضَّأْ)) . أي: فَلْيَغْسل يده من وَضَره، أي: زُهُوْمَتِهِ
وَدَسَمِه .
٩٧

ثُمَّ يَمْسَحُ بِفَضْلِ أَلْمَاءِ عَلَى وَجْهِهِ .
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ اللُّحُومِ شَيْئاً .. فَلْيَغْسِلْ
يَدَهُ مِنْ رِيحِ وَضَرِهِ ، وَلاَ يُؤْذِي مَنْ حِذَاءَهُ)).
وَكَانَ أَكْثَرُ جُلُوسِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وروى النَّسائيُّ، والحاكم، وابن حبَّان في ((صحيحيهما)) (١) - وقال الحاكم:
صحيح على شرط مسلم - عن أبي هريرة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قال :
دعانا رجلٌ من الأَنصارِ مِنْ أهل قُباءٍ - يعني النَّبِيِّ ◌َِّ - فانْطَلَقْنا معه، فلما طَعِمَ
وغسل يده - أو يديه -؛ قال: ((الْحَمْدُ للهِ الَّذِي يُطْعِمُ؛ وَلاَ يُطْعَمُ)) ... الحديث.
انتهى شرح («الإحياء )).
( ثُمَّ يَمْسَحُ بِفَضْلِ الْمَاءِ عَلَى وَجْهِهِ ) . لم يتكلَّم على هذه الجملة في شرح
((الإحياء)) !!
( وَ) أخرج أبو يعلى بإسناد ضعيف؛ (عَنْ) أبي عبد الرحمن عبد الله ( ابْنِ
عُمَرَ ) بن الخطّاب - وقد تقدَّمت ترجمته ـ (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا؛ قَالَ :
قَالَ رَسُوْلُ اللهِّهِ: ((مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ اللُّحُوْمِ شَيْئاً فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ مِنْ رِبْحِ وَضَرِهِ )
- بفتح الواو والضّاد المعجمة -: وسخ الدَّسم واللَّبن ، يعني: يُزيل ذلك بالغسل
بالماء أو بغيره ؛ لكن بعد لعق أصابعه ؛ حيازةً لبركة الطعام ، كما تقدَّم .
( وَلاَ يُؤْذِيْ مَنْ حِذَاءَهُ ) - بكسر الحاء المهملة ، وذال معجمة ممدودة - أي :
عنده ، من آدمي ، أو ملك . فَتَرْكُ غَسْل اليد من الطَّعام الدَّسِمِ مكروهٌ ، لتأذِّي
الحافِظینِ به وغیرهم .
( وَ) في ((كشف الغمَّة)) - ونحوه في ((الإحياء)) -: (كَانَ أَكْثَرُ جُلُوْسِهِ وَّهِ
(١) غلّب اسم الصحيحين على صحيح ابن حبَّان عَلَماً، و((مستدرك)) الحاكم إلحاقاً.
٩٨

لِلْأَكْلِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ رُكْبَيْهِ وَبَيْنَ قَدَمَيْهِ ؛ كَمَا يَجْلِسُ الْمُصَلِّي، إِلاَّ أَنَّ
الرُّكْبَةَ تَكُونُ فَوْقَ الرُّكْبَةِ ، وَالْقَدَمَ فَوْقَ الْقَدَمِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :
للأَكْلِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ رُكْبُتَّهِ وَبَيْنَ قَدَمَيْهِ؛ كَمَا يَجْلِسُ المُصَلِّيْ ) في حال صلاته ،
( إِلاَّ أَنَّ الرُّكْبَةَ تَكُوْنُ فَوْقَ الُّكْبَةِ، وَالْقَدَمَ فَوْقَ الْقَدَمِ ) .
قال العراقيُّ: رواه عبد الرزاق في ((المصنف))؛ من رواية أيوب مُعْضَلاً: أنَّ
النَّبِيَّ ◌َِّ كَانَ إِذا أَكَلَ احْتَفَزَ ؛ وَقَالَ: (( آَكُلُ كَما يَأْكُلُ الْعَبْدُ ، وَأَجْلِسُ كَما يَجْلِسُ
الْعَبْدُ )).
وروى ابن الضَّخَّاك في (( الشمائل))؛ من حديث أنس - بسند ضعيف - :
كانَ إِذا قَعَدَ على الطَّعامِ اسْتَوْفَزَ على رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَأَقَامَ الْيُمْنَى؛ ثُمَّ قَالَ :
(( إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ؛ أجْلِسُ كَما يَجْلِسُ الْعَبْدُ ، وَأَفْعَلُ كَمَا يَفْعَلُ الْعَبْدُ )).
وروى أبو الشَّيخ في (( الأخلاق)) - بسند جيد - ؛ من حديث أُبيِّ بن كعب : أنَّ
النَِّيَّ وَِّ كان يَجْثُو على ركبتيه ، وكان لا يتكىءُ .
أورده في صفة أكل رَسُولِ اللهِوَّه، وَإِنَّما فعل ذلك رَسُوْلُ اللهِ نَ ◌ّ تواضعاً لله
تعالى ، فالسنَّةً أن يجلس جاثياً على ركبتيه وظهورٍ قدميه ، أو ينصب رجله اليمنى
ويجلس على اليسرى .
قال ابن القيِّم: ويُذْكَرُ عنه وَّهِ: أنَّه كان يجلس للأكل مُتَوَرِّكاً على ركبتيه ،
ويضع ظهر اليمنى على بطن قدمه اليسرى ؛ تواضعاً لله عزَّ وجل ، وأدباً بين يديه .
قال : وهذه الهيئة أنفع الهيئات للأكل وأفضلها ، لأَنَّ الأعضاء كلّها تكون على
وضعها الطبيعي الذي خلقها الله تعالى عليه. انتهى شرح ((الإحياء )) بتصرُّف .
( وَ) في ((كشف الغمة)) - ونحوه في ((الإحياء)) -: (كَانَ) رسول الله (وَلِّ
يَقُوْلُ) ؛ كما رواه أبو داود ، وابن ماجه ، عن أبي أُمامة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قال :
خرج علينا رَسُوْلُ اللهِنَّهِ متوكِّئاً على عصاً؛ فقمنا له. فقال: ((لاَ تَقُومُوا كَما تَقُومُ
٩٩

((إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ أَكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ اَلْعَبْدُ)).
وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ
الأَعاجِمُ يُعَظِّمُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً! ( إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ) ، حصرٌ إضافيّ ؛ أي : لستُ
بملك ، فإن أريد به الرّقيق فهو استعارة ، شَبَّه نفسه تواضعاً لله تعالى بالرَّقيق ؛
فقوله : ( آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ )) ) بيانٌ لوجه الشبه ،
وإن أريد عبد الله، وكلّ الخلق عبيده ؛ الملوك وغيرهم !! فالمراد أنّه متمخِّض
لهذه العبودية ؛ لا يشوبها بشيء من أمور الدنيا ، ولا يتخلَّق بشيء من أخلاق
أهلها ؛ في جلوس وأكل وغيرهما ، بل كان يجلس على الأرض ، ولا يأكل على
خوان ، ولا يُغْلَق عليه باب ، وليس له بؤَّاب ، ويأكل مستوفزاً .
وأخرج البزَّار من حديث ابن عمر رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما: ((إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ آكُلُ
كَما يَأْكُلُ الْعَبْدُ )). ولأبي يعلى؛ من حديث عائشة: «آكُلُ كَما يَأْكُلُ الْعَبْدُ ،
وَأَجْلِسُ كَما يَجْلِسُ الْعَبْدُ)) . وإسنادهما ضعيف .
( وَ) أخرج البخاريُّ والترمذيُّ (عَنْ أَبِيْ جُحَيْفَةَ) - بجيم مضمومة ثمَّ حاء
مهملة مفتوحة ؛ مُصغَّراً - وَهْبٍ بن عبد الله ، ويقال : وهب بن وهب السُّوائي
- بضمِ السِّين المهملة ، وتخفيف الواو ، وبالمد - منسوب إلى سواة بن عامر بن
صَعْصَعَة :
صحابيُّ كوفيٍّ، توفي النَّبِيُّ وَِّ ؛ وهو صبي لم يَبْلُغْ.
وكان عليُّ بن أبي طالب يكرم أبا جُحَيْفَة ويسمِّيه ((وهب الخير))، و((وهب
الله)) ، وكان يحبُّه ويثق به ، وجعله على بيت المال بالكوفة ، وشهد معه مشاهده
كلَّها ، ونزل الكوفة ؛ وابتنى بها داراً .
روي له عن النَّبِيِّ وَِّ خمسة وأربعون حديثاً؛ اتفق البخاريُّ ومسلمٌ على
حديثين ، وانفرد البخاري بحديثين ، ومسلم بثلاثة .
١٠٠